bahzani1
24-05-2005, 23:03
مسيحيو "الجزيرة" السورية:
الآشوريون هم أول من زرع الأرز والسمسم على ضفاف نهر جغجغ وضفاف نهر الخابور
الهجرة المتواصلة والتاريخ الودي مع المسلمين *
شعبان عبود
في وسط مدينة الحسكة ، وقرب فندق "الحمرا" يقع العقار (1). وهذا رقم أول منزل بُني في المدينة، شيّده عام 1890 رجل مسيحي قدم من قرية "قلعة مرا" قرب ماردين التركية، هذا الرجل الذي لم يكن يدري أنه يؤسس لمدينة تضم اليوم نحو مليون ومائتين وخمسين ألف نسمة، اسمه عبد المسيح موسى ويعرفه الأهالي بـ"عميس موسى".
أهمية الرجل المؤسس لا تنبع فقط من كونه أول من سكن الحسكة، بل لكونه وإخوته الذين قدموا معه، هم من أسسوا لعلاقة التآخي القائمة إلى اليوم ما بين المسيحيين والعشائر العربية ، وخاصة عشيرة الجبور، فقد كان "عميس موسى" وإخوته يجلبون من ماردين الشاي والسكاكر والسلع ليقايضوا العشائر بمنتجاتهم الحيوانية من أصواف وسمن وبسط وغيرها، إلى أن استقروا نهائيا في الحسكة التي صارت مع الوقت مركزا لحركة تجارية و"صناعية" نشطة، وبعد أن تكرست كمدينة في عشرينات القرن الماضي على خلفية موجات الهجرات القسرية للمسيحيين من جنوب شرق تركيا بعد سلسلة من حوادث الإضطهاد الديني. وكذلك بعد موجة من الهجرات الفردية والعشائرية الداخلية، ومن المحافظات السورية المجاورة، وخاصة من دير الزور.
عشيرة الجبور لعبت دورا كبيرا في احتضان جموع المسيحيين الهاربين من الاضطهاد العثماني، حتى أن رجال العشيرة تزوجوا الكثير من النساء المسيحيات الأرمنيات حماية لهن و"إيواء". وإلى اليوم ما زالت أمهات وجدات من أصول أرمنية مسيحية يسكنَّ ريف الجزيرة السورية، الريف الذي يطلق على أبنائه اسم "الشوايا" لتمييزهم عن ابناء المدن. ولا يحمل هذا المصطلح المتداول أي دلالات أثنية أو طائفية ، فهو يطلق على جميع سكان الريف سواء كانوا مسلمين أم مسيحيين، ومثال ذلك "المسيحيون الطوارنة"، نسبة إلى جبل الطور، الذين يعتبرهم مسيحيو المدن "شوايا" أيضا.
في هذا السياق، هناك في "الجزيرة السورية"، وهو التعبير الجغرافي المتداول كناية عن محافظة الحسكة التي تبلغ مساحة أراضيها 2333 ألف هكتار وتقع مجمل أراضيها بين نهر الخابور في الغرب ونهر دجلة الذي يشكل مجراه الحدود الطبيعية مع تركيا شرقا، نقول، هناك في الجزيرة السورية الكثير من القرى والبلدات المسيحية التي تشترك مع العشائر والبدو في اللباس والعادات وطريقة السكن الى درجة يصعب التمييز بينهم.
وبالعودة الى العلاقات المسيحية العشائرية، لا بد من التذكير أنه ليس العرب فقط من عشائر "الجبور" هم من بدأ هذا الود العشائري المسيحي المستمر إلى اليوم، فالذاكرة المشتركة ما زالت تتحدث عن الزعيم العشائري مسلط باشا الذي سجنته السلطات العثمانية، وقام مسيحيو "قلعة مرا" بتهريبه من سجنه بطريقة لا تخلو من شجاعة. كذلك فإن عشيرة كبيرة في الجزيرة هي عشيرة "طيّ" تعود الى أصول مسيحية، وقد كان لها أبرشية ومطران قبل إشهارها الإسلام حتى عهد قريب. كذلك فإن غالبية المسيحيين في الجزيرة وخاصة السريان يعودون في أصولهم الى أصول عربية عشائرية، وتحديدا الى بني تغلب.
