ميرزا حسن دنايي
31-05-2005, 06:09
التوحيد في فلسفة الايزيدية وقصة الافتراءات حول عبادة إبليس
بقلم: ميرزا حسن دنايي
كلمة لابد منها:
قد لاتكون هذه مقدمة مناسبة لمقالة كهذه ولكن لابد منها. لم تكن هي المقالة التي نشرتها فرانس برس قبل أيام وتناقلتها بعض وسائل الاعلام العربية والكوردية، منها بتعمد ومنها بحسن نية، المرة الاولى التي يسئ فيها كاتب إلى الديانة الايزيدية. فقد عرف التاريخ الايزيدي العديد من الكتاب الذين دخلوا بيوتهم من الباب وطعنوا فيهم. أحيانا عن جهل وأحيانا عن خباثة وحقد دفين، واحيانا بسبب خطط سياسية لتشويه التاريخ وللنيل منهم.
ولكن الفرق هذه المرة، هو أن الايزيديين اليوم يستطيعون أن يوصلوا صوتهم إلى الناس، فاليوم إلى جانب الافكار الشوفينية الضيقة التي ترفض الاخر، يملك الايزيديون من الأصدقاء والباحثين موضوعيين من يدافع عن الحقيقة. فإذا كان هناك من يريد أن يشوه سمعة الايزيدية، هناك أيضا عشرات مثل القاضي زهير كاظم عبود، البروفيسور كاظم حبيب، رشيد خيون، د. هشام الديوان وغيرهم وأيضا من أبناء الايزيدية من يستطيع أن يبين الحقيقة. وإذا كانت هناك قناة العربية والجزيرة تهدف إلى تعميق النعرة الطائفية في العراق، فهناك أيضا الفيحاء والعراقية والفرات وغيرها من صحف ومجلات العراقية الاصيلة التي تزيد من اللحمة والتآخي العراقي بكل مكوناته القومية والدينية والمذهبية.
مرجعية المقالة:
من المعروف أن فلسفة الديانة الايزيدية، تعتمد بجزئها الاكبر على التراث الديني الشفهي، الذي يضم نصوص دينية مؤلفة من قصائد تتطرق إلى معظم جوانب الفلسفة واللاهوت الايزيدي، لم تجمع لحد الان في كتاب مقدس. بسبب أن الايزيدية عاشوا ظروف مأساوية في تاريخهم، وتعرضوا لأشد أنواع التنكيل والابادة، ففقدوا الكثير من تراثهم، وفقدوا ايضا العديد من وثائقهم وكتبهم الدينية، وإبتعد أبناء الايزيدية عن مصادر التعليم، فتفشت الامية بينهم مئات السنين. وما بقي من هذا التراث الديني كان يحفظ في صدور رجال الدين. حتى مطلع السبعينات، حيث بدأت نخبة من المثقفين الايزيديين بمحاولة نشر ما استطاعوا جمعه من افواه رجال الدين والعلماء. ولاتزال جهود جمع التراث في بداية المشوار، حيث هناك العديد من النصوص التي لم تدون بعد.
هذه الدراسة المتواضعة، التي تتألف من عدة فصول سوف تنشر تباعا، تعتمد بالدرجة الاولى على هذه النصوص الدينية ومعانيها، وقد ترجمت مباشرة عن اللغة الاصلية (الكوردية)، وتفاديا للالتباس للقارئ العربي ارتأيت عدم نشر المقاطع الكوردية، علما أن معظم هذه النصوص (ما يسمى -قه ول-) قد نشرت في المجلات الايزيدية المتخصصة كمجلة روز ومجلة لالش وكما نشرت نصوص عديدة في كتب المؤرخين والكتاب الايزيديين كسلسلة كتب الدكتور خليل جندي وخدر سليمان وبدل فقير حجي وغيرهم من المهتمين بجمع التراث والتاريخ الايزيدي.
هذه النصوص الدينية تعتبر المرجعية الاولى لفهم العقيدة الايزيدية، يعتمد عليها في تفسير وشرح الديانة وأركانها الرئيسية. مثلما يعتبر القران مرجعية فهم الاسلام، والانجيل مرجعية فهم المسيحية، وهكذا مع الاديان الاخرى.
-الفصل الاول-
التوحيد في فلسفة الايزيدية:
التوحيد في إسم الايزيدية:
إن فكرة التوحيد في الديانة الايزيدية لا تختلف عن غيرها من الديانات السماوية، وهي ربما تختلف عنها كونها ليست وليدة لحظة أو موقف، أو ثورة دينية، بل هو إيمان مترسخ تطور في فلسفة الديانة الايزيدية التي تمتد إلى آلاف السنين قبل الميلاد، حتى جعل الايزيدية يقتبسون اسمهم من اسم الله تعالى. فكلمة أيزيدي كلمة مركبة تتكون من (أيزي) و (دي). وأيزي هو اسم من أسماء الله تعالى في التراث الديني. وقد اجمع معظم الكتاب المنصفين الذي تناولوا الايزيدية، على هذا الرأي. حيث إن اسم الديانة يعني (عابد الله).
ويذكر النص الديني الايزيدي ( قه ولى هه زار ويه ك ناف) بهذا الصدد:
السلطان أيزي هو الرب
يسمى بإلف إسم وإسم
والاسم الاكبر (خودا) ....
(من النص الديني ألف اسم وإسم)
كما هو معروف أن إسم الله في اللغة الكوردية هو (خودا)، أي الخالق الذي خلق نفسه. ويظهر أيضا من النص التالي، كيف تم إشتقاق اسم الايزيديين انفسهم:
أنا ايزيدي بإرادة الله
إسمي من إسمه (أيزي)
الحمدلله والشكر،
قد قبلت بديني وإيماني....
(من النص الديني: دعاء الشهادة)
التوحيد وعدم الاشراك بالله، مسألة مهمة. وهناك عشرات النصوص التي تتحدث عن الوحدانية. ولايخلو نص ديني عن الاشارة إلى فكرة الاله الواحد. ويتجسد ذلك في النص الديني لدعاء شهادة الدين، الذي يبدأ بالجملة التالية:
شهادة ديني، الله الواحد
لاشريك له ولاخليل...
(من النص: دعاء الشهادة)
هنا تجدر الاشارة إلى نص ديني بديع في الوصف الالهي يسمى (قه ولي بادشا – أي نص الرب)، يستهل به علماء الدين الايزيديين، أثناء البدء بترديد النصوص الدينية لجموع المؤمنين:
ليتني، كنت املك ألف رأس
وفي كل رأس ألف وجه
وفي كل وجه، ألف لسان،
وعلى كل لسان ألف لغة
لكي ابتهل بها لإسم الله
(مدخل من نص: الرب)
تاريخ التوحيد عند الايزيدية:
لم يستطع المؤرخون تحديد تاريخ ظهور الايزيدية، فجذورها متوغلة في القدم ترجع إلى بداية العهد السومري، وربما مع بداية إكتشاف الزراعة والمدنية، سوف نتطرق إلى الموضوع في فصول لاحقة. وهذا يعني أن الايزيدية مرت ككل شعوب العالم بمراحل بدائية من الفكر الفلسفي الديني وتطورت مع النضوج الفكري، إلى أن وصلت إلى فكرة التوحيد والايمان بالاله الواحد، الإله خالق الارض والسماء (خودا). وفكرة التوحيد نفسها قديمة جدا عند الايزيدية، ترجع إلى ما قبل اليهودية.
حيث يعتقد الايزيدية انفسهم، أن التوحيد ظهر بينهم منذ عهد النبي إبراهيم الخليل، إذ تأثروا به، وآمنوا بربه. فإبراهيم الخليل، حسب الرواية الايزيدية الدينية هو من عشيرة أيزيدية وهاجر من بينهم، بعد أن خلصه الله من نمرود. والاسطورة الايزيدية لاتختلف عن قصة ابراهيم الخليل في الكتب السماوية، إلا في جملة، قد تكون عابرة، ولكنها بدلالاتها ترتبط بالتطور التاريخي-الفلسفي للدين الايزيدي.
إذ تحتوي قصة ابراهيم الخليل في التراث الايزيدي على حادثة تعرفه على الله تعالى.
وتقول القصة:
اقتنع ابراهيم ابن عازر صانع الاصنام، ان هذه الاصنام ليست الهة ولاحول لها ولاقوة، لأنه كان يرى والده وهو يصنعها. فخرج ذات مساء يفكر في الامر، فإذا بالبدر الجميل النير ظهر أمامه. فقال: إن هذا هو الرب. وظل ماشيا، فإذا بالنهار طلع عليه، والشمس القوية الجبارة، أكثر نورا من القمر، فردد في نفسه بل هذه الشمس هي الاله. ولكنه إستمر في تفكيره، فإذا به يقول: لابد أن يكون هناك من خلق هذا القمر وهذه الشمس. وهو الاله الذي يستحق العبادة وحده. وبهذا عرف ابراهيم الخليل الله، خالق الشمس والقمر. وعبده ودعى إلى عبادته.
المهم في هذه الجزئية التي يرويها الايزيدية، هو أساسا، انعكاس لمرحلتين تاريخيتين مر الايزيدية بهما، وهما ظهور عبادة إله القمر (الاله سن)، وإله الشمس (ربما المثرائية)، وأخيرا الوحدانية أو التوحيد.
