View Full Version : توفيق وهبي:كتاب -اليزيدية.. بقايا الديانة الميثرائية -1
بحزاني نت
09-10-2006, 23:45
اليزيدية.. بقايا الديانة الميثرائية -1
تأليف: توفيق وهبي
الترجمة عن الانكليزية لكتاب (Yezides are the remnant of Mithrism – by: Taufiq Wahbee): شوكت إسماعيل حسن
تقديم من شبكة لالش الإعلامية:
على الرغم من بعض تحفظاتنا بخصوص بعض الأفكار والطروحات التي وردت في بحث المرحوم توفيق وهبي المنشور أدناه، فإننا ارتأينا نشره تفصيلياً وحسب ما نشرته مجلة لالش في عددها المزدوج (2ـ3) الصادرة عام 1994 وذلك لأنه واحدا من الأبحاث التي تستحق الدراسة والتمعن ولانه ايضا لم ينل من الاهتمام الاعلامي اسوة بغيره من الدراسات.. شبكة لالش الإعلامية
الحلقة الأولى
الغرض من هذه الدراسة هو نشر ما اكتشفته سنة 1954 لأول مرة عن بقايا عناصر الديانة الميثرائية من المنحوتات والرقم التي تم استخراجها من (الحضر) جنوب غرب (الموصل) من آثار الميثرائية في اليزيدية.
ومنها إثبات جازم بان اليزيدية ليست بـ (عبادة الديو Devil) وتتضمن هذه الكراسة أيضا على آراء وجود آثار الميثرائية في المنطقة الواقعة بين نهر دجلة وسلسلة جبال زاكروس. وكذلك دراسة موجزة لديانة الكرد حتى ظهور الإسلام، ولبعض الملاحظات حول قسم من الديانة ذات الأسرار (الباطنية)...
توطئة:
في معنى اسم اليزيدي:
المذهب (ألعدوي) الذي استحدثه الشيخ (عدي بن مسافر) المتوفى حوالي سنة 1154م. يعرف الآن بديانة الطائفة اليزيدية وليست هناك معلومات تبطل النظرية القائلة بان هذه التسمية جاءت من تأليههم ليزيد بن معاوية(*) بل على العكس فهناك أكثر من دليل مقنع يؤيد هذه النظرية التي هي في الحقيقة رأي الغالبية العظمى لمن بحث في هذا الموضوع، ومع ذلك فالموضوع الذي كان ولا يزال موضع النقاش بين الباحثين هو البت في منشأ عبادتهم للديو Devil و أصولها (**).
إهمال التعمق في البحث:
فتش الباحثون ومازالوا عن المنشأ الأصلي لعبادة الديو Devil عند اليزيدية الذين اشتهروا باسم (عبدة الديو Devil) ولكنهم لم يعنوا حق العناية بإثبات أو نفي عبادتهم له أو عدم عبادتهم.
والحقيقة إن الباحثين قد اقتنعوا ضمنا بصحة تلك النظرية، دون الإتيان بأي برهان نهائي قاطع وحددوا مجهوداتهم في تعيين موطنها الأصلي استنادا إلى ما دوّن في هذا الموضوع في كتب متعددة.
ويعتقد قسم من هؤلاء الباحثين بان (عبدة الديو اليزيدية) هم بقية عبدة (أهريمان) وهو المذهب الذي نشا من (الزردشتية)، (كذا) وحالفتها، ويعتقد آخرون بأنها ظهرت في العصر الإسلامي من مجموعة أحاديث كبار متصوفي بغداد وفلاسفتهم في ذلك العصر.
وهناك أيضا النظرية القائلة بان عقيدتهم نشأت من الحقيقة التي بشر بها (الشيخ عدي) وهي تحريم اللعن. ولقد عبرت في مقالاتي ومحاضراتي الخاصة عن رأيي بان ديانة (عبدة الديو اليزيدية) إنما هي امتداد لعبادة (أهريمان) التي لم تكن نابعة من الزردشتية بل انتشرت في (إيران) خفية رغم وجود الزردشتية التي كانت ديانة إيران الرسمية، وبقيت في صورتها حتى الغزو الإسلامي. الارتباط المحتمل بين اليزيدية والميثرائية:
كان اعتقادي في منشأ عبادة الديو Devil لدى اليزيدية ذلك الذي ذكرته إلى اليوم الذي زارني فيه السيد فؤاد سفر (وهو كان مسئول عن التنقيب في الحضر) وبعد نهاية أولى سنوات تنقيبه أراني صورا لشخصين وجدها بين الآثار التي عثر عليها هناك وحين أمعنت النظر في تلك الصور قلت له: يبدو لي بأن إحداهما صورة (ميثرا) اله الشمس، والأخرى صورة (أزدهاك) وقد نقشت كما اعتاد الفرس تصويره في نسخ شاهنامه الخطية القديمة. وقد حفزتني الأخبار على الاعتقاد مبدئيا بان هاتين الصورتين تمثلان بقايا (الميثرائية) التي قد تكون ديانة (الحضر) وكنت على علم بان (أهريمان) أي (الديو Devil) كان من معبودات الديانة المهرية. وعندما نقلت تلك الآثار من (الحضر) إلى متحف الآثار القديمة في بغداد أتيح لي بمعونة أبحاث (كيومونت) في أن اثبت هوية معظم تلك النقوش النابعة من الميثرائية، واتضح لي بان الشخصية التي شبهتها بـ (أزدهاك) كانت في الحقيقة والواقع (أهريمان، الديو Devil) وتأكد لي من دراساتي كل التأكيد بان المهرية قد دانت بها مدينة (الحضر) وارتبط اليزيدية بها أيضا. وبما إنني سأقارن في هذا البحث بين اليزيدية والمهرية أرى من الضرورة بمكان التمهيد لذلك بنبذة من المعلومات عن الإله (ميثرا) وعن ظهور الديانة (الميثرائية).
ميثرا:
الإله العظيم (ميثرا) من الأرباب المعبودة التي سبق وان عبدتها الشعوب ( الهند ــ إيرانية) في موطنها الأصلي، وهو الإله الذي حملوه معهم في حلّهم وترحالهم ولقد جاء ذكره في أقدم الكتب المقدسة (ريك فيدا) باسم (ميثرا) وفي الآفستا باسم (ميثرا) بأنه اله النور حامي حمى الحقيقة وعدو الكذب والخطيئة، وورد في (الآفستا) عن (ميثرا) بأنه يعاقب كل من حلف يمينا كذبا أو ينحرف عن الحق والصواب والنزاهة، انه يحطم القبائل والجماعات المناهضة له، ويهب الصحة والصداقة والرجاء للذين يمجدونه ويكون حليفا مؤيدا لمن ينذرون أنفسهم له(2).. و(ميثرا) واحد من تلك الآلهة التي ظلت عبادتها في إيران مع إن (زردشت) كان قد ألغاها وأبطلها وحوّرت كلمة (ميثرا) في إيران منذ القرن الأول بعد الميلاد إلى (مهر) فأصبحت (مهر) الشمس والعقود، وظل في العهد الإسلامي اسما للشمس ولفكرة الشفقة والمحبة.
ظهور الميثرائية:
نتيجة اتصال طبقة الكهنة الفارسية بالكهنة البابليين بعد غزو (كورش) الأكبر لبابل (539) ق.م، اقتبس الأولون مبدأ (الزروانية) (الزمن) من البابليين واتخذوا (زروان) والدا للتوأمين (كائاس) (سبينتاماينو) (الروح الطاهر الخالد) و (انكراماينو) (الروح الشرير الهالك) وذلك بعد أن عرف (سبينتاماينو) بأنه (اورمزد)
ولهذا السبب نفسه بات آلهة الفريقين متماثلة، وتشابهت عبادة الساميين للنجوم مع أسطورة الطبيعة لدى الإيرانيين. ومن تلك التحقيقات الشخصية وإجراء التشبيهات تنطبق الحالة نفسها في كلتا الديانتين بين (الشمس) و (ميثرا)، اله العدالة والحق، نور السماء، واهب النصر والظفر إلى المحاربين. و هو حامي الملوك(1).
ويظهر إن (المجوس) بدءوا يبثون الدعوة لديانتهم الجديدة (زروانية) في بلاد ما بين النهرين (ميسوبوتاميا) في الكورد الجبليين الذين كانوا يمارسون الديانة الهندوايرانية التقليدية، ووجهوا بعدئذ النشاط شطر الغرب فشيدوا في أواسط القرن الخامس قبل الميلاد مراكز لممارسة الزروانية في آسيا الصغرى.
وفي الديانات الزروانية المجوسية اله كل من (اهورامزدا) و (انكرماينو) أما ميثرا فقد نال المرتبة الأولى في الزروانية وأصبح اله للضحايا والقرابين ومَداراً تدور حوله الأساطير وتنسج عنه المذاهب الهندوايرانية. والسبب في ذلك هو الأعمال الباهرة التي قام بها هذا الإله فأصبح على الأسر الإيرانية التي نشرت بذورها في الأقطار الغربية ولكن لم تنل المكانة المرموقة عند الحكومات السماوية ذات النظام الكهنوتي. وعند اكتساح المقدونيين للبلاد 331 ق.م اقترن أرباب إيران بآلهة الإغريق، فاقترن زروان بــ كرونوس ، و اهورامزدا بـ ( زيوس ) والفاتح العظيم (فيرى تراخنا ) بــ (هرقل) و الإلهة اناهيتا بـ (ارطميس) وميثرا (التي عبدت في بابل) شماس واعتبرت صنما لــ (هيليوس) وهكذا تطورت الميثرائية نتيجة للاختلاط الحاصل بين الديانة الزروانية والعقيدة الإغريقية.
يقول كيومونت:
القاعدة الأساسية لهذه الديانة والمبدأ الذي بنيت عليه هو المعتقد الإيراني القديم الذي اتخذ جذوره منها، فوضعت رواسب مذاهب الساميين في بابل فوق أصول المنشأ للمزدية، ثم أضيفت رواسب من علمي المعتقدات المحلية في آسيا الوسطى. وفي النهاية ترعرعت من هذه التربة الخصبة نبتة الأفكار (الهيلينية) اليانعة واختفى من الأنظار طبعها الأصلي الصائب تدريجياً.