أخبرني المطران متّى روهم، مطران أبرشية السريان في منطقة الجزيرة ودير الزور: "نحن تغالبة، حاربنا جنبا إلى جنب ضد الفرس والرومان، و رغم أن بعض من حاربناهم كانوا من ابناء ديننا، لكننا كنا مع أبناء عمومتنا، نحن عرب، ألم تسمع القول الشهير : لولا الإسلام لأكلت تغلب العرب!!"
ربما بسبب هذا التاريخ الودي، لم تشهد منطقة الجزيرة السورية أي حوادث عنف طائفية تذكر، لكن يجب أن نعترف أنه، رغم كل هذا التآخي العشائري المسيحي، ثمة تشنجات تطفو على السطح بين الحين والآخر، كالتي حصلت أخيراً حين قام رجل من عائلة الراضي المسلمة التي تعود الى أصول "ديرية" بقتل رجلين مسيحيين في قلب مدينة الحسكة لأسباب تتعلق بخلافات مالية.
ورغم أن الحادث لم يأت على أساس طائفي، قال لي أديب جبور، مدير المصرف السابق في المدينة، وهو مسيحي، إن بعض المسيحيين تأثروا للغاية بسبب هذه الجريمة التي "قد تجعل عشرات العائلات المسيحية تفكر بالهجرة...".
والمفارقة أن أسرة القاتل، هي الأسرة المسلمة الوحيدة التي أسكنها المطران قورياقوس في وقف يعود للكنيسة دون أي مقابل عندما وصلت الى المدينة قادمة من دير الزور منذ عشرات السنين، ويحظى هذا المطران الذي توفى منذ ما يقارب الخمسة عشر عاما، بسمعة طيبة عند الجميع، ويعتبر من الرجال الوطنيين. فقد كان له موقف من الاحتلال الفرنسي لسوريا. ويذكر الأهالي بفخر أنه ذهب إلى اللاذقية لإرجاع حوالى 200 الى 300 عائلة مسيحية كان الفرنسيون يهمون بترحيلهم معهم عشية خروجهم من سوريا. وكونه كذلك "قام الرئيس حافظ الأسد بتكليف من يلقي كلمة عنه بعد وفاته".
من ناحيته يرى المطران متى روهم انه "عندما تحصل مشاكل معينة بين أفراد مسلمين ومسيحيين، ولو بدأت شخصية ومحدودة، سرعان ما تأخذ ابعادا طائفية ودينية، ومثل هذه المشاكل تؤثر في حياة الإنسان وقراره، وتجعله يفكر في مكان آمن". ويضيف: "نحن بحاجة لدولة القانون، إسوة بما هو موجود في الدول المتقدمة، فالتطبيق الجيد للقانون من جانب الدولة يساهم إلى حد كبير في التخفيف من تطلعات شبابنا للهجرة نحو دول متطورة. لكن رغم ذلك نحن ضد الهجرة ونحاول أن نعمل ما بوسعنا لمساعدة شبابنا على البقاء هنا...".
من أجل ذلك قامت أبرشية السريان بتنفيذ العديد من المشاريع في المنطقة مما يساعد على توفير متطلبات الشباب المسيحي. فالأبرشية ترعى حوالى 5000 تلميذ يتوزعون على عدد من المدارس الخاصة. وفي مجموع الأديرة التي تشرف عليها تقام دورات من أجل تعليم اللغات والكومبيوتر. وهناك مشروع المعالجة الفيزيائية بالمياه الكبريتية لخدمة أبناء الجزيرة، وسيقام المشروع في قرية الناصرية بين الدرباسية والحسكة، وسيسمى باسم القديس مار آسيا الحكيم. وحسب المطران روهم، سيستفيد من هذه المشاريع الجميع سواء كانوا مسيحيين أو مسلمين: "في دير تل الورديات نقدم خدمات لكل الناس، يوم الجمعة تذهب العائلات المسلمة إلى هناك وتدعو لي، ويوم الأحد تذهب العائلات المسيحية وتدعو لي...".
