مجلة الشيخان
11-01-2007, 18:30
للحصول على الإجابة الشافية علينا الاطلاع على ظاهرة الانتحار دوافعها وأسبابها وكيفية الوقاية منها كما ورد في كتب بعض المؤلفين ، ومن ثم نطرق أبواب مجتمعنا لدراسة هذه الظاهرة وكيفية وقاية أبنائنا منها .
_ التفكير بالموت والرغبة فيه أحياناً تجربة نفسية تكاد تكون عامة الوجود عند جميع الناس وفي جميع الحضارات. هناك من يعتقد (فرويد) بأن الرغبة في الموت هي غريزتين هامتين تنازعان الإنسان : غريزة الحياة ، وغريزة الموت . ويرى آخرون بأن العملية الانتحارية ما هي إلا تغيير رمزي عن قوى غريزة التحدي في نفس الإنسان وهذه القوة تتحول من مجراها ضد الغير إلى الإضرار بالنفس . ويحللون هذا التحول إلى قيام الشعور بالإثم، وعقاب النفس تكفيراً لذلك.(1)
في الماضي كان الانتحار يعتبر ضرب من الجنون لولا أن بدأت الدراسات النفسية والاجتماعية تلقي عليه أضواء أخرى. وقد بدأ العالم الاجتماعي (دوركهايم) دراسته ، وكتابه عن الانتحار من أهم مؤلفاته . وقد تزايد الاهتمام بالانتحار في القرن العشرين وأصبح في عداد الأسباب المهمة للموت البشري. (2)
إن دوافع الانتحار وغايات السلوك الانتحاري متعددة إلى درجة كبيرة لا يمكن حصرها . والإنسان الواحد عالم فريد له فلسفته الخاصة في الموت والحياة . من هذه الدوافع كره طاغي للحياة مع تطلع لا شعوري إلى حياة أفضل بعد الموت، وحب في الموت من أجل تحقيق مآرب في الحياة التي خلفها وراءه أو تجاه الأحياء الآخرين الذين حوله...
أسباب الانتحار
بعض الحالات الإنتحارية ترجع إلى أمراض نفسية وعقلية والغالبية تنتج عن عوامل متعددة مختلفة ومتداخلة تجتمع وتتآزر لتنفيذ حكم الموت وهي :التربية البيئية أثناء الطفولة ، التجارب المدرسية ، الدين ، المجتمع ، العمل أو البطالة من الوحدة أو العزلة ، الفشل ، مضاعفات الحب والزواج ، المشاكل الجنسية ، الآلام والأمراض الجسمية المزمنة ، المبادئ الفلسفية ، الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية.(3)
إن المحاولات الانتحارية الناجحة تحدث لأسباب متباينة ففي بعض التقاليد والحضارات يقوم بعض الأفراد بالأنتحار رمزاً للتضحية والفداء . وآخرون كوسيلة لتبرير النفس وتمجيدها وأحياناً حل المشكلة أو موقف يتعذر حلها بالوسائل العملية . كما تحدث المحاولات الانتحارية في بعض الحالات الشديدة من المرض التسلطي الإلزامي واعني به (إذا خطرت له فكرة لم يستقر أو يهدأ حتى ينفذ ما أوحت له به ). كذلك في الشخصية السايكوباتية (الشخص المؤذي أو المضاد للمجتمع ) نسميه في العامية الشقاوة. وفي حالات الكآبة وأخطر ما فيها طول فترة الكآبة وعمقها وخاصة في دور المراهقة وفي سن الشباب تحدث بشكل اندفاع سريع وعلى إثر تجربة نفسية طارئة تثير في النفس الكآبة والانفعال والرغبة في الموت دون توفر إنذار سابق . في الواقع معظم حالات الإنتحار تتم بدون مقدمات مرضية ، يعزم المريض على محاولتها وهي الإشارة الأولى لوجود حالة الكآبة .
المظاهر المرضية للمحاولات الإنتحارية :
توفر حادثة انتحار سابقة في عائلة المريض، تهديد المريض بالانتحار وعدم جدوى الحياة والرغبة في الموت، الشعور بالإثم، الإدمان على المسكرات أو تناول المنومات بمقادير متزايدة، الجو العائلي الغير المتجانس. (4)
الوقاية من الانتحار :
_ التوعية العامة للدولة والمؤسسات الثقافية أو الدينية والاجتماعية ضد فكرة قتل النفس ومردودها على المجتمع .