وسوف اكرر ذكر الميثرائية كثيراً، بالنسبة إلى المعلومات الآتي ذكرها عن اليزيدية، إلاّ إنني أرى من الضرورة هنا أن اسرد بعض الكلمات عنها:
الميثرائية كانت نوعا من الزروانية التي كان يعبد فيها كل من (ميثرا) (اله الشمس) و (انكراماينو) (اله الشر) و كانت اجتماعات عَبَدتها تعقد في العادة سراً و كان على حديثي العهد باعتناقها أن يجتازوا طرقا وأسرارا وشعائر خفية صعبة. وكانت الميثرائية كديانة للقوات المسلحة تنتشر في الأقطار التي تصلها الجيوش الزروانية. إلاّ إنها واجهت الضربة القاضية من الديانة المسيحية في القرن الرابع بعد الميلاد. نوع الميثرائية في الحضر:
الميثرائية التي كانت عقيدة أهل الحضر لم تكن من نوع الميثرائية الرومانية التي عادت إلى الشرق وتأصلت، بل اعتنق منها وهي في الحقيقة زروانية نشأت على عهد البارثيين قبل أن تعبر البحر المتوسط إلى اليوم، ومن بعد ذلك تكونت الارتباطات فيما بينهما، فالثياب التي نراها تكوّن أصنام الحضر تعود إلى الزمن البارثي مع إن معظم تلك المنحوتات من صنع فناني الإغريق. نوعان من شعائر عبادة الديو Devil:
1ـ عبادة الديو Devil كديانة مستقلة بذاتها، هي التي اتبعت سراً في إيران القديمة واستمرت على (الزردشتية) الشكل حتى ظهور الإسلام.
وأسس عبادة الديو Devil موضوع البحث هي عبادة العفاريت وممارسة السحر والجحود والإباحات والعقوبات.
2ـ عبادة الديو Devil في الميثرائية، وهي التي سلف ذكرها، كان حديثو العهد بالميثرائية يمارسون شعائر مناسبة وتعازيم خاصة لتجنيد العفاريت في خدمتهم واستخدامهم ضد أعدائهم أملاً في القضاء عليهم.
فآمنت الميثرائية بخلود الروح وبيوم الحساب وببعث الميت وبنهاية الدنيا أملاً في القضاء عليهم..
آثار السحر في الحضر:
هناك أسطورة تدل على إن السحر كان يمارس في الحضر وورد ذلك في (معجم البلدان) لياقوت الحموي كرواية تبحث عن خضوع الحضر لسلطة شابور الأول سنة 241 بعد الميلاد بتأثير السحر. المنحوتات الميثرائية في الحضر:
كانت المنحوتات الميثرائية من صنع الفنانين الإغريق الذين لم يقدموا القابلية في إسباغ الصور التي اعتبروها حسب عقيدتهم الإغريقية الخاصة بهم إلى جانب إلمامهم بالأسماء الإيرانية لتلك الآلهة بوساطة أسمائها على آلهة الإيرانيين. وقد نشرت أخيرا صور الأشكال المعثور عليها في الحضر على صفحات مجلة (الأخبار) اللندنية المصورة.
ولتسهيل الحصول على هذا المرجع سأبين تاريخ المجلة التي نشرت فيها تلك الصور، بالإضافة إلى الأرقام التصنيفية للصور نفسها مع بيان الرأي في تحقيقاتي الشخصية بصددها. وبجانبها أسماؤها الإيرانية واليونانية:
17 تشرين الأول 1951.
رقم 7: مانة ــ هو الإله الإيراني (القمر) ــ الإله الإغريقي (سيلين)
رقم 3 : نفس الإله في صوره الثلاث، الهلال، البدر، المحاق.
رقم 8 : مهر الإيراني ــ هيليوس الإغريقي.
رقم 9 : وهذا له صورتان:
ا: عقاب يمثل (السماء، زمن، زورفان).
ب: عَلم (الحضر) الميثرائي الذي نقشت عليه السماء والمهر.
رقم 11: أهريمان ــ بلوتو في العالم السفلي مع زوجته (جهه ــ هيكات) وهي جالسة على بعد منه وفي يدها علم (الحضر الميثرائي).
18 كانون الأول 1954.
الصورتان المرقمتان 6 و 7 تخصان زورفان ــ كرونوس ــ سماء من الأمام ومن الخلف.
25 كانون الأول 1954
رقم 2 : الحالات الثلاث للإله (قمر) في صورة (أثينا) على ثلاثة أشكال.
رقم 7 : مجموعة من الميثرائيين هي الدالة على رتبهم العالية.
رقم 8 : زورفان ــ كرونوس ــ اله الزمن.
رقم 10 : أهريمان ــ بلوتو ــ اله العالم السفلي.
رقم 3 : فيرى تراخنا ــ هرقل.
آثار الميثرائية بين الكورد:
وللتعمق في دراسة هذا البحث يجب التفتيش عن آثار الميثرائية في المنطقة الواقعة بين نهر دجلة و سلسلة جبال زاكروس مع إجراء مقارنة بين اليزيدية و الميثرائية.
اليزيديون كورد، كانوا من أتباع الديانة الهندوايرانية على وجه التأكيد بكل ما جرى عليها من التطورات المتوالية في إيران حتى العهد الإسلامي. ومن المحتمل إن الإيرانيين قد مارسوا حتى ظهور زردشت في النصف الأول من القرن السادس قبل الميلاد الأديان التالية:
1ـ الديانة الهندوايرانية التقليدية التي سادت إيران، وهي عبادة ديفا ــ ديو (العفاريت) والآلهة الطبيعة الخير والشر (أهورا) حامي الحكمة و المبادئ الأخلاقية، (هوما) اله الخلاعة والشراب والسكر (فرافاش) (أرواح الأسلاف).
2 ـ قدس الإله الشرير (دئيفا) بالإضافة إلى عفاريت الهندوايرانية (ياقوس) وكان الفجور من المقتضيات الضرورية لهذه الديانة.
3 ـ عبادة (أهورا) و(دئيفا) الخير باسم (بكات) داريوس الأول، يعني البكات (الكرماء)، وأطلق اسم (دئيفا) (دئيفا خلير شاه) على الآلهة الشريرة التي ألغيت عبادتها.
وكانت هذه الديانة هي الديانة التقليدية نفسها بعد أن جرت عليها تنقيحات وتعديلات وعلى العكس من ذلك فقد ساعدت الحالة عبدة (دئيفا) الذين سموا بعبدة الديو Devil بإعطائهم انكراماينو (أهريمان) بمثابة اله الشر لتكون رئيسا لدئيفا وكلاهما موجودان على الأرض والعفاريت هم أمراء هذه الدنيا.
ولنترك عصري المقدونيين والبارثيين التي اكتشفت فيها المعتقدات الدينية الإيرانية وأدرك خلالهما الانحلال في أديان هذا العهد فبقيت خفية غير جلية (لمدة خمس قرون ونصف القرن).
وكان على الزردشتية التي طوّرها ملوك الساسانيين الأوائل وقد سرّها أن تحارب عدداً من الأديان الإيرانية الضالة وعدداً آخر من الأديان غير الإيرانية الفاسقة حتى بدء الغزو الإسلامي.
يُتبع
بحزاني نت
30-10-2006, 17:17
الحلقة الثانية
الوضع الديني للكورد في العهد الساساني :
أـ ملحوظة: ظلت الغالبية العظمى من الكورد مقيمة على ديانتها الهندوايرانية التقليدية بشكلها (الزروانية في المجوس) بينما كانت في القرى والأرياف جماعات من الكورد يعتنقون الزردشتية وآخرون غيرهم أغراهم مبشرو الديانات المختلفة...
وفي الحقيقة كان رأس اله الكورد قاطبة (مهر) المحبوب ويلفظ في اللغة الكوردية الحديثة (مير) وهو الرب الذي يحلفون به، اله البطولة والنصر والفدى، اله الشمس، عبدوه وقدموا إليه القرابين والذبائح حسب شعائر الأديان المختلفة التي كانوا يعتنقونها ويتبعونها والتي عبد فيها (المهر).
كان (مهر) للكورد في ذلك العهد أشبه بعلي بن أبي طالب تقريبا اليوم وهو قياس مع الفارق في الشبه والتمثيل. وكانت الطوائف الكوردية كافة تعتبره الرب المفدى وكانوا يفرطون في تبجيله ويغالون في عبادته حتى اعتبره بعضهم بمنزلة الله طبقا لنهج الاعتقاد الديني المختلف عندهم ونسجت حوله خرافات وأساطير جديدة، وجددت نسبة أساطير الأولين الحربية إليه وأبطلت بفعل ذلك صفات كانت أضيفت إلى آلوهيته وأعماله الخارقة للطبيعة.
المدونات الروحية:
يستفاد من المصادر الدينية الآرامية إن مبشري المسيحية في القرن الثالث والخامس والسادس حاربوا الوثنيين واصطدموا بهم و بعبدة الاشجار وعبدة الشمس وعبدة الديو Devil في مناطق معروفة واقعة في شرق دجلة بين جزيرة ابن عمر شمالي الموصل وبالقرب من خانقين في العراق.
فقد عكف المبشر مار ماري (الرهاوي) في القرن الثالث على وعظ الأقوام التي تعيش في مدينة (شهركرت) الواقعة بين داقوق وأربيل عبدة الأشجار والأصنام المصنوعة من النحاس الأحمر، فهداهم مع ملكهم إلى الديانة المسيحية.
ولعل هذه المملكة الصغيرة كانت من مخلفات النظام البارثي الاتحادي التي ألغتها المركزية الساسانية الصارمة.
ومن المؤكد إن الملك وشعبه الذين لا يدينون بالزردشتية كانا من معتنقي الميثرائية سرا طالما لم تكن لعبدة الديو Devil الأقحاح سعة التهذيب الديني الضرورية لتأسيس المملكة، و في عام 344م قام شاهبور الثاني بزيارة (شهركرت) وشن حملة اضطهاد شديدة على الغالبية من اللازردشتيين والمسيحيين، وأصبحت (شهركرت) في سنة 356م ـ بالرغم من هذه الإضطهادات ـ مركزا تخرج منها الدعوة إلى الكورد للدخول في الدين المسيحي، ولا شك في إن (شهركرت) مدينة كوردية يسكنها أكراد.
وارى إن اسم هذه المدينة من مشتقات كلمة (خشاثرو ــ كرته) التي هي كلمة (مادية) مأخوذة من اللغة الساسانية المتأخرة ومعناها الحرفي (البناء المشيد للملوك) أو (العمارة السلطانية). وفي اعتقادي أيضا إن اسم (سادراكي) وهو ما يذكر في التسميات المحلية لمنطقة كركوك اشتقاق لكلمة (ميديات خشاترو كيراته) وهناك أيضا كلمة (خشاترا) عند الإغريق التي كانت تعني (حاكم الولاية) بالإضافة إلى كلمة (ساترييس) أي (الوالي) وسأشبه موقع شهركرت استنادا على الخرائب القديمة المعروفة بـ (جولندي) إلى الشمال الغربي من السليمانية.
ومن هؤلاء المبشرين (مار سابا) الذي بشر بالنصرانية في القرن الخامس بين الكورد في سنة 485م. فظهر له بأنهم من عبدة الشمس.
انتسب (مار سابا) إلى (بيت كال) في بلاشير في منطقة (حلوان) (بلاشير) (عظمة قالاش) هو ما يسمى بها قديما (قصرى شيرين) و (بيت كال) كلمة آرامية تعني موطن كال، بيت كال، وتغيرت إلى (بي كلايا) التي يتلفظها العرب (باجلاية)، ففي أوائل العهد الإسلامي كان يوجد في شمال الموصل في وادي الخابور موقع ذكرته المؤلفات العربية التاريخية باسم (باجلايا) وهي الصيغة الآرامية للكلمة الكوردية (باجلان) كما هي الحال في (كوردايا) الآرامية التي تلفظ في الكوردية بهذا الشكل (كوردان) والتي تعني (الكورد).