تجدر الاشارة هنا إلى أهمية الرجوع إلى رواية التوراة حول النبي اسحق إبن ابراهيم الخليل، الذي أمره ابوه (إبراهيم) بضرورة التوجه إلى موطن الآباء للزواج من فتاة من عشيرة أبيه، لكي لايفسد. فكان أن توجه إسحق إلى حران (موطن الايزيديين تاريخيا)، وهناك وجد فتاة من عشيرة أبيه، (إبنه خالته) وتزوجها عائدا إلى فلسطين، وأنجبوا النبي يعقوب. هذه الرواية تؤكد أن عشيرة ابراهيم الخليل التي خلفها وراءه كانت نفسها تؤمن بالوحدانية، وإلا كيف يقبل خليل الله أن يتزوج إبنه من كافرة.
المقارنة مع رؤية الاديان الاخرى:
نظرة الايزيدية في التوحيد والخالق، هي نظرة لها خصوصيتها. تختلف فيها جزئيا عن الاديان السماوية الاخرى. فالايزيدية ينظرون إلى الله (خودا) أو (أيزي) على أنه الرب المطلق، وهو الذي يجمع في ذاته القوى المطلقة. وبالتالي فهو خالق الخير المطلق وخالق الشر المطلق. هو الذي يمنح الخير والشر. فالنص الديني في دعاء الشروق يتجه إلى الله:
ياربي..
إمنح الخير،
وأقلب عنا الشرور
(من النص: دعاء الشروق)
هذا يعني، أن لاوجود للملاك الساقط أو للشيطان في الفلسفة الايزيدية. حيث أن المرتكز الاساسي في فلسفة الخير والشر، هو أن الله يمنح الخير. والعمل الصالح هو بمباركة الله، أما العمل الشرير فهو نتيجة النفس البشرية (الغريزة البشرية). وبهذا فإن الانسان في العقيدة الايزيدية مخير بين ان يتبع إرادة الله (ايزي)، فيعمل للخير ليطهر نفسه. أو أن يتبع غريزته، فتدنس روحه بشرور النفس وتعاقب الروح بعد الممات.
ويعتبر الحوار الفلسفي في النص الديني (قه ولي نه فسي)، من أهم المراجع الفلسفية في العقيدة الايزيدية الذي يتحدث عن مسؤولية الانسان الشخصية أمام الرب في عمله. حيث تعتبر النفس البشرية هي المسؤولة أمام الله عن أفعال الانسان.
أنواع النصوص الدينية:
ربما من الضروري إطلاع القارئ الكريم على ملخص بطبيعة وانواع النصوص الدينية الايزيدية الشفاهية، وأسباب تسميتها وأهميتها من الناحية اللاهوتية. حيث يتكون الادب الديني الشفاهي من سبعة أنواع من النصوص، كانت منذ مئات السنين تحفظ في صدور رجال الدين وتنقل بإمانة من جيل إلى جيل. ويبدو أن الظروف التاريخية كانت دوما تحيل دون تدوينها. ومن هذه النصوص نستشف المعتقد الايزيدي بإطاره الخاص، والعام. وهذه الانواع هي:
1. النوع الاول: (قه ول )
يعتبر هذا النوع من النصوص الاهم من الناحية اللاهوتية، فهي التي تلخص فلسفة الديانة الايزيدية ورؤيتها إلى الحياة والدين. ومنشأ كلمة (قه ول) هو مثل غيره من الكثير من قضايا الايزيدية، محل جدل عند الكتاب. فمنهم من نظر إلى الموضوع بسطحية، فلاحظ التقارب بين هذه الكلمة والكلمة العربية (قال يقول قولا)، وإعتبر انها اشتقت من اللغة العربية. في حين أن أبسط دليل ينفي هذه المسألة هو أن جميع نصوص (قه ول) هي باللغة الكوردية، على عكس (قسيدة) مثلاً التي ترد بلغات أخرى. أما الرأي الاصوب، فهو الاصل السومري للكلمة، والتي اشتقت من (كالو)، ومنها جاءت أيضا تسمية (قوال) إحدى مراتب رجال الدين الايزيدية المتخصصين بحفظ هذه النصوص الدينية وإلقاءها مع انغام الموسيقى المقدسة (دف وشباب) بين الايزيدية، أثناء جولات الرمز الديني (طاووس) السنوية. و(كالو) كانت تسمية بعض المراتب الدينية أو بالاحرى إسم الكهنة الموسيقيين في بعض معابد العهد السومري. (1)
2. النوع الثاني: (به يت)
هذا النوع من النصوص الدينية، عبارة عن قصائد تورع في مديح الله والملائكة والاولياء وذكر صفاتهم. واحيانا تناول قضايا الحكمة ومبدأ الاخذ بالمثل والتوعية. وهي أقل قدسية من النوع الاول ولغتها هي الكوردية الكورمانجية. وكلمة (به يت)، هي كلمة وردت قديماً في الشعر الكوردي الكلاسيكي والتي تعني (قصيدة).
3. النوع الثالث: (قسيدة )
من الواضح ان الكلمة اشتقت من اللغة العربية والتي تعني (قصيدة). وهي بمضمونها وأهميتها اللاهوتية لاتختلف عن النوع الثاني. ولكن خصوصيتها، أنها كتبت باللغات الاخرى، كالعربية والفارسية والتركية، ويقال ان علماء الايزيدية كانوا يحفظون نصوص بلغات أخرى غير هذه اللغات الثلاث، ولكن حملات الابادة الجماعية والقتل والتدمير الذي تعرضوا لها وربما تفشي الامية، قلصت من عدد النصوص التي وصلتنا.
4. النوع الرابع: (دوعا)
هذه النصوص عبارة عن أدعية مختلفة للتذرع إلى الرب. من أدعية يومية (دعاء الشروق، دعاء الغروب، شهادة الدين)، أو أدعية شفاء من الامراض وغيرها. (2)
5. النوع الخامس: (دروزة)
يعتبر هذا النوع، جزءا خاصا من التراتيل أو الادعية التي يحفظها رجال الدين، لمناسبات وطقوس دينية معينة. ويمكن وصفها انها تراتيل المراسيم الدينية.
6. النوع السادس: (خزيموك)
هذا النوع، هو عبارة عن قصائد وصف جميلة في العشق الالهي. لها نغماتها الخاصة، وهي وإن كانت من الناحية اللاهوتية الاقل أهمية، ولكنها في نفس الوقت روعة في جمال الشعر الكلاسيكي. و(خزيموك) اشتقت من الكلمة الكوردية (خزيم)، والتي تعني الخزام، تلك الحلقة الفضية أو الذهبية الصغيرة التي تضع المرأة في أنفها. ولو صح التعبير فيمكن أن تكون ترجمة كلمة خزيموك هو (خزاميات) وهو التعبير الاجمل لهذا النوع من النصوص. وبرأيي فإن رجال الدين القدامى إختاروا هذه التسمية القريبة من المرأة لتكون مقدسة، تكريما للمرأة نفسها. حيث أن الفلسفة الايزيدية تنظر إلى المرأة بقدسية شديدة. بل كثيرا حينما يتبحر المرء في معاني ودلالات بعض النصوص الدينية يدرك أن المرأة في هذه الفلسفة أهم من الرجل وأعلى منه مرتبة وأكثر منه تقرباً إلى الله. طبعاً على عكس الواقع الاجتماعي الايزيدي، الذي مثله مثل غيره من المجتمعات الشرقية، لا ينصف المرأة ولا يعطيها ولو جزءاً من حقوقها.
7. النوع السابع: (بايزوك)
هذا النوع لايختلف عن النوع السادس من النصوص، سوى بالتسمية، التي تعني (خريفيات)، إشتقاقاً من فصل الخريف.
رؤية النصوص الدينية إلى التوحيد:
لايخفى على القارئ المطلع على النصوص الدينية الايزيدية، أو الادب الشفاهي بمختلف انواعه، من (قه ول، به يت، قسيدة، دوعا، دروزه، خزيموك، بايزوك)، التي هي جميعها وإن اختلفت أسماءها، بسبب إختلاف وجهتها الفلسفية أو اهميتها اللاهوتية، لايخفى عليه التأكيد الدائم على الخشوع لله والايمان به.
فالنصوص الدينية تعبر عن الانتماء الايزيدي إلى الفكر الوحداني. وهناك نصوص تضع العقيدة الوحدانية موضوعها الاساسي. فعلى سبيل المثال (النص الديني: قه ولي به دشا)، يتناول الرؤية الايزيدية في الوحدانية.
دراسة وتحليل حول النص الديني (قه ولي به دشا):
يعود تاريخ تأليف هذا النص إلى حوالي تسعمئة عام. فالبيت رقم 37 من النص يجسد اسم المؤلف، إذ يرد إسم (شيخ فخر باب زه ر) على أن النص من أقواله. وهو الجد الاعلى للرؤساء الروحانيين، مرتبة (بابا شيخ) الدينية، وإسمه (الشيخ فخر بن ايزيدين امير الشمساني)، أحد أولياء الايزيدية، وأحد معاصري شيخ أدي الهكاري. وكانت من عادة واضعي النصوص الدينية آنذاك، أن يذكروا إسمهم ضمن النص، بصيغة يفهم منها أنها عائدة لهم.