_ التأكيد على أهمية الأعراض المنذرة لإحتمال وقوع الإنتحار ، كالكآبة والتعبير عن تفاهة الحياة أو التلميح بالانتحار . (5)
_ الرجوع لحضيرة الأسرة في تحسين علاقة الآباء والأمهات بالأولاد وبالأخص البنات ، تلك العلاقة التي كانت تقوم على الخوف والطاعة أكثر مما تقدم على المناقشة والحرية والحب والتفاهم والصدق والعدالة .
_ معالجة حالات الاكتئاب لدى المرأة كي لا توجه إنفعالاتها إلى النفس .
فالاكتئاب هو رد الفعل الأنثوي للتعبير عن الكراهية أو خيبة الأمل في شيء ما من الأشياء . هذا الاكتئاب ما كان ليحدث للمرأة لو إنها وجهت انفعالاتها إلى الخارج كما يفعل معظم الرجال فالخارج (المجتمع ) يرفض انفعالات المرأة الطبيعية سواء كانت كراهية أم حب ، ويفرض عليها أن تكون مخلوقاً بغير انفعالات إذا ساء إليها أحد . فالمرأة الطبيعية هي التي تكبتت إنفعالاتها .(6) وهنا تكمن خطورة الموقف ، وتصاب المرأة بالاكتئاب أكثر من الرجل فتكون حالات الانتحار المتوقعة وفقاً لذلك أكثر بين النساء من الرجال . فالرجولة هي القوة ورد الإساءة بأشد منها . أما البنت فمنذ صغرها تدرب على أن لا تغضب ولا تعبر عن غضبها بفعل ظاهر ، وعليها أن تتفادى الإساءة بقدر الإمكان وإذا كانت هذه الإساءة قد فرضت عليها بالزواج أو النظام أو القانون فعليها أن تكتم غضبها وإنفعالها وتبتسم لتكون أنثى كاملة . وهذه الأساليب الخاطئة في التربية تأتي بنتائج سلبية وعكسية تدفع ثمنها الأسرة آجلاً أم عاجلاً . والآن عزيزي القارىء الكريم تكونت لديك فكرة عن الإنتحار ودوافعه أما في مجتمعنا ففي الآونة الآخيرة ظهرت بعض الحالات الإنتحارية هنا وهناك وهي قليلة قياساً بالمجتمعات الأخرى ، وكما نعلم أن المجتمعات الصغيرة تبدو الحالة أكثر ظاهرة للعيان ويستوجب الوقوف على أسبابها ووقاية أبنائنا منها . فهل يا ترى الإنتحار وغسل العار وجهان لعملة واحدة ؟
إن الخروج عن القواعد والقيم الأخلاقية المألوفة للأسرة كالخارجين عن القانون في الدولة فتكون العقوبة على قدر الجرم أو الفعل المخالف للقانون . فالموظف عندما يخالف القانون إلى درجة تدفعه إلى الاستقالة كي لا ينفض أمره، هذه الاستقالة ستوازي العقوبة القانون والزمن كفيل بنتائجها. أحياناً الجرم يفوق طاقة المجني وليس من سبيل إلا الاستسلام لليأس ومن ثم التفكير بالإنتحار والقيام به فعلاً . هنا المذنب يقع أمام خيارين إما أن يعاقب نفسه أو القانون سيعاقبه وفي كلتا الحالتين الفضيحة أخذت حصتها والزمن كفيل بنسيانها عبر الأجيال. وهكذا بعض حالات الإنتحار أسبابها تدخل ضمن أخلاقيات الأسر . ويرى المذنب لا مفر له غير الخلاص من النفس وعقوبتها كحل جذري لمشكلته دون التفكير بالنتائج متخذاً الإنتحار كوسيلة نهائية .