فـ (آيا) في الآرامية و (آن) في الكوردية أداتا جمع تضافان إلى نهاية الاسم المفرد فيتحول إلى الجمع وهذا يؤيد قدم (باجلان) التي هي اليوم اسم عشيرة معروفة تسكن بالقرب من منطقة (حلوان القديمة).
ولقد سبق أن وجد (مار يشو عياب) في القرن الخامس كوردا في القرن السادس يسكنون بالقرب من (ثمانين) وهي قرية تقع على مقربة من (جزيرة ابن عمر) ويعبدون الديو Devil ومن المحتمل إنهم كانوا ميثرائيين. الكهوف والمعابد
تحتاج الكهوف الكثيرة الموجودة في كوردستان العراق إلى تحقيق علمي من وجهة نظر الميثرائية، وجاء شرح القليل منها.
كانت الطوائف الميثرائية غالبا ما تختار لشعائرها المنحوتات الحجرية ولا سيما القريبة من الينابيع المتدفقة أو الماء الجاري. كلى زردك:
يوجد في السفح الشمالي من جبل مقلوب شرقي الموصل واد جميل على جانبيه نتوئات صخرية صفراء تؤدي إلى قلب هذا الجبل الأشم ويسمى هذا الوادي بـ (كلى زردك) التي تعني (المضيق الأصفر) وفيه مياه دائمة الجريان، على جانبي الوادي كهوف نقشت جدرانها الحجرية من الداخل بالمنحوتات، والظاهر للعيان إن هذا الوادي نفسه مع ما يحتويه من الكهوف والنحوت، كان موضعا مقدسا يحج إليه الكورد ويقيمون فيه أعياد (المهركان) ويمارسون الشعائر السرية مثلما يقيم اليوم اليزيديون شعائرهم المقدسة في وادي (لالش) ويحجون إليه ويتناولون فيه العشاء الرباني. كهف الشيخ عادي (المزار):
كهف مقدس واقع أسفل ضريح الشيخ عادي في لالش حيث الوادي المقدس وهو من أقدس مقدسات اليزيدية لا يسمح للغرباء وحتى اليزيدية أنفسهم عدا (بابا شيخ) وعدد آخر قليل ألا وهم السدنة الدخول إليه.
وينبع من هذا الوادي المقدس (كاني سبى) الينبوع الأبيض، الذي تقول الأسطورة انه تدفق على اثر ضربة وجهها الشيخ عادي إلى أرضية الكهف. والاحتمال الظاهر هو إن هذا الكهف وينبوعه المتدفق فيه كان موقعا يعبد فيه الإله (مهر) والإلهة (أناهيتا) التي عرفت بعد إذ بـ (ناهيده) ثم (ناهيد) وهي إلهة الينابيع المتدفقة والمياه الجارية الغزيرة، فشيد على سطح الكهف معبد للنار، والذي اعتقده أنا هو إن هذا الكهف هو الموقع الذي شطره (الشيخ عادي) واتخذه صومعة للمتأمل بالتهذيب النفسي أربعين يوما أول ما وطأت قدماه تلك المنطقة، وقد جعل الشيخ عادي من هذا الكهف قاعدة لنشاطه التبشيري الأول واخذ على عاتقه إجراء التغيرات في البناية المشيدة فوق الكهف ووسعها.
يقول إسماعيل إن هذا الكهف هو المعبد القديم لشيخ عادي، وهناك كهف صغير في شمالي الموصل حفر ونظم ليكون معبدا للمهرائية، ويوجد كهف آخر بالقرب من قصبة شقلاوة على السفوح الشمالية (السفين) يسمى بكهف (شخصه رحمن) تخليدا لاسم (صوفي كردي) كان يسكن فيه قبل خمسة قرون مضت.
ويظهر إن الرهبان المسيحيين شغلوا هذا الكهف مدة من الزمن كما شغله الميثرائيون حسبما اعتقد ويوجد بالقرب منه ينبوع دفاق.
وفي الجهة الشرقية من قرية (جاسنه) يمجد كهف مماثل بمحاذاة (وادي سورداش) شمالي سليمانية.
هذا وقد قامت (ليدي دراور) بزيارة كهف مقدس في باهزاني... (انظر ي.س. دراور. طاؤوس ملك ص55). الميثرائية في مدينة عانة الواقعة على نهر الفرات:
في سنة 1920 قضيت شهرا واحدا في مدينة (عنه) حيث قيل لي: بان رهطاً من قاطنيها المسلمين كانوا قد عبدوا الشمس وعقدوا اجتماعات سرية وقاموا بشعائرهم في كهف غير بعيد عن المدينة هذه.
وعندما استفسرت عن أسمائهم وجدتهم غير غرباء ولم اشك في إنهم من ضحايا الميثرائية هناك. آثار الميثرائية في الدين اليزيدي 1 : أسس تكوين الخليقة عند الباطنية:
يعتقد المسلمون ألمستقيمو الرأي بان الله قادر على كل شيء، خلق الكون من العدم بأمر (كن) والباطنية لديهم تفسير مستتر لهذا الحقيقة القرآنية ويقولون لم يخلق الكون من (لاشيء) بل انه ظهور لكنه الرب. ويؤمنون بأنه لم يكن هناك شيء في الأزل سوى الله هذا وأساس الباطنية هو الوحدانية.
واعتقدت الإسماعيلية التي ظهرت قبل اليزيدية الحقيقة بعدة قرون بانبثاق الكون من (كُنه الأحدية) في توالٍ يمكن بنيانه على الوجه التالي:
الواحد – الأمر (كُن) السبب الكوني (هذا هو الخالق)
الروح الكوني (هذا هو العامل الذي خلق من نفسه جسماً وهو الكون) العناصر الأربعة المواد الأربعة (المواد اللاعضوية، النباتات، الحيوانات). قارن هذا الاعتقاد مع الأفلاطونية الحديثة، وجد (دروسيس) اعتقادهم مبنياً على الأسس نفسها وتتشابه البكتاشية والإسماعيلية في إنهما تعتقدان بان الكون عبارة عن انبثاق كنه الرب القادر على كل شيء. وفي واقع الأمر إن كل من يناهض هذا الاعتقاد، أو بكلمة أخرى من يدعي بان الكون له كيان منفصل عن الله يوصمونه بالشك. أما في الكاكائية فرغم إن التصور الأساسي للوجود مستمرا إلاّ إن هناك بوناً شاسعاً في أسلوبه، فالكاكائية تعتقد بان الروح الكوني عاجز عن خلق عالم منبعث من ذاته كجسم منبعث من ذاته كجسم قائم بذاته، وهم بهذا يفرقون بين الوجود الإلهي كروح تحكي الوجود الإلهي في هيولي المرئيات، وهكذا يعتقدون بان الكائنات الحية قطرات منبثقة من نور الله القادر على كل شيء.
على إن العناصر الأربعة والأجسام السماوية منبثقة من نور الرب بصورة غير مباشرة لأنها ظهرت من لؤلؤة خلقها الله من نوره، واللؤلؤة تعتبر مادة نيرة.
واليزيديون الذين يعتقدون بان الكون لم يخلق من العدم يتفقون مع الكاكائية في الاعتراف بنوعين من التجلي: روحاني ومادي، فقد نشأت آلهتهم السبعة من نور الله حسب اعتقادهم، ذلك بإظهار منه، والكون المرئي صنع من أضلع أللؤلؤة التي خلقها الله من نوره ليكون مسكنه منذ البداية. ولكنهم يخلطون هذا الاعتقاد مع النظرية الأفلاطونية للأفكار التي ألفها المسلمون والفلاسفة المعاصرون فإنهم يقولون عندما كان الله قادراً على كل شيء داخل اللؤلؤة البيضاء خلق الله صور الالهة السبعة للأرض والشمس والقمر والإنسان والحيوانات والطيور والحيوانات الوحشية ووضعها في جيوب جبته (الخرقة التصوفية). علم اللاهوت اليزيدي:
اليزيدية دين مركب والظاهر انه من عمل صوفي واحد أو جماعات صوفية مختلفة متتابعة تفهموا الديانة الأم أي الديانة الإسلامية وتمكنوا منها وتحرروا في استخراج المعاني الخفية للآيات القرآنية وكانوا أيضا مطلعين على مبادئ وأفكار فلاسفة الإغريق والفلسفة الأفلاطونية الحديثة المألوفة عند علماء العصر وقد يكون هذا محتملا مع الغموض والنقص في نسخ (مصحف ره ش) و (الجلوة) التي هي مجموعات من مقالات عن أسس الفلسفات ومعتقدات مختلفة عن الخلق (الخليقة) وعلم اللاهوت والأساطير والخرافات البسيطة.
أما من حديث استنتاجهم الآخر أسس لدينهم المشتمل على بعض العقائد الميثرائية ذات الأصل الإيراني فهي على وجه العموم واضحة.
لقد ذكر في (مصحف ره ش) إن الله القادر على كل شيء خلق سبعة ملائكة كل واحد في يوم من أيام الأسبوع احدهم طاؤوس ملك خلقه في أول يوم من أيام الأسبوع (يوم الشمس) وجعله رئيسا للآخرين هذا هو ملك ألشمس.
كما وذكر في هذا الكتاب بان الله القادر على كل شيء خلق ستة الهة (أو ربما سبعة في الأصل) من فطرته ونوره كما يشعل الإنسان مشعلاً من مشعل آخر. ثم خلق بنفسه (أي الله) السماء وأمر الآلهة بالنفوذ إلى السماء لكي يخلق كل واحد منهم جرماً سماوياً. فهناك اختلاط وعدم ترابط في النسخ المختلفة لهذا الكتاب حول أسماء الأجرام السماوية المخلوقة على ذلك النمط، ولكن النسخ المختلفة من الكتاب تتفق جميعاً في إن الإله الأول خلق الشمس، والثاني القمر والخامس الزهرة والبقية الثلاثة لم يخلقوا توابع ومن هنا قد نشا بعض الشك في إن الآلهة الستة الذين خلقهم الله القدير من فحواه ونوره الذين هم الأسس له هم نفس الملائكة السبعة الذين خلق كل واحد منهم في يوم من أيام الأسبوع. وفي الحقيقة لا يعرف اليزيديون الهة أخرى غير هؤلاء الملائكة السبعة فهم يعتقدون بان شخصية واحدة هو (طاؤوس ملك).
وعلى هذا الأساس يكون الملك الأول هو الإله الأول خالق الشمس فهو اله الشمس والملك الثاني هو الإله الثاني خالق القمر فهو اله القمر.