اطلق (شيخ فخر) تسمية (قه ولي به دشا ) على هذا النص(3)، حيث يكثر الايزيديون في ادبهم الديني من استخدام كلمة (به دشا). ويقصد بها الاله أو الرب، كإشارة إلى الله سبحانه وتعالى. وللكلمة جذروها في لغات هندو-فارسية قديمة وحديثة. وتعني (الملك)، واستخدمت احيانا للإشارة إلى المعبود أو الاله.
لهذا النص أهمية كبيرة، ففلسفته تتناول أهم القضايا الخلافية في اللاهوت الايزيدي، بطرح منطقي ومفهوم، ليس فقط للأيزيدية فحسب بل حتى لغير الايزيدية، وخاصة للجوار المسلم. ونحسب أن (شيخ فخر) اراد أن يعرف الديانة الايزيدية بغير الايزيديين من خلال هذا النص، فكان ذلك هو السبب الاساسي في أن يتكون النص من ابيات، أو ثلاثيات، حرص مؤلفه ان يكون السطر الاول من كل بيت تعريفاً، بإسم من أسماء الله، أو بالاحرى تعريفا بصفة من صفات إله الايزيدية (يزدان) او (خودي) أو (أيزي) او (طاووسي ملك). ويمكن تلخيص أفكار النص بعدة نقاط رئيسية:
1. حرص النص على ذكر أسماء الله المتفق عليها في اللغة العربية، سبعة مرات. وذلك تأكيداً لإزالة الشك في نفوس غير الايزيديين حول إله الايزيدية. فهو الغفار، الستار، الرحيم، الواحد، العظيم، العادل، الغفور.
2. التأكيد على أن الخير والشر هما بإرادة هذا الاله الاكبر.
3. التأكيد على أن الايزيدية يحترمون الديانات الاخرى، ويؤمنون بصلاحها، دون التعرض لها بسوء. لأنها جميعا تجتمع في كلمة الله وعبادته.
4. الحرص على الوحدانية وعدم الاشراك بالله.
5. طاووس ملك هو نفسه اسم من أسماء الله، حتى لو ورد في صفاته أنه تارة الله وتارة رئيس الملائكة.
6. أن الملائكة السبعة هي الملائكة الخالدين الذين يديرون اعمال الكون بإرادة من طاووس ملك (خودي أو يزدان).
ولو عالجنا النص بطريقة تحليلية، لإستخلاص هذه النقاط، والتفسير في معانيها الاخرى. نجد أن بداية النص المتكونة من البيتين التاليين، تعطيان الصفات الرئيسية للإله. فيذكر النص:
ربي هو الاله
خالق الجبال والهضاب
نقاش كل النقوش ... 1
ربي هو الغفار
من عنده يأتي القرار
بشأن الدنيا، والجهات الاربع... 2
التعريف بالاله عند الايزيدية إذن، أنه هو الخالق، ولكنه لم يتوقف عن الخلق فحسب، كما ذهبت إليه بعض المعتقدات القديمة، التي كانت تؤمن بإله السماء الخالق الذي خلق الدنيا وتركها. وقد اختلط الامر عند بعض الكتاب الذين تناولوا الايزيدية، بسبب عدم إطلاعهم على النصوص الدينية، فإدعوا أن الايزيدية ايضا يؤمنون بالله كخالق ولكن يعتبرون انه ترك الدنيا فيما بعد. ولكن البيتين أعلاه وما يلاحقهما، يؤكد خلاف ذلك. حيث أن فكرة إرادة الله ويد الله الطولى واضحة في ابيات هذا النص. فالاله هو الذي يرسم كل الأمور. ويأتي من عنده القرار حول احوال الدنيا. وهذا تأكيد واضح على إرادة الله على الخير والشر. وقد تناول المقطع اعلاه صفة (إله الجهات الاربع). وهذه الصفة هي من صفات ألهة السماء في المعتقدات القديمة.(4)
ربي هو الذي خلق الدنيا
زينها بحدودها وتخومها
فأغنى بها إبن آدم..... 3
هنا يدخل النص في جدوى هذه الدنيا الجميلة التي خلقها الاله. فجدواها هو لكي يغني بها بني البشر. علماً أن فكرة آدم، التي تتبناها الفلسفة الايزيدية، تختلف نوعا ما عن رؤية الاديان الاخرى. واحياناً يشعر المطلع على النصوص الدينية، أن الايزيدية ربما يكونوا قد اقتبسوا فكرة آدم من غيرهم من الاديان الاخرى، خوفاً من أن يتهموا بالهرطقة باطلا. فالايزيدية يعتقدون أن الله خلق نوعا من البشر قبل آدم. هؤلاء البشر كانوا الخيرين فقط. ويعتقدون أن هناك أكثر من آدم واحد، فقد اكتملت الدنيا بالبشر سبعة مرات ثم دمرت الدنيا بسبب شرور البشر، وكل مرة من هذه المرات كان هناك آدم يخلقه الله، فيملأ الارض بذريته. ولهذا فإن أحد النصوص الدينية، يذكر أن الايزيدية ليسوا من آدم، بل من (الخميرة الصادقة). ولكن الخوف من أن يتهموا بالباطل جعلهم يتخذون من آدم جداً لهم. كما يرد في نص ديني آخر:
(أحسب إذا قلت أنني لست من آدم
فأن ابناء الشرائع سوف يقتولني بالرجم).
والقصد من ابناء الشرائع هم جيران الايزيديين من المسلمين، والمسيحيين. على أية حال، فإن عبارة بني آدم، هي إشارة إلى بني البشر عامة، وتستخدم النصوص الايزيدية هذه العبارة بإستمرار.
ربي هو سر السماوات
إله الليل والنهار والأوقات
من عنده تأتي الكرامات.... 4
البيت أعلاه يستوجب منا وقفة هامة. لأنه يتناول مواضيع فلسفية وعلمية. إذ يطرح فكرتين هامتين. الاولى، أنه ليس هناك سماء واحدة، بل سماوات، بصيغة الجمع. وهنا نذكر أن المعتقد الايزيدي يذهب إلى أن هناك سبعة طبقات من السماء، وسبعة طبقات من الارض. وإذا راجعنا تراث علم الفلك منذ العهود السومرية والبابلية وحتى القرون المتأخرة، نرى أن الفلكيين كانوا يشيرون إلى كواكب سبعة. بقية كواكب المجموعة الشمسية اكتشفت لاحقاً. وهذه الكواكب هي الاشارة إلى الطبقات السبعة للارض. ولكن السؤال ما هي الطبقات السبع للسماء، أو بالاحرى ما هي السماوات السبع؟ هذا الموضوع الفلسفي شائك، قد نأتي على ذكره مستقبلاً.
أما الفكرة الثانية فهو ذكر صفة الاله برب الليل والنهار، وهذا مفهوم ولكن دمج ذلك ببُعد آخر، أطلق عليه شيخ فخر ب(ده م) في السطر الثاني، والذي ترجمته مجازيا ب(الاوقات). وتكملة البيت بالسطر الثالث، لتكون الكرامات (أي المعجزات) من عن هذا الاله. وهذا يوحي إلى أن النص يود أن يذكرنا، أن الكون، ليس فقط بعد المكان والزمان، أو الليل والنهار، بل أن هناك بُعد ثالث، كما تظهر الاشارة إليه في مقاطع أخرى من هذا النص، وربط ذلك بالكرامات، أو المعجزات. والنصوص الايزدية، والقصص الميثولوجية في تراثهم لاتخلو من الاشارة إلى هذا البُعد الميتافيزيقي الغير منظور أو الغير واقعي.
إلهي هو رب الملائكة
رب تلك الاسرار السبعة القويمة
الفرسان السبعة ذو الهيبة..... 5
ربي خلق الكون من (الدرة)
وسلمها للملائكة السبعة، الخالدين
وجعل من طاووس ملك رئيساً.... 6
هنا تأتي الاشارة إلى فلسفة الايزيدية في التكوين والخليقة، التي نأتي إلى ذكرها في فصل لاحق، وهي الاعتقاد أن الدنيا قد خلقت من ذرة، أو (درة). والقصد من الاسرار السبعة أو الفرسان السبعة، هو نفسه الملائكة السبعة الخالدين. وهنا يأتي دور طاووس ملك، الذي اتخذه الاله رئيساً عليهم.
النص هنا، وبشكل مجازي، يعطي في الوهلة الاولى فكرة وجود ثلاثة صفات الوهية خالدة، نابعة من نفس المصدر. وهي الاله، طاووس ملك، والملائكة السبعة. ولكننا نجد ان شيخ فخر سرعان ما يدرك ان ذلك قد يفهم خطأ، وخاصة حول هل الله وطاووس ملك اثنان أم واحد. فيعالج ذلك من خلال البيت الثامن من هذا النص. حيث يؤكد، أن الاله هو الملاك الباري. والملاك الباري هو تسمية من تسميات طاووس ملك في التراث الايزيدي. فطاووس ملك هو نفسه إله الانبياء والرسل وهو نفسه (يزدان).