وأحياناً يهرب المذنب حاملاً ذنبه معه وعندها لن ينجو من عقوبة المجتمع له وبدون تردد . إن أكثر حالات الإنتحار في مجتمعنا حسبما نسمع تقع بين الفتيات في سن المراهقة ، كحالات الفشل في الحب أو الزواج بالإكراه ،أو سلطة الأب أو الأخ الكبير في الأسرة ، كما تحصل حالات الانتحار لدى بعض الأمهات يعايشن القساوة من أزواجهم ، وأحياناً يغير الزوج مجرى حياته الزوجية ليكمل مشواره مع زوجة أخرى مما يدفع بالزوجة الأولى إلى اليأس ومن ثم الانتحار كوسيلة لعدم تقبل الواقع الجديد ، أحياناً بعض حالات الخيانات الزوجية تنتهي بالانتحار أو القتل لغسل العار . ولكن ! هل يغسل العار بالقتل ؟ نعم نحن نرفض كل ما يسيء إلى جوهر أخلاقنا . ولن نقبل بذلك وفق تعاليم الدين والعادات والتقاليد. فإن كنا فعلاً نريد غسل العار، إذاً علينا بغسل أفكارنا وعقولنا. أن نراجع أنفسنا للبحث عن الأسباب التي تؤدي للإنتحار . أحياناً نعرف الأسباب ونتغافلها ونصطدم بالنتيجة المؤلمة .فالحكمة والدهاء والصبر في معالجة المشاكل البسيطة كي لا تتفاقم وعدم الإستهانة بضمائر الأمور لأنها ستستعمل ومن الصعوبة معالجتها فيما بعد . فعلى الأسرة وبالأخص الوالدين أن يسألوا أنفسهم كم من الوقت خصص لتوجيه أبناهم التوجيه السديد. وكم كانت متابعتهم لهم كي لا يرتكبوا الخطأ. فالظروف الحالية ولدت الكثير من السلبيات منها ابتعاد الوالدين لأسباب عديدة كظاهرة الهجرة خارج الوطن . تلك الظاهرة التي خلفت ورائها بعض المآسي من ترك الأمهات والأخوات وهن بأمس الحاجة لآبائهم وإخوانهم ، فالأسرة بدأت تتفكك ، والتفكير بالمادة طغى على سلوكياتهم ، وضعف دور الأسرة بعدما كانت تراعي أبنائها كالعشب الطري لتقومُه على قواعد أخلاقية رصينة وبالأخص في مرحلة المراهقة . حيث المراهقين لا يكترثون لأخطائهم ، عالمهم خاص بهم فثمة محيط يلعب دوره في تقديم يد الإنحراف لهم ، وثمة أصدقاء سوء يدفعونهم نحو الهاوية ، وثمة ثقة عمياء لدى الأسرة في ترك الحبل على الغارب ، إذاً على الأسرة الاهتمام بأبنائها ، وتوفير جو الانسجام مع تلبية طلباتهم ، وزرع القناعة لديهم مع حسن المتابعة . وقديماً قيل المال والفراغ والشباب مفسدة . لذا بالإمكان حسن التصرف بهم كي تنجو الأسرة من الانحرافات التي تحط من قيمتها . كما على المجتمع توفير فرص العمل للقضاء على البطالة والفراغ، وعلى المؤسسات الدينية والاجتماعية أن تتدخل في أيجاد الحلول الجذرية القاطعة للمشاكل الأسرية، كأن تكون هناك مراكز الخدمة الاجتماعية. وفي الختام أيها القارئ الكريم إجابة سؤال الموضوع لا تخرج من بين يديك فإن كان الوجه (1) للعملة (المذنب) يقتل نفسه بالانتحار. والوجه (2) للعملة نفذه المحيط (المجتمع)، حتماً النتيجة واحدة ألم موجع جداً وصيتٌ لاذع. إنها فعلاً وجهان لعملة واحدة تلك العملة التي أصابها التأكد في المحيط الذي لا يوالهما حيث الإهمال والحزن في غير محله. فإن كنا فعلاً نريد أن تزهو عملتنا وتتداول بشكل سليم علينا الحفاظ عليها من غبار الزمن الذي يتعلق بها من جراء سوء تصرفنا. فلتكن عملتنا في التربية والأخلاق من الذهب الخالص من العيار الذي يقاوم الزمن ويصد كل شائبة تتعرض له ، كي نحمي فلذات أكبادنا ونحتضنهم بشكل صحيح كي يكونوا مصدر فخر واعتزاز وهكذا قاعدة الأديان هي في تقديم الوعظ والإرشاد لتلافي الأخطاء والعيش بسلام .