والاستدلال المنطقي للأمر هذا ــ اعتقد مؤسس اليزيدية الباطنية بان كل واحد من الكواكب السيارة يمثل الإله الذي خلقه. جسد اليزيديون هذه الالهة السبعة في شيوخهم السبعة الذين تمثلهم حرمهم الموجودة على الأرض و المسماة (معبودات).
لذلك فهم يستنجدون بها ويلوذون بحماها تضرعاً وقد ترك اليزيديون تأليه شيوخهم عندما وصلوا العدد المطلوب وهو السبعة متأثرين بعدد الكواكب أي الالهة الميثرائية السبعة. بحث عن تسمية الكتابين المقدسين: 1 : الجلوة :
تعني حرفيا (ظهور) وفي الاصطلاح الصوفي تعني (الطبيعة)، الكون، ولكن الكتاب اليزيدي الحامل لهذا الاسم لا يبحث عن الخليقة إذ خصص كليا لعرض آلهتهم، طاؤوس الملائكة في قوته وسؤدده وأوامره ونهيه، وتعاليمه وتحذيراته ووعده ووعيده. ولو قارنته مع (القصيدة) المنسوبة إلى الشيخ عادي ستجد إنها هي فاتحة لمتن كتاب (جلوة) ومع ذلك لم يرد فيه ذكر لعبادة الشمس. 2 : مصحف ره ش:
يغلب على الظن بان الموضوع الرئيسي لليزيدية الذي طواه النسيان الأكيد في وصف (المصحف) الذي معناه (القرآن) ونعته بـ (ره ش) لم يكن القصد منه اللون الأسود، وإنما استعملت الكلمة الكردية (ره ش) و التي معناها (اسود) للدلالة على معنى الشديد، القوي، المنتقم. ويعني (مصحف ره ش) في عرفهم الكتاب الذي يعاقب سريعاً و شديداً كل من يناهض سننه وفرائضه أو من يحلف به زوراً.
وفي الحقيقة، إن هذا النعت له نفس معنى (ره ش) المستعملة في كلمة (ره ش با) وهي الصيغة الكردية للريح الشديدة العنيفة القوية، فليس معناها الريح السوداء بل هي من قبل المجاز، كأن يقال عن فلان بأنه اسود الطالع (أي ذو حظ نكد بائس).
وعلى ما يبدو لي إننا نستعمل اسمي هذين الكتابين باسم خاطئ، إذ يستعمل (جلوة) للدلالة على محتوى الكتاب الذي يبحث عن الخليقة أي (جلوة) في معناها الرمزي، ويستعمل (مصحف ره ش) الكتاب الشديد بمعنى كتاب يحتوي (فرائض القوة في صيغة الأوامر والنواهي). ومع ذلك فربما كان هذان الكتابان في الأصل أقساماً من كتاب واحد سماه كاتبه الصوفي (جلوة) ومن ثم اعطي له اسم (مصحف ره ش) لتحويل الأنظار عن القران المجيد، ويمكن ملاحظة هذا الباعث في كثير من دعائهم، وعلى سبيل المثال، أطلقوا لقب (الحج) على الزيارة السنوية بمرقد الشيخ عادي حيث تعقد مناسك الحج في (لاله ش)، وأطلقوا اسم جبل عرفات على الجبل الواقع في الجهة الشرقية من مرقد الشيخ كما سموا (كاني سبي) (الينبوع الأبيض) زمزماً(*)، وحجره بـ (الحجر الأسود) وهلم جرا.
والدافع لهذه الدعوات هو صرف الناس عن الحج إلى (مكة المكرمة) وتحكيم قبضتهم عليها في (لالش) وهكذا إبقائهم على دينهم اليزيدي.
.. يُتبع
بحزاني نت
30-10-2006, 17:21
القسم الثاني
آثار الميثرائية في اللاهوت اليزيدي
الآلهة السبعة عند اليزيدية:
يظهر جلياً إن عدد الآلهة السبعة في اليزيدية وأسلوب انبثاقها من الله، ثم الواحد من الآخر إنما هي مقتبسة من الأفكار الزرادشتية التي تؤمن بالكيانات الذاتية الستة (لإله الخير) (آهورمزدا) وانبثاقها منه. ويسمى هؤلاء الستة الـ (امشا سبندات الكرماء) الخالدات...
وبالرغم من انبثاق الآلهة اليزيدية من نور الله القدير ذاتياً فالحقائق التي يفصحون عنها بأن كل واحد من هؤلاء الآلهة خلق في يوم من أيام الأسبوع وتمثيل كل واحد منهم باسم لأحد الكواكب السبعة كما المحنا اليها، فيما تشير جازما إلى الكواكب السبعة التي اعتقد بها الميثرائيون كآلهة، ورئيس هؤلاء الآلهة هو (ميثرا) الذي اعتبروه (شمساً) تهدى إليه القرابين عند فلق الصبح. وكان الاعتقاد السائد إن كل واحد من هؤلاء الآلهة مسؤول عن يوم أيام الأسبوع الذي سمي باسمه مثلا يوم الشمس ويوم القمر... الخ ولا يزال هذا الأسلوب مشهودا في أوربا إلى يومنا هذا.
وفي الميثرائية جعلت الكواكب السبعة آلهة لحظوظ البشر فشبهوها بإنسان يسمع ويرى ما يفرح به وما يحزن ويخمد غيظه ويكون كسب وده بالصلوات والأدعية وتقديم الأضاحي إليه).
ولا يزال هذا الاعتقاد سائدا بين اليزيدية ولم يتطرق إليه أي تغيير. وهم يقدمون صلواتهم وقرابينهم وأضاحيهم في معابد شيوخهم المؤلهين المسماة (معبودات ـ أوثان) وتمثل الشيوخ والكواكب السبعة المتبقية التي تهدىء من غضبهم وتؤمن لهم عطفهم.
نزول الآلهة:
في (مصحف ره ش) عبارة مفادها:
(منذ الطوفان حتى يومنا هذا حقبة سبعة آلاف سنة ينزل إلى الأرض في كل ألف سنة اله واحد من الآلهة لينظم لنا الآيات، والقوانين والتشريعات ويعرج بعد ذلك إلى السماء).
ويبدوا إن مصدر هذه الأسطورة ترجمة للآية القرآنية التالية:
(يدبر (الله) الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون) سورة السجد ـ5ـ
كان الفقيه اليزيدي بارعا في ترجمة الآية القرآنية أعلاه، وحاذقاً في تفسير الآية القرآنية أدناه (وان يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون) (سورة الحج 16).
وكان الغرض من ذلك إبراز العلاقة الموجودة بين الآلهة الميثرائية السبعة وأيام الأسبوع بغية تنظيم الأسس الجوهرية للاهوت اليزيدي الذي يوحي أملاً قويا وصبواً لدى أتباع اليزيدية وليطور منزلتهم.
أتينا بهذا المثال لبيان التحريف الذي اتبعه كبار الفقهاء الصوفية في الدراسة المقارنة للفصول والأجزاء المختلفة المستمدة من العقائد المتباينة فوضعوها في قالب جديد لتكوين مذهب من استنباطاتهم.
ولا أراني خارجاً عن الصدد إذا ذكرت هنا بان (يوم الديانة الإسماعيلية) هو ألف سنة و (أسبوع دياناتهم) هو سبعة آلاف سنة. فهم يؤمنون بظهور (إمام الزمان) مرة كل ألف سنة في دورات متكررة إلى سبعة آلاف سنة.
ربما يكون الاعتقاد السائد بين اليزيدية في نزول (طاؤوس ملك) إلى الأرض لغرض إنقاذ شعبهم المتألم من بعد انتشار الجنس البشري على وجه الأرض هو صياغة مناسبة لأسطورة إرسال (ميثرا) من قبل (اهورمزدا) لجلب وسائل العيش اإلى الأرض ولحراسة البشر من معاداة (أهريمن) المبيدة.. العناصر الأربع الأزمنة، الأعمدة
أربعيات اليزيدية:
جاء في كتاب جلوة ذكر (للعناصر الأربعة، الأزمنة الأربعة، والأعمدة الأربعة، والأعمدة التي أحدثت حسب مقتضيات الخلق).
بيد إن هذا النص لما كان يبحث عن الخليقة فكان موضعه الحقيقي (مصحف ره ش) ومن الغريب إن جاء ذكره في (الجلوة).
العناصر الأربعة:
العناصر الأربعة هي (الهواء والنار والماء والأرض) وهي التي أُلهت في الميثرائية، وبمناسبة هذه المشابهة يجدر بنا القول إن الصائبة أيضا عبدوا العناصر الأربعة، هذا ما يستنتج من مشاهد الصور الأربعة في أختامهم المقدسة (سكاندولا) التي ترى عليها (النحلة، الأسد، العقرب والأفعى) فحسبما اعتقد إنها ترمز إلى العناصر الأربعة، فالنحلة ترمز إلى الهواء، والأسد إلى النار، والعقرب إلى الماء، والأفعى إلى الأرض.
الأزمنة الأربعة :
الأزمنة الأربعة المشار اليها هنا هي الفصول الأربعة، ففي الميثرائية كان كل واحد منها يتكون من ثلاث رموز ـ زوجية، فعبدت مع تلك الرموز. ويظهر إن مؤسس اليزيدية نبذ عادة رموز الأبراج لان عددها يبلغ اثنتا عشر، اجتنابا منه الاعتراف بمذهب (الاثني عشرية) و(العلوية) وانه اكتفى بعبادة الفصول الأربعة مع الاحتفاظ بثلاثة رموز لكل فصل ولكن لا نصيب لهذه الرموز في العبادة.
ويقام في كل فصل من هذه الفصول عيد لإجراء الشعائر على النحو التي:
1ـ عيد الربيع ـ يوم واحد، الجمعة الأولى من شهر نيسان (نوروز ـ السنة الجديدة).
2 ـ عيد الصيف ـ يستمر مدة ثلاثة أيام (18 ـ 21) تموز الشرقي.
3 ـ عيد الخريف ـ يستمر سبعة أيام من يوم 23 أيلول الشرقي وفي الحقيقة إن هذا العيد هو (مهركَان).
4 ـ عيد الشتاء ـ يوم واحد، الجمعة الأولى لشهر كانون الاول الشرقي.
وقد عينت هذه الأعياد في تقويم العطلات الرسمية لسنة 1960 (تعديل قانون العطلات الرسمية لسنة 1960). الأعمدة الأربعة:
لابد وأن يكون الغرض من الأعمدة الأربعة المشار إليها هنا هو الريح التي تهب من الجهات الرئيسية وتعيّنها البوصلة وتسمى إشارة البوصلة في اللغة العربية بـ (أعمدة الأرض) ويقال إن الميثرائية قالت عن الرياح الأربعة بأنها رُبطت بالفصول الإلهية الأربعة وهي تصفر كالجن وتوحي الخوف حيناً والحب حيناً آخر. القسم الثالث
آثار الميثرائية في بعض الطقوس والشعائر اليزيدية
عيد تناول العشاء الرباني:
أهم واشمل عيد بين جميع الأعياد اليزيدية، العيد الذي يسمونه (جه مايي، جماعية) يقيمون فيها شعائرهم خلال سبعة أيام من (23) إلى ( 30) أيلول.
