بحزاني نت
08-06-2005, 12:54
القضايا المهمة في الدستور العراقي
زهير كاظم عبود
القضية القومية في العراق وحريات الأديان
لايختلف أحد على التعدد القومي والأثني الموجود في العراق ، وهذا التعدد لم يكن يشكل نقطة ضعف أو فرقة في تماسك العراق الأجتماعي أو في بناءه السياسي ، ولكل واحدة من هذه القوميات خصوصيتها ولغتها وتاريخها وحقيقتها ،ومن حقائق هذه القوميات المتعايشة في العراق ، العرب منها والكورد والتركمان والكلدان والاشوريين والأرمن ، انها جميعها رزخت تحت شتى انواع الظلم والأستعباد والأستعمار ، وانها جميعا تحملت من الضيم والكبت وقاومت بشتى السبل ، وانها جميعها كانت تنادي بالنزوع نحو الحرية والأنعتاق والتخلص من العبودية .
ومن يطالع نصوص القانون الاساسي العراقي لعام 1925لايجد تغليب قومية على اخرى او منح حقوق لواحدة أكثر من غيرها بغض النظر عن حجمها وكتلتها البشرية ، وتلك نقطة مهمة ينبغي الالتفات اليها وخصوصاً أن هذا الدستور كتب بتاريخ 21 آذار 1925 ، فقد اكدت المادة السادسة منه بأنه لافرق بين العراقيين في الحقوق امام القانون وأن اختلفوا في القومية والدين واللغة ، مع أن نص المادة السابعة عشر منه جعل اللغة العربية هي اللغة الرسمية سوى ماينص عليه بقانون خاص ، وعاد للتأكيد في متن المادة 18 على مساواة العراقيين في التمتع بحقوقهم . أن نصوصاً متينة وفاعلة في الحياة العراقية مثل الواردة في نصوص القانون الاساسي بعد ان تخلص العراق من أرث الأستعمار والدكتاتورية العثمانية البغيضة يشكل علامة نيرة وأشارة الى معرفة عميقة بالواقع العراقي متعدد القوميات والأديان .
وحين انتهى هذا القانون بقيام الجمهورية وتم اصدار الدستور المؤقت على عجالة بتاريخ 27 تموز 1958 اي بعد أقل من أسبوعين على نجاح الثورة ، فقد أوردت المادة الثانية من الدستور المؤقت أن العراق جزء من الأمة العربية ، وعاد ليؤكد في المادة الثالثة أن الكيان العراقي يقوم على أساس من التعاون بين المواطنين كافة بأحترام حقوقهم وصيانة حرياتهم ، ويعتبر العرب والأكراد شركاء في هذاالوطن ، ويقر الدستور حثقوقهم القومية ضمن الوحدة العراقية .
نلاحظ أن المادة الثانية حسمت التبعية القومية للعراق كونه جزء من الأمة العربية ، ولم تخصص أو تشير الى وجود قوميات اخرى يشملها التعميم الوارد والمطلق في النص ، فالعراق بأكمله جزء من الأمة العربية ، ويعني هذا أن الكورد والتركمان والكلدان والآشوريين والأرمن كلهم جزء من الأمة العربية ، وأن التركيز على المساواة وصيانة حرياتهم لايعني بأي شكل من الأشكال الأشارة الى كونهم خارج سياق هذا النص .
كما أن الشراكة في الوطن بين العرب والكورد لفظية وليس لها من الواقع العملي والدستوري مع ان النصوص فاتها ان تشير الى اللغة المعتمدة في السلطة الجديدة .
غير أن الدستور المؤقت الصادر بتاريخ 29 نيسان 1964 كان أكثر صراحة حين كشف عن مسعاه الشوفيني من كون الشعب العراقي ( بكل قومياته ) جزء من الامة العربية ( وهدفه ) الوحدة العربية الشاملة وتلتزم الحكومة بالعمل على تحقيقها في اقرب وقت ممكن مبتدئة بالوحدة مع الجمهورية العربية المتحدة .
وعلى نفس المسار جاء الدستور المؤقت لعام 68 الصادر بتاريخ 21 أيلول 1968 والذي كرر تبعية الشعب العراقي ( دون أستثناء أي قومية غيرعربية ) كجزء من الأمة العربية وهدفه الوحدة العربية الشاملة وتلتزم الحكومة بالعمل على تحقيقها ، وأن اللغة العربية هي اللغة الرسمية بمقتضى نص المادة الرابعة من الدستور المؤقت .
كلمة القومية لها معنيان ، المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي ، والمعنى اللغوي عادة ما يكون مستقرا ثابتا غير متغير لأنه يتم تحديده وفقا للجذر اللغوي الأصلي للكلمة ، أما المعنى الاصطلاحي فهو يكون محل خلاف بين المثقفين والمفكرين والباحثين في مثل هذه المسائل لأسباب منها اختلاف مدارسهم ورؤاهم وخلفياتهم الفكرية والثقافية وأيضا في اختلاف أهدافهم واستراتجياتهم التي يرمون إليها من وراء تلك التعريفات لتلك المفاهيم .
أي أن تعريف القومية لغة يكون بإعادة الكلمة إلى جذرها بمعنى أن القومية هي مشتقة من الكلمة (( قوم )) ..الخ . وهذا المعنى اللغوي لا يكون محل خلاف أ و جدل إلا نادراً .
أما تعريف القومية من الناحية الاصطلاحية فهو محل الخلاف والجدل فهناك من يرى أن القومية هي ذلك الشعور الوجداني الذي يربط مجموعة من الناس يعيشون في بقعة جغرافية بشكل دائم ومستقر ويربطهم تاريخ ولغة واحدة ومصير مشترك …ألخ .
وهناك من يرى أن القومية هي مجموعة من العادات والتقاليد المشتركة التي يمارسها شعب معين ويكون مستقرا في بقعة جغرافية واحدة ويربطهم لغة واحدة وتاريخ واحد ومصير مشترك … الخ والخلاف إذن ينبع من إدخال أو إخراج هذه العناصر التي يتكون منها هذا المفهوم (( مثلا هناك من يرى أن اللغة المشتركة هي شرط ضروري وأساسي وهناك من يرى في البقعة الجغرافية أيضا عامل أساسي وهناك من يراها غير كذلك أي عامل ثانوي ومن هنا ينشأ الخلاف في تحديد وتعريف هذا المفاهيم لاختلافها في تحديد العناصر التي يتكون منها هذا المفهوم أو ذاك …
وأذا وضعنا ماورد أنفاً بعين الاعتبار توصلنا الى الرابط الذي يربط ابناء القومية الواحدة فلاالعرب كورد ولاالكورد تركمان ولاالتركمان كلدان ولاالأرمن آشوريون ، ولكل من هذه القوميات لغة مشتركة وتاريخ مشترك ضمن بقعة جغرافية ثابتة مع مصير مشترك ، فلماذا يتم غبنحقائق هذه القوميات ؟
وفي سياق التعرض لمثل هذا الموضوع كتب الكاتب اللبناني السيد كريم مروة مقالة له في صحيفة الحياة اللبنانية بعنوان ( القومية العربية وألقليات القومية في العراق مثلاً ) عالج فيها معالجة منطقية لواقع القوميات في العراق فيقول :
(( من مفارقات هذا العصر المثيرة للجدل - ولا أتحدث عن العصور السابقة - ان القوميات الكبيرة, في بلدان العالم الثالث خصوصاً, لم تستطع, في كل عهود ما بعد الاستقلال, ان تتعامل في شكل صحيح مع الأقليات القومية في بلدانها. لم تسعَ الى ذلك ولم تبذل اي جهد, بل هي سلكت طريقاً أخرى, هي الطريق ذاتها التي سلكتها الدول الاستعمارية في تعاملها مع تلك القوميات الكبيرة بالذات, ومنها قوميتنا العربية بالتحديد, خلال عقود طويلة في حالات معينة وخلال قرون في حالات اخرى. واستمرت حكومات هذه البلدان في العهود المختلفة, على امتداد نصف قرن ونيف, في ممارسة انواع شتى من القمع والقهر والإذلال للأقليات القومية, بما في ذلك اللجوء الى ما يشبه الإبادة الجماعية بواسطة الأسلحة المحرمة دولياً, كالأسلحة الجرثومية وسواها. ومثال مدينة حلبجة في كردستان العراق هو النموذج الحي الصارخ على تلك الهمجية.
المنطق الذي استندت إليه الحكومات المتعاقبة في هذه البلدان, من اقاصي القارة السوداء الى اقاصي الشرق الآسيوي, مروراً ببلداننا العربية, إزاء الأقليات القومية, هو اعتبار ان مجرد الاعتراف لهذه القوميات بحقوقها والسماح لها بممارسة تلك الحقوق, سيقودها الى الانفصال عن الدولة الأم. ويشكل ذلك في نظر تلك الحكومات, تهديداً للوحدة الوطنية. فهو إذاً, بهذا المعنى, الخيانة بعينها, التي يستحق مرتكبها العقاب في اقصى درجاته, بما في ذلك الإبادة الجماعية او ما يشبهها ويصل الى حدودها. وفي هذا الموقف بالذات من جانب تلك البلدان وقياداتها تعبير فظ عن التنكر لمبدأ اساسي قديم هو الحق المقدّس للشعوب والقوميات في تقرير مصيرها.
والمفارقة هنا هي, كما اشرت, ان قادة هذه البلدان ونخبها السياسية والثقافية في السلطة وخارجها, الذين ينتمون الى القومية الأكبر, كانوا ذات يوم, قبل ان تنتزع بلدانهم استقلالها من الدول الاستعمارية, هدفاً مباشراً لشتى انواع الاضطهاد والقمع والقهر, وأن ثقافتهم وهويتهم القومية كانت هدفاً للإلغاء والإدماج, بالإكراه, في ثقافات الدول المستعمرة, وأن لغتهم القومية كانت مهددة بالإزالة من الوجود لمصلحة لغة الدولة الاستعمارية (التتريك والفرنسة أنموذجان!).
سيكون من الصعب في هذا المجال الدخول في بحث عام يشمل هذه المساحة الشاسعة من الكرة الأرضية التي تضم سدس سكان المعمورة. لذلك سأتوقف عند الجانب الذي يعنيني في هذه المسألة, الجانب الخاص ببلداننا العربية تحديداً. ذلك ان هذه المسألة تشكل في بلادننا الحقل الأكثر اغراء للجدل, والأكثر إثارة للاهتمام والاستنكار على الصعيد العالمي. والمؤلم في المشهد الذي يتكرر منذ عقود طويلة - المشهد الشديد الإيلام - هو ان ثمة ما يشبه الإجماع بين التيارات والنخبة السياسية والثقافية, على مستوى السلطات الرسمية وعلى مستوى الأحزاب والمؤسسات, الإجماع على رفض الإقرار للأقليات القومية في بلداننا بحقوقها القومية, حتى في ابسط اشكالها وتعبيراتها. ولا يتعلق الأمر, هنا, بحق تقرير المصير, الحق الذي يشكل احد العناصر الأساسية في شرعة حقوق الإنسان, بل حتى في ما هو ابسط من ذلك, حق هذه الأقليات بأن تعبّر بحرية عن ذاتها, عن هويتها الثقافية والقومية, وأن يكون لها في البلد الذي تنتمي إليه وتصر على أنها جزء مكون منه ومن شعبه, حقوقها المتساوية مع الآخرين في كل ما يتصل بالشأن العام, وفي كل ما يتصل بالشؤون الخاصة بالمجموعات والأفراد, على حد سواء. والغريب, في هذا المشهد بالذات - الشديد الغرابة - هو ان هذا السلوك من موقع القومية الأكبر ضد الأقليات القومية في بلداننا, يتم في الوقت الذي تتمادى فيه السلطات الإسرائيلية في قمعها الشعب الفلسطيني, ومنعه من تحقيق امانيه الوطنية في الاستقلال, وفي التعبير عن ذاته, هوية قومية وثقافية, وكياناً بشرياً, وأرضاً, ودولة, وخصوصيات تاريخية اخرى. يتم ذلك وسط عجز مطلق من الدول العربية ومن قواها السياسية عن التضامن الفعلي مع هذا الشعب وعن دعمه في كفاحه البطولي الحافل بالتضحيات.
ما سر هذه الحال الإنسانية البشعة, التي تشوه تاريخنا بفعل استمرارها في بلداننا, ولا تجد من القوى والسياسات ما يمكن هذه البلدان من التحرر منها, بهدف تحقيق الحرية لجميع المواطنين وتحقيق التقدم لبلداننا في المجالات كلها, التقدم الذي بواسطته عندما يتحقق يمكن لبلداننا ان تخرج من تخلفها ومن الاستبداد الذي يتحكم بها وبمصير شعوبها, وتدخل في تحولات العصر الكبرى وتسهم في بناء الحضارة الإنسانية!
إن تاريخاً طويلاً من الحروب الأهلية في العراق وفي السودان وفي بلدان عربية اخرى يكفي لإثبات ان سياسة الاضطهاد القومي تدمر ولا تبني, تؤخر ولا تقدم, وتجعل الأكثرية الساحقة من ابناء الوطن, قومية كبرى وأقليات قومية, الضحية المباشرة لتلك السياسات.
