PDA

View Full Version : ضرغام الشلاه:دولة تجتث شعبها - يهود العراق


بحزاني نت
17-12-2006, 20:41
دولة تجتث شعبها

ضرغام الشلاه


يهود العراق

dgshallah@hotmail.com
يهود ألعراق بين ألمجتمع ومؤسسة ألدولةألحديثة(1)

أثبت أحفاد السبي البابلي قدرتهم على ألتعايش مع بقية مكونات ألشعب ألعراقي بسلام , إذ لم يألف العراق عبرتأريخه أن اليهود العراقيين دعاة سلطة سياسية دنيوية أوتبشير ديني , لذلك فأنهم هضموا ألتقلبات ألسياسية بحكمة وعقلانية وصولا ألى نشوء ألدولة ألعراقية الحديثة , وأخذوا على كاهلهم ألسعي ألى حداثة ألمجتمع وألحكم وفق منهج علماني وأداء فني, فشكلو نواة لمجتمع مدني ساهم في بناء دولة العراق.

أنقسم ألعراقيون أجتماعيا وليس سياسيا في ألتعاطي مع المؤسسة المدنية للدولة منذ نشؤها, إذ لم تستطع ألدولة ألعراقية منذ تأسيسها مواجهة نظرة عامة لدى ألمجتمع مفادها أنها كيان غير مرغوب فيه لأسباب تعود الى صعوبة تعاطيه مع دولة مدنية جاءت مع أحتلال بريطانيا للعراق و قامت على بقايا ألأمبراطورية العثمانية ألتي عمقت لدى الفرد العراقي عناصر قومية وطائفية في تحديد المواطنة العراقية .

تعامل البعض مع الكيان الجديد ببراغماتية أيجابية من أجل ديمومة مذهبية ألأمبراطورية العثمانية, أما القسم ألآخرفقد أختار تحريمها ومقاطعتها لأسباب ضيقة فرضتها ألمرجعية ألدينية ألتي يحتمي بها ضحايا دولة الخلافة ألأسلامية , أوعشائرية تنظر بعين ألريبة ألى مدنية ألدولة كونها تهدد سلطة القبيلة في تلك الفترة.بمعنى آخرإن مخاض تكوين ألدولة ألعراقية حتمه مجتمع فطري تحكمه تقاليد القبيلة ووصايا المذاهب وألأديان,أنها محصلة صراع بين مؤسسة مدنية و مجتمع ألفطري,أفضى ألى فقدان الدولة لعذريتها المؤسسية كمظلة تنوب عن العراقيين وتحميهم بمشروع مدني بديل عن فطريتهم العرقية والمذهبية والدينية, لذا أنعكست ديمغرافية ألمجتمع ألعراقي على ألدولة ألعراقية وهمشتها بهوية قومية في العروبة ودينية في ألأسلام ,أجتثت العراقيين كمكون بشري أجتماعي من ناحية ومشروع سياسي من ناحية أخرى.

شأن ألطائفة أليهودية طيلة تأريخ ألعراق تميزت بتعاملها مع التقلبات السياسية بهدوء, إذ أخذ يهود العراق في تلك الفترة على كاهلهم ألسعي ألى حداثة الدولة و ألمجتمع من خلال أبداعهم في مهن أفادتهم في هذا ألصدد , كألتجارة وألمالية وألطب وألتعليم, فشكلوا نواة مهمة للمجتمع ألمدني, فعملوا في وظائف عديدة عند تأسيس الدولة العراقية الحديثة ألتي كانت بأمس الحاجة أليها, مثلا ساسون حسقيل ألذي يعتبر من أهم الشخصيات العامة العراقية, أستفادت من أمكانياته الدولة العثمانية ومن ثم ألحكومة ألعراقية بعد ألأحتلال أ لبريطاني من عام 1920 الى عام 1925 باعتباره مستشار ماهر في مجال الحسابات والمالية. أشتهر هذا الرجل بموقفه الوطني في المفاوضات مع شركة النفط البريطانية 1925 حيث أصر أن يكون الدفع بالذهب بدلا من الشلن, كذلك من ألشخصيات ألعامة ألعراقية من الطائفة اليهودية السيدأبراهيم ألكبير مدير ألحسابات ألعام ومدير المالية العامة, إذ كان له دور مهم في تحديد ديون العراق من الدولة العثمانية وأعداد أسس العملة العراقية عام1931 وأنشاء مصرف ألرافدين ووضع بنية ألبنك ألمركزي.

بسبب ميلهم للعمل ألمدني لم يك لليهود العراقيين دورا مهما في ألمهن التي تخص ألقوات ألمسلحة , ألا أنهم كبقية ألعراقيين أنخرطوا في ألتجنيد ألأجباري بعد صدور قانون ألدفاع ألوطني سنة 1934. أما في سلك ألشرطة فأنهم غالبا ما يعملون كخبراء في مجال الطب العدلي كألدكتوريوسف روزنفلد, كماأهتم أليهود بدراسة ألحقوق وألعمل في ألمحاماة أمثال نعيم زلخة, داود سمرة, يوسف الياس.

في مجال القطاع ألأقتصادي الخاص نجد بصماتهم المؤثرة في تنشيط ألأسواق والتجارة والصناعة , إذ شكل أليهود ألأكثرية في غرفة تجارة بغدادألتي تم تاسيسها عام 1926 , و نشطو في ألتجارة بسبب معرفتهم اللغات الاوربية و خبرتهم في أكتشاف ألأسواق. كما عملوا في شركات ألنقل وألمواصلات بين سوريا ولبنان وفلسطين, أما في مجال صناعة ألسينما فقد أستوردت شركة يهودية عراقية اول ستوديو اخرج أول فيلم سينمائي عراقي هو عليا وعصام. كذلك اشتهر اليهود بمهنة الصيرفة واسسوا بنوكا كبنك زلخة.وكريدت بنك, بنك ادور عبودي, و شركة تأمين عراقية, وكانت لهم نشاطات اعمارية في البناء وزراعية في ألأستفادة من ألوسائل ألحديثة .