العدد السادس لمجلة شيخان
_ التفكير بالموت والرغبة فيه أحياناً تجربة نفسية تكاد تكون عامة الوجود عند جميع الناس وفي جميع الحضارات. هناك من يعتقد (فرويد) بأن الرغبة في الموت هي غريزتين هامتين تنازعان الإنسان : غريزة الحياة ، وغريزة الموت . ويرى آخرون بأن العملية الانتحارية ما هي إلا تغيير رمزي عن قوى غريزة التحدي في نفس الإنسان وهذه القوة تتحول من مجراها ضد الغير إلى الإضرار بالنفس . ويحللون هذا التحول إلى قيام الشعور بالإثم، وعقاب النفس تكفيراً لذلك.(1)
في الماضي كان الانتحار يعتبر ضرب من الجنون لولا أن بدأت الدراسات النفسية والاجتماعية تلقي عليه أضواء أخرى. وقد بدأ العالم الاجتماعي (دوركهايم) دراسته ، وكتابه عن الانتحار من أهم مؤلفاته . وقد تزايد الاهتمام بالانتحار في القرن العشرين وأصبح في عداد الأسباب المهمة للموت البشري. (2)
إن دوافع الانتحار وغايات السلوك الانتحاري متعددة إلى درجة كبيرة لا يمكن حصرها . والإنسان الواحد عالم فريد له فلسفته الخاصة في الموت والحياة . من هذه الدوافع كره طاغي للحياة مع تطلع لا شعوري إلى حياة أفضل بعد الموت، وحب في الموت من أجل تحقيق مآرب في الحياة التي خلفها وراءه أو تجاه الأحياء الآخرين الذين حوله...
أسباب الانتحار
بعض الحالات الإنتحارية ترجع إلى أمراض نفسية وعقلية والغالبية تنتج عن عوامل متعددة مختلفة ومتداخلة تجتمع وتتآزر لتنفيذ حكم الموت وهي :التربية البيئية أثناء الطفولة ، التجارب المدرسية ، الدين ، المجتمع ، العمل أو البطالة من الوحدة أو العزلة ، الفشل ، مضاعفات الحب والزواج ، المشاكل الجنسية ، الآلام والأمراض الجسمية المزمنة ، المبادئ الفلسفية ، الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية.(3)
إن المحاولات الانتحارية الناجحة تحدث لأسباب متباينة ففي بعض التقاليد والحضارات يقوم بعض الأفراد بالأنتحار رمزاً للتضحية والفداء . وآخرون كوسيلة لتبرير النفس وتمجيدها وأحياناً حل المشكلة أو موقف يتعذر حلها بالوسائل العملية . كما تحدث المحاولات الانتحارية في بعض الحالات الشديدة من المرض التسلطي الإلزامي واعني به (إذا خطرت له فكرة لم يستقر أو يهدأ حتى ينفذ ما أوحت له به ). كذلك في الشخصية السايكوباتية (الشخص المؤذي أو المضاد للمجتمع ) نسميه في العامية الشقاوة. وفي حالات الكآبة وأخطر ما فيها طول فترة الكآبة وعمقها وخاصة في دور المراهقة وفي سن الشباب تحدث بشكل اندفاع سريع وعلى إثر تجربة نفسية طارئة تثير في النفس الكآبة والانفعال والرغبة في الموت دون توفر إنذار سابق . في الواقع معظم حالات الإنتحار تتم بدون مقدمات مرضية ، يعزم المريض على محاولتها وهي الإشارة الأولى لوجود حالة الكآبة .
المظاهر المرضية للمحاولات الإنتحارية :
توفر حادثة انتحار سابقة في عائلة المريض، تهديد المريض بالانتحار وعدم جدوى الحياة والرغبة في الموت، الشعور بالإثم، الإدمان على المسكرات أو تناول المنومات بمقادير متزايدة، الجو العائلي الغير المتجانس. (4)
الوقاية من الانتحار :
_ التوعية العامة للدولة والمؤسسات الثقافية أو الدينية والاجتماعية ضد فكرة قتل النفس ومردودها على المجتمع .