إلا ان المشكلة في العراق لا تنحصر في الأكراد. بل هي تشمل جميع الأقليات القومية من تركمان وكلدان وشركس ويزيديين وصابئة. لكن الأكراد هم من الأقدم والأكثر عراقة في تاريخ المنطقة كلها, والأكثر عدداً بالنسبة للآخرين من الأقليات في العراق. إذ يشكلون ربع عدد سكان هذا البلد. وعلى رغم ان للشعب الكردي جذوراً تاريخية قديمة, فإنه لم يستطع, كما يقول المؤرخون, لأسباب ولظروف أهمها قمع القوميات الكبرى له في بلدان المنطقة, من أن يشكل له كياناً مستقلاً في أي من هذه البلدان. ويضيف المؤرخون ان هذا الشعب قام بأكثر من ألف ثورة لتحقيق طموحاته القومية. وقمعت جميع تلك الثورات. وتعطَّل بذلك امكان تحقيق الحلم القومي الكردي, أو تأجَّل, ليتخذ المطلب القومي المشروع صيغة, أو صيغاً أخرى, داخل كيانات تلك الدول, وتحتل تلك القوميات مكانها كجزء مكوّن من هذه الدول ومن شعوبها.
ولا يختلف الوضع في السودان في الجوهر عن مثل العراق. فالسودان دولة أفريقية قديمة. دخلت اليها العروبة من طريق الإسلام. ولذلك فالسودانيون بهذا المعنى, هم عرب مستعربون مثل العديد من العرب في الأزمنة المعاصرة. وقد شكَّل الإسلام مع مرور الزمن دين الأكثرية في هذا البلد, على رغم وجود أقلية مسيحية كبيرة, ووجود وثنية عند بعض القبائل. وإذا كان قد تأخر السودانيون الأفارقة في طرح قضيتهم بشقَّيها القومي والديني داخل الوطن السوداني, فإن مجرد البدء بطرح مسألة الحقوق القومية قد وضعهم في قفص الاتهام بتهديد وحدة الوطن ووحدة الشعب, فاستحقوا العقاب. واقليم دارفور, اليوم, هو الأنموذج الآخر للاضطهاد القومي في السودان, بعد اتفاق السلام مع الحركة الشعبية في الجنوب.
يقول بعض القوميين العرب ممن جعلوا أنفسهم في موقع أصحاب القضية القومية الحصريين بالنيابة عن كثيرين سواهم, إن ممثلي الأقليات القومية من نخب سياسية وثقافية واجتماعية هم الذين يتحملون المسؤولية عن الوضع الذي هم وقضيتهم القومية فيه. فهم بإصرارهم على التمسك بحقوقهم القومية, وضعوا أنفسهم في موقع المتميز عن المواطنين من القومية الأكبر! ويضيف هؤلاء القوميون أن الخطأ المميت لممثلي الأقليات القومية, سواء في العراق أم في السودان, هو استقواؤهم بقوى خارجية للدفاع عن مطالبهم, ضد أشقائهم وضد الوطن! هو الأمر الذي جعلهم في نظر هؤلاء الأشقاء أشبه بطابور خامس في قلب الوطن ضد وحدة أرضه ووحدة كيانه ووحدة شعبه! ولم يسأل أحد من هؤلاء القوميين نفسه عن السبب, أو الأسباب التي خلقت الظروف لكي ترتكب تلك القيادات من الأقليات القومية, مع سواها من قيادات القومية الأكبر, مثل تلك الأخطاء. وغاب عنهم أن ثمة في هذا الوضع المأسوي فعلاً ورد فعل. وبمقدار ما يتخذ الفعل طابع الثبات فإنه يولد ردود فعل من الطبيعة ذاتها. لنتذكر, هنا, أن بعض الأقليات القومية والدينية التي انتقلت, في صدف تاريخية, الى مواقع السلطة بعد عقود طويلة من الاضطهاد, قد مارست وسائل القهر ذاتها, التي كانت هي ضحيتها في السابق, ضد القوميات والأديان الأخرى الأكبر. لكن الأكثر إثارة للدهشة في هذا المجال هو أن هؤلاء القوميين ونظائرهم في التعبير عن مواقفهم يتجاهلون الموضوعة التي تشبه القانون الموضوعي, القائلة إن أي شعب يسعى الى فرض السعادة على شعب آخر بالقوة والاكراه - السعادة التي يحددها هو لذلك الشعب بالنيابة عنه - يقع هو ذاته ضحية تعسفه. ألا تشير الى ذلك بوضوح قاطع أوضاع بلداننا العربية من المحيط الى الخليج, التي يسود فيها منذ زمن طويل الاستبداد والفساد والتخلف, وتتفكك المجتمعات فيها وتتحول الى قبائل من شتى الأنواع, متصارعة في ما بينها بشتى الوسائل, ويتحول فيها المواطنون الى رعايا من الدرجات الدنيا, رعايا لأنظمة لا يفكر القيمون عليها إلا بتأييد سلطاتهم وتعظيم مصالحهم فيها.
وفي الحقيقة, ان ما يقلق المرء في بلدان مثل العراق والسودان هو أن الحملة الموجهة ضد الأكراد والجنوبيين تتم في الوقت الذي يتهيأ فيه هذان البلدان - إذا سارت الأمور في الاتجاه الصحيح - للانتقال الى زمن آخر, يفترض أنه الأفضل, بعد عقود من الاستبداد والحروب الأهلية ومن القمع الذي عانت منه الأكثرية الساحقة من الشعبين. والسؤال الذي يطرح نفسه الآن بالنسبة الى العراق, في هذه الفترة بالذات التي تجرى فيها عملية شاقة ومعقدة وطويلة لتحرير العراق من الاحتلال الأجنبي ومن آثار عهود الاستبداد القديمة والحديثة, السؤال الحقيقي الذي يتطلب جواباً عنه من العراقيين أولاً, ومن العرب جميعاً وبالأخص عرب البلدان المجاورة للعراق : ألم يحن الوقت لكي يخرج هذا البلد من حروبه الداخلية والخارجية؟ ألم يحن الوقت لكي تتاح له فرصة تاريخية لإعادة توحيد شعبه, قوميات وأدياناً وطوائف وفئات سياسية واجتماعية على أسس ديموقراطية وبضمانات حقيقية تعطل امكانات العودة الى مآسي الماضي؟ ألم يحن الوقت لكي يدرك أشقاء العراق من البلدان المجاورة العربية خصوصاً أن عليهم أن يساعدوا الشعب العراقي على اجتياز مآسيه الراهنة والسابقة ، بدل أن ينفخوا في نار الفتنة والإثارة, قومياً وطائفياً ووطنياً وسياسياً من أنواع شتى؟ أم أن ثمة مخاوف حقيقية لدى كل من السلطات الحاكمة وأصحاب النظريات القومية القديمة التي انقضى زمانها, بفعل التغيرات الكبرى التي جرت وتجرى في العالم المعاصر, مخاوف من أن يستطيع العراق بقرار داخلي من قواه الحية بتنوعها وتعددها وحتى باختلافاتها الفكرية والسياسية التحول في اتجاه الديموقراطية والتعددية على أنقاض كل ذلك الماضي الحافل بالمآسي وبالحروب وبكل انواع الموت والدمار. وهو خوف على مصالح ومكاسب تعارضت على الدوام مع مصالح الشعب هنا وهناك ، بالأضافة الى ثبوت عقم سياسات طائشة تحت زعم الوحدة الوطنية والحفاظ على تراب الوطن ، وخوف على افكار قضت عليها احداث الحياة وتحولات الازمنة وجعلتها خارج الزمن.
ولعل اكثر ما يثير المخاوف على المستقبل هو اصرار اشقاء العراق من البلدان العربية على توجيه الاتهام للاكراد بأنهم ضخموا مطالبهم ومخاوفهم الى حد الاستقواء بأعداء العراق وأعدائهم من أميركيين واسرائيليين. وهو اصرار على تبني معلومات عن وجود اسرائيلي في المنطقة الكردية نفاها الاكراد واعتبروها مناقضة لمصالحهم, ونفتها قيادات عراقية عدة وتناقضت مع الحقيقة . وحتى لو ان شيئاً من الصحة قد تأكد عن وجود اسرائيليين في المنطقة الكردية - كفرضية جدلية - أفليس من الحكمة ومن المصلحة القومية بالذات ان يجرى العمل لازالة الاسباب التي قادت الى مثل هذا الامر؟
ونزعم اننا نعرف العراق جيداً. ونعرف جيداً اكراده العراقيين. ونعرف الكثير من القيادات هنا وهناك. و نعرف الكثير من المثقفين الاكراد. ونعرف الكثير عن ثقافة الاكراد وعن تقاليدهم وتاريخهم ، واذا كنا لم نعرف جنوب السودان الا اننا نعرف كردستان العراق, ونعرف تاريخها القديم والحديث. ونعرف طبيعتها الخلابة ونعرف ناسها الطيبين ، وجميع هذه المعارف التي تكدست عندنا بفعل المتابعة والعلاقات والاهتمامات السياسية التي تشغلنا وتحتل مكان الصدارة في حياتنا منذ اعوام طويلة, هذه المعارف هي التي تجعلنا نجزم اليوم بأن أكراد العراق هم عراقيون, ولا نية لديهم للانفصال عن العراق, لأسباب كثيرة لا تحصى, تتصل بمصلحتهم بالذات في الدرجة الأولى. نقول ذلك على رغم كل الثغرات التي نشاهدها في السياسة وفي ردود الفعل وفي الاخطاء التي يقع فيها كل من يمارس السياسة وكل من يضع نفسه في موضع المسؤولية عن قضيته, سواء أكان عربياً أم كردياً ام الى اي قومية انتمى.
لكن الشرط الاساس لجعل السياسة والسلوك موحدين في الاتجاهات الاساسية, المعبرة عن مصالح العراق كوطن لجميع ابنائه, هو ان يقتنع جميع العراقيين بأنهم شعب و احد متعدد الاعراق والاديان والثقافات. وهو شرط تشير الى نضجه مجريات الامور في عراق ما بعد صدام, حتى قبل ان يتحرر هذا البلد من الاحتلال الاجنبي, المهمة التاريخية الملقاة على عاتق جميع العراقيين في المرحلة الراهنة. وفي نظرنا فإن العراق مقبل على عصر مختلف اختلافاً جذرياً عن العصور السابقة التي ظل يمتزج فيها الدم بالتراب الى ان اصبح للتراب لون يشابه لون الدم.
لا بد من اعادة نظر شاملة بافكارنا القديمة, وبشعاراتنا, وبمفاهيمنا عن المسألة القومية في بلداننا, وعن المسألة القومية في شكل عام. وهي اعادة نظر ينبغي ان تأخذ في الاعتبار ان وحدة بلداننا, اسوة بوحدة بلدان العالم قاطبة, هي الأنموذج المفترض للوحدة التي يتجه نحوها العالم وهي وحدة هنا وهناك, محلياً وعالمياً, لا يمكنها ان تتحقق في صيغة انسانية عادلة الا على قاعدة الديموقراطية وحقوق الانسان والاعتراف المبدئي والعملي بالتعدد والتنوع في القوميات والثقافات, وبالتفاعل الانساني بين هذه القوميات وثقافاتها لمصلحة الحرية والتقدم, وبالتفاعل الانساني بين هذه القوميات وثقافاتها لمصلحة الحرية والتقدم, بمضامينها المختلفة, للافراد وللمجموعات في كل بلد, وللبشرية جمعاء. ))
وجاء قانون ادارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية بنص موفق ومقارب للواقع العراق ويلبي طلب اكبر الشرائح العراقية حين اعتبر في الفقرة ( ب ) من المادة السابعة كون العراق متعدد القوميات ، والشعب العربي فيه جزء لايتجزأ من الأمة العربية ، وهي حقيقة قائمة وملموسة ، وأن اللغتين العربية والكوردية هما اللغتين الرسميتين للعراق ، ويضمن القانون حق العراقيين بتعليم ابنائهم بلغة الأم كالتركمانية أو السريانية أو الأرمنية في المؤسسات التعليمية وفق الضوابط التربوية ، أو بأية لغة أخرى في المؤسسات التعليمية الخاصة ، وحدد نطاق المصطلح ( اللغة الرسمية ) وكيفية تطبيق أحكام المادة المذكورة بقانون ويشمل على :
1- أصدار الجريدة الرسمية ( الوقائع العراقية باللغتين ) .
2- التكلم والمخاطبة والتعبير في المجالات الرسمية كالجمعية الوطنية ، ومجلس الوزراء والمحاكم والمؤتمرات الرسمية بأي من اللغتين .
3- الأعتراف بالوثائق الرسمية والمراسلات بللغتين واصدار الوثائق الرسمية بها .
4- أية مجالات أخرى يحتمها مبدأ المساواة مثل الأوراق النقدية وجوازات السفر والطوابع .
6- تستخدم المؤسسات والأجهزة الأتحادية في أقليم كردستان اللغتين .
وبهذا الخصوص أعتبر القانون أن الشعب العربي في العراقي هو جزء من الأمة العربية ، ولم يظلم بقية الشعوب الموجودة ضمن مساحة العراق الموحد ، وبهذا النص اغاظ العديد من المتلبسين بالفكر القومي المتعصب من الذين يروا في تابعية القوميات الأخرى في العراق للقومية العربية أمراً ثابتاً ومقدساً لايجوز المساس والتعرض له .