وأنني لا اشك في تماثل أيام العيد هذا مع أيام العيد (ميتراكَان) أو (مهركَان) الذي كان يقام رسميا في إيران في زمن ما قبل الإسلام وهو عيد الخريف، وربما نسي اليزيديون منشأ هذا العيد لأنهم اخطئوا في تقدير موعدهم الحقيقي، يدل على ذلك إقتناعهم بالأيام المعينة في (تعديل قانون العطلات الرسمية سنة 1960) وقد كان (مهركَان) عيدا خاصا بالإله (مهر) لوجود علاقة بين حلول يوم (مهر) في شهر (مهر) من كل سنة. فاعتاد الإيرانيون تسمية يوم منتصف الشهر (يوم السادس عشر) (مهر)، وشهر منتصف السنة (الشهر السابع) مهرا. وهذا يبدأ في 17 أيلول، وحسب هذا التعداد يكون (ميهركَان) هذا أي يوم (مهر) في شهر (مهر) ويوافق اليوم الثاني من شهر تشرين الأول، والظاهر إن المرشد اليزيدي الذي اقترح تناول العشاء الرباني لجمع اليزيدية سوية في وادي لالش المقدس للحج وللشعائر الأولى التي دخلت مذهبهم، ولانجاز الطقس السنوي السري الخاص بالسمر الليلي، كل ذلك دفعه لان يعيّن وقته بصورة تصادف الأيام التي تخص عيد المهركَان.
وسوف اشرح بعض الطقوس والشعائر الجارية خلال هذا العيد محاولا بذلك تعيين آثار الميثرائية فيها. حفلة سما:
يذكر الدملوجي احتفالا دينيا يجري في سرية مطلقة في ليالي أعياد تناول العشاء الرباني ويقول:
اليزيدية يسمونه (سما) أو (سمايى) إشارة إلى توسلاتهم الكثيرة بالسماء والهاماتهم من السماء. ويستمر فيقول: ينجز هذا الطقس جمع مكون من عشرين شخصا في الفناء المقابل لمرقد الشيخ عادي حول شمعدان يسمى (جقل تو) نصب وسط الفناء وعلى رأسه إناء مملوء بزيت الزيتون أشعلت فيه النار ونظمت حول الإناء فتائل توسط الإناء فتيلة غليظة على شكل وردة كبيرة الحجم. وذكر الدملوجي بانتظام درجات ورتب هؤلاء الأشخاص البالغ عشرين نفرا. ويبين مواضعهم في حلقة تحيط بالشمعدان الموجود فيها فتائل تشتعل اشتعالا، يستمر قائلا: تنجز الحفلة هذه بدورانهم بطيئا حول الشمعدان ثلاث مرات خلال ساعات اربعة (كذا) بينما القوالون جالسون أمام عتبة باب المرقد يرددون الترانيم ويضربون الدف وينفخون في المزامير (كذا).
هذا واسرد فيما يلي تعليقاتي على هذه الحفلة الدينية بقدر ما يسمح لي الوصف القصير الذي ذكره الدملوجي:
فيما لاشك إن طقوسا حقيقية خفية كهذه يؤديها اليزيديون خلال الاحتفالات بعيد تناول العشاء الرباني، لذلك ولأجل هذا الطقس غيروا (الميهركَان) الخاص بعيد الخريف إلى (جماعي) المشتق من المصطلح الغامض (عين الجمع) الذي معناه (الاجتماع الأكبر) وهو الاجتماع بحضور الله أو مع الله أو مع المعبودات.
يبدو لي بان ما يسميه الدملوجي شمعدانا هو عريش في شكل (السنجق) الخاص بهم وهو يشكل سوسة مع الطير الموجود فوق (السنجاق) ولكن هنا يشكل العريش سنجاقا هو والشعلة الموجودة فوقه عوضا عن الطير المعتاد. ربما إن السنجاق يمثل المرتبة الروحانية لالهتهم السبعة، لذا تتعدد هنا المشاعل الى غاية سبعة مشاعل، المشعل الكبير في القسم الأوسط يمثل طاؤوس ملك ـ اله الشمس، والستة الأخرى هي الآلهة الباقية.
تكشف الأضواء السبعة لهذا السنجاق هوية الرمز ويمكن اعتباره ظاهرة جلية تثبت اعتقادنا بكون آلهة اليزيدية السبعة هي معبودات الضوء، وفي الأصل هي الكواكب الميثرائية السبعة، وارى في دوران اليزيديين حول معبوداتهم ارتباطا بدوران الكواكب حول الأرض (بناء على الاعتقاد السائد قديما). ويظهر ان الدملوجي يخلط (سما) اليزيدية بكلمة (سما) العربية المرفقة من (سماء) في حين يستعمل اليزيديون كلمة (سما) للدلالة على هذا الطقس الخاص، وهو اصطلاح رمزي خفي للطقوس التي تجري بالدبكات والموسيقى والغناء. أما منشأ الدبكة (سما) في كتاب الطقوس فتنسبها الباطنية إلى (سما) الأولي التي قام بها (رجال الغيب الأربعون) عندما أرسل محمد (ص) رسولا (وهذه بالطبع لم تصاحبها الموسيقى والغناء) (انظر جل ميران).
والكلمة هذه عربية الأصل فهي (سماع) وفي الكوردية كلمة (سما) تعني (دبكة) فتكون هذه الكلمة قد استعيرت من أنظمة الدراويش منذ قديم الزمان. يقول المولوية عن (سما) بأنها احتفال يجري بالدوران والالتفاف حول الشيخ، العريش، مع أنغام جوق الآلات الوترية. فاهم رمز وعلامة ألاحظها في هذا الطقس هي وضع حركة الدراويش التدويمية.
يلبس الدرويش المولوي رداءا وعلى رأسه قبعة مخروطية الشكل وهو حافي القدمين يدير ذراعه اليمنى الممتد إلى الجانب واليد في مستوى الرأس بينما تكون كفة اليد نفسها إلى الأعلى وتميل يده اليسرى. ويبدو لي بان (سما) المولوية فيها آثار الميثرائية. فالدرويش المولوي في هذا الطقس مع وضع جسمه وحركته التدويمية (الدوران والالتفاف) يمثل (ميثرا) حاملا لوائية الاثنين، أعضاء ثالوثة واحد على يمينه وهو غير مرفوع، الآخر على يساره مع مشعل مقلوب ورحلاته المستمرة في السماء حول الأرض. ويوجد بين الشمعدانات التي يشعلها البكتاشيون في عيدهم المسمى (عين الجم) شمعدان واحد اكبر من الآخر فيه ثلاث فتائل تمثل ثالوث البكتاشيون (الله، محمد، علي) الرمز الذي يشير إلى الحكمة والجمال والمجد) وبعبارة أخرى هي ثالوث الميثرائيين في الاصل. محمد وعلي هما اللواءان الاثنان. يحمل الشمعدان الأكبر للبكتاشيين اربعة واثنتي عشر علامة أيضا، العلامات الأربعة تمثل ملائكتهم الأربعة. وأبواب أهل التصوف لا يمكن أن يكون لها منشأ غير الاربعات والعناصر الأربعة الرياح الأربعة والفصول الأربعة الخاصة بالميثرائية، والعلامات ألاثني عشرة التي تمثل الائمة ألاثني عشرة هي من حيث المبدأ إشارات إلى البروج ألاثني عشرة. عيد القاباغ:
يقوم اليزيديون في اليوم الخامس من عيد تناول العشاء الرباني بطقوس فريضية (القباباغ). تتسلق جماعة منهم قمة الجبل المشرف على مرقد الشيخ عادي حيث تطلق النيران من بنادقهم احتفالا بابتداء الحفل ثم تنزل إلى مرقد الشيخ عادي حيث يقوم الرجال والنساء سوية بالدبكات على نفخ المزامير وقرع الطبول، بينما يحضر (مير شيخان) ثورا ضخما ويسال هؤلاء الحاضرين حمايته من كل مكروه وأذى، فيتسلمه شبان مدججون بالسلاح ويأخذونه إلى مزار الشيخ شمس الدين قاطعين الوعد بإعادته إلى مرقد الشيخ عادي سالما معافى من كل أذى. بينما يقومون بترديد أصوات وصلوات غير مفهومتين لدى غير اليزيدية، يقوم اثنان بالدخول الى صفوفهم سرا ويسرق احدهما الثور خدعة، فيرتفع النواح والعويل بينا الناس المجتمعين ثم يجدون الثور بغتة ولكنهم لا يبدون أية إشارة من هو السارق، ادعاء على كون اسم السارق مجهولا لا يعلم احد بحضوره هناك، فيقودون الثور بعدئذ إلى مرقد الشيخ عادي وسط فرحة عظيمة واغتباط شديد، وتحتشد القبائل في مكان يدعى (ميداني جفات) ويتقدم إلى الأمام عشرة رجال شجعان لحماية الثور.
وفي تلك اللحظة يعلن (المير) إن لا حاجة إليهم. إذ هرب الثور، ذلك لأن الشخصين اللذين سبق وان سرقا الثور قد دخلا المرقد متنكرين مُتظاهرين بأنهما من الرجال المير وقد جاءا لحماية الثور، فيهربان به بعد ذلك إلى مزار الشيخ شمس القريب من مرقد الشيخ عادي، حيث يضربه اليزيديون بالعصي والسياط صائحين ثم يذبحونه.
وهذا الاحتفال ليس إحدى مراحل العيد كما يُدعى، بل هو في الأصل طقس ديني لمباركة الغلة والخصب يؤديه اليزيدية بالشكل التقليدي.
ولا ندري إلى أي مدى تبلغ معلومات زعمائهم التاريخية من جذور هذا الطقس!؟ والشيء الواضح في هذا الاحتفال هو الحيوان الذي يضحّى به، اعني فانه يقرّب أمام مزار الشيخ (شمس).
(الشمس) هو (ميهر) وبذلك يمكن القول بان الاحتفال يتعلق بميثرا ويعتبر صورة محرفة لأسطورة قيام (ميثرا) بأسر الثور وذبحه. وهنا أورد لكم أسطورة ميثرا بشكل وجيز مأخوذة عن كيومنت: لقد أسر (ميثرا) أول الحيوانات الحية، وكان ثورا خلقه (اهورمزدا) فنجح ميثرا في سحبه إلى كهفه. ولكن الثور هرب من سجنه ثم استطاع ميثرا بأمر من السماء (عن طريق الشمس) من إيجاد الثور مرة أخرى واصطياده وقتله بغرزه سكينه الخاص إلى المقبض في خاصرته ثم إخراجه من جسم الضحية التي تعاني سكرات الموت جملة من الأعشاب النابتة المفيدة التي تكسو الأرض باخضرارها، وهكذا يخرج من نخاعه ألشوكي القمح الذي يصنع منه الخبز ومن دمه الكروم الذي يعصر منه الشراب المقدس الخاص بالشعائر الدينية...