_ التأكيد على أهمية الأعراض المنذرة لإحتمال وقوع الإنتحار ، كالكآبة والتعبير عن تفاهة الحياة أو التلميح بالانتحار . (5)
_ الرجوع لحضيرة الأسرة في تحسين علاقة الآباء والأمهات بالأولاد وبالأخص البنات ، تلك العلاقة التي كانت تقوم على الخوف والطاعة أكثر مما تقدم على المناقشة والحرية والحب والتفاهم والصدق والعدالة .
_ معالجة حالات الاكتئاب لدى المرأة كي لا توجه إنفعالاتها إلى النفس .
فالاكتئاب هو رد الفعل الأنثوي للتعبير عن الكراهية أو خيبة الأمل في شيء ما من الأشياء . هذا الاكتئاب ما كان ليحدث للمرأة لو إنها وجهت انفعالاتها إلى الخارج كما يفعل معظم الرجال فالخارج (المجتمع ) يرفض انفعالات المرأة الطبيعية سواء كانت كراهية أم حب ، ويفرض عليها أن تكون مخلوقاً بغير انفعالات إذا ساء إليها أحد . فالمرأة الطبيعية هي التي تكبتت إنفعالاتها .(6) وهنا تكمن خطورة الموقف ، وتصاب المرأة بالاكتئاب أكثر من الرجل فتكون حالات الانتحار المتوقعة وفقاً لذلك أكثر بين النساء من الرجال . فالرجولة هي القوة ورد الإساءة بأشد منها . أما البنت فمنذ صغرها تدرب على أن لا تغضب ولا تعبر عن غضبها بفعل ظاهر ، وعليها أن تتفادى الإساءة بقدر الإمكان وإذا كانت هذه الإساءة قد فرضت عليها بالزواج أو النظام أو القانون فعليها أن تكتم غضبها وإنفعالها وتبتسم لتكون أنثى كاملة . وهذه الأساليب الخاطئة في التربية تأتي بنتائج سلبية وعكسية تدفع ثمنها الأسرة آجلاً أم عاجلاً . والآن عزيزي القارىء الكريم تكونت لديك فكرة عن الإنتحار ودوافعه أما في مجتمعنا ففي الآونة الآخيرة ظهرت بعض الحالات الإنتحارية هنا وهناك وهي قليلة قياساً بالمجتمعات الأخرى ، وكما نعلم أن المجتمعات الصغيرة تبدو الحالة أكثر ظاهرة للعيان ويستوجب الوقوف على أسبابها ووقاية أبنائنا منها . فهل يا ترى الإنتحار وغسل العار وجهان لعملة واحدة ؟
إن الخروج عن القواعد والقيم الأخلاقية المألوفة للأسرة كالخارجين عن القانون في الدولة فتكون العقوبة على قدر الجرم أو الفعل المخالف للقانون . فالموظف عندما يخالف القانون إلى درجة تدفعه إلى الاستقالة كي لا ينفض أمره، هذه الاستقالة ستوازي العقوبة القانون والزمن كفيل بنتائجها. أحياناً الجرم يفوق طاقة المجني وليس من سبيل إلا الاستسلام لليأس ومن ثم التفكير بالإنتحار والقيام به فعلاً . هنا المذنب يقع أمام خيارين إما أن يعاقب نفسه أو القانون سيعاقبه وفي كلتا الحالتين الفضيحة أخذت حصتها والزمن كفيل بنسيانها عبر الأجيال. وهكذا بعض حالات الإنتحار أسبابها تدخل ضمن أخلاقيات الأسر . ويرى المذنب لا مفر له غير الخلاص من النفس وعقوبتها كحل جذري لمشكلته دون التفكير بالنتائج متخذاً الإنتحار كوسيلة نهائية .