المهمة الدقيقة التي ستواجه اللجان التي سيتنم تكليفها برسم نصوص مسودة الدستور العراقي القادم مهمة ليست بالسهلة بالنظر لطغيان العديد من الافكار القديمة والبالية على الذهنية العراقية بفعل حقن السلطة البائدة والسلطات الشوفينية التي تعاقبت على حكم العراق من خلال ما استطاعت ان تشيعه وتحقنه في النفوس طيلة سنوات الطغيان والقمع والحكم الشمولي البائد .
فقد مارست السلطات الشوفينية دجلاً سياسياً في خلق نصوص ودساتير مؤقتة تقر بالشراكة والحقوق دون أن نجد تجسيد عملي لهذه النصوص في الحياة العراقية .
وحين تلجأ السلطة التنفيذية لتطبيق هذه النصوص فأنها لاتضع مايخالفها ، انما تجد طرقاً بديلة وملتوية للتخلص من التطبيق السليم والحقيقي للنص الدستوري ، واساليب متعارضة بشكل واضح وصريح مع النص الدستوري ، فعلى سبيل المثال لاالحصر ، أن الدساتير المؤقتة جميعها تجعل المواطنين العراقيين متساويين في الحقوق والواجبات بغض النظر عن القومية أو الدين أو الجنس أو المعتقد السياسي ، غير أن نفس السلطة التي تقوم باقرار النص الدستوري تعلن أن لكل عراقي أن يتقدم الى الكلية العسكرية وفق شروط لايمكن تطبيقها على المواطن العراقي من أبناء الصابئة المندائية أو اليهود أو الأيزيدية ، كما أن القبول في المعهد القضائي العراقي لتخريج القضاة وأعضاء الأدعاء العام في العراق لايفرق بين العراقيين بسبب الأنتماء الديني أو المذهبي ، غير أن القبول يقتصر على المسلمين فقط ، وعلى قومية دون أخرى .
هذه الأمثلة البسيطة تدلل بما لايقبل الشك على ضرورة أن نفتح صدورنا ونعرض الأشكاليات التي يعاني منها المجتمع العراقي بصدقية وبصراحة ، من اجل الوصول الى فهم مشترك لمعاني الدستور التي ينبغي تجسيدها في حياتنا ، ومعاقبة من يخالف هذه النصوص الدستورية .
كما تشكل قضية الفيدرالية قضية مهمة من قضايا الدستور والمستقبل العراقي بالنظر لأقرارها من قبل الشعب الكردي في برلمانه الكردستاني بالأجماع ، ولما ستشغله من حيز في المناقشة وتبادل الأراء في شكلها ونوعها وحقيقتها في نصوص الدستور القادم ، بأعتبارها من المسائل المهمة التي ينبغي أن يعالجها الدستور روحاً ونصاً .
وعند قراءة عقلانية للواقع العراقي لايختلف احد من أن العراق بلد متعدد القوميات والأديان والمذاهب ، وبالرغم من هذه التعددية المتشعبة والمتنوعة ، فلم تكن هذه التعددية تعني سوى حالة من الأنسجام المتنوع والأطياف المنسجمة ، وأنها لم تكن تعني مشكلة أنسانية تؤرق الناس في حياتهم الأعتيادية ، ولم يشكل هذا التنوع والأختلاف محنة او شرخاً يعاني منه أبناء العراق ، المشكلة الأساس تكمن في النظرة غير الواقعية والبعيدة عن المنطق التي نهجتها السلطات العراقية التي تعاقبت على السلطة في العراق منذ تأسيس الدولة العراقية في 1921 ولحد سقوط نظام الطاغية .
فقد التبست العديد من الأمور على هذه السلطات من خلال سيطرة النزعات القومية الشوفينية البالية على عقول قياداتها ، ومن خلال نظرة الأستعلاء التي كانت تحكم نظرتها لبقية القوميات والملل والأديان .
فقد كان هناك نظرة غير متساوية في الحقوق والواجبات من الناحية العملية للمواطن العراقي وفقاً لقوميته أو لديانته في الحياة العراقية ، وهذه حقيقة من حقائق الحياة السياسية في العراق .
ومن خلال الغبن الفاحش الذي يلحق بالقوميات التي يعدها الدستور الأساس متساوية في الحقوق والواجبات ، وكلهم من المواطنين الذين يعتبرهم العراق ابناءه وهم أشقاء وشركاء كما يطلق عليهم الدستور دائماً ، الا أن الواقع الفعلي هو الخرق الدستوري المتعمد والواقعي لهذا الدستور من قبل السلطات التي تعاقبت على الحكم في عدم تطبيق حقيقي للمساواة والشراكة للمواطن بحسب قوميته .
الدولة العراقية التي تشكلت في عام 1921 كانت وليدة ظروف ذاتية وموضوعية ، وكانت أيضاً نتيجة أرهاصات ومطالبات عراقية ، ولكن الأرادة الأجنبية التي تدخلت حينها للمساهمة في صنع الكيان العراقي حيث بادرت وزارة المستعمرات البريطانية الى أمتصاص هذه الرغبة الوطنية والأندفاع الوطني لتشكيل حكومة تقوم على أساس الحقوق والواجبات ، وتقوم على أساس أعطاء الحقوق القومية لبقية القوميات التي يتشكل منها العراق والتي تعيش على اراضيه ، وأن تكون هذه الحكومة ملبية للحاجة الحقيقية للعراقيين في تلك الظروف .
ومن الجدير بالأشارة أن وزارة المستعمرات البريطانية كانت قد أعتبرت ولايتي بغداد والبصرة هي امتداد الدولة العراقية التي انتدبت لها ملكاً من المواطنين غير العراقيين ( فيصل بن الحسين ) ، ومالبثت أن ضمت ولاية الموصل اليها ، وأصدرت بياناً صريحاً وواضحاً موجهاً الى المواطنين الأكراد الساكنين في ولاية الموصل حينذاك بالأشتراك مع الحكومة العراقية الفتية يقران بموجب هذا البيان بالحقوق القومية للشعب الكردي بما فيه تشكيل حكومة مستقلة في المناطق التي يكون الكورد فيها من الاكثرية .
وكانت قد أصدرت في العام 1920 معاهدة سيفر الشهيرة التي منحت بعد مرور سنة من صدورها الحق للشعب الكوردي في المناطق التي يكون اغلبيتها من الكورد طلباً للأستقلال بعد ان يعنون الى عصبة الأمم المتحدة ، وأذا وجدت الأمم المتحدة ( العصبة ) أن الشعب الكوردي مؤهل لهذه الأستقلالية يصار الى أصدار توصية وموافقة بهذا الأستقلال ، ولمحت المعاهدة على عدم أعطاء الحق لتركيا التي كانت تتعامل وفق أطماعها وتوسعها على حساب العراق في تلك الفترة في الأراضي الكردية أو في الموصل ، كما لمحت المعاهدة على حماية الدولة المستقلة للكورد من المعارضة أو ممن تجد الدولة الفتية خطراً منه عليها .
أن هذه المعاهدة الدولية كانت تعالج القضايا بمنظار أنساني عريض ، بالأضافة الى معرفة بواقع القضية الكردية دون أن تجعل اللعبة السياسية وتبادل المصالح أثر أو تأثير ضمن المعاهدة ، فالمعاهدة أقرت بوجود شعب أسمه الشعب الكوردي في العراق ، وهذا الشعب هو جزء من منظومة أنمسانية تسمى شعب كردستان ، وأن هذا الشعب يسكن جزء منه في جنوب منطقة كردستان العراق ، ولهذا الشعب جميع مقومات الأستقلال من الخصوصيات السياسية والتاريخية والأسس التي تقوم عليها الدولة المستقلة كحقيقة ملموسة ، وأن لهذا الشعب الحق في تقرير مصيرة بالبقاء مع الحكومة العراقية العربية الفتية أو أنه يؤثر الأستقلال ضمن المناطق التي تسكنها الأكثرية الكوردية أو ان يطرح صيغة من صيغ الحكم الفيدرالي .
ولايغب عن بالنا أن ولاية الموصل كانت من الولايات التركية ، وأن أستقلالية الكورد أذا ما قدموا مثل هذا الطلب ، كانت ستتيح للكرد التي تسيطر الدولة التركية على أراضيهم الأستقلالية عن دولة تركيا التي كانت محكومة من قبل كمال أتاتورك .
وبعد تشكيل الجكومة العراقية بدأت معالم اللعبة السياسية الدولية تنخر بنود معاهدة سيفر الدولية وتمسح فقراتها وتلغي الحقوق التي كانت قد قررتها للكورد ، ذلك أن هذا الأٌقرار بالحقوق سينسحب على بقية المناطق التي يشكل بها الكورد الأكثرية ، وبما أن من حقهم كبشر أن يختاروا الأستقلالية أو أي شكل من اشكال النظم السياسية لشكل السلطة الذي يريدون ، وبالنظر لتوزع الكورد في أكثر من دولة مشتتين ومجزأين على أمل أن لايتم جمع شملهم ، ولاأن يصار الى تمكينهم من توحدهم ، لذا فقد فهمت الدول الضالعة بركاب الأستعمار ووزارة المستعمرات البريطانية صاحب المشروع الحقيقي ، وبناء على المخاوف والضغوط السياسية التي تولدت نتيجة هذا القرار والتوصية الدولية ، فقد صار الألتفاف على معاهدة سيفر أمراً ضرورياً ولازماً ، وصار القرار بسحق الحقوق الأنسانية للشعب الكوردي وتجاهلها والتنكر للمعاهدة ، وعلى ضوء كل هذا ووفقاً للمتغيرات الدولية الجديدة بعد أن ولدت الحكومة العراقية الملكية تم أبرام معاهدة جديدة هي معاهدة لوزان في العام 1923 مجمل ماورد فيها أنها الغت جميع البنود والفقرات التي وردت في معاهدة سيزر ، بل تعتبر النقيض لها ، من خلال عملية ضم ولاية الموصل الى العراق وتخلي تركيا عنها بعد ضم الأسكندرونه اليها ، وبعد عمليات ترسيم الحدود التي جرت بين تركيا والعراق والتي انتهت في العام 1925 .
وهكذا تنكرت معاهدة لوزان لمجمل حقوق الشعب الكوردي ولحقوق الانسان التي أقرتها بعد ذاك الأمم المتحدة ، دون ان يكون لهذا الشعب ادنى رأي او حرية في أن يتحدث عن نفسه أو أن يكون حاضراً ضمن عملية التحضير لأبرام هذه المعاهدة الجائرة .
وحين أستنكرت الجماهير الكوردية هذه المعاهدة بأشكال الرفض تم مواجهة هذه الأنتفاضات الشعبية بقسوة بالغة بالأسلحة البريطانية الجوية منها والبرية ودكت مدينة السليمانية بالقنابل ، واستمرت عمليات القمع العسكري من قبل القوات البريطانية ضد الشعب الكوردي مستمرة حتى نهاية الحرب العالمية الثانية .
وبقي الشعب الكردي يشعر بالحيف والظلم الذي لحقه من خلال وضعه دون مستوى المواطنة الحقيقية في الدستور العراقي ، ودون أن يكون له الحق في أن يأخذ حريته وارادته في تحقيق نوع من انواع السلطة في حكم نفسه بنفسه أسوة ببقية البشر في كافة أرجاء المعمورة .
ومن الغريب أن نجد أن الحكومات العراقية تعي حقاً أنها أمام شعب له لغة مشتركة وتاريخ مشترك وأرض يقيم عليها وأن له كامل الحقوق في الحياة خصوصاً بعد أن صدر الأعلان العالمي لحقوق الأنسان ، وخصوصاً بعد تمتعت العديد من الشعوب ذات القوميات المختلفة بحقها في الأستقلال واختيار شكل السلطة واسلوب الحكم التي تريد ، وخصوصاً بعد تطبيق عملي للفيدرالية ونظام الولايات والحكم الذاتي تم تطبيقه ونجاحه في العديد من دول العالم . وكانت السلطات العراقية التي تعاقبت على الحكم في العراق تعطي الوعود المليئة بالأكاذيب والمبطنة للشعب الكوردي ولاتلبث أن تقوم بتجييش الجيوش العسكرية المدججة بالسلاح لقمعهم وأسكات صوتهم وأرغامهم على الصمت والموت تحت رحمة القمع والظلم والأفكار الشوفينية التي عافها الزمن وتجاوزتها الشعوب المحبة للحياة والمتطلعة نحو مستقبل يليق بالأنسان .
وحين تشعر هذه السلطات أنها محاصرة أما لقوة صمود الجماهير الكردية وتلاحمها مع الجماهير العربية في العراق ، أو بناء على تعاطف الموقف الدولي وعدم وجود فعل للعبة سياسية يتم تسويف حقوق الكرد من خلالها ، لأن هذه السلطات غالباً ماتلجاْ الى الرضوخ للوعود ومنح الكورد جزء ليس له قيمة من الحقوق تحت شتى المسميات والأشكال .
ولن يفي بحثنا بالغرض المنشود من أستعراض المآسي والنكبات والمجازر التي تم ارتكابها بحق الكورد في العراق ، ولن تكفي صفحات هذا البحث لتقليب التاريخ العراقي المرير والأصرار الشوفيني في حكم السلطات الشوفينية للكورد والتركمان والكلدان والآشوريين بالقوة والحديد .