بحزاني نت
30-10-2006, 17:25
عيد مهارشة الثيران (طقس ضرب الثور)
وكما يضرب اليزيديون اليوم الثور بالسياط والعصي، قبل ذبحه صائحين هاتفين، كان العمل نفسه جاريا بالأمس عند الزردشتيين المتأخرين (إذ كان الزردشتيون يضربون الضحية بالهراوة قبل استعمال السكين) ولا يتبع اليزيدية عند ذبح الحيوانات بأنواعها هذا الأسلوب الزردشتي بل إن هذا الأسلوب خاص بحالة ذبح الثور في عيد القباغ دون غيرها. وهذا برهان قاطع بان العيد يرجع عهده إلى ما قبل الإسلام...
وليمة جل ميران (سماط جيل ميران):
يقولون: (انه كان للشيخ عادي أربعون حوارياً طائعون يخدمونه بإخلاص ومن بين هؤلاء (فخرى جل ميران) وكان من (عين سفني) ولهذا السبب شيدوا له هناك بناية تاريخية. وفي نهاية أيام عيد تناول العشاء الرباني يذبحون ثورا ويطبخونه إلى أن يُطهى لحمه جيدا ويدعونه بوليمة (جل ميرا) واليها يهرع جميع اليزيدية لياخذوا سهامهم منه ويقوم كل من (المير) و (وزير شيخ) و (بابا شيخ) بإخراج قطعة كبيرة من اللحم من القدر ويلقيها على رؤوس الناس المحتشدة. فيتلقاها الحاضر بتلهف بالغ، ويقسّمونها حيث يحصل كل واحد منهم على قطعة منها مهما كانت صغيرة. ويصل التلهف ببعضهم إلى مد اليد إلى اللحم الموجود في الماء المغلي اعتقادا بأن أي شخص يأكل قطعة منه مهما كانت صغيرة يكون نصيبه الفوز بقسط من الحق.
إنني أميل إلى الاعتقاد بان هذه المراسيم إنما هي لما كان يؤديه عشاق أعياد التصوف في الاحتفال الخاص بتلاميذ الصوفية المبتدئين وكان يتضمن الاحتفال بضحية الثور ذكرى لآخر عشاء احتفل به (ميثرا) مع (هيليوس) وأتباعهم الآخرون من العمال ونهاية كفاحهم المألوف قبل عروجهم إلى السماء.
وتقوم الشيع الأخرى من الباطنية بطقس تناول العشاء في ختام شعائر حديثي العهد بها. أو بعبارة أخرى شعائر المقبولين إليها، مثال ذلك ما لدى (الكاكائية والعلي اللاهية) اجتماعهم المسمى (جم) وفي البكتاشية في (عينى جم) (جم اختصار لكلمة جمع أو (عينى جم) تستعمل للدلالة على (عين الجمع).
أصل جل ميران
بما إن أصل (جل ميران) منسي لدى اليزيديين، فإنهم ينزلونه منزلة حوارى الشيخ عادي ويقصد بهم الكهنة الروحانيون الاربعون الذين تجسدت فيهم شخصيات القديسين ذوي الصيت. ويوجد شيء من التباين والتفاوت بين الشيع المختلفة بالنسبة إلى تشخيصهم طبقاً للعقائد والتقاليد المتعددة لتك الطوائف. الذوات الأربعون العجب هم أتباع الله المتجسد وفي الحقيقة لهم الأوحد والوجود نفسهم مع الله لهم وحدة رمزية كما هو عليه الجسم الواحد.
الأربعون الروحانيون معروفون لدى الصوفية بسبب الاجتماع ألاول المنعقد بعد معراج محمد (ص) والذي تصدره محمد (ص) بنفسه. وتعتقد الباطنية إن علياً (كرم وجهه) هو الذي تصدر ذلك الاجتماع وسمح لمحمد (ص) بالدخول اليه بعد التماسه ذلك حيث عرف محمد (ص) في ذلك الاجتماع الحقيقة الطبيعية في ان (علياً الله).
فيسميهم الكاكائية بـ (جل تن) (الأشخاص الأربعون)، (والبكتاشيون بـ (قرقلر) الأربعون، (وقرقلر ميداني) عبارة عن الصلة التي يعقدون فيها خلال الليل (عين الجم) ولابد أن يكون أصل العدد المقدس هو ألايام الأربعون في أواسط فصلي الصيف والشتاء والتي بنيت عليها الأساطير الفصلية والزراعية وسبغت صفة الإنسان على الاله.
طقس القربان المقدس :
في الميثرائية:
من المحتمل أن يرجع أصل هذا الطقس في الميثرائية إلى طقس الخبز المقدس والماء المختلط بـ (هوما) المسكر لدى الزردشتيين واقتبسه منهم الميثرائيون. إلاّ إنهم إستعملوا الشراب بدلا من (هوما) الذي لم يكن معروفا لديهم. وكان يقام طقس القربان المقدس في الميثرائية بوضع رغيف خبز وكاس من الماء المختلط بالشراب أما الصوفي فيقرا عليها القديس الترتيل المقدس.
في الصوفية:
وأقيم هذا الطقس في اجتماع (الأفراد الأربعين العجب) الذي ذكر أعلاه حيث شربوا سوية عصارة عنقود عنب واحد عصره احد الأربعين الحاضرين، وقد كان محمد (ص) هو الذي عصر العنقود كما قال بعضهم، بينما يقول آخرون بان (سلمان) هو الذي عصره. وتجري ممارسة الطقس (موضوع البحث) بين جميع الصوفيين بشرب العصير أو الشراب المسكر اعتمادا على النظام الخاص بهذا الشأن. وتبحث الباطنية عن طقس (الرغفان) في الاجتماع الخفي الأول للذوات الأربعين.
في اليزيدية:
يبدو لي انه ليس معقولا بان اليزيدية الشديدي التيقظ واضعو القانون أهملوا هذا الطقس الديني الهام ـ أي طقس القربان المقدس ـ الذي هو رمز نذر القسَم بالإيمان. إذ يقام طقس الخبز والماء في الاصبحة خلال أعياد تناول العشاء الرباني ويقام طقس الخبز والماء في يوم عرفات (9 ذي الحجة) الذي يسبق يوم عيد الأضحى.
ويجوز اعتبار كل من المناسبتين بمثابة طقس القربان المقدس، وإنني لعلى ثقة بأن طقس الماء والطين (انظر سنجق برات وقوال) الذي يجري خلال الاحتفال بزيارة السنجق عبارة عن طقس القربان المقدس.
نلاحظ ذلك في حفلات زواجهم أيضا، إذ يجب إنهاؤها بمراسيم (قطعة الخبز) التي يشترك فيها معا كل من العريس والعروس ويجب أن يكون مصدر القطعة دار الشيخ، كذلك يشربان جرعة ماء بعد الأكل، ومن الجائز الاستعاضة عن قطعة الخبز بابتلاع كمية قليلة من تراب مرقد الشيخ عادي بعد عجنه بالماء.
التعميد :
من بين الشعائر التي يكون قد ورثها اليزيدية من الميثرائية التعميد. اذ يقوم اليزيدية بتعميد أطفالهم فيغطسونهم ثلاث مرات في حوض فيه ماء نبع (كانى سبي) هيء لغرض التعميد بها، فاذا لم تساعد الظروف لتعميد أطفالهم في حضورهم فمن الجائز استدراك ذلك في أي عصر كان.
أما عن التعميد في الميثرائية فيقول كيومونت لدى تعقيبه على المنافسة التي كانت موجودة بين الميثرائية والمسيحية في القرن الثالث: إن الشعائر التي يمارسونها فيها مشابهات فمثلا كان أتباع الطوائف الإيرانية من عبدة (ميثرا) يطهرون أنفسهم بالتعميد تماما مثل المسيحيين.
القسم الرابع
آثار الميثرائية في بعض رموز وتقاليد اليزيدية
السمة (علامة الرتبة):
يربط مندوبو (مير) أشرطة بيضاء حول رؤوس اليزيدية بعد الانتهاء من وليمة (جل ميران) لقاء ثمن ويعودون إلى بيوتهم في اليوم ذاته فرادى وجماعات.
والشيء الذي يسميه الكتاب شريطا هو لفاف ابيض، ورد في الأنظمة الباطنية بأنه كان يقام الطقس ذاته في بادئ الأمر عند انتهاء عيد القربان المقدس في الاجتماع المعقود من قبل (الذوات الأربعين)، كانت تعطى علامة إلى المبتدئين في الميثرائية.
البرات:
يجب على كل يزيدي حمل شهادته ولبسها اتقاء للشرور وتقبيلها بكرة وأصيلا، وتسمى هذه الشهادة بـ (برات) وهي عبارة عن حبة سبحة حجمها يقارب حجم جوز البندق صنعها القوالون من تراب مرقد الشيخ عادي والماء المقدس يبيعونها للحجاج من اليزيدية عند زيارتهم السنجاق.
كما يبيع القوالون منهم تراب المرقد على شكل مسحوق أيضا، ويجوز لليزيدية اكل تلك الحبات أما التراب المسحوق فابتلاعه شيء لابد منه، وقد يكتشف البحث التالي الأصل الميثرائي لتلك الشهادة: فيحدثنا القديس أوغسطين عن أحجار منقوشة كانت تعطي المدربين في نهاية امتحانهم كدلائل على دخولهم إلى صف الإخوة ووسائل تذكارية بين الأعضاء جميعهم.
القوال:
اعتبر (ميثرا) هو الشمس، واتخذ خدمة لأنفسهم اسم (ركاضو قرص الشمس) (هيليودروس) وفي الميثرائية أطلق ذلك الاسم على أعضائها من الدرجة السادسة.
وتتشابه واجبات القوالين وشاراتهم في اليزيدية إلى حد ما وواجبات (ركاضي قرص الشمس ـ هيليودروس) في الميثرائية حقا انه تشابه عجيب. فاحد واجبات القوالين هو ملازمة السنجاق والطواف به بين اليزيدية لإجراء مراسيم تعوّد اليزيديين بعبادتها؟!
ويستخدم الأمراء هؤلاء القوالين إلى واجبهم الآنف الذكر سفرا لهم إلى اليزيدية البعيدين عن الديار. ويسمى بـ (تازي tajî) أي (الكلب السلجوقي) وهم فرحون بهذه التسمية. يزعمون بان الشيخ عادي خلع عليهم الاسم المذكور لأنهم أشبه بالكلب السلجوقي في خدمة الشيخ عادي.
وكلمة تازى أو (تانجى) في اللهجات الكردية تفيد معنى (الكلب السلجوقي) أما معناها الأصلي في جذور (الآفستا) فهو (الركض) إذ هي مشتقة من (تاج) بمعنى (الركض).