في مجال الادب والثقافة لعب اليهود دورا مهما في تحديث ألأنشطة الثقافية العراقية بكل الوسائل المتاحة المبتكرة والحديثة, إذ في مجال الطباعة أسسو مطبعة بيخو و دنكور التي نشطت في طباعة الكتب ,كما حرر فهمي درويش ومير بصري وصالح بصري أول دليل رسمي عراقي عام 1936. كذلك نشط يهود ألعراق في تحرير صحف عراقية, صحيفة ألمصباح لمحررها أنور شاؤل, جريد ألعراق حررها عضد رزق غنام, وكان نعيم صالح طويق أحد محرري جريدة الاهالي, بينما يعد انور شاؤل من الشعراء المجيدين ورواد القصة في العراق, ومن أوائل المترجمين المربي عزرا حداد .

من مظاهر ألأنفتاح وألحداثة ألثقافية ألتي أتسم بها يهود العراق, أنهم روادا في تحريرصحف صادرة بأللغة ألانكليزية, كذلك أشتهر أليهود بتأسيس نواد أجتماعية للعائلات كنادي لورا خضوري ألذي أسس سنة 1925, نادي ألزوراء, ألرشيد, ألرافدين, خريجي ألأليانس.وكان للسيدة مليحة أسحق صالون أدبي في بغداد يحضره رجال ألشعر وألأدب.

أشتهروا بحبهم للموسيقى وألغناء العراقي ألأصيل, إذ كان ألأخوان صالح وداود ألكويتي في ألجوق ألموسيقي لأذاعة بغداد عند تأسيسها عام 1936,أما نعيم بصري فأنه قد درس ألفنون ألموسيقية في لندن عام 1937 ومن ثم أختص بألموسيقى ألشرقية في ألقسم ألعربي لهيئة ألأذاعة ألبريطانية,أما سليمة مراد رائدة ألغناء ألعراقي ألحديث (1905,1974) فأنها ما تزال ذاكرتها ترتبط بهوية ألغناء ألتراثي ألعراقي.

حرص اليهود ألعراقيين على دعم ألتعليم في ألعراق وألأستفادة من ألتجارب ألحديثة في ألعالم فأسسو جمعية ألأليانس ألأسرائيلية ألفرنسية عام 1864 ألتي تعتمد على ألمناهج ألفرنسية,ثم فتحت هذه الجمعية أول مدرسة للبنات1893و مدارس أخرى في بقية مناطق ألعراق في ألحلة وكركوك وألعمارة وألبصرة وألموصل حتى بلغ عدد ألمدارس عام 1950 20 مدرسة وعدد طلابها وطالباتها 11200.


عند تأسيس ألمجلس ألتاسيسي لوضع ألقانون ألأساسي ألعراقي كان عدد مثلي ألطائفة أليهودية خمسة نواب , في مجلس ألأعيان مناحيم صالح دانيال وأربعة نواب في مجلس ألنواب. وأعترف ألقانون ألأساسي ألعراقي عام 1925 بألمحاكم ألدينية للطائفة أليهودية.*

المادة الخامسة والسبعون:
تقسم المحاكم الدينية إلى:
1 ـ المحاكم الشرعية.
2 ـ المجالس الروحانية الطائفية

المادة الثامنة والسبعون: تشمل المجالس الروحانية الطائفية: المجالس الروحانية الموسوية، والمجالس الروحانية المسيحية، وتؤسس تلك المجالس، وتخول سلطة القضاء بقانون خاص

أما ألسلطة الروحية للديانة اليهودية ,فقد نظمت بموجب قانون ألطائفة ألأسرائيلية رقم 77 لسنة 1931حيث تؤلف تلك ألسلطة من رئيس حاخامين ومجلس عمومي ومجلس جسماني.بأستثناء مدينة بغداد هنالك مجلس روحاني يشرف على ألشؤون ألدينية وألمعابد.

حرص ألملك فيصل ألأول منذ تأسيس الدولة على تكافل وتضامن ألعراقيين وأحترام تنوعهم في ظل حماية ألدولة ألعراقية وألمصلحة ألوطنية ألعراقية ألعليا, ذلك ما أكده في خطاب ألقاه بعد تقبيله ألتوراة في حفل أقامته ألطائفة ألأسرائيلية لجلالة ألملك رحمه ألله في 18 تموز 1921(... لاشيء في عرف ألوطنية أسمه مسلم مسيحي وأسرائيلي , بل هناك شيء يقال له ألعراق ... وأني أطلب من أبناء وطني لايكونوا ألا عراقيين..).

من خلال ما تقدم يمكن القول أن يهود العراق جذر عراقي ضارب القدم في بلاد مابين النهرين وبناة العراق الحديث , تفاعلومع الدولة العراقية عند نشأتها بأيجابية مهنية ونشطو في أدارتها ووظائفها , لشعورهم أن مظلة هذه الدولة هي الكفيل بحمايتهم كمكون ديني ضمن أغلبية ورثت أسلام سياسي عثماني من ناحية وكنواة لمجتمع مدني ضمن أغلبية محكومة بمنظومة سلوكية عشائرية في الدين والقومية من ناحية أخرى.


* جميع المعلومات التاريخية وألأرقام مصدرها كتاب يوسف رزق الله غنيمة (نزهة المشتاق في تاريخ يهود العراق), وملحق تأريخ يهود العراق في القرن العشرين لمير بصري*