سألت المطران: لكن هل هذا يكفي لوقف الهجرة المسيحية؟ فأجاب: "ربما هناك مخططات فوق طاقات المنطقة، تصب في مصلحة إسرائيل لأنها دولة قائمة على العنصرية، ولا نستبعد أن تكون إسرائيل وراء ما حصل في العراق من تفجيرات طالت بعض الكنائس و يجب الا ننسى أن المجتمع الغربي هو مجتمع متطور يقدم إغراءات كبيرة لشبابنا ليس للمسيحيين فقط بل للجميع، هو يغري الشباب في مجتمعات أخرى مثل الهند والصين وروسيا. الديموقراطية تغري، دولة القانون والعدالة تغري، والأنظمة الغربية لا تصدر هذه المغريات الينا بل تعيشها وحدها وتقدمها لمجتمعاتها".
من ناحيته يرى الصحافي جوني عبو وهو من أبناء المنطقة ويعمل مراسلا لصحيفة "البلد" اللبنانية، أن "خلق بيئة مناسبة للجميع بغض النظر عن الانتماءات الطائفية كفيل بوقف هجرة الشباب، مثل توفير فرص عمل لخريجي الجامعات وتحسين مستوى الدخل وتوفير هامش حريات أكبر، كحرية التعبير، والمعتقد، والمقصود الناحية الإجتماعية لأن النظام السياسي برئاسة الرئيس بشار الأسد يؤمن على مثل هذه الحريات ويسهر عليها، بعكس بعض التشكيلات الاجتماعية والذهنيات التي لا تراعي الخصوصيات الدينية والطائفية".
ونظرا الى غياب إحصاءات دقيقة، يجمع مسيحيون التقيتهم من أبناء المنطقة ومنهم المطران روهم على أن عدد المسيحيين المتبقين في منطقة الجزيرة يبلغ اليوم حوالي 150 ألفاً بينما يصل عددهم في بلاد المهجر إلى ما بين 200 و225 ألفاً، وغالبا ما يفضل المسيحيون السريان الهجرة إلى السويد والمانيا وفرنسا واستراليا، في حين يفضل الآشوريون كندا والولايات المتحدة وخاصة شيكاغو حيث توجد جالية كبيرة. إضافة إلى هذه الهجرات، هناك الهجرة الداخلية نحو كل من حلب ودمشق، ومنذ الخمسينات والستينات من القرن الماضي هاجر الكثير من مسيحيي الجزيرة، السريان على وجه التحديد، نحو حلب، أما الذين لم يهاجروا إليها فغالبية منهم يملكون بيوتا في المدينة نتيجة لكثرة ترددهم عليها وارتباطهم التجاري والاجتماعي بها.
ويشكل السريان الارثوذكس الغالبية من مجموع مسيحيي الجزيرة السورية ويقدرون بأكثر من 80% ، في حين يوجد في عموم المحافظة عشرات الكنائس، تحظى مدينة الحسكة على نحو 10 منها. أما الآشوريون يبلغ تعداد من تبقى منهم حوالي 20 الف نسمة. و يعود هذا التفاوت في العدد الى كون الآشوريين وفدوا إلى المنطقة في حقبة حديثة زمنيا، هي نهاية الثلاثينات من القرن الماضي، قادمين، كما الكلدان، من العراق نتيجة التهجير، بعكس السريان الذين يعتبرون من أبناء المنطقة الأصليين وسليلي حضارة كبيرة هي الحضارة الآرامية.
ويتوزع السريان على مدن القامشلي والحسكة والمالكية والقحطانية ورأس العين، التي تسمى باللغة السريانية ريش عينو، وبعض القرى في حين يتوزع الآشوريون على ضفاف نهر الخابور، وتحديدا في المنطقة التي تقع ما بين الحسكة ورأس العين حيث يمر النهر. وابرز مدنهم ومراكز تجمعهم هي، تل تمر وتل جمعة وتل أبيض وتل هرمز وغيرها، ويصل مجموع القرى الى نحو ثلاثين، ما زالت إلى اليوم تتحدث اللغة الآشورية. كذلك ما زال الآشوريون يحافظون على تراث كبير من الفنون ابرزها الرقص المميز حيث لكل مناسبة رقصتها الخاصة.
أخبرني المطران روهم أن الفضل في زراعة الشجرة المثمرة في منطقة الجزيرة يعود الى الآشوريين "الذين ذهب بعضهم إلى حلب وحمص والساحل السوري ودمشق ولبنان وجلبوا معهم أشجار التين والتفاح والإجاص وغيرها".