وأحياناً يهرب المذنب حاملاً ذنبه معه وعندها لن ينجو من عقوبة المجتمع له وبدون تردد . إن أكثر حالات الإنتحار في مجتمعنا حسبما نسمع تقع بين الفتيات في سن المراهقة ، كحالات الفشل في الحب أو الزواج بالإكراه ،أو سلطة الأب أو الأخ الكبير في الأسرة ، كما تحصل حالات الانتحار لدى بعض الأمهات يعايشن القساوة من أزواجهم ، وأحياناً يغير الزوج مجرى حياته الزوجية ليكمل مشواره مع زوجة أخرى مما يدفع بالزوجة الأولى إلى اليأس ومن ثم الانتحار كوسيلة لعدم تقبل الواقع الجديد ، أحياناً بعض حالات الخيانات الزوجية تنتهي بالانتحار أو القتل لغسل العار . ولكن ! هل يغسل العار بالقتل ؟ نعم نحن نرفض كل ما يسيء إلى جوهر أخلاقنا . ولن نقبل بذلك وفق تعاليم الدين والعادات والتقاليد. فإن كنا فعلاً نريد غسل العار، إذاً علينا بغسل أفكارنا وعقولنا. أن نراجع أنفسنا للبحث عن الأسباب التي تؤدي للإنتحار . أحياناً نعرف الأسباب ونتغافلها ونصطدم بالنتيجة المؤلمة .فالحكمة والدهاء والصبر في معالجة المشاكل البسيطة كي لا تتفاقم وعدم الإستهانة بضمائر الأمور لأنها ستستعمل ومن الصعوبة معالجتها فيما بعد . فعلى الأسرة وبالأخص الوالدين أن يسألوا أنفسهم كم من الوقت خصص لتوجيه أبناهم التوجيه السديد. وكم كانت متابعتهم لهم كي لا يرتكبوا الخطأ. فالظروف الحالية ولدت الكثير من السلبيات منها ابتعاد الوالدين لأسباب عديدة كظاهرة الهجرة خارج الوطن . تلك الظاهرة التي خلفت ورائها بعض المآسي من ترك الأمهات والأخوات وهن بأمس الحاجة لآبائهم وإخوانهم ، فالأسرة بدأت تتفكك ، والتفكير بالمادة طغى على سلوكياتهم ، وضعف دور الأسرة بعدما كانت تراعي أبنائها كالعشب الطري لتقومُه على قواعد أخلاقية رصينة وبالأخص في مرحلة المراهقة . حيث المراهقين لا يكترثون لأخطائهم ، عالمهم خاص بهم فثمة محيط يلعب دوره في تقديم يد الإنحراف لهم ، وثمة أصدقاء سوء يدفعونهم نحو الهاوية ، وثمة ثقة عمياء لدى الأسرة في ترك الحبل على الغارب ، إذاً على الأسرة الاهتمام بأبنائها ، وتوفير جو الانسجام مع تلبية طلباتهم ، وزرع القناعة لديهم مع حسن المتابعة . وقديماً قيل المال والفراغ والشباب مفسدة . لذا بالإمكان حسن التصرف بهم كي تنجو الأسرة من الانحرافات التي تحط من قيمتها . كما على المجتمع توفير فرص العمل للقضاء على البطالة والفراغ، وعلى المؤسسات الدينية والاجتماعية أن تتدخل في أيجاد الحلول الجذرية القاطعة للمشاكل الأسرية، كأن تكون هناك مراكز الخدمة الاجتماعية. وفي الختام أيها القارئ الكريم إجابة سؤال الموضوع لا تخرج من بين يديك فإن كان الوجه (1) للعملة (المذنب) يقتل نفسه بالانتحار. والوجه (2) للعملة نفذه المحيط (المجتمع)، حتماً النتيجة واحدة ألم موجع جداً وصيتٌ لاذع. إنها فعلاً وجهان لعملة واحدة تلك العملة التي أصابها التأكد في المحيط الذي لا يوالهما حيث الإهمال والحزن في غير محله. فإن كنا فعلاً نريد أن تزهو عملتنا وتتداول بشكل سليم علينا الحفاظ عليها من غبار الزمن الذي يتعلق بها من جراء سوء تصرفنا. فلتكن عملتنا في التربية والأخلاق من الذهب الخالص من العيار الذي يقاوم الزمن ويصد كل شائبة تتعرض له ، كي نحمي فلذات أكبادنا ونحتضنهم بشكل صحيح كي يكونوا مصدر فخر واعتزاز وهكذا قاعدة الأديان هي في تقديم الوعظ والإرشاد لتلافي الأخطاء والعيش بسلام .
العدد السادس لمجلة شيخان