السنجق:
أهم وأشهر رموز اليزيدية بيرق يسمونه بـ (سنجق) أو بطاووس خطاءً إذ إن الطير الموجود على سارية السنجاق ليس طاؤوسا. ويسمى السنجق في فتوى الشيخ الربتكي بـ (عَلم الشيخ عادى) وسيأتي التنويه اليها فيما بعد. وتعني كلمة سنجق في اللغة التركية (العَلم) أو اللواء أو البيرق وكانت هذه الكلمة شائعة منذ القرن الحادي عشر حيث استعملها السلاجقة للدلالة على نوع من الحكم الذاتي.
ولليزيدية اليوم سبعة سناجق، ترمز إلى عدد آلهتهم المعبودة، وكلها واحدة ممثلة لطاؤوس ملك.
واعتقد إن سنجق اليزيدية صورة محرّفة لعلم الحضر الميثرائي، إذ يتكون عَلم الحضر من مجموعة رموز رُكبت على طول سارية تنتهي برمح هلالي ذي ثلاث رؤوس في مركزها نسر يشبه ألنسر الذي يمثل نسر الفلك ويشاهد بجانب العلم.
ويوجد في سنجق اليزيدية شيئان الأول هو ما اكتشفه السيد عبد الرزاق الحسني فسماه وسائد، وتبدو لي إنها أشبه بالأشرطة والأقمشة المعلقة خلف علم الحضر الميثرائي. والكأس كما نعلمه عبارة عن الكأس المقدسة التي يسقي بها القوالون اليزيدية المتقدمين إلى زيارة السنجق.
ويتم الطقس بإعطاء (البرات) ومسحوق تراب مرقد الشيخ عادي إلى الزائرين فيبتلعونها مصحوبة بجرعة ماء يعطيها لهم القوالون من الكأس المقدس (انظر البرات وشعائر القربان المقدس).
أسطورتان ميثرائيتان أخريان في اليزيدية:
1 ـ في عقيدة اليزيدية إن (الينبوع الأبيض) (كانى سبي) الموجود في كهف الشيخ عادي هو إحدى المعجزات حسبما جاء في ذلك (القصيدة) المنسوبة إلى الشيخ.
ويعتقد البكتاشيون إن من معجزات (حاجي بكتاش) تفجيره ينبوعا قرب قرية (حاجي بكتاش) في تركيا. والشيء الغريب هو إنهم أيضا يسمونه (اف بوناز) ومعناها باللغة التركية (الينبوع الأبيض) كما وهي مثل معنى (كانى سبي) لدى اليزيدية. ويرجع أصل هذه الأسطورة إلى (ميثرا) إذ صوب (ميثرا) سهما إلى صخرة فانبثق منها الماء وأراد بذلك إنقاذ البشر من الجدب الذي عم الدنيا.
وتعتقد الباطنية في إيران بوجود ينابيع جارية فجرها (الإمام علي) وفي عقيدة سكان مدينة السليمانية والمناطق المجاورة لها إن ينبوع (سرجنار) الذي هو أغزر الينابيع الموجودة إلى جوار المدينة كان قد فجره الإمام علي بضربه من سيفه ذي الفقار، وهذا الاعتقاد بقى سائدا منذ أن انتشرت الباطنية في منطقة (شهرزور).
لقد كانت عين سرجنار في قديم الزمان مكان مقدسا ويغلب الظن بأنه كان في زمن ما قبل الإسلام معبداً لإلهة الإيرانيين المقدسة (اناهيتا) الهة الينابيع والمياه المتدفقة والأراضي الخصبة، وربما كان نبع (سرجنار) معبد (اينيا) بالذات الذي أورد (سترابو) ذكره واثبت موقعه بالقرب من كركوك، و (اينيا) تحريف لـ (انايتيس) وهو النطق الإغريقي لـ (اناهيتا)، وتجاورها قرية تسمى (زركته) وربما اشتقت كلمة (زركته) من (آذر كدة) ومعناها (معبد النار).
2: يعتقد اليزيديون بأن الشيخ عادي يدخلهم الجنة في يوم قيامة الموتى بغير حساب ولا عقاب(4). ولقد كان ميثرا عند الميثرائيين الأب السماوي الذي استقبلهم في مسكنه البهي واحتضنهم كما يحتضن الأب ابنه الذي عاد من بعيد.
ملك السلام، ميران بن نوح:
جاء في (مصحف رش) كانت اليزيدية من سلالة ملك السلام ميران بن نوح. ولاشك إن هذه الاسامي تدل على معاني مخصوصة..
أ ـ إن ملك السلام في معتقدات الإسماعيلية هو (رب الزمن) والثالث من الستة الذين يأتي كل واحد منهم خلال ألف سنة من دورة سبعة آلاف سنة حسب أيامنا الحالية.
وقد اصطحب كل واحد منهم احد الأنبياء الستة ابتداء من ادم إلى محمد (ص) وكان رب الزمان السابع للزمن (مولانا حسن) الذي جاء سنة 1164 وكان الرب الأعظم ليوم بعث الأموات. عاش ملك السلام في زمن النبي إبراهيم وكان إسماعيل ابنا له وإبراهيم حجته وسماه الاسماعيليون (اوشيدار) و(اوشيدارما) ويوجد في حديث منقول بان (زردشت) هو حجته وقد ظهر في أواخر عهد إبراهيم.
وينبغي لي الاعتراف بعجزي عن الجواب على كيفية اقتباس اليزيدية أسطورة ملك السلام الخاصة بالاسماعلية ولكن ربط الملك السلام بـ (اوشيدار) يلقي على (اوشيدارما) فحسب الاعتقاد السائد في الزردشتية إن زردشت يلد ثلاث اولاد: اوشيدارما، اوشيدا و ساوشيلنس وتكون الفترة بين ولادتهم ألف سنة. وهؤلاء أربابا للزمان وتتجدد الديانة الزردشتية في أوائل العصر الألفي السعيد لـ (اوشيدار) و(اورشيدارما) ويصادف يوم بعث الاموات عهد (ساوشيانس) بعد أن اجتاز البشر كافة المناجم المصهورة فتؤثر فيهم جميعا حسب نوعية الحياة التي عاشها كل واحد منهم حين وجوده على ألارض ويعودون إلى حياة خالدة في منتهى الغبطة والسرور.
ب ـ ميران: ميران اللفظة الكردية المرادفة لكلمة (ميهران) المشتقة من (ميثرا) إذ كانت (ميثرا) تلفظ في القرن الاول بعد الميلاد (مهر) ومنذ ذلك الوقت أصبح اسما لآلهة الشمس حامي العقود والحق والصواب كما جاء ذكره أعلاه.
وان صلة كلمة (مهر) تستعمل للدلالة على الاحترام كما هي الحالة في كلمة (يزدان). و (مهران) اسم علم من بقايا العهد الساساني ولا يزال يستعمله الإيرانيون، فالأرمن والكورد الذي صحفوه إلى (ميران) وهو سائح عندهم إلى يومنا هذا قد يكون أولاً لقب (ميران) الدال على الاحترام والذي يستعمله الكورد للاشخاص مثل (ميران) صديق قد جاء من عين الاشتقاء (مير) و (ميران)، وربما اشتقت من الكلمة العربية أمير.
وكلمة ميران الموجودة مع ملك السلام اشتقت من (المهر) الإيرانية وقد يكون السبب في ادعاء اليزيدية بوجود علاقة بين ميهران ملك السلام وبين ملك ميران الأسطوري مما يقود جذوره إلى ماضي أمرائهم المنسي، فنرى ذلك جائزا: أن يكون أجداد أمرائهم الحاليين من أتباع المذهب الميثرائي.
يُتبع بالقسم الخامس والاخير..
بحزاني نت
25-12-2006, 09:16
الفصل الخامس
اليزيدية ليسوا بعبدة إبليس (devil)
طاووس ملك:
اللفظ الصحيح للاسم: يلفظ اسم في العادة (طاووس ملك) ومعناه (الملك طاووس) أو (طاووس الملك)...
واللفظة الصحيحة كما يستعملها اليزيديون (طاووسى ملك) مع ياء الإضافة الموجودة في اللهجة الكرمانجية (الشمالية) فيكون معناها (طاؤوس ملك).
استعمال لقب طاووس
يستعمل لقب (طاووس ملك) للدلالة على الاحترام والتقدير ولبيان المجد والسناء والثناء والعجب، وقد تعارف عليه الصوفية منذ القدم، كنّوا قديس القرن التاسع الأعظم (بايزيد البسطامي) بطاووس الملائكة.
وتوصف الشمس في الأدب الإيراني الكلاسيكي بـ (طاووس اتشين بر) الطاووس ذي الأجنحة النارية.
وأيضا (طاؤوس علوي اسيان) (الطاووس السماوي العش) و (طاؤوس ملك) هو جبرائيل، اله الشمس (مهر: ميثرا) ولعله من غير المعقول إن مؤسس (يزيدية عبدة الشمس) أسبغ في الأصل لقب (طاؤوس ملك) على جبرائيل رئيس الملائكة الأربعة... ثم لما ارتفع عدد الملائكة إلى سبعة حتى يتساوى مع الآلهة الميثرائية السبعة أبقت سيادة (طاؤوس ملك) على جميع الملائكة الآخرين وبذلك أصبح معادلا للإله الشمس (مهر: ميثرا)..
وفي الحقيقة كان علم القوال الرئيسي (ليدي دراور) بان (طاؤوس ملك) هو رئيس الملائكة السبعة وهو مع جبرائيل واحد ((عبارة غير مفهومة هكذا وردت في الأصل.. شبكة لالش)).
(devil) كان جناً:
كانت الهيمنة على ديانات الناس على وجه التدقيق منوطا بالقائد الروحي الأكبر الذي كان لابد وان يراجع لأنه مصدر جميع الشرائح المبينة. فاستحال على الناس إتباع اله جديد والطلب من القائد الروحي الذي كان هو مؤلهاً أن يعبد بدوره الإله الجديد.
والشيخ اليزيدي الذي كان صوفيا متعلما وقادرا على إنشاء ديانة جديدة من الأجزاء المنتقاة والمستمدة من مختلف الديانات والفلسفات بكل دقة وحذاقة يصعب التصديق بعدم استطاعته إيجاد اله آخر ليكون على رأس الآلهة السبعة من غير (إبليس) لا سيما وان إبليس ليس من الملائكة بل هو جن لان الله القدير قال: (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه) (سورة الكهف 50).
كتاب (الجلوة) لم يصدر عن اله الشر:
ولأجل القناعة بان الإله الذي عبده اليزيدية هو اله الشر الإيراني يتحتم علينا أن نثبت بان كتاب الجلوة كلام اله الشر. واتخاذنا هذا الرأي لا يبرره سند قوي ولا يمكن الدفاع عنه دفاعا ناجحا لان (طاؤوس ملك) لا يبدو أكثر قسوة وصرامة من (ميثرا) في عقاب أعداءه، ذلك لان (ميثرا) يحمي الإنسان من عداء الشيطان وتابعيه ويبعدهم عن غوائيه وهو أول واهب النعمة والبركة للإنسان وهو يفني القبائل والشعوب المناهضة له. انظر القسم الأول 3 ـ 12 (جلوة).