ويؤكد المطران روهم: "الوجود المسيحي وجود فعال، لولا هذا الوجود لكانت المنطقة عبارة عن بداوة، المحافظات التي لا يوجد فيها مسيحيون لم تستطع الدولة أن ترفع من شأنها... المسيحيون هم أول من أدخلوا الآلة الزراعية الى المنطقة قبل الدولة، الأراضي المستصلحة أصلحها المسيحيون، الآشوريون هم أول من زرع الأرز والسمسم على ضفاف نهر جغجغ وضفاف نهر الخابور...!".
ربما تكون جميع هذه المعلومات دقيقة، فلا يعقل أن يحصل النمو والتحضر على أيدي العرب من البدو الرحل، لكن النمو السكاني المتزايد لكل من العرب والأكراد، وزيادة التحصيل العلمي الذي ترافق مع هذا النمو، إضافة الى الهجرة المتواصلة لأبناء الطوائف المسيحية نحو الخارج، وتحولهم تاليا الى أقلية في الجزيرة السورية، جعلهم يشعرون بالقلق، كما جعلهم جاهزين دائما للتركيز على تمايزهم عن بقية الجماعات، على هذا الاساس يمكن فهم سر لجوء المسيحيين إلى التعامل بطريقة لا تخلو من عنف مع حالات الزواج بين بعض فتياتهم ورجال عرب رغم قلتها وندرتها.
أخبرني (أحمد. ش) أن أهل زوجته السريان "هددوها بالقتل. ولما عرفوا بطبيعة وظيفتي الحكومية، خافوا من نتائج تصرفهم، ففضلوا الهجرة إلى فرنسا صونا للعار رغم أن الفتاة تحبني... هم أكثر حساسية وتشنجا وتخلفا منا في مثل هذه الأمور...".
رغم ذلك كله، وبخلاف الأكراد، غالبا ما يلتقي العرب والمسيحيون من أصول سريانية وآشورية في الانتماء لحزب البعث. ويبدو أن السعي من أجل الحصول على مغانم وامتيازات من العاصمة، هو ما يقف وراء هذا التلاقي، وليس المسألة الايديولوجية.
فأبناء العشائر يحاولون بذلك التعويض عن النقص في التحصيل العلمي الذي غالبا ما يميز المسيحيين حيث تنعدم الأمية في صفوفهم، بينما ينم شغف السريان والآشوريين القديم بالسعي للالتحاق بصفوف حزب البعث، عن محاولات لكسر حالة اللاتوازن العددية مع أبناء العشائر. وربما بسبب هذه الهواجس، يمكن فهم إصرار بعض المسيحيين وتشبثهم بعروبتهم السياسية في الوقت نفسه الذي يتعاملون به بفوقية واستعلاء مع العروبة الاجتماعية، العروبة المجسدة بالتشكيلات البدوية والعشائرية !!.
وإذا ما كان المسيحيون وأبناء العشائر يلتقون في "البعث" لأسباب شتى، بخلاف الأكراد، فإن المثلث العشائري "العربي – المسيحي - الكردي" يلتقي في طيف الأحزاب الشيوعية السورية. صحيح أن غالبية من الأكراد انفضت عن هذه الأحزاب منذ حوالى العقد وأكثر، وصحيح أن الحضور العشائري يعتبر متدنيا مقارنة بالحضور المسيحي والكردي، إلا أن تلك الحقبة برهنت على إمكان تلاقٍ سلس للجميع في منظومة سياسية واحدة شرط أن تعطي الأولوية لسوريا قبل العروبة والإسلام.
وعلى هذه الخلفية يمكن فهم سر الحضور الكبير للحزب القومي الاجتماعي السوري بين الشباب المسيحيين في الجزيرة، الذين تؤمن غالبية منهم بالأصول السريانية والآرامية لسوريا وليس بسوريا العربية. فهؤلاء لا يعيرون كثير اهتمام للعروبة الممثلة بحزب البعث أو الناصرية، لا بل إن بعضهم يرى في القومية العربية السياسية إلغاءً لهم ونفيا لخصوصيتهم، وقبل كل ذلك تقوية للعشائر العربية.