وحين شعرت السلطة العراقية في بداية السنوات الأولى لحكم البعث البغيض أنها تحت ضغط شعبي كبير يطالب بمنح حقوق الأكراد ، وحين شعرت السلطة الشوفينية أنها لاتستطيع مواجهة القوة الكوردية التي أستطاعت توحيد نفسها وتمتين علاقتها مع بقية القوميات والقوى السياسية في العراق ، وأصبحت لها أمتدادات سياسية دولية وأصبح صوتها مسموع عالمياً ، لجأت السلطة الى الخنوع وأختارت أن يكون للكورد في العراق حكماً ذاتياً .
ومع أن الكورد قبلوا بهذا الشكل بالرغم من كونه لايلبي طموحهم ولامطالبهم المشروعة ، الا أن السلطة عملت تدريجياً على أفراغ هذا الشكل السياسي من محتواه ، ولم يشكل هذا حلاً مقبولا وجذريا للمسألة الكوردية في العراق ، ولم يكن الحكم الذاتي حقاً مايلبي حقيقة النية التي كانت تخطط لها السلطة البعثية وبعد سنوات قليلة تجدد القتال مرة أخرى في كردستان ، ولكن بعد أن أعدت السلطة له نفسها وأستعادت قوتها ووظفت أموالها في سبيل سحق حركة الشعب الكوردي والتخلص من مطالبه الأنسانية المشروعة .
ولجأت السلطة العراقية الى أخس الوسائل والأساليب ، فأستعملت السلاح الكيمياوي وطرق الأبادة الجماعية للبشر ، ومسحت القرى وأحرقت المزروعات وأقفلت عيون الماء وأبادت الطبيعة والأنسان في اسلوب همجي يدل دلالة أكيدة عن شوفينيتها وعدم عتقادها بحق الأنسان في الحياة ، ولجأت حتى الى المساومة على العراق من اجل القضاء على الحركة الشعبية الوطنية للكورد ، وتم تدمير 4500 قرية كوردية وقتل في الأنفال الحرب التي اطلقت عليها السلطة هذا الأسم أكثر من 180 الف مواطن كوردي من المدنيين ، وأستمر النظام الصدامي يمارس عمليات التطهير العراقي ، وبقيت جذوة المطالبة بالحقوق مشتعلة في ضمير كل كوردي وأستمر النزال مع السلطة رغم الخسائر والتضحيات الجسام حتى تمكن الشعب الكوردي من كنس وجود السلطة في اقليم كوردستان في العام 1991 على أثر انتفاضة شعبية عارمة ، وضمن عملية التنسيق الوطني للعراق لم يلجأ الكورد الى اقفال بلادهم ولامنعوا دخول احد من الذين يلوذون بها هرباً من صدام ، وانما صاروا الملاذ والصدر والبيت الآمن الذي يحمي الناس ، وتوحدت فصائل الحركة الكوردية المسلحة مع بقية فصائل المعارضة العراقية ترسم لغد عراقي فيدرالي وديمقراطي بعد التخلص من عفن الدكتاتورية ورجس الطغيان .
في العام 1992 أقرت المعارضة العراقية في مؤتمر فينا الأعتراف لشعب كردستان في ممارسة حقه بتقرير مصيرة بنفسه ، وقرر البرلمان الكوردي في العام 1992 الدعوة الى تحقيق الفيدرالية للكورد بأعتبارها شكل من اشكال السلطة الأختيارية ، وتكررت الدعوات من قبل مؤتمرات المعارضة العراقية في التأكيد على حق الشعب الكوردي في خيار الفيدرالية .
وسقط الطاغية وتمتع العراق بسيادته بعد أن قررت المنظمة الدولية نهاية الأحتلال .
ظهرت أشكاليات جديدة على الساحة العراقية ، من بينها تنكر بعض الأطراف للوعود والقرارات التي كان يدعو لها حين كان مذعناً يلوذ بالشعب الكوردي ويصطف معه ضد الطاغية ، والبعض أعتبر أن قرار خيار الفيدرالية من قبل البرلمان لايكفي لأقرار الفيدرالية مالم يقترن بموافقة أكثرية الشعب العراقي ضمن أستفتاء عام ، والبعض يرى أن هذا الخيار هو قرار خاص قرره الشعب الكوردي ولاحاجة لأقراره من قبل غيره لأن الكورد في العراق أعرف بما يريدون ومايطمحون له من شكل للسلطة التي يريدون ، وظهر بعض ممن يستنكرون منح الفيدرالية للكورد بأعتبارها كما يزعمون تمهد الطريق للأنفصال عن العراق .
الحقيقة التي يجب ان لاتغيب عن البال هو أن الفيدرالية لاتمنح من قبل الغير للكورد ، وأنما يطلبها ويقررها صاحب الشأن وهو الشعب الكوردي من خلال برلمانه في العام 1992 ، وهذا الطلب يجسد تشكيل الدولة الاتحادية التي تضم اقليمين او اقاليم متعددة تتمتع كل واحدة بمميزات السلطة الفيدرالية ، وهو اسلوب من اساليب الحكم المتعددة ، يتمتع به اقليم كردستان بالنظر لخصوصيته التاريخية والقومية ضمن الدولة العراقية الواحدة .
وأذا وضعنا التساؤلات المريبة التي كانت السلطات البائدة تزرعها في العقول منذ عقود من الزمن وصدقها بعض من أجيال هذه العقود على جهة ، وعرضنا عن مناقشتها بالنظر لسطحيتها ، ووضعنا أمامنا مصلحة مستقبل العراق والحلول الناجعة لأشكالياته ، لوجدنا أن تحقيق الفيدرالية للشعب الكوردي أحد أهم الحلول الناجعة لهذه الأشكاليات ، والمطلع على التاريخ العراقي وأصحاب الضمائر الحية والوطنيين المضحين من أجل حياة ديمقراطية وتعددية وتليق بالأنسان يعرفون تماماً هذه الحقيقة .
ومن الحقائق الكبيرة التي لايمكن التغاضي عنها ان العراق بحاجة ملحة للنظام الفيدرالي ، وقد أثبت تجارب الدول الفيدرالية نجاح هذا النموذج في السلطة بما دفع شعوبها للرقي والتطور والأستقرار ، ولمسنا من خلال مانطالعه ونسمعه عن شعوبها التي حقق لها الحكم الفيدرالي زمناً سعيداً وهانئاً ومنسجماً يساهم الجميع فيه بالبناء سعياً لتوفير حياة تليق بالأجيال القادمة للعراق .
وأذا كان الدستور يمثل القاعدة الأساس للقوانين والأنظمة والتعليمات في كل بلد ، وهو الأساس القانوني الذي يرسم شكل الحكم والسلطة ، وبمعنى آخر أنه يمثل قاعدة الهرم التي ترتكز عليها القوانين ، فيستوجب الأمر أن تكون هذه القاعدة شاملة وتعالج أكثر القضايا الحساسة والمهمة في مفاصل الحياة العراقية .
وفي الوقت الذي أطلقت عليه بعض الدول كلمة الدستور ، فأن دولاً أخرى أطلقت عليه أسم القانون الأساس ، في حين أطلقت ثالثة عليه وصف قانون الدولة ، وفي كل الأحوال ورغم تعدد التسميات فانه يبقى القانون الأساس الذي يرسم الحقوق ويحدد الواجبات وتستند عليه القوانين الصادرة والأوامر والتعليمات ، ويعد كل تجاوز عليه خرقاً دستورياً يوجب الألغاء والمسائلة القانونية بالشكل الذي يقرره .
ولكل سلطة دستور ، وهذا الدستور يتضمن نصوص ومواد تفصيلية توجز مايحتاجه البناء السياسي والقانوني في المجتمع ، غير أن المشكلة لاتكمن في جمالية النصوص القانونية ، ولافي أنسجامها وكمال صياغتها ، بل تكمن في مدى تطبيقها في الحياة العملية ، فالعديد من النصوص الدستورية مكتوب متضمناً العديد من حقوق الأنسان ، ومن بينها حرية المعتقد والرأي والعقيدة ، ولكنها بعيدة عن التطبيق ولاتعتقد بها السلطات التي تعاقبت على حكم العراق ، ونحن نعرف أن النصوص الدستورية تعلو على كافة النصوص القانونية الآخرى وتلزمها ولايمكن لجميع القوانين مخالفة النص الدستوري .
وإذا كان الدستور يقرر حقوق السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية ، فأنه يقرر أيضاً حقوق الشعب ، ومن بين أهـم حقوق الشعب حرياته الأساسية التي يصونها ويحترمها الدستور ، ويوجب على القوانين أن تتضمنها وتصونها وتعمل وفقها ، ومن بينها حرية المعتقدات والأديان المختلفة في العراق ، بالأضافة الى كون الدستور يتضمن المباديء العامة التي تكفل الحقوق والحريات العامة للمواطن .
وعلى هذا الأساس فأن العراق وهو بلد عريق يسكن فيه بشر من مختلف الأديان والقوميات والمذاهب ، ففي العراق يسكن العرب والكرد والتركمان والكلدان والآشوريين ، مثلما يسكن فيه المسلمين والمسيحيين واليهود والصابئة المندائيين والأيزيديين .
أن أول الدساتير التي صدرت بعد تأسيس الدولة العراقية كان بتاريخ 21 آذار 1925 وصدر تحت أسم القانون الأساس لعام 1925.
وأذا تمعنا سوية في ما أوردة القانون في الباب الاول ضمن بند حقوق الشعب ، سنجد أن المادة السادسة منه نصت على أن لافرق بين العراقيين في الحقوق أمام القانون وأن اختلفوا في القومية والدين واللغة ، كما أوردت المادة التاسعة أنه لايجبر أحد على مراجعة محكمة غير المحكمة المختصة بقضيته الا بمقتضى القانون .
أما المادة الثالثة عشر فقد حددت أن الأسلام الدين الرسمي للدولة ، ويضمن الدستور لجميع ساكني البلاد حرية الأعتقاد العامة ، وحرية القيام بشعائر العبادة وفقاً لعاداتهم مالم تكن هذه العادات مخلة بالأمن والنظام العام ، ومالم تكن منافية للأداب العامة .
وأعطت المادة السادسة عشر للطوائف المختلفة حق تأسيس المدارس لتعليم أفرادها بلغاتها الخاصة ، والأحتفاظ بها أي باللغة على أن يكون ذلك موافقاً للمناهج العامة التي تعين قانوناً .
بقي هذا الدستور نافذاً لحين إسقاط الملكية بثورة الرابع عشر من تموز 1958 والتي قادها الزعيم عبد الكريم قاسم ، حيث تم أصدار دستور مؤقت بعد أيام قليلة يتم الأستناد عليه ضمن المرحلة الأنتقالية التي كانت بصدد الوصول الى مرحلة سياسية ودستورية ثابتة وفق أسس ديمقراطية وفقاً لدستور عراقي دائم ، غير أن ظروفاً وملابسات وأحداث طغت على الوضع السياسي وأربكت الحياة الدستورية ، بالأضافة الى نجاح أنقلاب شباط 1963 سيء الذكر ، حيث تم الغاء الدستور المؤقت وأحلال دستور مؤقت آخر بديلاُ عنه في العام 1964 ، ثم صدر دستور مؤقت آخر في العام 65 ، وحين جاء أنقلاب 68 الغى الجميع وصدر دستور مؤقت لم يلبث أن تم الغاءه بدستور مؤقت في العام 70 ثم مشروع الدستور المؤقت في العام 90 قبل أحتلال صدام للكويت .
وضمن عملية التعايش اليومي والملموس في العراق نلمس مدى الأنسجام والتفاهم الديني والأحترام الواقعي بين المسلم والمسيحي واليهودي والصابئي المندائي والأيزيدي ، وكيف كانت علاقاتهم الأجتماعية وطيدة وراسخة ، وهذه الأديان موجودة فعلاً على الساحة العراقية ، بالأضافة الى وجود طوائف وملل أخرى كالكاكائية وأهل الحق في العراق .
وبموجب القانون الأساس فقد شرع إنشاء محاكم شرعية للمسلمين ، تقوم هذه المحاكم بتطبيق أحكام الشريعة الأسلامية على المتداعين ( تغير أسمها لاحقاً الى محاكم الأحوال الشخصية ) ، وتقضي هذه المحاكم بما تفرضه الشريعة الاسلامية في كل المجالات بما فيها المواريث والطلاق والزواج والبنوة والوصية والحضانة وغيرها ، غير أن الحكومة وبناء على مايخوله النص الدستوري وافقت على أنشاء محاكم للمواد الشخصية لغير المسلمين ، تأخذ هذه المحاكم على عاتقها القضاء الشرعي بين المواطنين العراقيين من غير المسلمين .
غير أن هذه المحاكم تحدد أختصاصها الشخصي في النظربقضايا معتنقي الديانة المسيحية واليهودية فقط بزعم وجود لوائح للأحوال الشخصية لهذه الديانات .
يعني هذا بقاء أمر القضاء لغير المسلمين من بقية المذاهب والأديان الآخرى سائباً دون مرجع قضائي يتحدد قانوناً ويوكل له مهمة القضاء بين هذه الأديان والملل وفق شريعتها وأحكامها .