إلهي هو رب آدم
من عنده يأتي الكرم
في جميع الاماكن والازمان... 7
إلهي هو الملاك الباري
إله كل الانبياء والمهديين
هو يزداني الاعلى.... 8
ربي هو إله سليمان
هو يزدان الانس والجن
كلهم سجدوا لمجده... 9
أبو الانبياء إبراهيم الخليل
تذرع إلى الاله دخيلا
ليجعل القربان إسماعيل... 10
إلهي هو رب الصمد
رب موسى، عيسى، ومحمد
كلهم سجدوا له.... 11
إلهي هو الرب الاعلى
رب القسيس، والناسكين والصوفيين
رب شيخي (آدي)... 12
الابيات الستة أعلاه، تدور في دائرة واحدة، وهي ان إله الايزيدية (يزدان)، هو نفسه، إلاله طاووس ملك، الملاك الباري، وهو نفسه إله النبي سليمان، وإله إبراهيم الخليل والنبي إسماعيل، هو رب الانبياء عيسى وموسى ومحمد. فهم جميعا سجدوا له وعبدوه. هو معبود القسيس والمتصوفة والناسكين. وهو رب شيخ آدي. وهذا يعني أن الايزيدية لايجدون انفسهم مختلفين في عبادة الله عن غيرهم. فالجميع يلتقي عند كلمة يزدان أو الله. والابيات التالية تدور أيضا في نفس الدائرة.
إلهي هو الواحد العظيم
رب كل المؤمنين
هو (يزدان) رب الكون... 13
إلهي هو رب الصابرين
خالق النار والنور
هو الحق وهو الغفور... 14
البيت الرابع عشر اعلاه، إشارة إلى موضوع إرادة الاله في الخير والشر. فالاله هو الذي خلق (النار) و(النور)، الجانبان والوجهان من حقيقة هذا الكون. ولم يكن اختيار شيخ فخر كلمتي نار ونور اعتباطيا. فحتى لو كان النار الاشارة إلى الاحتراق أو العذاب، أي الشر. والنور هو الاشارة إلى الخير والنورانية والالوهية. ولكن النص يعطينا فكرة، كيف أن كلاهما يمنحان الضوء. وهما كلاهما في وجودهما المنطقي غير مختلفين، سوى أن النار إذا ما اقترب المرء منه يحترق والنور كلما تقربت منه اصبحت اكثر إلهاما وسعادة. فالنار والنور، شيئان لاينفصلان، فليست هناك نار بدون نور، وليس هناك نور دون نار (على الاقل قديماً، قبل ان تكتشف وسائل الاضاءة الحديثة). فهما مثل الاله الذي يجمع في طبيعته الخير والشر الغير منفصلين.
إلهي هو الواحد الامين
من عنده تأتي البشارة
لكل مخلوق وكل دين... 15
هنا أيضا إشارة أخرى إلى أن (خودي) إله الايزيدية، هو الذي يرسل البشارة لكل المخلوقات ولكل الاديان. وهذا يعني أن الايزيدية لاينكرون قدسية أي دين من الاديان، ويعتقدوا أن جميع الاديان والمعتقدات هي من عند الله وببشارته، مهما اختلفت توجهاتها وأفكارها.
إلهي هو رب التكوين
لنتمسك بالايمان
فهو الذي يشفع لنا... 16
إلهي هو المرشد
فهو الواحد الاكبر
وله يكون السجود... 17
إلهي هو المعبود الواحد
إله اللوح المحفوظ
وهو يستحق الدعاء والسجود..... 18
إن الاشارة هنا إلى الاله، رب اللوح المحفوظ، هو تأكيد آخر على أن طاووس ملك هو نفسه الله. فاللوح المحفوظ، حسب ميثولوجيا الايزيدية، هو لوح المعرفة والحقيقة الذي يسجل فيه طاووس ملك اقدار الدنيا. حيث يرتبط اسم طاووس ملك دوما بكونه رب اللوح المحفوظ، نأتي على ذكره في الفصل لاحق.
ويواصل النص في الابيات اللاحقة بذكر صفات الباري، وكماله، أحيانا بصيغة الغائب وأحيانا بصيغة المخاطبة والتذرع والخشوع:
إلهي هو رب الحق
الذي يغفر لأصحاب الاماني
هو الذي يعطي الافراح........... 19
إلهي هو العادل
هو الكامل من كل النواحي
هو الذي يحقق آمال كل القلوب.........20
إلهي هو رب الارزاق
معتقد كل القلوب
هو العارف بحال الجميع.......... 21
في كل الاوقات والازمان
هو إله الارض والعرش
من عنده تأتي الارزاق والحظوظ........22
إلهي هو رب الاماني
إله النعمة والرقة
يستحق كل الاوصاف.............23
إلهي هو البركة
هو الرقة والنعمة
إله الدنيا والآخرة.................. 24
إله الدنيا والآخرة
محقق أمنياتي
هو (يزدان)ي الاوحد.... 25
إلهي هو الرحيم
حين يمطر بزخات
يحيي بها العالم........ 26
إلهي هو (خودي)
رؤياه لنا خير وسعادة
مكانه في كل القلوب........ 27
إلهي هو الستار
وهو إله جبار
مكانه في كل الاماكن والديار.. 28
إلهي هو النور
هو ليس بعيد عنا
فهو عالم بالارض والسماء والبحار العميقة... 29
إلهي الواحد الاكبر
لايكره أحدا
فهو الرحمة الابدية... 30
إلهي هو الواحد القديم
ففي الارض والسماء هو العظيم
وهو لكل داء حكيم................ 31
يا (خودي)، انت تعطي الارواح وتأخذها
انت تزرع الصبر والسلوان في القلوب
تجعلها كالشعرة، ولاتقطعها............32
يا (خودي) طريقك هو الصدق
وعملك هو بالحق
وسرك هو المخفي............. 33
طريق (خودي) هو الصدق
فهو الاله دون شك
هو إلهي (الملاك الباري)........ 34
انت إله المروءة
إله الشفاعة والبركة
رب الدنيا والآخرة............. 35
يا (خودي) انت ملاك العرش
انت السيد على كل الاعمال
انت ترفق بكل القلوب......... 36
من اقوال الشيخ فخر الناسك
إلهي هو الاكبر
إسمه كان منذ الازل..... 37
أيها الاله ليس لك وكيل
ليس لك دليل، وليس لك كفيل
ليس لك خلان وليس لك بديل........... 38
أيها الاله ليس لك طفل أو ولد
ليس لك أب ولا أم ولا جد
وبدونك فكل شئ باطل............ 39
أيها الاله انت الذي تعطي والذي تأخذ
تؤدي وتجلب،
فأمطر علينا من رحمتك...... 40
أنت الذي تكسر، والذي تجبر
أنت الذي تحيي، وانت الذي تميت
أمطر علينا من رحمتك............ 41
أنت الذي تأخذ والذي تعطي
أنت الذي توقد، والذي تطفئ
أمطر علينا من رحمتك............... 42
الابيات 38 و39 تجزم فكرة التوحيد عند الايزيدية، فالاله الاكبر، خودي، يزدان، طاووس ملك، هو الاله الاوحد، ليس له وكيل أو بديل. لم يلد ولم يكن له طفل أو ولد. وكل شئ بدونه باطل.
إن فكرة التوحيد الذي يجسدها هذا النص الديني خالية من الشك. ويمكن لأي قارئ أن يستشفها حتى بدون شروحات. فالافكار معروضة بشكل واضح وصريح، وقريبة من عقلية كل إنسان مهما كان معتقده. وكأن الانسان الايزيدي، بهذا النص الديني يخاطب غيره صراحة، ويقول لهم: كلنا نعبد نفس الاله، حتى لو اختلفنا في تسمية الله عز وجل. فالله هو نفسه الله في كل مكان وكل زمان، وبكل لغة وكل لهجة.
هوامش الفصل الاول:
(1) أنظر بحث للكاتب صباح كنجي حول مقارنة بين الاسماء الايزيدية والسومرية، وايضا دراسة للدكتور خليل جندي حول طبقة القوالين الوعاء الامين في حفظ التراث الايزيدي، نشرا في مجلة روز المتخصصة بالايزيديولوجيا، الاعداد 5، 6 .
(2) للإطلاع على تفاصيل ونماذج من هذه الادعية يمكن مراجعة كتاب (نحو معرفة حقيقة الديانة الايزيدية) للباحث د. خليل جندي.
(3) النص الاصلي هو باللغة الكوردية. نشره الكاتب بدل فقير حجي في كتابه المعنون (باوه ري وميثولوجيا ايزيديان) ص 201 ، وقد نقل الكاتب النص من والده العالم الديني فقير حجي، وهو واحد من أهم رجال الدين الايزيدية الذين دعموا فكرة توثيق النصوص الدينية منذ السبعينات، وكسروا بذلك الحاجز النفسي الذي كان يمنع رجال الدين من توثيق العلم الشفاهي. إذ كان علماء الدين يعتقدون أنهم بحرصهم هذا على التناقل المباشر من الاستاذ إلى التلميذ، دون كتابة، إنما يمنعون تحريف الديانة الايزيدية من جهة ومن جهة أخرى يمنعون التلاعب بالنصوص الدينية من قبل الغير ايزيديين –حسب تصوراتهم-، خاصة وأن الايزيدية عاشوا القرون الاخيرة كأقلية دينية، يسعى الجيران إلى تصفيتها وإبادتها دوماً.
(4) تجدر الاشارة، إلى ان للباحث التاريخي حسو امريكو دراسات مطولة حول (الاتجاهات الاربعة) في المعتقدات القديمة. يمكن الاطلاع عليها في أعداد مجلة روز، الاعداد 1 -6 الصادرة عن مركز الايزيدية خارج الوطن.