*- النهار 30/11/2004
الآشوريون هم أول من زرع الأرز والسمسم على ضفاف نهر جغجغ وضفاف نهر الخابور
الهجرة المتواصلة والتاريخ الودي مع المسلمين *
شعبان عبود
في وسط مدينة الحسكة ، وقرب فندق "الحمرا" يقع العقار (1). وهذا رقم أول منزل بُني في المدينة، شيّده عام 1890 رجل مسيحي قدم من قرية "قلعة مرا" قرب ماردين التركية، هذا الرجل الذي لم يكن يدري أنه يؤسس لمدينة تضم اليوم نحو مليون ومائتين وخمسين ألف نسمة، اسمه عبد المسيح موسى ويعرفه الأهالي بـ"عميس موسى".
أهمية الرجل المؤسس لا تنبع فقط من كونه أول من سكن الحسكة، بل لكونه وإخوته الذين قدموا معه، هم من أسسوا لعلاقة التآخي القائمة إلى اليوم ما بين المسيحيين والعشائر العربية ، وخاصة عشيرة الجبور، فقد كان "عميس موسى" وإخوته يجلبون من ماردين الشاي والسكاكر والسلع ليقايضوا العشائر بمنتجاتهم الحيوانية من أصواف وسمن وبسط وغيرها، إلى أن استقروا نهائيا في الحسكة التي صارت مع الوقت مركزا لحركة تجارية و"صناعية" نشطة، وبعد أن تكرست كمدينة في عشرينات القرن الماضي على خلفية موجات الهجرات القسرية للمسيحيين من جنوب شرق تركيا بعد سلسلة من حوادث الإضطهاد الديني. وكذلك بعد موجة من الهجرات الفردية والعشائرية الداخلية، ومن المحافظات السورية المجاورة، وخاصة من دير الزور.
عشيرة الجبور لعبت دورا كبيرا في احتضان جموع المسيحيين الهاربين من الاضطهاد العثماني، حتى أن رجال العشيرة تزوجوا الكثير من النساء المسيحيات الأرمنيات حماية لهن و"إيواء". وإلى اليوم ما زالت أمهات وجدات من أصول أرمنية مسيحية يسكنَّ ريف الجزيرة السورية، الريف الذي يطلق على أبنائه اسم "الشوايا" لتمييزهم عن ابناء المدن. ولا يحمل هذا المصطلح المتداول أي دلالات أثنية أو طائفية ، فهو يطلق على جميع سكان الريف سواء كانوا مسلمين أم مسيحيين، ومثال ذلك "المسيحيون الطوارنة"، نسبة إلى جبل الطور، الذين يعتبرهم مسيحيو المدن "شوايا" أيضا.
في هذا السياق، هناك في "الجزيرة السورية"، وهو التعبير الجغرافي المتداول كناية عن محافظة الحسكة التي تبلغ مساحة أراضيها 2333 ألف هكتار وتقع مجمل أراضيها بين نهر الخابور في الغرب ونهر دجلة الذي يشكل مجراه الحدود الطبيعية مع تركيا شرقا، نقول، هناك في الجزيرة السورية الكثير من القرى والبلدات المسيحية التي تشترك مع العشائر والبدو في اللباس والعادات وطريقة السكن الى درجة يصعب التمييز بينهم.
وبالعودة الى العلاقات المسيحية العشائرية، لا بد من التذكير أنه ليس العرب فقط من عشائر "الجبور" هم من بدأ هذا الود العشائري المسيحي المستمر إلى اليوم، فالذاكرة المشتركة ما زالت تتحدث عن الزعيم العشائري مسلط باشا الذي سجنته السلطات العثمانية، وقام مسيحيو "قلعة مرا" بتهريبه من سجنه بطريقة لا تخلو من شجاعة. كذلك فإن عشيرة كبيرة في الجزيرة هي عشيرة "طيّ" تعود الى أصول مسيحية، وقد كان لها أبرشية ومطران قبل إشهارها الإسلام حتى عهد قريب. كذلك فإن غالبية المسيحيين في الجزيرة وخاصة السريان يعودون في أصولهم الى أصول عربية عشائرية، وتحديدا الى بني تغلب.