في العام 1959 تم إصدار قانون الأحوال الشخصية المرقم 188 لسنة 59 ، ويعتبر القانون المذكور طفرة نوعية ومكسب قانوني واسع في العمل القضائي ، أذ نصت العديد من نصوصه على حقوق وضمانات كثيرة للمرأة والعائلة العراقية ، غير أن مايلفت الانتباه ذلك النكوص الذي بدا واضحاً في الأختصاص الشخصي الذي نصت عليه الفقرة ( أ ) من المادة الثانية من القانون وهذا نصها :
( تسري أحكام هذا القانون على العراقيين الا ما أستثني بقانون خاص )
وكان الأخوة المسيحيين واليهود الموسوية قد أستثنوا بقانون خاص للقضاء وفق أحكام موادهم وخصوصيتهم الشرعية وماتفرضة أحكامهم وكتبهم الدينية .
وعلى هذا الساس فأن اختصاص محاكم الأحوال الشخصية يشمل كل من :
المسلمين العراقيين
الأجانب المسلمين في العراق
الصابئة المندائيين في العراق
الأيزيديين في العراق
وهكذا بقيت شرائح مهمة من شرائح المجتمع العراقي لها حضور فاعل في الحياة العراقية وتنطبق عليها كل مقومات ومستلزمات المواطنة العراقية ، وتتحمل كل واجباتها غير انها لاتتطابق في الحقوق مع المواطن الآخر في التطبيق القضائي وحق تطبيق أسس شرائعهم وديانتهم التي يعتقدون ويؤمنون بها .
أن الأعلان العالمي لحقوق الأنسان صدر في العاشر من كانون الأول عام 1948 ، و قد أكدت المادة الثانية منه على أن لكل أنسان حق التمتع بجميع الحقوق والحريات دون تمييز من أي نوع ، ولاسيما بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي وغير السياسي أو الأصل الوطني أو الأجتماعي أو الثروة أو المولد أو أي وضع آخر ، كما أكدت المادة 18 من الأعلان أن لكل شخص الحق في حرية الفكر والوجدان والدين ، ويشمل هذا الحق حريته في تغيير دينه أو معتقده ، وحريته في إظهار دينه أو معتقده بالتعبد وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم بمفرده أو مع جماعة وأمام الملأ او على حدة .
والمنطق القانوني يقضي أن تتطابق نصوص الدساتير التي صدرت في العراق مع نصوص الأعلان العالمي لحقوق الأنسان شكلاً ومضموناً ، لكنها في الحقيقة لم تتفق معه في الفعل ولافي التطبيق الواقعي ، حيث عمدت السلطات العراقية التي تعاقبت حكم العراق على غبن قضية حرية وحقوق الاديان في العراق بكلمات اوردتها النصوص الواسعة التي لاتفيد التخصيص ، وعامة لها مدلول لفظي لايفيد الحريات الدينية .
وحين أكدت الدساتير المؤقتة على الحرية العامة وصيانتها وعلى حرية الأديان فأنها غضت النظر عن كتابتها نصاً دستورياً صريحاً أو على الأقل قانونيا يبيح لهذه الأديان أن تجد لها مايشير الى خصوصيتها ، او على الأقل من ناحية الأحوال الشخصية في أنشاء محاكم شرعية تقوم بتطبيق نصوصها القانونية والشرعية ، ويكفي أن نعرف جميعاً أن للصابئة المندائية وللأيزيدية حجم حقيقي ملموس في التواجــد الفعلي على الساحة العراقية ، وكذلك في الحضور الوطني والتضحية من أجل المستقبل الديمقراطي والفيدرالي في العراق .
يعني هذا أن لهاتين الشريحتين المهمتين في النسيج العراقي حقوق مثلما عليها واجبات وانها تتوفر فيها كل مستلزمات الخصوصية الدينية المعنية التي وجدها القانون في الديانة المسيحية أواليهودية .
وأذا أفترضنا أن السياسة الخاطئة التي سارت عليها السلطات البائدة منذ تأسيس الحكم الوطني في العراق ولحد سقوط سلطة الطاغية الأخير في نيسان 2003 قد انتهت ، لنتصفح معاً نصوص قانون الفترة الأنتقالية الذي صدر في العام 2004، ولنتأمل ماورد فيه من نصوص بخصوص حقوق الأديان .
أشارت المادة السابعة ( أ ) الى أن الأسلام دين الدولة الرسمي ، وعدت الشريعة الاسلامية مصدراً للتشريع ، ويضمن القانون كامل الحقوق الدينية لجميع الافراد في حرية العقيدة والممارسة الدينية .
أن نصاً خجولا كهذا يتحدث عن دين واحد هو دين الدولة الرسمي ، ويتحدث عن ضمان حرية العقيدة دون الأشارة الى كون هذه العقيدة دينية أم سياسية أو مذهبية أم اجتماعية أو اقتصادية ، فأنه يشير الى الممارسة الدينية دون أن يخرج عن معطف النص الذي يشير الى أسلامية السلطة .
وفي المادة الثالثة عشر أعطى الحق للعراقي بحرية الفكر والضمير والعقيدة الدينية وممارسة شعائرها وحرم الأكراه بشأنها .
العلمانية أيضاً تعني بحرية المعتقد على الصعيد الفردي ، مثلما تسمح لأي مجموعة ممارسة الشعائر الدينية بشكل عام ولأي كيان أجتماعي متمتعاً بقدر واف من الأستقلالية عن سلطة الدولة ، وهي لاتعني قطعاً مواطن بلادين أو مجتمع بلادين ، وأنما تعني دولة وسلطات حاكمة لاتنحاز لدين أو أقلية عرقية ، أو طائفة أو مذهب معين ، ولاتدعو العلمانية المؤمنة الى فصل الناس عن دينها ، لكنها تدعو لأنشاء سلطة لأدارة دولة حديثة تقوم على مبدأ التعددية الثقافية والدينية والسياسية ، تجد أنعكاساً لها في هيكل السلطة دون أن تتعكز على دين أو مذهب معين .
ومهما يكن الأمر فأن قانون الأحوال الشخصية العراقي النافذ المرقم 188 لسنة 59 المعدل بوضعه الحالي لايساعد في الأشارة الى حقوق الأديان الموجودة في العراق والتي لم يشر اليها نص الفقرة ( أ ) من المادة الثانية منه ، كون أحكام سريان القانون عامة تسري على كل العراقيين الا ما أستثني منهم بنص خاص ، ولم يتم أستثناء معتنقي الصابئة المندائية ولاالديانة الأيزيدية بنص خاص ، مما يوجب حكماً أن يتم تطبيق قانون الأحوال الشخصية الخاص بالمسلمين عليهم .
وحتى لو فرضنا جدلاً أن هذا القانون يحقق العدالة فأنه يحققها للمسلمين ولايمكن أن يرغم أبناء ديانة أخرى على تطبيق نصوص أخرى من غير دينهم ، لأننا سنجد أنفسنا مخالفين لنصوص دستورية غاية في الأهمية وردت ضمن حقوق الشعب العراقي ، في حق المواطن أن يراجع المحكمة المختصة التي يجدها تقوم بتطبيق النصوص الشرعية لديانته ووفق خصوصيته الدينية .
وليس الأمر وحده عند هذا الحد ، بل يتم تكليف قضاة من المسلمين في تطبيق الأحكام الشرعية للمسيحيين واليهود والصابئة المندائية والأيزيدية دون أن يشترط كون القاضي المكلف بهذا الأمر معرفته بأسس الديانة الايزيدية أو الصابئة المندائية ، لابل وعلى الأغلب انه يكون من بين ممن لاعلاقة أو لاأهتمام له بمعرفة الأديــان والمذاهب وخصوصياتها الدينية .
وفي هذا الأمر غاية في الأجحاف والتهميش والظلم بالأضافة الى المخالفة الدستورية الواضحة والتناقض مع النصوص ، وهذا الأمر يشكل صورة واضحة للتفرقة في التعامل القانوني والدستوري بين أبناء العراق تبعاً لدياناتهم .
وأذا كانت الحقوق متساوية ، فلم هذا الفصل والتفريق في منح الحقوق ؟ ولماذا يتم تشريع محاكم للمواد الشخصية للمسيحيين واليهود دون غيرهم من الأديان في العراق ؟ مع وجود أديان أخرى لاتقل عنها أهمية وحضوراً وتجمعاً ، وهل ثمة أعتراف صريح وواضح بوجود الديانة الأيزيدية والصابئة المندائية التي تجاوزها القانون في العراق ؟
تتميز الأديان في العراق وخصوصاً الصابئة المندائية والأيزيدية بوجود منهج محدد ووفق هذا المنهج يتم الألتزام بأحكامه الدينية ونصوصه الشرعية ، وثمة حقيقة أخرى واضحة وضوح الشمس من كون الصابئة المندائية والأيزيدية يشتركون في توحيد الله ولكل منهما ديانته العريقة والموغلة في القدم على أرض العراق مع وجود الخصوصية لكلا الدينين ، مما يستوجب أن يتم تكليفهما بتقديم لائحة تتضمن الأحكام الشرعية للمواد الشخصية لمعتنقي كل من هذين الدينين .
وبالنظر لوجود لائحة للأحوال الشخصية في هذا الخصوص لهذه الأديان ينبغي النص وفقاً لقانون الأحوال الشخصية العراقي النافذ بأستثناء الصابئة المندائية والأيزيدية من القانون . بمعنى أن يصار الى شمولهما بالخصوصية التي تبيح لهما تكليف قاضي للأحوال الشخصية يكون من القضاة المتخصصين في القضايا الشرعية والفقهية الخاصة بكل ديانة من دياناتهم ، أي بمعنى ضرورة أن يصار الى إناطة الفصل الشرعي بينهم من قبل قاض من بين معتنقي تلك الديانات يتخصص في قضايا المواد الشخصية ، وبالأضافة الى ضرورة معرفته بقضايا القانون والحقوق ، فأنه يقوم بالفصل في القضايا الشخصية وفقاً لنصوص القانون وأستناداً للنصوص الدستورية .
أن حرمان أبناء المسيحيين والأيزيدية والصابئة المندائية واليهود من ولوج العمل في القضاء العراقي لايجد له سبباً انسانياً ودستورياً ، ويتعارض مع مبدأ المساواة والعدالة ، ويجعل من مواطنتهم ناقصة وليس لها مايبررها ،بالاضافة الى الخرق الدستوري للنص .
فأذا كان الدستور يقضي بمنح الأديان حريتها وممارسة طقوسها بكل حرية ، فأن القوانين الجزائية ينبغي أن تكون منسجمة مع نصوص الدستور وأن تضفي الحماية لجميع هذه الديانات من العقول الظلامية والمتخلفة والمريضة التي تدفع بأتجاه تكفير الآخر وأستباحة دمه وسلب حياته تحت شتى الذرائع والمزاعم والأسباب الواهية ، وأن تضع الأفعال المخالفة للقانون في التعرض لهم ضمن باب الظروف المشددة في العقاب حماية لهم ومنعاً لوقوع الخرق وأرتكاب الفعل المخالف للقانون بحقهم .
تكمن الحرية الدينية في صميم أي مجتمع يسعى الى الحرية والديمقراطية وبناء أسس عادلة في الحياة ، وهي مجسدة برسوخ وبمثابة قيم أجتماعية وأنسانية منسجمة مع الشرائع الدينية ولوائح حقوق الأنسان ، كما أن الحق في حرية الدين يشكل حجر الزاوية للحياة الديمقراطية ، وهو المقياس الحيوي في تشكيل وصيانة أي نظام سياسي مستقر ، وبالمقابل فأن التقصير في حماية حرية الأديان والحقوق الأنسانية الأساسية الأخرى ينمي التطرف ويقود الى عدم الاستقرار والعنف ظهور إتجاهات تنحرف عن المقاصد النبيلة والدعوات الأصلاحية لأي دين ، وبالتالي تحريف الهدف الأساس وصيرورة الفعل الجرمي والسلوك الحيواني وسيلة من وسائل مستترة بأسم الدين للوصول الى غايات غير مشروعة ومقترنة بالعنف والأرهاب .
فتقييم أوضاع الحرية الدينية قد يخدم أحياناً كثيرة للمساعدة في تشخيص طريقة البناء والأستقرار لدولة ما ، ولهذه الأسباب وغيرها يبقى تعزيز الحرية الدينية عنصراً لازماً لسياسة الدولة العراقية الديمقراطية الفيدرالية .
أن المجتمعات الناجحة تضمن الحرية الدينية للناس ، وتمنح الأنسان كامل الحرية في ممارسة الطقوس والتقاليد والأعراف الدينية بما لايخالف النظام العام والأداب ، وينبغي أن نضمن حرية ممارسة هذه الطقوس والعبادات لهذه الأديان جميعها وبشكل متساوي بما فيها الديانة اليهودية التي نالت من الغبن والتهميش والظلم الكثير من السلطات التي تعاقبت على حكم العراق تحت شتى الذرائع التي لاتتطابق مع الواقع العراقي ولاتخدم مستقبله .
ومن بين هذه الحقوق أعادة أماكن العبادة لمعتنقي الديانة اليهودية في العراق وترميمها والأهتمام بها وأشراكهم مثلما يشترك غيرهم من المسيحيين والصابئة المندائية والأيزيدية في وزارة الاوقاف والشؤون الدينية .