_______________
(المصدر: قنديل نت)
بقلم: ميرزا حسن دنايي
كلمة لابد منها:
قد لاتكون هذه مقدمة مناسبة لمقالة كهذه ولكن لابد منها. لم تكن هي المقالة التي نشرتها فرانس برس قبل أيام وتناقلتها بعض وسائل الاعلام العربية والكوردية، منها بتعمد ومنها بحسن نية، المرة الاولى التي يسئ فيها كاتب إلى الديانة الايزيدية. فقد عرف التاريخ الايزيدي العديد من الكتاب الذين دخلوا بيوتهم من الباب وطعنوا فيهم. أحيانا عن جهل وأحيانا عن خباثة وحقد دفين، واحيانا بسبب خطط سياسية لتشويه التاريخ وللنيل منهم.
ولكن الفرق هذه المرة، هو أن الايزيديين اليوم يستطيعون أن يوصلوا صوتهم إلى الناس، فاليوم إلى جانب الافكار الشوفينية الضيقة التي ترفض الاخر، يملك الايزيديون من الأصدقاء والباحثين موضوعيين من يدافع عن الحقيقة. فإذا كان هناك من يريد أن يشوه سمعة الايزيدية، هناك أيضا عشرات مثل القاضي زهير كاظم عبود، البروفيسور كاظم حبيب، رشيد خيون، د. هشام الديوان وغيرهم وأيضا من أبناء الايزيدية من يستطيع أن يبين الحقيقة. وإذا كانت هناك قناة العربية والجزيرة تهدف إلى تعميق النعرة الطائفية في العراق، فهناك أيضا الفيحاء والعراقية والفرات وغيرها من صحف ومجلات العراقية الاصيلة التي تزيد من اللحمة والتآخي العراقي بكل مكوناته القومية والدينية والمذهبية.
مرجعية المقالة:
من المعروف أن فلسفة الديانة الايزيدية، تعتمد بجزئها الاكبر على التراث الديني الشفهي، الذي يضم نصوص دينية مؤلفة من قصائد تتطرق إلى معظم جوانب الفلسفة واللاهوت الايزيدي، لم تجمع لحد الان في كتاب مقدس. بسبب أن الايزيدية عاشوا ظروف مأساوية في تاريخهم، وتعرضوا لأشد أنواع التنكيل والابادة، ففقدوا الكثير من تراثهم، وفقدوا ايضا العديد من وثائقهم وكتبهم الدينية، وإبتعد أبناء الايزيدية عن مصادر التعليم، فتفشت الامية بينهم مئات السنين. وما بقي من هذا التراث الديني كان يحفظ في صدور رجال الدين. حتى مطلع السبعينات، حيث بدأت نخبة من المثقفين الايزيديين بمحاولة نشر ما استطاعوا جمعه من افواه رجال الدين والعلماء. ولاتزال جهود جمع التراث في بداية المشوار، حيث هناك العديد من النصوص التي لم تدون بعد.
هذه الدراسة المتواضعة، التي تتألف من عدة فصول سوف تنشر تباعا، تعتمد بالدرجة الاولى على هذه النصوص الدينية ومعانيها، وقد ترجمت مباشرة عن اللغة الاصلية (الكوردية)، وتفاديا للالتباس للقارئ العربي ارتأيت عدم نشر المقاطع الكوردية، علما أن معظم هذه النصوص (ما يسمى -قه ول-) قد نشرت في المجلات الايزيدية المتخصصة كمجلة روز ومجلة لالش وكما نشرت نصوص عديدة في كتب المؤرخين والكتاب الايزيديين كسلسلة كتب الدكتور خليل جندي وخدر سليمان وبدل فقير حجي وغيرهم من المهتمين بجمع التراث والتاريخ الايزيدي.
هذه النصوص الدينية تعتبر المرجعية الاولى لفهم العقيدة الايزيدية، يعتمد عليها في تفسير وشرح الديانة وأركانها الرئيسية. مثلما يعتبر القران مرجعية فهم الاسلام، والانجيل مرجعية فهم المسيحية، وهكذا مع الاديان الاخرى.
-الفصل الاول-
التوحيد في فلسفة الايزيدية:
التوحيد في إسم الايزيدية:
إن فكرة التوحيد في الديانة الايزيدية لا تختلف عن غيرها من الديانات السماوية، وهي ربما تختلف عنها كونها ليست وليدة لحظة أو موقف، أو ثورة دينية، بل هو إيمان مترسخ تطور في فلسفة الديانة الايزيدية التي تمتد إلى آلاف السنين قبل الميلاد، حتى جعل الايزيدية يقتبسون اسمهم من اسم الله تعالى. فكلمة أيزيدي كلمة مركبة تتكون من (أيزي) و (دي). وأيزي هو اسم من أسماء الله تعالى في التراث الديني. وقد اجمع معظم الكتاب المنصفين الذي تناولوا الايزيدية، على هذا الرأي. حيث إن اسم الديانة يعني (عابد الله).
ويذكر النص الديني الايزيدي ( قه ولى هه زار ويه ك ناف) بهذا الصدد:
السلطان أيزي هو الرب
يسمى بإلف إسم وإسم
والاسم الاكبر (خودا) ....
(من النص الديني ألف اسم وإسم)
كما هو معروف أن إسم الله في اللغة الكوردية هو (خودا)، أي الخالق الذي خلق نفسه. ويظهر أيضا من النص التالي، كيف تم إشتقاق اسم الايزيديين انفسهم:
أنا ايزيدي بإرادة الله
إسمي من إسمه (أيزي)
الحمدلله والشكر،
قد قبلت بديني وإيماني....
(من النص الديني: دعاء الشهادة)
التوحيد وعدم الاشراك بالله، مسألة مهمة. وهناك عشرات النصوص التي تتحدث عن الوحدانية. ولايخلو نص ديني عن الاشارة إلى فكرة الاله الواحد. ويتجسد ذلك في النص الديني لدعاء شهادة الدين، الذي يبدأ بالجملة التالية:
شهادة ديني، الله الواحد
لاشريك له ولاخليل...
(من النص: دعاء الشهادة)
هنا تجدر الاشارة إلى نص ديني بديع في الوصف الالهي يسمى (قه ولي بادشا – أي نص الرب)، يستهل به علماء الدين الايزيديين، أثناء البدء بترديد النصوص الدينية لجموع المؤمنين:
ليتني، كنت املك ألف رأس
وفي كل رأس ألف وجه
وفي كل وجه، ألف لسان،
وعلى كل لسان ألف لغة
لكي ابتهل بها لإسم الله
(مدخل من نص: الرب)
تاريخ التوحيد عند الايزيدية:
لم يستطع المؤرخون تحديد تاريخ ظهور الايزيدية، فجذورها متوغلة في القدم ترجع إلى بداية العهد السومري، وربما مع بداية إكتشاف الزراعة والمدنية، سوف نتطرق إلى الموضوع في فصول لاحقة. وهذا يعني أن الايزيدية مرت ككل شعوب العالم بمراحل بدائية من الفكر الفلسفي الديني وتطورت مع النضوج الفكري، إلى أن وصلت إلى فكرة التوحيد والايمان بالاله الواحد، الإله خالق الارض والسماء (خودا). وفكرة التوحيد نفسها قديمة جدا عند الايزيدية، ترجع إلى ما قبل اليهودية.
حيث يعتقد الايزيدية انفسهم، أن التوحيد ظهر بينهم منذ عهد النبي إبراهيم الخليل، إذ تأثروا به، وآمنوا بربه. فإبراهيم الخليل، حسب الرواية الايزيدية الدينية هو من عشيرة أيزيدية وهاجر من بينهم، بعد أن خلصه الله من نمرود. والاسطورة الايزيدية لاتختلف عن قصة ابراهيم الخليل في الكتب السماوية، إلا في جملة، قد تكون عابرة، ولكنها بدلالاتها ترتبط بالتطور التاريخي-الفلسفي للدين الايزيدي.
إذ تحتوي قصة ابراهيم الخليل في التراث الايزيدي على حادثة تعرفه على الله تعالى.
وتقول القصة:
اقتنع ابراهيم ابن عازر صانع الاصنام، ان هذه الاصنام ليست الهة ولاحول لها ولاقوة، لأنه كان يرى والده وهو يصنعها. فخرج ذات مساء يفكر في الامر، فإذا بالبدر الجميل النير ظهر أمامه. فقال: إن هذا هو الرب. وظل ماشيا، فإذا بالنهار طلع عليه، والشمس القوية الجبارة، أكثر نورا من القمر، فردد في نفسه بل هذه الشمس هي الاله. ولكنه إستمر في تفكيره، فإذا به يقول: لابد أن يكون هناك من خلق هذا القمر وهذه الشمس. وهو الاله الذي يستحق العبادة وحده. وبهذا عرف ابراهيم الخليل الله، خالق الشمس والقمر. وعبده ودعى إلى عبادته.
المهم في هذه الجزئية التي يرويها الايزيدية، هو أساسا، انعكاس لمرحلتين تاريخيتين مر الايزيدية بهما، وهما ظهور عبادة إله القمر (الاله سن)، وإله الشمس (ربما المثرائية)، وأخيرا الوحدانية أو التوحيد.