أخبرني المطران متّى روهم، مطران أبرشية السريان في منطقة الجزيرة ودير الزور: "نحن تغالبة، حاربنا جنبا إلى جنب ضد الفرس والرومان، و رغم أن بعض من حاربناهم كانوا من ابناء ديننا، لكننا كنا مع أبناء عمومتنا، نحن عرب، ألم تسمع القول الشهير : لولا الإسلام لأكلت تغلب العرب!!"
ربما بسبب هذا التاريخ الودي، لم تشهد منطقة الجزيرة السورية أي حوادث عنف طائفية تذكر، لكن يجب أن نعترف أنه، رغم كل هذا التآخي العشائري المسيحي، ثمة تشنجات تطفو على السطح بين الحين والآخر، كالتي حصلت أخيراً حين قام رجل من عائلة الراضي المسلمة التي تعود الى أصول "ديرية" بقتل رجلين مسيحيين في قلب مدينة الحسكة لأسباب تتعلق بخلافات مالية.
ورغم أن الحادث لم يأت على أساس طائفي، قال لي أديب جبور، مدير المصرف السابق في المدينة، وهو مسيحي، إن بعض المسيحيين تأثروا للغاية بسبب هذه الجريمة التي "قد تجعل عشرات العائلات المسيحية تفكر بالهجرة...".
والمفارقة أن أسرة القاتل، هي الأسرة المسلمة الوحيدة التي أسكنها المطران قورياقوس في وقف يعود للكنيسة دون أي مقابل عندما وصلت الى المدينة قادمة من دير الزور منذ عشرات السنين، ويحظى هذا المطران الذي توفى منذ ما يقارب الخمسة عشر عاما، بسمعة طيبة عند الجميع، ويعتبر من الرجال الوطنيين. فقد كان له موقف من الاحتلال الفرنسي لسوريا. ويذكر الأهالي بفخر أنه ذهب إلى اللاذقية لإرجاع حوالى 200 الى 300 عائلة مسيحية كان الفرنسيون يهمون بترحيلهم معهم عشية خروجهم من سوريا. وكونه كذلك "قام الرئيس حافظ الأسد بتكليف من يلقي كلمة عنه بعد وفاته".
من ناحيته يرى المطران متى روهم انه "عندما تحصل مشاكل معينة بين أفراد مسلمين ومسيحيين، ولو بدأت شخصية ومحدودة، سرعان ما تأخذ ابعادا طائفية ودينية، ومثل هذه المشاكل تؤثر في حياة الإنسان وقراره، وتجعله يفكر في مكان آمن". ويضيف: "نحن بحاجة لدولة القانون، إسوة بما هو موجود في الدول المتقدمة، فالتطبيق الجيد للقانون من جانب الدولة يساهم إلى حد كبير في التخفيف من تطلعات شبابنا للهجرة نحو دول متطورة. لكن رغم ذلك نحن ضد الهجرة ونحاول أن نعمل ما بوسعنا لمساعدة شبابنا على البقاء هنا...".
من أجل ذلك قامت أبرشية السريان بتنفيذ العديد من المشاريع في المنطقة مما يساعد على توفير متطلبات الشباب المسيحي. فالأبرشية ترعى حوالى 5000 تلميذ يتوزعون على عدد من المدارس الخاصة. وفي مجموع الأديرة التي تشرف عليها تقام دورات من أجل تعليم اللغات والكومبيوتر. وهناك مشروع المعالجة الفيزيائية بالمياه الكبريتية لخدمة أبناء الجزيرة، وسيقام المشروع في قرية الناصرية بين الدرباسية والحسكة، وسيسمى باسم القديس مار آسيا الحكيم. وحسب المطران روهم، سيستفيد من هذه المشاريع الجميع سواء كانوا مسيحيين أو مسلمين: "في دير تل الورديات نقدم خدمات لكل الناس، يوم الجمعة تذهب العائلات المسلمة إلى هناك وتدعو لي، ويوم الأحد تذهب العائلات المسيحية وتدعو لي...".