كما تعاني الأضرحة والمزارات الدينية لدى الأيزيدية من الأهمال والنسيان ، فلا تهتم بها السلطات ولاتلتفت اليها ، كما لاتشعر هذه الشريحة بمساهمة السلطة في أضفاء نوع من الصيانة والتجديد والتعمير الذي يليق بأي رمز ديني لأي مذهب أو طائفة أو دين بما يجسد عدم المساواة في التعامل مع هذه الشريحة الدينية المهمة والكبيرة في العراق .
كما يعاني رجال الدين الأيزيدي من غياب حقيقي لمسألة الحقوق يشاركهم في هذا الغياب رجال الدين المندائي حيث لاحقوق لهم ولاتعتبرهم السلطات متفرغين لعملهم الديني وممارستهم الطقوس الدينية لأبناء دينهم ، ولاتمنحهم الرواتب التي تليق بمقامهم وعلمهم ودرجاتهم الدينية وخصوصيتهم ، مثلما لاتتكفل بمنحهم الحقوق التقاعدية كما تفعل مع رجال الدين من الأديان الأخرى ، وفي هذا الأمر ليس فقط عدم المساواة والمجافاة في الحقوق ، وأنما أيجاد شروخ وفجوات في التعامل بين رجال الدين المختلفين في العراق .
ولهذا ينبغي النص على أن تحترم الدولة العراقية الفتية التعددية الدينية والمذهبية وتصون أماكن العبادة للمسلمين والمسيحيين واليهود والصابئة المندائية والأيزيدية ، وتكفل حرية الرأي والأعتقاد والعبادة وفقاً للقانون ، وأن تساوي في نظرتها للمتفرغين من الرجال والنساء للطقوس الدينية وخدمة المزارات ، وأن تعطي المزارات من الاهتمام والألتفات في الرعاية والصيانة مما يوجبه القانون .
أن مسألة الحقوق للأديان والمذاهب مسألة تمثل مطلبا وطنياً عراقياً ملحاً وضرورياً ، فنحن بحاجة الى أجماع وطني ونظرة متساوية ومنصفة ، والأقرار بحقوق جميع القوميات وكذلك الأديان من الأيزيدية والصابئة المندائية والمسيحية واليهودية والأسلامية بكافة مذاهبها الى أقل الشرائح الدينية والعقائد الموجودة في العراق .
مثلما نحن بحاجة أن نبحث عن الحقوق التي ضيعتها الأنظمـة السابقة بقصد اودون قصد ، وهذه الفرصة التاريخية التي تشير الى معالم حيـاة جديدة للعراق في المنطقة ستزيد بالتأكيد من قوة التلاحم والتكاتف الوطني ، مثلما تزيـد الوطن منعة وتلاحماً ووحدة ، وتزيدنا أملاً في مستقبلنا الديمقراطي والفيدرالي .
أن من يريد أن يحقق حياة دستورية ينعم بها العراقي بحياة ديمقراطية وفيدرالية عليه أن يعالج مسألة الحقوق بضمير منصف وفق رؤية حريصة على مستقبل الاجيال القادمة .
زهير كاظم عبود
القضية القومية في العراق وحريات الأديان
لايختلف أحد على التعدد القومي والأثني الموجود في العراق ، وهذا التعدد لم يكن يشكل نقطة ضعف أو فرقة في تماسك العراق الأجتماعي أو في بناءه السياسي ، ولكل واحدة من هذه القوميات خصوصيتها ولغتها وتاريخها وحقيقتها ،ومن حقائق هذه القوميات المتعايشة في العراق ، العرب منها والكورد والتركمان والكلدان والاشوريين والأرمن ، انها جميعها رزخت تحت شتى انواع الظلم والأستعباد والأستعمار ، وانها جميعا تحملت من الضيم والكبت وقاومت بشتى السبل ، وانها جميعها كانت تنادي بالنزوع نحو الحرية والأنعتاق والتخلص من العبودية .
ومن يطالع نصوص القانون الاساسي العراقي لعام 1925لايجد تغليب قومية على اخرى او منح حقوق لواحدة أكثر من غيرها بغض النظر عن حجمها وكتلتها البشرية ، وتلك نقطة مهمة ينبغي الالتفات اليها وخصوصاً أن هذا الدستور كتب بتاريخ 21 آذار 1925 ، فقد اكدت المادة السادسة منه بأنه لافرق بين العراقيين في الحقوق امام القانون وأن اختلفوا في القومية والدين واللغة ، مع أن نص المادة السابعة عشر منه جعل اللغة العربية هي اللغة الرسمية سوى ماينص عليه بقانون خاص ، وعاد للتأكيد في متن المادة 18 على مساواة العراقيين في التمتع بحقوقهم . أن نصوصاً متينة وفاعلة في الحياة العراقية مثل الواردة في نصوص القانون الاساسي بعد ان تخلص العراق من أرث الأستعمار والدكتاتورية العثمانية البغيضة يشكل علامة نيرة وأشارة الى معرفة عميقة بالواقع العراقي متعدد القوميات والأديان .
وحين انتهى هذا القانون بقيام الجمهورية وتم اصدار الدستور المؤقت على عجالة بتاريخ 27 تموز 1958 اي بعد أقل من أسبوعين على نجاح الثورة ، فقد أوردت المادة الثانية من الدستور المؤقت أن العراق جزء من الأمة العربية ، وعاد ليؤكد في المادة الثالثة أن الكيان العراقي يقوم على أساس من التعاون بين المواطنين كافة بأحترام حقوقهم وصيانة حرياتهم ، ويعتبر العرب والأكراد شركاء في هذاالوطن ، ويقر الدستور حثقوقهم القومية ضمن الوحدة العراقية .
نلاحظ أن المادة الثانية حسمت التبعية القومية للعراق كونه جزء من الأمة العربية ، ولم تخصص أو تشير الى وجود قوميات اخرى يشملها التعميم الوارد والمطلق في النص ، فالعراق بأكمله جزء من الأمة العربية ، ويعني هذا أن الكورد والتركمان والكلدان والآشوريين والأرمن كلهم جزء من الأمة العربية ، وأن التركيز على المساواة وصيانة حرياتهم لايعني بأي شكل من الأشكال الأشارة الى كونهم خارج سياق هذا النص .
كما أن الشراكة في الوطن بين العرب والكورد لفظية وليس لها من الواقع العملي والدستوري مع ان النصوص فاتها ان تشير الى اللغة المعتمدة في السلطة الجديدة .
غير أن الدستور المؤقت الصادر بتاريخ 29 نيسان 1964 كان أكثر صراحة حين كشف عن مسعاه الشوفيني من كون الشعب العراقي ( بكل قومياته ) جزء من الامة العربية ( وهدفه ) الوحدة العربية الشاملة وتلتزم الحكومة بالعمل على تحقيقها في اقرب وقت ممكن مبتدئة بالوحدة مع الجمهورية العربية المتحدة .
وعلى نفس المسار جاء الدستور المؤقت لعام 68 الصادر بتاريخ 21 أيلول 1968 والذي كرر تبعية الشعب العراقي ( دون أستثناء أي قومية غيرعربية ) كجزء من الأمة العربية وهدفه الوحدة العربية الشاملة وتلتزم الحكومة بالعمل على تحقيقها ، وأن اللغة العربية هي اللغة الرسمية بمقتضى نص المادة الرابعة من الدستور المؤقت .
كلمة القومية لها معنيان ، المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي ، والمعنى اللغوي عادة ما يكون مستقرا ثابتا غير متغير لأنه يتم تحديده وفقا للجذر اللغوي الأصلي للكلمة ، أما المعنى الاصطلاحي فهو يكون محل خلاف بين المثقفين والمفكرين والباحثين في مثل هذه المسائل لأسباب منها اختلاف مدارسهم ورؤاهم وخلفياتهم الفكرية والثقافية وأيضا في اختلاف أهدافهم واستراتجياتهم التي يرمون إليها من وراء تلك التعريفات لتلك المفاهيم .
أي أن تعريف القومية لغة يكون بإعادة الكلمة إلى جذرها بمعنى أن القومية هي مشتقة من الكلمة (( قوم )) ..الخ . وهذا المعنى اللغوي لا يكون محل خلاف أ و جدل إلا نادراً .
أما تعريف القومية من الناحية الاصطلاحية فهو محل الخلاف والجدل فهناك من يرى أن القومية هي ذلك الشعور الوجداني الذي يربط مجموعة من الناس يعيشون في بقعة جغرافية بشكل دائم ومستقر ويربطهم تاريخ ولغة واحدة ومصير مشترك …ألخ .
وهناك من يرى أن القومية هي مجموعة من العادات والتقاليد المشتركة التي يمارسها شعب معين ويكون مستقرا في بقعة جغرافية واحدة ويربطهم لغة واحدة وتاريخ واحد ومصير مشترك … الخ والخلاف إذن ينبع من إدخال أو إخراج هذه العناصر التي يتكون منها هذا المفهوم (( مثلا هناك من يرى أن اللغة المشتركة هي شرط ضروري وأساسي وهناك من يرى في البقعة الجغرافية أيضا عامل أساسي وهناك من يراها غير كذلك أي عامل ثانوي ومن هنا ينشأ الخلاف في تحديد وتعريف هذا المفاهيم لاختلافها في تحديد العناصر التي يتكون منها هذا المفهوم أو ذاك …
وأذا وضعنا ماورد أنفاً بعين الاعتبار توصلنا الى الرابط الذي يربط ابناء القومية الواحدة فلاالعرب كورد ولاالكورد تركمان ولاالتركمان كلدان ولاالأرمن آشوريون ، ولكل من هذه القوميات لغة مشتركة وتاريخ مشترك ضمن بقعة جغرافية ثابتة مع مصير مشترك ، فلماذا يتم غبنحقائق هذه القوميات ؟
وفي سياق التعرض لمثل هذا الموضوع كتب الكاتب اللبناني السيد كريم مروة مقالة له في صحيفة الحياة اللبنانية بعنوان ( القومية العربية وألقليات القومية في العراق مثلاً ) عالج فيها معالجة منطقية لواقع القوميات في العراق فيقول :
(( من مفارقات هذا العصر المثيرة للجدل - ولا أتحدث عن العصور السابقة - ان القوميات الكبيرة, في بلدان العالم الثالث خصوصاً, لم تستطع, في كل عهود ما بعد الاستقلال, ان تتعامل في شكل صحيح مع الأقليات القومية في بلدانها. لم تسعَ الى ذلك ولم تبذل اي جهد, بل هي سلكت طريقاً أخرى, هي الطريق ذاتها التي سلكتها الدول الاستعمارية في تعاملها مع تلك القوميات الكبيرة بالذات, ومنها قوميتنا العربية بالتحديد, خلال عقود طويلة في حالات معينة وخلال قرون في حالات اخرى. واستمرت حكومات هذه البلدان في العهود المختلفة, على امتداد نصف قرن ونيف, في ممارسة انواع شتى من القمع والقهر والإذلال للأقليات القومية, بما في ذلك اللجوء الى ما يشبه الإبادة الجماعية بواسطة الأسلحة المحرمة دولياً, كالأسلحة الجرثومية وسواها. ومثال مدينة حلبجة في كردستان العراق هو النموذج الحي الصارخ على تلك الهمجية.
المنطق الذي استندت إليه الحكومات المتعاقبة في هذه البلدان, من اقاصي القارة السوداء الى اقاصي الشرق الآسيوي, مروراً ببلداننا العربية, إزاء الأقليات القومية, هو اعتبار ان مجرد الاعتراف لهذه القوميات بحقوقها والسماح لها بممارسة تلك الحقوق, سيقودها الى الانفصال عن الدولة الأم. ويشكل ذلك في نظر تلك الحكومات, تهديداً للوحدة الوطنية. فهو إذاً, بهذا المعنى, الخيانة بعينها, التي يستحق مرتكبها العقاب في اقصى درجاته, بما في ذلك الإبادة الجماعية او ما يشبهها ويصل الى حدودها. وفي هذا الموقف بالذات من جانب تلك البلدان وقياداتها تعبير فظ عن التنكر لمبدأ اساسي قديم هو الحق المقدّس للشعوب والقوميات في تقرير مصيرها.
والمفارقة هنا هي, كما اشرت, ان قادة هذه البلدان ونخبها السياسية والثقافية في السلطة وخارجها, الذين ينتمون الى القومية الأكبر, كانوا ذات يوم, قبل ان تنتزع بلدانهم استقلالها من الدول الاستعمارية, هدفاً مباشراً لشتى انواع الاضطهاد والقمع والقهر, وأن ثقافتهم وهويتهم القومية كانت هدفاً للإلغاء والإدماج, بالإكراه, في ثقافات الدول المستعمرة, وأن لغتهم القومية كانت مهددة بالإزالة من الوجود لمصلحة لغة الدولة الاستعمارية (التتريك والفرنسة أنموذجان!).