تجدر الاشارة هنا إلى أهمية الرجوع إلى رواية التوراة حول النبي اسحق إبن ابراهيم الخليل، الذي أمره ابوه (إبراهيم) بضرورة التوجه إلى موطن الآباء للزواج من فتاة من عشيرة أبيه، لكي لايفسد. فكان أن توجه إسحق إلى حران (موطن الايزيديين تاريخيا)، وهناك وجد فتاة من عشيرة أبيه، (إبنه خالته) وتزوجها عائدا إلى فلسطين، وأنجبوا النبي يعقوب. هذه الرواية تؤكد أن عشيرة ابراهيم الخليل التي خلفها وراءه كانت نفسها تؤمن بالوحدانية، وإلا كيف يقبل خليل الله أن يتزوج إبنه من كافرة.
المقارنة مع رؤية الاديان الاخرى:
نظرة الايزيدية في التوحيد والخالق، هي نظرة لها خصوصيتها. تختلف فيها جزئيا عن الاديان السماوية الاخرى. فالايزيدية ينظرون إلى الله (خودا) أو (أيزي) على أنه الرب المطلق، وهو الذي يجمع في ذاته القوى المطلقة. وبالتالي فهو خالق الخير المطلق وخالق الشر المطلق. هو الذي يمنح الخير والشر. فالنص الديني في دعاء الشروق يتجه إلى الله:
ياربي..
إمنح الخير،
وأقلب عنا الشرور
(من النص: دعاء الشروق)
هذا يعني، أن لاوجود للملاك الساقط أو للشيطان في الفلسفة الايزيدية. حيث أن المرتكز الاساسي في فلسفة الخير والشر، هو أن الله يمنح الخير. والعمل الصالح هو بمباركة الله، أما العمل الشرير فهو نتيجة النفس البشرية (الغريزة البشرية). وبهذا فإن الانسان في العقيدة الايزيدية مخير بين ان يتبع إرادة الله (ايزي)، فيعمل للخير ليطهر نفسه. أو أن يتبع غريزته، فتدنس روحه بشرور النفس وتعاقب الروح بعد الممات.
ويعتبر الحوار الفلسفي في النص الديني (قه ولي نه فسي)، من أهم المراجع الفلسفية في العقيدة الايزيدية الذي يتحدث عن مسؤولية الانسان الشخصية أمام الرب في عمله. حيث تعتبر النفس البشرية هي المسؤولة أمام الله عن أفعال الانسان.
أنواع النصوص الدينية:
ربما من الضروري إطلاع القارئ الكريم على ملخص بطبيعة وانواع النصوص الدينية الايزيدية الشفاهية، وأسباب تسميتها وأهميتها من الناحية اللاهوتية. حيث يتكون الادب الديني الشفاهي من سبعة أنواع من النصوص، كانت منذ مئات السنين تحفظ في صدور رجال الدين وتنقل بإمانة من جيل إلى جيل. ويبدو أن الظروف التاريخية كانت دوما تحيل دون تدوينها. ومن هذه النصوص نستشف المعتقد الايزيدي بإطاره الخاص، والعام. وهذه الانواع هي:
1. النوع الاول: (قه ول )
يعتبر هذا النوع من النصوص الاهم من الناحية اللاهوتية، فهي التي تلخص فلسفة الديانة الايزيدية ورؤيتها إلى الحياة والدين. ومنشأ كلمة (قه ول) هو مثل غيره من الكثير من قضايا الايزيدية، محل جدل عند الكتاب. فمنهم من نظر إلى الموضوع بسطحية، فلاحظ التقارب بين هذه الكلمة والكلمة العربية (قال يقول قولا)، وإعتبر انها اشتقت من اللغة العربية. في حين أن أبسط دليل ينفي هذه المسألة هو أن جميع نصوص (قه ول) هي باللغة الكوردية، على عكس (قسيدة) مثلاً التي ترد بلغات أخرى. أما الرأي الاصوب، فهو الاصل السومري للكلمة، والتي اشتقت من (كالو)، ومنها جاءت أيضا تسمية (قوال) إحدى مراتب رجال الدين الايزيدية المتخصصين بحفظ هذه النصوص الدينية وإلقاءها مع انغام الموسيقى المقدسة (دف وشباب) بين الايزيدية، أثناء جولات الرمز الديني (طاووس) السنوية. و(كالو) كانت تسمية بعض المراتب الدينية أو بالاحرى إسم الكهنة الموسيقيين في بعض معابد العهد السومري. (1)
2. النوع الثاني: (به يت)
هذا النوع من النصوص الدينية، عبارة عن قصائد تورع في مديح الله والملائكة والاولياء وذكر صفاتهم. واحيانا تناول قضايا الحكمة ومبدأ الاخذ بالمثل والتوعية. وهي أقل قدسية من النوع الاول ولغتها هي الكوردية الكورمانجية. وكلمة (به يت)، هي كلمة وردت قديماً في الشعر الكوردي الكلاسيكي والتي تعني (قصيدة).
3. النوع الثالث: (قسيدة )
من الواضح ان الكلمة اشتقت من اللغة العربية والتي تعني (قصيدة). وهي بمضمونها وأهميتها اللاهوتية لاتختلف عن النوع الثاني. ولكن خصوصيتها، أنها كتبت باللغات الاخرى، كالعربية والفارسية والتركية، ويقال ان علماء الايزيدية كانوا يحفظون نصوص بلغات أخرى غير هذه اللغات الثلاث، ولكن حملات الابادة الجماعية والقتل والتدمير الذي تعرضوا لها وربما تفشي الامية، قلصت من عدد النصوص التي وصلتنا.
4. النوع الرابع: (دوعا)
هذه النصوص عبارة عن أدعية مختلفة للتذرع إلى الرب. من أدعية يومية (دعاء الشروق، دعاء الغروب، شهادة الدين)، أو أدعية شفاء من الامراض وغيرها. (2)
5. النوع الخامس: (دروزة)
يعتبر هذا النوع، جزءا خاصا من التراتيل أو الادعية التي يحفظها رجال الدين، لمناسبات وطقوس دينية معينة. ويمكن وصفها انها تراتيل المراسيم الدينية.
6. النوع السادس: (خزيموك)
هذا النوع، هو عبارة عن قصائد وصف جميلة في العشق الالهي. لها نغماتها الخاصة، وهي وإن كانت من الناحية اللاهوتية الاقل أهمية، ولكنها في نفس الوقت روعة في جمال الشعر الكلاسيكي. و(خزيموك) اشتقت من الكلمة الكوردية (خزيم)، والتي تعني الخزام، تلك الحلقة الفضية أو الذهبية الصغيرة التي تضع المرأة في أنفها. ولو صح التعبير فيمكن أن تكون ترجمة كلمة خزيموك هو (خزاميات) وهو التعبير الاجمل لهذا النوع من النصوص. وبرأيي فإن رجال الدين القدامى إختاروا هذه التسمية القريبة من المرأة لتكون مقدسة، تكريما للمرأة نفسها. حيث أن الفلسفة الايزيدية تنظر إلى المرأة بقدسية شديدة. بل كثيرا حينما يتبحر المرء في معاني ودلالات بعض النصوص الدينية يدرك أن المرأة في هذه الفلسفة أهم من الرجل وأعلى منه مرتبة وأكثر منه تقرباً إلى الله. طبعاً على عكس الواقع الاجتماعي الايزيدي، الذي مثله مثل غيره من المجتمعات الشرقية، لا ينصف المرأة ولا يعطيها ولو جزءاً من حقوقها.
7. النوع السابع: (بايزوك)
هذا النوع لايختلف عن النوع السادس من النصوص، سوى بالتسمية، التي تعني (خريفيات)، إشتقاقاً من فصل الخريف.
رؤية النصوص الدينية إلى التوحيد:
لايخفى على القارئ المطلع على النصوص الدينية الايزيدية، أو الادب الشفاهي بمختلف انواعه، من (قه ول، به يت، قسيدة، دوعا، دروزه، خزيموك، بايزوك)، التي هي جميعها وإن اختلفت أسماءها، بسبب إختلاف وجهتها الفلسفية أو اهميتها اللاهوتية، لايخفى عليه التأكيد الدائم على الخشوع لله والايمان به.
فالنصوص الدينية تعبر عن الانتماء الايزيدي إلى الفكر الوحداني. وهناك نصوص تضع العقيدة الوحدانية موضوعها الاساسي. فعلى سبيل المثال (النص الديني: قه ولي به دشا)، يتناول الرؤية الايزيدية في الوحدانية.
دراسة وتحليل حول النص الديني (قه ولي به دشا):
يعود تاريخ تأليف هذا النص إلى حوالي تسعمئة عام. فالبيت رقم 37 من النص يجسد اسم المؤلف، إذ يرد إسم (شيخ فخر باب زه ر) على أن النص من أقواله. وهو الجد الاعلى للرؤساء الروحانيين، مرتبة (بابا شيخ) الدينية، وإسمه (الشيخ فخر بن ايزيدين امير الشمساني)، أحد أولياء الايزيدية، وأحد معاصري شيخ أدي الهكاري. وكانت من عادة واضعي النصوص الدينية آنذاك، أن يذكروا إسمهم ضمن النص، بصيغة يفهم منها أنها عائدة لهم.