مقارنة بين طاؤوس ملك والشيطان:
طاؤوس ملك الشيطان
هو جن مخلوق من نار. هو انبعاث من ذات الله.
مطرود ودنيوي ودنس ملازم لله لحفظ العالم وصيانته.
وملعون مغضوب عليه.
عدو للجنس البشري. ليس عدوا للبشر.
لا قدرة له على إنسان. له قدرة إلهية على الإنسان.
يضلل ويخدع الجنس البشري. لا يضلل ولا يخدع البشر.
انه بشري ماءت ومصيره نار اله أزلي ابدي.
جهنم.
طاؤوس ملك وميثرا:
من الظاهرة التي استخلصتها من (مصحف رش) يجدر بي أن اختم البحث بقولي إن (مصحف رش) أوحت آلهة الكواكب الميثرائية إلى الآلهة السبعة اليزيدية وان طاؤوس الملائكة مساوٍ للشمس وهي (ميثرا) (انظر القسم الخامس 1 أيضا). ولا تقف المقارنة عن هذا الحد بل حتى إن منزلتها في العلم الكهنوتي الإلهي هي نفس المنزلة، يقول كيومنت: يشبه ميثرا لوكوس القديم (لبن الله، أو الكلام الإلهي) فهو انبعاث من الله وندّه وسلطانه. والأمر يشبه إلى حد كبير كون (طاؤوس ملك) انبعاثا من (الله) ومسؤولا أمامه وندّا له لحماية العالم وحفظه حسب اعتقاد اليزيدية. وقد انبعث منه بالتناوب ستة آلهة جميعهم عبارة عن ذاتية واحدة.
اتهام اليزيديين بأنهم كانوا عبدة الشيطان:
لم تبد على اليزيديين أية ظاهرة تدل على تكتمهم حقيقة تأليههم الشيخ عادي. بل ذهبوا ابعد من ذلك فألهوا وعبدوا (يزيد بن معاوية) أيضا. على نفس الشاكلة، فاتخذوا يزيد إلها ذليلاً على الازدراء بالخطر حينما جاء (عليد بابايس) من خراسان وهدد وضع العدويين، وكان (عليد) يتبعه عشرات الآلاف من الدراويش الهاربين من المغول يبحثون عن ملجأ لهم في سنجار والمناطق الجبلية الأخرى في كوردستان العراق.
وحقاً قد كان لتأليه هذا العنصر الذي اكره ما يكون في التاريخ الإسلامي تأثير ونتيجة غير مرغوب فيها من لدن أهل المذهب. ونتيجة لهذا العمل لطرح العالم الإسلامي هذا المذهب جانبا ثم عملت الاتهامات الموجه إليه تأثيرها البالغ فيه واعتقد بصحتها للسبب نفسه، وعلى وجه التحديد اتهامهم بعبادة الشيطان.
الاتهامات:
أولى الاتهامات ابتدأت بالافتراء على معتقداتهم ونسج الوشايات لها فظهرت من اليزيدية عقائد عفيفة في وقت التصق بها الضلال الديني وهرطقة عبادة الشيطان. ومهما بات على اليزيدية الحقائق الملموسة والتهمة الملتصقة بها، ألا وهي عبادة الشيطان فأود أن أبين عدم وجود ظاهرة شاملة تؤيد صحة أو أحقية تلك التهم وغيرها الكثير الوافر، إذ هي مجرد أحقاد وظنون تخالف الواقع وأعمال جهات استنبطها أعداؤهم وألبوا النفوس بها عليهم.
وكما يقاسي اليزيدية هذا كذلك قاسى الكاكائية والقزل باشية وغيرها من المذاهب الخفية وهو افتراء وتخريف غير مقبول ولا مبرر له مطلقاً. ولولا الافتراء والتحامل لم يتهموا بعبادة الشيطان استفاد الحاقدون وكذلك غير المدققين من هذه الاتهامات حرضوا الآخرين على إصدار فتاوى جائرة تبرر إشهار الحرب على هذا المذهب وإعدام أصحابه واستباحة ممتلكات مريديه ومعتنقيه.
الفتاوى:
لم يُتهم اليزيديون بعبادة الشيطان قبل أواسط القرن الثامن عشر:
احدث هذه الفتاوى كما يزعمون هي التي نسبت إلى شيخ الإسلام أبي السعود ألعمادي (1490 ـ 1579) أوردها الدملوجي في كتابه وتحتوي الفقرة التالية:
(حبهم الجماعي للشيطان وحبه لهم واعتقادهم به في انه (طاؤوس ملك).. يقول الدملوجي عن هذه الفتوى بأنها (كلام صادر عن جهل مطبق لا أظنه من عمل المفتي ألعمادي).
والدملوجي صائب في رأيه أعلاه فهناك أربعة أسباب تؤيد عدم وجود مثل هذه الفتوى حتى بعد منتصف القرن الثامن عشر بعد الميلاد، ويقصد الفتوى التي وردت فيها هذه العبارة (يسمي اليزيدية الشيطان بطاؤوس ملك).
أ ـ لم يرد ذكر لعبادة الشيطان عند اليزيدية في كتاب الشرفنامه (لأثير شرف الدين البتليسي) الذي كان عرف من الكورد أكثر من غيره في ذلك الوقت الذي أنهى به علما بان في الكتاب إشارات عابرة إلى ديانتهم في صدد حديثه عن (حكام الجزيرة) اذ يقول: (تبنوا إلى حين أساليب وخصال رهط اليزيدية المنحوسة ثم حادوا عن تلك الهرطقة وارتكنوا إلى الدين الحنيف..). وخلال تحدثه عن تاريخ طوائف (الدنبلي) وحكامهم يعرف اليزيدية بأنها (خصلة مستقبحة).
ب ـ في سنة 1654 زار سنجار الرحالة التركي (أوليا جلبي) وافترى على اليزيدية واتهمهم بتهم باطلة، ولكنه لم يشر إلى عبادتهم للشيطان ولم يرد ذكرا لاسم (طاؤوس ملك).
جـ ـ ومع التهم الباطلة المنسوبة إلى اليزيدية الواردة في فتوى الشيخ عبد الله الربتكي، كان فقيها كرديا يقيم في منطقة تجاور اليزيديين سنة 1724 ليس فيها ذكر لطاؤوس ملك أو لعبادة الشيطان.
د ـ جاء في فتوى الشيخ عبد الله المشار إليها أعلاه إنهم كانوا يسمون علمهم (أي العَلم الذي يسمونه اليوم طاؤوس) بعلم الشيخ عادي، وهذا دليل واضح على عدم اتهام اليزيدية بعبادة الشيطان، وان إلههم (طاؤوس ملك) كان معروفا حتى لدى الأجانب في أواسط القرن الثامن عشر.
وفي الإمكان إيجاد وصف أوضح للشمس وعبادة الشيطان بين اليزيدية في مقالة كتبها محمد أمين العمري سنة 1785.
الخاتمة:
لا يمكن أن يعتقد اليزيدية بوجود الشيطان في الواقع:
عند ذكر الخليقة لدى الباطنية آنفا بيّنا بان العام انبعاث من كينونة الإله، وليس إيمانا بوجود الشيطان. ولذلك يرفض اليزيدية الاعتراف بوجود الشيطان في مدى مشاركتهم هذا الاعتقاد حول الخليقة.
خذ مثالا لذلك ما قاله (ناصري خرو) عن اعتقاد الإسماعيلية بصدد الشيطان في القرن الحادي عشر: الشهوة المفرطة شيطان الفؤاد.
المستنصر بالله هو نزار إسماعيل القرن الخامس عشر قال أيضا: كل ما تحدث لك من المحاسن هي من الله ونور عقلك، وما يقع عليك من المساوئ هي من خطايا نفسك.
قال شيخ لـ (ليدي دراور) استنادا على اعتبار طاؤوس ملك (الشيطان) قولا ندرجه أدناه:
الشر الذي في قلوب الناس ليس من طاؤوس ملك، بل من أنفسهم. وبكلمة أخرى لا وجود للشيطان.
ليس اليزيدية عبدة الشيطان بل هم عبدة شمس:
الحقيقة التي تدفع إنكار اليزيدية وجود الشيطان دليل مقنع في ذاتها يزيل عنهم تهمة عبادة الشيطان (بالإضافة إلى الحقائق الواردة في هذا الصدد بجانب الأبحاث السالفة).
ولكنني أرى الأمر لدى اختتام دراستي بان أعيد إلى الأذهان قاعدتين أساسيتين لعبادة الشيطان:
1ـ استعمال السحر لتجنيد مساعدة الشيطان في انجاز مآرب الشخص.
2ـ جحود العقاب والجزاء في الآخرة.
وعلى كل حال لا يمارس اليزيدية السحر، كما يؤمنون بالعقاب عن طريق التناسخ ويؤمنون بالجنة في الدار الآخرة. ولهذا يجب أن ننهي البحث ونحن على أتم الثقة بان اليزيديين لا يعبدون الشيطان. وبعبارة أخرى اليزيدية الحقة هي ديانة توحيد تكونت من الباطنية والميثرائية، وهذا ما ينقذها من تهمة عبادة الشيطان وبالإمكان أن نعلّق التسمية التالية لها دون وجل: (العبادة الخفية للشمس).
ـ انتهى ـ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ملاحظات من الأستاذ بير خدر سليمان:
ورد إلى مجلتنا (لالش) هذا البحث القيم الذي كتبه المغفور له العلاّمة توفيق وهبي باللغة الانكليزية وتم طبعه في خمسينيات هذا القرن ولأهمية هذا البحث الجاد الذي يلقي الضوء على جانب من أصالة العقيدة الإيزدية ولكون اغلب القراء لم يطلع عليه لكونه باللغة الانكليزية ننشر ترجمته والتي بعثها لنا الأستاذ شوكت إسماعيل حسن في الوقت الذي نعتز بجهد العلاّمة المرحوم توفيق وهبي ونشكر الأستاذ شوكت نستسمحهما والقراء الكرام عذراً بإضافة بعض الهوامش على أصل البحث لتصحيح بعض الهفوات بل والإشارة إلى مغالطات وتهم باطلة سبق و أن أتينا على تصحيح بعضها في كتاباتنا إتماما للفائدة:
أ: بصدد تسمية الإيزدية انظر كتابنا (إيزدياتي) ص17 ـ 19.
ب: بصدد هذه التهمة الباطلة انظر كتابنا (إيزدياتي) ص37 ـ 47.
جـ: هذا التباس حيث في وادي لالش عينا ماء، (عين زمزم) و (كاني اسبي) العين البيضاء.
د: حسب التقويم الشرقي الذي يتخلّف عن التقويم الميلادي بـ 13 يوماً.
هـ: المقصود في قصيدة الشيخ عادي هو نبع زمزم وليس كاني اسبي، حيث تعتقد الإيزدية إن كاني اسبي أقدم من زمزم.
بير خدر سليمان/ 1994 دهوك