سيكون من الصعب في هذا المجال الدخول في بحث عام يشمل هذه المساحة الشاسعة من الكرة الأرضية التي تضم سدس سكان المعمورة. لذلك سأتوقف عند الجانب الذي يعنيني في هذه المسألة, الجانب الخاص ببلداننا العربية تحديداً. ذلك ان هذه المسألة تشكل في بلادننا الحقل الأكثر اغراء للجدل, والأكثر إثارة للاهتمام والاستنكار على الصعيد العالمي. والمؤلم في المشهد الذي يتكرر منذ عقود طويلة - المشهد الشديد الإيلام - هو ان ثمة ما يشبه الإجماع بين التيارات والنخبة السياسية والثقافية, على مستوى السلطات الرسمية وعلى مستوى الأحزاب والمؤسسات, الإجماع على رفض الإقرار للأقليات القومية في بلداننا بحقوقها القومية, حتى في ابسط اشكالها وتعبيراتها. ولا يتعلق الأمر, هنا, بحق تقرير المصير, الحق الذي يشكل احد العناصر الأساسية في شرعة حقوق الإنسان, بل حتى في ما هو ابسط من ذلك, حق هذه الأقليات بأن تعبّر بحرية عن ذاتها, عن هويتها الثقافية والقومية, وأن يكون لها في البلد الذي تنتمي إليه وتصر على أنها جزء مكون منه ومن شعبه, حقوقها المتساوية مع الآخرين في كل ما يتصل بالشأن العام, وفي كل ما يتصل بالشؤون الخاصة بالمجموعات والأفراد, على حد سواء. والغريب, في هذا المشهد بالذات - الشديد الغرابة - هو ان هذا السلوك من موقع القومية الأكبر ضد الأقليات القومية في بلداننا, يتم في الوقت الذي تتمادى فيه السلطات الإسرائيلية في قمعها الشعب الفلسطيني, ومنعه من تحقيق امانيه الوطنية في الاستقلال, وفي التعبير عن ذاته, هوية قومية وثقافية, وكياناً بشرياً, وأرضاً, ودولة, وخصوصيات تاريخية اخرى. يتم ذلك وسط عجز مطلق من الدول العربية ومن قواها السياسية عن التضامن الفعلي مع هذا الشعب وعن دعمه في كفاحه البطولي الحافل بالتضحيات.
ما سر هذه الحال الإنسانية البشعة, التي تشوه تاريخنا بفعل استمرارها في بلداننا, ولا تجد من القوى والسياسات ما يمكن هذه البلدان من التحرر منها, بهدف تحقيق الحرية لجميع المواطنين وتحقيق التقدم لبلداننا في المجالات كلها, التقدم الذي بواسطته عندما يتحقق يمكن لبلداننا ان تخرج من تخلفها ومن الاستبداد الذي يتحكم بها وبمصير شعوبها, وتدخل في تحولات العصر الكبرى وتسهم في بناء الحضارة الإنسانية!
إن تاريخاً طويلاً من الحروب الأهلية في العراق وفي السودان وفي بلدان عربية اخرى يكفي لإثبات ان سياسة الاضطهاد القومي تدمر ولا تبني, تؤخر ولا تقدم, وتجعل الأكثرية الساحقة من ابناء الوطن, قومية كبرى وأقليات قومية, الضحية المباشرة لتلك السياسات.
إلا ان المشكلة في العراق لا تنحصر في الأكراد. بل هي تشمل جميع الأقليات القومية من تركمان وكلدان وشركس ويزيديين وصابئة. لكن الأكراد هم من الأقدم والأكثر عراقة في تاريخ المنطقة كلها, والأكثر عدداً بالنسبة للآخرين من الأقليات في العراق. إذ يشكلون ربع عدد سكان هذا البلد. وعلى رغم ان للشعب الكردي جذوراً تاريخية قديمة, فإنه لم يستطع, كما يقول المؤرخون, لأسباب ولظروف أهمها قمع القوميات الكبرى له في بلدان المنطقة, من أن يشكل له كياناً مستقلاً في أي من هذه البلدان. ويضيف المؤرخون ان هذا الشعب قام بأكثر من ألف ثورة لتحقيق طموحاته القومية. وقمعت جميع تلك الثورات. وتعطَّل بذلك امكان تحقيق الحلم القومي الكردي, أو تأجَّل, ليتخذ المطلب القومي المشروع صيغة, أو صيغاً أخرى, داخل كيانات تلك الدول, وتحتل تلك القوميات مكانها كجزء مكوّن من هذه الدول ومن شعوبها.
ولا يختلف الوضع في السودان في الجوهر عن مثل العراق. فالسودان دولة أفريقية قديمة. دخلت اليها العروبة من طريق الإسلام. ولذلك فالسودانيون بهذا المعنى, هم عرب مستعربون مثل العديد من العرب في الأزمنة المعاصرة. وقد شكَّل الإسلام مع مرور الزمن دين الأكثرية في هذا البلد, على رغم وجود أقلية مسيحية كبيرة, ووجود وثنية عند بعض القبائل. وإذا كان قد تأخر السودانيون الأفارقة في طرح قضيتهم بشقَّيها القومي والديني داخل الوطن السوداني, فإن مجرد البدء بطرح مسألة الحقوق القومية قد وضعهم في قفص الاتهام بتهديد وحدة الوطن ووحدة الشعب, فاستحقوا العقاب. واقليم دارفور, اليوم, هو الأنموذج الآخر للاضطهاد القومي في السودان, بعد اتفاق السلام مع الحركة الشعبية في الجنوب.
يقول بعض القوميين العرب ممن جعلوا أنفسهم في موقع أصحاب القضية القومية الحصريين بالنيابة عن كثيرين سواهم, إن ممثلي الأقليات القومية من نخب سياسية وثقافية واجتماعية هم الذين يتحملون المسؤولية عن الوضع الذي هم وقضيتهم القومية فيه. فهم بإصرارهم على التمسك بحقوقهم القومية, وضعوا أنفسهم في موقع المتميز عن المواطنين من القومية الأكبر! ويضيف هؤلاء القوميون أن الخطأ المميت لممثلي الأقليات القومية, سواء في العراق أم في السودان, هو استقواؤهم بقوى خارجية للدفاع عن مطالبهم, ضد أشقائهم وضد الوطن! هو الأمر الذي جعلهم في نظر هؤلاء الأشقاء أشبه بطابور خامس في قلب الوطن ضد وحدة أرضه ووحدة كيانه ووحدة شعبه! ولم يسأل أحد من هؤلاء القوميين نفسه عن السبب, أو الأسباب التي خلقت الظروف لكي ترتكب تلك القيادات من الأقليات القومية, مع سواها من قيادات القومية الأكبر, مثل تلك الأخطاء. وغاب عنهم أن ثمة في هذا الوضع المأسوي فعلاً ورد فعل. وبمقدار ما يتخذ الفعل طابع الثبات فإنه يولد ردود فعل من الطبيعة ذاتها. لنتذكر, هنا, أن بعض الأقليات القومية والدينية التي انتقلت, في صدف تاريخية, الى مواقع السلطة بعد عقود طويلة من الاضطهاد, قد مارست وسائل القهر ذاتها, التي كانت هي ضحيتها في السابق, ضد القوميات والأديان الأخرى الأكبر. لكن الأكثر إثارة للدهشة في هذا المجال هو أن هؤلاء القوميين ونظائرهم في التعبير عن مواقفهم يتجاهلون الموضوعة التي تشبه القانون الموضوعي, القائلة إن أي شعب يسعى الى فرض السعادة على شعب آخر بالقوة والاكراه - السعادة التي يحددها هو لذلك الشعب بالنيابة عنه - يقع هو ذاته ضحية تعسفه. ألا تشير الى ذلك بوضوح قاطع أوضاع بلداننا العربية من المحيط الى الخليج, التي يسود فيها منذ زمن طويل الاستبداد والفساد والتخلف, وتتفكك المجتمعات فيها وتتحول الى قبائل من شتى الأنواع, متصارعة في ما بينها بشتى الوسائل, ويتحول فيها المواطنون الى رعايا من الدرجات الدنيا, رعايا لأنظمة لا يفكر القيمون عليها إلا بتأييد سلطاتهم وتعظيم مصالحهم فيها.
وفي الحقيقة, ان ما يقلق المرء في بلدان مثل العراق والسودان هو أن الحملة الموجهة ضد الأكراد والجنوبيين تتم في الوقت الذي يتهيأ فيه هذان البلدان - إذا سارت الأمور في الاتجاه الصحيح - للانتقال الى زمن آخر, يفترض أنه الأفضل, بعد عقود من الاستبداد والحروب الأهلية ومن القمع الذي عانت منه الأكثرية الساحقة من الشعبين. والسؤال الذي يطرح نفسه الآن بالنسبة الى العراق, في هذه الفترة بالذات التي تجرى فيها عملية شاقة ومعقدة وطويلة لتحرير العراق من الاحتلال الأجنبي ومن آثار عهود الاستبداد القديمة والحديثة, السؤال الحقيقي الذي يتطلب جواباً عنه من العراقيين أولاً, ومن العرب جميعاً وبالأخص عرب البلدان المجاورة للعراق : ألم يحن الوقت لكي يخرج هذا البلد من حروبه الداخلية والخارجية؟ ألم يحن الوقت لكي تتاح له فرصة تاريخية لإعادة توحيد شعبه, قوميات وأدياناً وطوائف وفئات سياسية واجتماعية على أسس ديموقراطية وبضمانات حقيقية تعطل امكانات العودة الى مآسي الماضي؟ ألم يحن الوقت لكي يدرك أشقاء العراق من البلدان المجاورة العربية خصوصاً أن عليهم أن يساعدوا الشعب العراقي على اجتياز مآسيه الراهنة والسابقة ، بدل أن ينفخوا في نار الفتنة والإثارة, قومياً وطائفياً ووطنياً وسياسياً من أنواع شتى؟ أم أن ثمة مخاوف حقيقية لدى كل من السلطات الحاكمة وأصحاب النظريات القومية القديمة التي انقضى زمانها, بفعل التغيرات الكبرى التي جرت وتجرى في العالم المعاصر, مخاوف من أن يستطيع العراق بقرار داخلي من قواه الحية بتنوعها وتعددها وحتى باختلافاتها الفكرية والسياسية التحول في اتجاه الديموقراطية والتعددية على أنقاض كل ذلك الماضي الحافل بالمآسي وبالحروب وبكل انواع الموت والدمار. وهو خوف على مصالح ومكاسب تعارضت على الدوام مع مصالح الشعب هنا وهناك ، بالأضافة الى ثبوت عقم سياسات طائشة تحت زعم الوحدة الوطنية والحفاظ على تراب الوطن ، وخوف على افكار قضت عليها احداث الحياة وتحولات الازمنة وجعلتها خارج الزمن.
ولعل اكثر ما يثير المخاوف على المستقبل هو اصرار اشقاء العراق من البلدان العربية على توجيه الاتهام للاكراد بأنهم ضخموا مطالبهم ومخاوفهم الى حد الاستقواء بأعداء العراق وأعدائهم من أميركيين واسرائيليين. وهو اصرار على تبني معلومات عن وجود اسرائيلي في المنطقة الكردية نفاها الاكراد واعتبروها مناقضة لمصالحهم, ونفتها قيادات عراقية عدة وتناقضت مع الحقيقة . وحتى لو ان شيئاً من الصحة قد تأكد عن وجود اسرائيليين في المنطقة الكردية - كفرضية جدلية - أفليس من الحكمة ومن المصلحة القومية بالذات ان يجرى العمل لازالة الاسباب التي قادت الى مثل هذا الامر؟
ونزعم اننا نعرف العراق جيداً. ونعرف جيداً اكراده العراقيين. ونعرف الكثير من القيادات هنا وهناك. و نعرف الكثير من المثقفين الاكراد. ونعرف الكثير عن ثقافة الاكراد وعن تقاليدهم وتاريخهم ، واذا كنا لم نعرف جنوب السودان الا اننا نعرف كردستان العراق, ونعرف تاريخها القديم والحديث. ونعرف طبيعتها الخلابة ونعرف ناسها الطيبين ، وجميع هذه المعارف التي تكدست عندنا بفعل المتابعة والعلاقات والاهتمامات السياسية التي تشغلنا وتحتل مكان الصدارة في حياتنا منذ اعوام طويلة, هذه المعارف هي التي تجعلنا نجزم اليوم بأن أكراد العراق هم عراقيون, ولا نية لديهم للانفصال عن العراق, لأسباب كثيرة لا تحصى, تتصل بمصلحتهم بالذات في الدرجة الأولى. نقول ذلك على رغم كل الثغرات التي نشاهدها في السياسة وفي ردود الفعل وفي الاخطاء التي يقع فيها كل من يمارس السياسة وكل من يضع نفسه في موضع المسؤولية عن قضيته, سواء أكان عربياً أم كردياً ام الى اي قومية انتمى.
لكن الشرط الاساس لجعل السياسة والسلوك موحدين في الاتجاهات الاساسية, المعبرة عن مصالح العراق كوطن لجميع ابنائه, هو ان يقتنع جميع العراقيين بأنهم شعب و احد متعدد الاعراق والاديان والثقافات. وهو شرط تشير الى نضجه مجريات الامور في عراق ما بعد صدام, حتى قبل ان يتحرر هذا البلد من الاحتلال الاجنبي, المهمة التاريخية الملقاة على عاتق جميع العراقيين في المرحلة الراهنة. وفي نظرنا فإن العراق مقبل على عصر مختلف اختلافاً جذرياً عن العصور السابقة التي ظل يمتزج فيها الدم بالتراب الى ان اصبح للتراب لون يشابه لون الدم.