سألت المطران: لكن هل هذا يكفي لوقف الهجرة المسيحية؟ فأجاب: "ربما هناك مخططات فوق طاقات المنطقة، تصب في مصلحة إسرائيل لأنها دولة قائمة على العنصرية، ولا نستبعد أن تكون إسرائيل وراء ما حصل في العراق من تفجيرات طالت بعض الكنائس و يجب الا ننسى أن المجتمع الغربي هو مجتمع متطور يقدم إغراءات كبيرة لشبابنا ليس للمسيحيين فقط بل للجميع، هو يغري الشباب في مجتمعات أخرى مثل الهند والصين وروسيا. الديموقراطية تغري، دولة القانون والعدالة تغري، والأنظمة الغربية لا تصدر هذه المغريات الينا بل تعيشها وحدها وتقدمها لمجتمعاتها".
من ناحيته يرى الصحافي جوني عبو وهو من أبناء المنطقة ويعمل مراسلا لصحيفة "البلد" اللبنانية، أن "خلق بيئة مناسبة للجميع بغض النظر عن الانتماءات الطائفية كفيل بوقف هجرة الشباب، مثل توفير فرص عمل لخريجي الجامعات وتحسين مستوى الدخل وتوفير هامش حريات أكبر، كحرية التعبير، والمعتقد، والمقصود الناحية الإجتماعية لأن النظام السياسي برئاسة الرئيس بشار الأسد يؤمن على مثل هذه الحريات ويسهر عليها، بعكس بعض التشكيلات الاجتماعية والذهنيات التي لا تراعي الخصوصيات الدينية والطائفية".
ونظرا الى غياب إحصاءات دقيقة، يجمع مسيحيون التقيتهم من أبناء المنطقة ومنهم المطران روهم على أن عدد المسيحيين المتبقين في منطقة الجزيرة يبلغ اليوم حوالي 150 ألفاً بينما يصل عددهم في بلاد المهجر إلى ما بين 200 و225 ألفاً، وغالبا ما يفضل المسيحيون السريان الهجرة إلى السويد والمانيا وفرنسا واستراليا، في حين يفضل الآشوريون كندا والولايات المتحدة وخاصة شيكاغو حيث توجد جالية كبيرة. إضافة إلى هذه الهجرات، هناك الهجرة الداخلية نحو كل من حلب ودمشق، ومنذ الخمسينات والستينات من القرن الماضي هاجر الكثير من مسيحيي الجزيرة، السريان على وجه التحديد، نحو حلب، أما الذين لم يهاجروا إليها فغالبية منهم يملكون بيوتا في المدينة نتيجة لكثرة ترددهم عليها وارتباطهم التجاري والاجتماعي بها.
ويشكل السريان الارثوذكس الغالبية من مجموع مسيحيي الجزيرة السورية ويقدرون بأكثر من 80% ، في حين يوجد في عموم المحافظة عشرات الكنائس، تحظى مدينة الحسكة على نحو 10 منها. أما الآشوريون يبلغ تعداد من تبقى منهم حوالي 20 الف نسمة. و يعود هذا التفاوت في العدد الى كون الآشوريين وفدوا إلى المنطقة في حقبة حديثة زمنيا، هي نهاية الثلاثينات من القرن الماضي، قادمين، كما الكلدان، من العراق نتيجة التهجير، بعكس السريان الذين يعتبرون من أبناء المنطقة الأصليين وسليلي حضارة كبيرة هي الحضارة الآرامية.
ويتوزع السريان على مدن القامشلي والحسكة والمالكية والقحطانية ورأس العين، التي تسمى باللغة السريانية ريش عينو، وبعض القرى في حين يتوزع الآشوريون على ضفاف نهر الخابور، وتحديدا في المنطقة التي تقع ما بين الحسكة ورأس العين حيث يمر النهر. وابرز مدنهم ومراكز تجمعهم هي، تل تمر وتل جمعة وتل أبيض وتل هرمز وغيرها، ويصل مجموع القرى الى نحو ثلاثين، ما زالت إلى اليوم تتحدث اللغة الآشورية. كذلك ما زال الآشوريون يحافظون على تراث كبير من الفنون ابرزها الرقص المميز حيث لكل مناسبة رقصتها الخاصة.
أخبرني المطران روهم أن الفضل في زراعة الشجرة المثمرة في منطقة الجزيرة يعود الى الآشوريين "الذين ذهب بعضهم إلى حلب وحمص والساحل السوري ودمشق ولبنان وجلبوا معهم أشجار التين والتفاح والإجاص وغيرها".