اطلق (شيخ فخر) تسمية (قه ولي به دشا ) على هذا النص(3)، حيث يكثر الايزيديون في ادبهم الديني من استخدام كلمة (به دشا). ويقصد بها الاله أو الرب، كإشارة إلى الله سبحانه وتعالى. وللكلمة جذروها في لغات هندو-فارسية قديمة وحديثة. وتعني (الملك)، واستخدمت احيانا للإشارة إلى المعبود أو الاله.
لهذا النص أهمية كبيرة، ففلسفته تتناول أهم القضايا الخلافية في اللاهوت الايزيدي، بطرح منطقي ومفهوم، ليس فقط للأيزيدية فحسب بل حتى لغير الايزيدية، وخاصة للجوار المسلم. ونحسب أن (شيخ فخر) اراد أن يعرف الديانة الايزيدية بغير الايزيديين من خلال هذا النص، فكان ذلك هو السبب الاساسي في أن يتكون النص من ابيات، أو ثلاثيات، حرص مؤلفه ان يكون السطر الاول من كل بيت تعريفاً، بإسم من أسماء الله، أو بالاحرى تعريفا بصفة من صفات إله الايزيدية (يزدان) او (خودي) أو (أيزي) او (طاووسي ملك). ويمكن تلخيص أفكار النص بعدة نقاط رئيسية:
1. حرص النص على ذكر أسماء الله المتفق عليها في اللغة العربية، سبعة مرات. وذلك تأكيداً لإزالة الشك في نفوس غير الايزيديين حول إله الايزيدية. فهو الغفار، الستار، الرحيم، الواحد، العظيم، العادل، الغفور.
2. التأكيد على أن الخير والشر هما بإرادة هذا الاله الاكبر.
3. التأكيد على أن الايزيدية يحترمون الديانات الاخرى، ويؤمنون بصلاحها، دون التعرض لها بسوء. لأنها جميعا تجتمع في كلمة الله وعبادته.
4. الحرص على الوحدانية وعدم الاشراك بالله.
5. طاووس ملك هو نفسه اسم من أسماء الله، حتى لو ورد في صفاته أنه تارة الله وتارة رئيس الملائكة.
6. أن الملائكة السبعة هي الملائكة الخالدين الذين يديرون اعمال الكون بإرادة من طاووس ملك (خودي أو يزدان).
ولو عالجنا النص بطريقة تحليلية، لإستخلاص هذه النقاط، والتفسير في معانيها الاخرى. نجد أن بداية النص المتكونة من البيتين التاليين، تعطيان الصفات الرئيسية للإله. فيذكر النص:
ربي هو الاله
خالق الجبال والهضاب
نقاش كل النقوش ... 1
ربي هو الغفار
من عنده يأتي القرار
بشأن الدنيا، والجهات الاربع... 2
التعريف بالاله عند الايزيدية إذن، أنه هو الخالق، ولكنه لم يتوقف عن الخلق فحسب، كما ذهبت إليه بعض المعتقدات القديمة، التي كانت تؤمن بإله السماء الخالق الذي خلق الدنيا وتركها. وقد اختلط الامر عند بعض الكتاب الذين تناولوا الايزيدية، بسبب عدم إطلاعهم على النصوص الدينية، فإدعوا أن الايزيدية ايضا يؤمنون بالله كخالق ولكن يعتبرون انه ترك الدنيا فيما بعد. ولكن البيتين أعلاه وما يلاحقهما، يؤكد خلاف ذلك. حيث أن فكرة إرادة الله ويد الله الطولى واضحة في ابيات هذا النص. فالاله هو الذي يرسم كل الأمور. ويأتي من عنده القرار حول احوال الدنيا. وهذا تأكيد واضح على إرادة الله على الخير والشر. وقد تناول المقطع اعلاه صفة (إله الجهات الاربع). وهذه الصفة هي من صفات ألهة السماء في المعتقدات القديمة.(4)
ربي هو الذي خلق الدنيا
زينها بحدودها وتخومها
فأغنى بها إبن آدم..... 3
هنا يدخل النص في جدوى هذه الدنيا الجميلة التي خلقها الاله. فجدواها هو لكي يغني بها بني البشر. علماً أن فكرة آدم، التي تتبناها الفلسفة الايزيدية، تختلف نوعا ما عن رؤية الاديان الاخرى. واحياناً يشعر المطلع على النصوص الدينية، أن الايزيدية ربما يكونوا قد اقتبسوا فكرة آدم من غيرهم من الاديان الاخرى، خوفاً من أن يتهموا بالهرطقة باطلا. فالايزيدية يعتقدون أن الله خلق نوعا من البشر قبل آدم. هؤلاء البشر كانوا الخيرين فقط. ويعتقدون أن هناك أكثر من آدم واحد، فقد اكتملت الدنيا بالبشر سبعة مرات ثم دمرت الدنيا بسبب شرور البشر، وكل مرة من هذه المرات كان هناك آدم يخلقه الله، فيملأ الارض بذريته. ولهذا فإن أحد النصوص الدينية، يذكر أن الايزيدية ليسوا من آدم، بل من (الخميرة الصادقة). ولكن الخوف من أن يتهموا بالباطل جعلهم يتخذون من آدم جداً لهم. كما يرد في نص ديني آخر:
(أحسب إذا قلت أنني لست من آدم
فأن ابناء الشرائع سوف يقتولني بالرجم).
والقصد من ابناء الشرائع هم جيران الايزيديين من المسلمين، والمسيحيين. على أية حال، فإن عبارة بني آدم، هي إشارة إلى بني البشر عامة، وتستخدم النصوص الايزيدية هذه العبارة بإستمرار.
ربي هو سر السماوات
إله الليل والنهار والأوقات
من عنده تأتي الكرامات.... 4
البيت أعلاه يستوجب منا وقفة هامة. لأنه يتناول مواضيع فلسفية وعلمية. إذ يطرح فكرتين هامتين. الاولى، أنه ليس هناك سماء واحدة، بل سماوات، بصيغة الجمع. وهنا نذكر أن المعتقد الايزيدي يذهب إلى أن هناك سبعة طبقات من السماء، وسبعة طبقات من الارض. وإذا راجعنا تراث علم الفلك منذ العهود السومرية والبابلية وحتى القرون المتأخرة، نرى أن الفلكيين كانوا يشيرون إلى كواكب سبعة. بقية كواكب المجموعة الشمسية اكتشفت لاحقاً. وهذه الكواكب هي الاشارة إلى الطبقات السبعة للارض. ولكن السؤال ما هي الطبقات السبع للسماء، أو بالاحرى ما هي السماوات السبع؟ هذا الموضوع الفلسفي شائك، قد نأتي على ذكره مستقبلاً.
أما الفكرة الثانية فهو ذكر صفة الاله برب الليل والنهار، وهذا مفهوم ولكن دمج ذلك ببُعد آخر، أطلق عليه شيخ فخر ب(ده م) في السطر الثاني، والذي ترجمته مجازيا ب(الاوقات). وتكملة البيت بالسطر الثالث، لتكون الكرامات (أي المعجزات) من عن هذا الاله. وهذا يوحي إلى أن النص يود أن يذكرنا، أن الكون، ليس فقط بعد المكان والزمان، أو الليل والنهار، بل أن هناك بُعد ثالث، كما تظهر الاشارة إليه في مقاطع أخرى من هذا النص، وربط ذلك بالكرامات، أو المعجزات. والنصوص الايزدية، والقصص الميثولوجية في تراثهم لاتخلو من الاشارة إلى هذا البُعد الميتافيزيقي الغير منظور أو الغير واقعي.
إلهي هو رب الملائكة
رب تلك الاسرار السبعة القويمة
الفرسان السبعة ذو الهيبة..... 5
ربي خلق الكون من (الدرة)
وسلمها للملائكة السبعة، الخالدين
وجعل من طاووس ملك رئيساً.... 6
هنا تأتي الاشارة إلى فلسفة الايزيدية في التكوين والخليقة، التي نأتي إلى ذكرها في فصل لاحق، وهي الاعتقاد أن الدنيا قد خلقت من ذرة، أو (درة). والقصد من الاسرار السبعة أو الفرسان السبعة، هو نفسه الملائكة السبعة الخالدين. وهنا يأتي دور طاووس ملك، الذي اتخذه الاله رئيساً عليهم.
النص هنا، وبشكل مجازي، يعطي في الوهلة الاولى فكرة وجود ثلاثة صفات الوهية خالدة، نابعة من نفس المصدر. وهي الاله، طاووس ملك، والملائكة السبعة. ولكننا نجد ان شيخ فخر سرعان ما يدرك ان ذلك قد يفهم خطأ، وخاصة حول هل الله وطاووس ملك اثنان أم واحد. فيعالج ذلك من خلال البيت الثامن من هذا النص. حيث يؤكد، أن الاله هو الملاك الباري. والملاك الباري هو تسمية من تسميات طاووس ملك في التراث الايزيدي. فطاووس ملك هو نفسه إله الانبياء والرسل وهو نفسه (يزدان).