ويؤكد المطران روهم: "الوجود المسيحي وجود فعال، لولا هذا الوجود لكانت المنطقة عبارة عن بداوة، المحافظات التي لا يوجد فيها مسيحيون لم تستطع الدولة أن ترفع من شأنها... المسيحيون هم أول من أدخلوا الآلة الزراعية الى المنطقة قبل الدولة، الأراضي المستصلحة أصلحها المسيحيون، الآشوريون هم أول من زرع الأرز والسمسم على ضفاف نهر جغجغ وضفاف نهر الخابور...!".
ربما تكون جميع هذه المعلومات دقيقة، فلا يعقل أن يحصل النمو والتحضر على أيدي العرب من البدو الرحل، لكن النمو السكاني المتزايد لكل من العرب والأكراد، وزيادة التحصيل العلمي الذي ترافق مع هذا النمو، إضافة الى الهجرة المتواصلة لأبناء الطوائف المسيحية نحو الخارج، وتحولهم تاليا الى أقلية في الجزيرة السورية، جعلهم يشعرون بالقلق، كما جعلهم جاهزين دائما للتركيز على تمايزهم عن بقية الجماعات، على هذا الاساس يمكن فهم سر لجوء المسيحيين إلى التعامل بطريقة لا تخلو من عنف مع حالات الزواج بين بعض فتياتهم ورجال عرب رغم قلتها وندرتها.
أخبرني (أحمد. ش) أن أهل زوجته السريان "هددوها بالقتل. ولما عرفوا بطبيعة وظيفتي الحكومية، خافوا من نتائج تصرفهم، ففضلوا الهجرة إلى فرنسا صونا للعار رغم أن الفتاة تحبني... هم أكثر حساسية وتشنجا وتخلفا منا في مثل هذه الأمور...".
رغم ذلك كله، وبخلاف الأكراد، غالبا ما يلتقي العرب والمسيحيون من أصول سريانية وآشورية في الانتماء لحزب البعث. ويبدو أن السعي من أجل الحصول على مغانم وامتيازات من العاصمة، هو ما يقف وراء هذا التلاقي، وليس المسألة الايديولوجية.
فأبناء العشائر يحاولون بذلك التعويض عن النقص في التحصيل العلمي الذي غالبا ما يميز المسيحيين حيث تنعدم الأمية في صفوفهم، بينما ينم شغف السريان والآشوريين القديم بالسعي للالتحاق بصفوف حزب البعث، عن محاولات لكسر حالة اللاتوازن العددية مع أبناء العشائر. وربما بسبب هذه الهواجس، يمكن فهم إصرار بعض المسيحيين وتشبثهم بعروبتهم السياسية في الوقت نفسه الذي يتعاملون به بفوقية واستعلاء مع العروبة الاجتماعية، العروبة المجسدة بالتشكيلات البدوية والعشائرية !!.
وإذا ما كان المسيحيون وأبناء العشائر يلتقون في "البعث" لأسباب شتى، بخلاف الأكراد، فإن المثلث العشائري "العربي – المسيحي - الكردي" يلتقي في طيف الأحزاب الشيوعية السورية. صحيح أن غالبية من الأكراد انفضت عن هذه الأحزاب منذ حوالى العقد وأكثر، وصحيح أن الحضور العشائري يعتبر متدنيا مقارنة بالحضور المسيحي والكردي، إلا أن تلك الحقبة برهنت على إمكان تلاقٍ سلس للجميع في منظومة سياسية واحدة شرط أن تعطي الأولوية لسوريا قبل العروبة والإسلام.
وعلى هذه الخلفية يمكن فهم سر الحضور الكبير للحزب القومي الاجتماعي السوري بين الشباب المسيحيين في الجزيرة، الذين تؤمن غالبية منهم بالأصول السريانية والآرامية لسوريا وليس بسوريا العربية. فهؤلاء لا يعيرون كثير اهتمام للعروبة الممثلة بحزب البعث أو الناصرية، لا بل إن بعضهم يرى في القومية العربية السياسية إلغاءً لهم ونفيا لخصوصيتهم، وقبل كل ذلك تقوية للعشائر العربية.
*- النهار 30/11/2004