إلهي هو رب آدم
من عنده يأتي الكرم
في جميع الاماكن والازمان... 7
إلهي هو الملاك الباري
إله كل الانبياء والمهديين
هو يزداني الاعلى.... 8
ربي هو إله سليمان
هو يزدان الانس والجن
كلهم سجدوا لمجده... 9
أبو الانبياء إبراهيم الخليل
تذرع إلى الاله دخيلا
ليجعل القربان إسماعيل... 10
إلهي هو رب الصمد
رب موسى، عيسى، ومحمد
كلهم سجدوا له.... 11
إلهي هو الرب الاعلى
رب القسيس، والناسكين والصوفيين
رب شيخي (آدي)... 12
الابيات الستة أعلاه، تدور في دائرة واحدة، وهي ان إله الايزيدية (يزدان)، هو نفسه، إلاله طاووس ملك، الملاك الباري، وهو نفسه إله النبي سليمان، وإله إبراهيم الخليل والنبي إسماعيل، هو رب الانبياء عيسى وموسى ومحمد. فهم جميعا سجدوا له وعبدوه. هو معبود القسيس والمتصوفة والناسكين. وهو رب شيخ آدي. وهذا يعني أن الايزيدية لايجدون انفسهم مختلفين في عبادة الله عن غيرهم. فالجميع يلتقي عند كلمة يزدان أو الله. والابيات التالية تدور أيضا في نفس الدائرة.
إلهي هو الواحد العظيم
رب كل المؤمنين
هو (يزدان) رب الكون... 13
إلهي هو رب الصابرين
خالق النار والنور
هو الحق وهو الغفور... 14
البيت الرابع عشر اعلاه، إشارة إلى موضوع إرادة الاله في الخير والشر. فالاله هو الذي خلق (النار) و(النور)، الجانبان والوجهان من حقيقة هذا الكون. ولم يكن اختيار شيخ فخر كلمتي نار ونور اعتباطيا. فحتى لو كان النار الاشارة إلى الاحتراق أو العذاب، أي الشر. والنور هو الاشارة إلى الخير والنورانية والالوهية. ولكن النص يعطينا فكرة، كيف أن كلاهما يمنحان الضوء. وهما كلاهما في وجودهما المنطقي غير مختلفين، سوى أن النار إذا ما اقترب المرء منه يحترق والنور كلما تقربت منه اصبحت اكثر إلهاما وسعادة. فالنار والنور، شيئان لاينفصلان، فليست هناك نار بدون نور، وليس هناك نور دون نار (على الاقل قديماً، قبل ان تكتشف وسائل الاضاءة الحديثة). فهما مثل الاله الذي يجمع في طبيعته الخير والشر الغير منفصلين.
إلهي هو الواحد الامين
من عنده تأتي البشارة
لكل مخلوق وكل دين... 15
هنا أيضا إشارة أخرى إلى أن (خودي) إله الايزيدية، هو الذي يرسل البشارة لكل المخلوقات ولكل الاديان. وهذا يعني أن الايزيدية لاينكرون قدسية أي دين من الاديان، ويعتقدوا أن جميع الاديان والمعتقدات هي من عند الله وببشارته، مهما اختلفت توجهاتها وأفكارها.
إلهي هو رب التكوين
لنتمسك بالايمان
فهو الذي يشفع لنا... 16
إلهي هو المرشد
فهو الواحد الاكبر
وله يكون السجود... 17
إلهي هو المعبود الواحد
إله اللوح المحفوظ
وهو يستحق الدعاء والسجود..... 18
إن الاشارة هنا إلى الاله، رب اللوح المحفوظ، هو تأكيد آخر على أن طاووس ملك هو نفسه الله. فاللوح المحفوظ، حسب ميثولوجيا الايزيدية، هو لوح المعرفة والحقيقة الذي يسجل فيه طاووس ملك اقدار الدنيا. حيث يرتبط اسم طاووس ملك دوما بكونه رب اللوح المحفوظ، نأتي على ذكره في الفصل لاحق.
ويواصل النص في الابيات اللاحقة بذكر صفات الباري، وكماله، أحيانا بصيغة الغائب وأحيانا بصيغة المخاطبة والتذرع والخشوع:
إلهي هو رب الحق
الذي يغفر لأصحاب الاماني
هو الذي يعطي الافراح........... 19
إلهي هو العادل
هو الكامل من كل النواحي
هو الذي يحقق آمال كل القلوب.........20
إلهي هو رب الارزاق
معتقد كل القلوب
هو العارف بحال الجميع.......... 21
في كل الاوقات والازمان
هو إله الارض والعرش
من عنده تأتي الارزاق والحظوظ........22
إلهي هو رب الاماني
إله النعمة والرقة
يستحق كل الاوصاف.............23
إلهي هو البركة
هو الرقة والنعمة
إله الدنيا والآخرة.................. 24
إله الدنيا والآخرة
محقق أمنياتي
هو (يزدان)ي الاوحد.... 25
إلهي هو الرحيم
حين يمطر بزخات
يحيي بها العالم........ 26
إلهي هو (خودي)
رؤياه لنا خير وسعادة
مكانه في كل القلوب........ 27
إلهي هو الستار
وهو إله جبار
مكانه في كل الاماكن والديار.. 28
إلهي هو النور
هو ليس بعيد عنا
فهو عالم بالارض والسماء والبحار العميقة... 29
إلهي الواحد الاكبر
لايكره أحدا
فهو الرحمة الابدية... 30
إلهي هو الواحد القديم
ففي الارض والسماء هو العظيم
وهو لكل داء حكيم................ 31
يا (خودي)، انت تعطي الارواح وتأخذها
انت تزرع الصبر والسلوان في القلوب
تجعلها كالشعرة، ولاتقطعها............32
يا (خودي) طريقك هو الصدق
وعملك هو بالحق
وسرك هو المخفي............. 33
طريق (خودي) هو الصدق
فهو الاله دون شك
هو إلهي (الملاك الباري)........ 34
انت إله المروءة
إله الشفاعة والبركة
رب الدنيا والآخرة............. 35
يا (خودي) انت ملاك العرش
انت السيد على كل الاعمال
انت ترفق بكل القلوب......... 36
من اقوال الشيخ فخر الناسك
إلهي هو الاكبر
إسمه كان منذ الازل..... 37
أيها الاله ليس لك وكيل
ليس لك دليل، وليس لك كفيل
ليس لك خلان وليس لك بديل........... 38
أيها الاله ليس لك طفل أو ولد
ليس لك أب ولا أم ولا جد
وبدونك فكل شئ باطل............ 39
أيها الاله انت الذي تعطي والذي تأخذ
تؤدي وتجلب،
فأمطر علينا من رحمتك...... 40
أنت الذي تكسر، والذي تجبر
أنت الذي تحيي، وانت الذي تميت
أمطر علينا من رحمتك............ 41
أنت الذي تأخذ والذي تعطي
أنت الذي توقد، والذي تطفئ
أمطر علينا من رحمتك............... 42
الابيات 38 و39 تجزم فكرة التوحيد عند الايزيدية، فالاله الاكبر، خودي، يزدان، طاووس ملك، هو الاله الاوحد، ليس له وكيل أو بديل. لم يلد ولم يكن له طفل أو ولد. وكل شئ بدونه باطل.
إن فكرة التوحيد الذي يجسدها هذا النص الديني خالية من الشك. ويمكن لأي قارئ أن يستشفها حتى بدون شروحات. فالافكار معروضة بشكل واضح وصريح، وقريبة من عقلية كل إنسان مهما كان معتقده. وكأن الانسان الايزيدي، بهذا النص الديني يخاطب غيره صراحة، ويقول لهم: كلنا نعبد نفس الاله، حتى لو اختلفنا في تسمية الله عز وجل. فالله هو نفسه الله في كل مكان وكل زمان، وبكل لغة وكل لهجة.
هوامش الفصل الاول:
(1) أنظر بحث للكاتب صباح كنجي حول مقارنة بين الاسماء الايزيدية والسومرية، وايضا دراسة للدكتور خليل جندي حول طبقة القوالين الوعاء الامين في حفظ التراث الايزيدي، نشرا في مجلة روز المتخصصة بالايزيديولوجيا، الاعداد 5، 6 .
(2) للإطلاع على تفاصيل ونماذج من هذه الادعية يمكن مراجعة كتاب (نحو معرفة حقيقة الديانة الايزيدية) للباحث د. خليل جندي.
(3) النص الاصلي هو باللغة الكوردية. نشره الكاتب بدل فقير حجي في كتابه المعنون (باوه ري وميثولوجيا ايزيديان) ص 201 ، وقد نقل الكاتب النص من والده العالم الديني فقير حجي، وهو واحد من أهم رجال الدين الايزيدية الذين دعموا فكرة توثيق النصوص الدينية منذ السبعينات، وكسروا بذلك الحاجز النفسي الذي كان يمنع رجال الدين من توثيق العلم الشفاهي. إذ كان علماء الدين يعتقدون أنهم بحرصهم هذا على التناقل المباشر من الاستاذ إلى التلميذ، دون كتابة، إنما يمنعون تحريف الديانة الايزيدية من جهة ومن جهة أخرى يمنعون التلاعب بالنصوص الدينية من قبل الغير ايزيديين –حسب تصوراتهم-، خاصة وأن الايزيدية عاشوا القرون الاخيرة كأقلية دينية، يسعى الجيران إلى تصفيتها وإبادتها دوماً.
(4) تجدر الاشارة، إلى ان للباحث التاريخي حسو امريكو دراسات مطولة حول (الاتجاهات الاربعة) في المعتقدات القديمة. يمكن الاطلاع عليها في أعداد مجلة روز، الاعداد 1 -6 الصادرة عن مركز الايزيدية خارج الوطن.
_______________
(المصدر: قنديل نت)