لا بد من اعادة نظر شاملة بافكارنا القديمة, وبشعاراتنا, وبمفاهيمنا عن المسألة القومية في بلداننا, وعن المسألة القومية في شكل عام. وهي اعادة نظر ينبغي ان تأخذ في الاعتبار ان وحدة بلداننا, اسوة بوحدة بلدان العالم قاطبة, هي الأنموذج المفترض للوحدة التي يتجه نحوها العالم وهي وحدة هنا وهناك, محلياً وعالمياً, لا يمكنها ان تتحقق في صيغة انسانية عادلة الا على قاعدة الديموقراطية وحقوق الانسان والاعتراف المبدئي والعملي بالتعدد والتنوع في القوميات والثقافات, وبالتفاعل الانساني بين هذه القوميات وثقافاتها لمصلحة الحرية والتقدم, وبالتفاعل الانساني بين هذه القوميات وثقافاتها لمصلحة الحرية والتقدم, بمضامينها المختلفة, للافراد وللمجموعات في كل بلد, وللبشرية جمعاء. ))
وجاء قانون ادارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية بنص موفق ومقارب للواقع العراق ويلبي طلب اكبر الشرائح العراقية حين اعتبر في الفقرة ( ب ) من المادة السابعة كون العراق متعدد القوميات ، والشعب العربي فيه جزء لايتجزأ من الأمة العربية ، وهي حقيقة قائمة وملموسة ، وأن اللغتين العربية والكوردية هما اللغتين الرسميتين للعراق ، ويضمن القانون حق العراقيين بتعليم ابنائهم بلغة الأم كالتركمانية أو السريانية أو الأرمنية في المؤسسات التعليمية وفق الضوابط التربوية ، أو بأية لغة أخرى في المؤسسات التعليمية الخاصة ، وحدد نطاق المصطلح ( اللغة الرسمية ) وكيفية تطبيق أحكام المادة المذكورة بقانون ويشمل على :
1- أصدار الجريدة الرسمية ( الوقائع العراقية باللغتين ) .
2- التكلم والمخاطبة والتعبير في المجالات الرسمية كالجمعية الوطنية ، ومجلس الوزراء والمحاكم والمؤتمرات الرسمية بأي من اللغتين .
3- الأعتراف بالوثائق الرسمية والمراسلات بللغتين واصدار الوثائق الرسمية بها .
4- أية مجالات أخرى يحتمها مبدأ المساواة مثل الأوراق النقدية وجوازات السفر والطوابع .
6- تستخدم المؤسسات والأجهزة الأتحادية في أقليم كردستان اللغتين .
وبهذا الخصوص أعتبر القانون أن الشعب العربي في العراقي هو جزء من الأمة العربية ، ولم يظلم بقية الشعوب الموجودة ضمن مساحة العراق الموحد ، وبهذا النص اغاظ العديد من المتلبسين بالفكر القومي المتعصب من الذين يروا في تابعية القوميات الأخرى في العراق للقومية العربية أمراً ثابتاً ومقدساً لايجوز المساس والتعرض له .
المهمة الدقيقة التي ستواجه اللجان التي سيتنم تكليفها برسم نصوص مسودة الدستور العراقي القادم مهمة ليست بالسهلة بالنظر لطغيان العديد من الافكار القديمة والبالية على الذهنية العراقية بفعل حقن السلطة البائدة والسلطات الشوفينية التي تعاقبت على حكم العراق من خلال ما استطاعت ان تشيعه وتحقنه في النفوس طيلة سنوات الطغيان والقمع والحكم الشمولي البائد .
فقد مارست السلطات الشوفينية دجلاً سياسياً في خلق نصوص ودساتير مؤقتة تقر بالشراكة والحقوق دون أن نجد تجسيد عملي لهذه النصوص في الحياة العراقية .
وحين تلجأ السلطة التنفيذية لتطبيق هذه النصوص فأنها لاتضع مايخالفها ، انما تجد طرقاً بديلة وملتوية للتخلص من التطبيق السليم والحقيقي للنص الدستوري ، واساليب متعارضة بشكل واضح وصريح مع النص الدستوري ، فعلى سبيل المثال لاالحصر ، أن الدساتير المؤقتة جميعها تجعل المواطنين العراقيين متساويين في الحقوق والواجبات بغض النظر عن القومية أو الدين أو الجنس أو المعتقد السياسي ، غير أن نفس السلطة التي تقوم باقرار النص الدستوري تعلن أن لكل عراقي أن يتقدم الى الكلية العسكرية وفق شروط لايمكن تطبيقها على المواطن العراقي من أبناء الصابئة المندائية أو اليهود أو الأيزيدية ، كما أن القبول في المعهد القضائي العراقي لتخريج القضاة وأعضاء الأدعاء العام في العراق لايفرق بين العراقيين بسبب الأنتماء الديني أو المذهبي ، غير أن القبول يقتصر على المسلمين فقط ، وعلى قومية دون أخرى .
هذه الأمثلة البسيطة تدلل بما لايقبل الشك على ضرورة أن نفتح صدورنا ونعرض الأشكاليات التي يعاني منها المجتمع العراقي بصدقية وبصراحة ، من اجل الوصول الى فهم مشترك لمعاني الدستور التي ينبغي تجسيدها في حياتنا ، ومعاقبة من يخالف هذه النصوص الدستورية .
كما تشكل قضية الفيدرالية قضية مهمة من قضايا الدستور والمستقبل العراقي بالنظر لأقرارها من قبل الشعب الكردي في برلمانه الكردستاني بالأجماع ، ولما ستشغله من حيز في المناقشة وتبادل الأراء في شكلها ونوعها وحقيقتها في نصوص الدستور القادم ، بأعتبارها من المسائل المهمة التي ينبغي أن يعالجها الدستور روحاً ونصاً .
وعند قراءة عقلانية للواقع العراقي لايختلف احد من أن العراق بلد متعدد القوميات والأديان والمذاهب ، وبالرغم من هذه التعددية المتشعبة والمتنوعة ، فلم تكن هذه التعددية تعني سوى حالة من الأنسجام المتنوع والأطياف المنسجمة ، وأنها لم تكن تعني مشكلة أنسانية تؤرق الناس في حياتهم الأعتيادية ، ولم يشكل هذا التنوع والأختلاف محنة او شرخاً يعاني منه أبناء العراق ، المشكلة الأساس تكمن في النظرة غير الواقعية والبعيدة عن المنطق التي نهجتها السلطات العراقية التي تعاقبت على السلطة في العراق منذ تأسيس الدولة العراقية في 1921 ولحد سقوط نظام الطاغية .
فقد التبست العديد من الأمور على هذه السلطات من خلال سيطرة النزعات القومية الشوفينية البالية على عقول قياداتها ، ومن خلال نظرة الأستعلاء التي كانت تحكم نظرتها لبقية القوميات والملل والأديان .
فقد كان هناك نظرة غير متساوية في الحقوق والواجبات من الناحية العملية للمواطن العراقي وفقاً لقوميته أو لديانته في الحياة العراقية ، وهذه حقيقة من حقائق الحياة السياسية في العراق .
ومن خلال الغبن الفاحش الذي يلحق بالقوميات التي يعدها الدستور الأساس متساوية في الحقوق والواجبات ، وكلهم من المواطنين الذين يعتبرهم العراق ابناءه وهم أشقاء وشركاء كما يطلق عليهم الدستور دائماً ، الا أن الواقع الفعلي هو الخرق الدستوري المتعمد والواقعي لهذا الدستور من قبل السلطات التي تعاقبت على الحكم في عدم تطبيق حقيقي للمساواة والشراكة للمواطن بحسب قوميته .
الدولة العراقية التي تشكلت في عام 1921 كانت وليدة ظروف ذاتية وموضوعية ، وكانت أيضاً نتيجة أرهاصات ومطالبات عراقية ، ولكن الأرادة الأجنبية التي تدخلت حينها للمساهمة في صنع الكيان العراقي حيث بادرت وزارة المستعمرات البريطانية الى أمتصاص هذه الرغبة الوطنية والأندفاع الوطني لتشكيل حكومة تقوم على أساس الحقوق والواجبات ، وتقوم على أساس أعطاء الحقوق القومية لبقية القوميات التي يتشكل منها العراق والتي تعيش على اراضيه ، وأن تكون هذه الحكومة ملبية للحاجة الحقيقية للعراقيين في تلك الظروف .
ومن الجدير بالأشارة أن وزارة المستعمرات البريطانية كانت قد أعتبرت ولايتي بغداد والبصرة هي امتداد الدولة العراقية التي انتدبت لها ملكاً من المواطنين غير العراقيين ( فيصل بن الحسين ) ، ومالبثت أن ضمت ولاية الموصل اليها ، وأصدرت بياناً صريحاً وواضحاً موجهاً الى المواطنين الأكراد الساكنين في ولاية الموصل حينذاك بالأشتراك مع الحكومة العراقية الفتية يقران بموجب هذا البيان بالحقوق القومية للشعب الكردي بما فيه تشكيل حكومة مستقلة في المناطق التي يكون الكورد فيها من الاكثرية .
وكانت قد أصدرت في العام 1920 معاهدة سيفر الشهيرة التي منحت بعد مرور سنة من صدورها الحق للشعب الكوردي في المناطق التي يكون اغلبيتها من الكورد طلباً للأستقلال بعد ان يعنون الى عصبة الأمم المتحدة ، وأذا وجدت الأمم المتحدة ( العصبة ) أن الشعب الكوردي مؤهل لهذه الأستقلالية يصار الى أصدار توصية وموافقة بهذا الأستقلال ، ولمحت المعاهدة على عدم أعطاء الحق لتركيا التي كانت تتعامل وفق أطماعها وتوسعها على حساب العراق في تلك الفترة في الأراضي الكردية أو في الموصل ، كما لمحت المعاهدة على حماية الدولة المستقلة للكورد من المعارضة أو ممن تجد الدولة الفتية خطراً منه عليها .
أن هذه المعاهدة الدولية كانت تعالج القضايا بمنظار أنساني عريض ، بالأضافة الى معرفة بواقع القضية الكردية دون أن تجعل اللعبة السياسية وتبادل المصالح أثر أو تأثير ضمن المعاهدة ، فالمعاهدة أقرت بوجود شعب أسمه الشعب الكوردي في العراق ، وهذا الشعب هو جزء من منظومة أنمسانية تسمى شعب كردستان ، وأن هذا الشعب يسكن جزء منه في جنوب منطقة كردستان العراق ، ولهذا الشعب جميع مقومات الأستقلال من الخصوصيات السياسية والتاريخية والأسس التي تقوم عليها الدولة المستقلة كحقيقة ملموسة ، وأن لهذا الشعب الحق في تقرير مصيرة بالبقاء مع الحكومة العراقية العربية الفتية أو أنه يؤثر الأستقلال ضمن المناطق التي تسكنها الأكثرية الكوردية أو ان يطرح صيغة من صيغ الحكم الفيدرالي .
ولايغب عن بالنا أن ولاية الموصل كانت من الولايات التركية ، وأن أستقلالية الكورد أذا ما قدموا مثل هذا الطلب ، كانت ستتيح للكرد التي تسيطر الدولة التركية على أراضيهم الأستقلالية عن دولة تركيا التي كانت محكومة من قبل كمال أتاتورك .
وبعد تشكيل الجكومة العراقية بدأت معالم اللعبة السياسية الدولية تنخر بنود معاهدة سيفر الدولية وتمسح فقراتها وتلغي الحقوق التي كانت قد قررتها للكورد ، ذلك أن هذا الأٌقرار بالحقوق سينسحب على بقية المناطق التي يشكل بها الكورد الأكثرية ، وبما أن من حقهم كبشر أن يختاروا الأستقلالية أو أي شكل من اشكال النظم السياسية لشكل السلطة الذي يريدون ، وبالنظر لتوزع الكورد في أكثر من دولة مشتتين ومجزأين على أمل أن لايتم جمع شملهم ، ولاأن يصار الى تمكينهم من توحدهم ، لذا فقد فهمت الدول الضالعة بركاب الأستعمار ووزارة المستعمرات البريطانية صاحب المشروع الحقيقي ، وبناء على المخاوف والضغوط السياسية التي تولدت نتيجة هذا القرار والتوصية الدولية ، فقد صار الألتفاف على معاهدة سيفر أمراً ضرورياً ولازماً ، وصار القرار بسحق الحقوق الأنسانية للشعب الكوردي وتجاهلها والتنكر للمعاهدة ، وعلى ضوء كل هذا ووفقاً للمتغيرات الدولية الجديدة بعد أن ولدت الحكومة العراقية الملكية تم أبرام معاهدة جديدة هي معاهدة لوزان في العام 1923 مجمل ماورد فيها أنها الغت جميع البنود والفقرات التي وردت في معاهدة سيزر ، بل تعتبر النقيض لها ، من خلال عملية ضم ولاية الموصل الى العراق وتخلي تركيا عنها بعد ضم الأسكندرونه اليها ، وبعد عمليات ترسيم الحدود التي جرت بين تركيا والعراق والتي انتهت في العام 1925 .
وهكذا تنكرت معاهدة لوزان لمجمل حقوق الشعب الكوردي ولحقوق الانسان التي أقرتها بعد ذاك الأمم المتحدة ، دون ان يكون لهذا الشعب ادنى رأي او حرية في أن يتحدث عن نفسه أو أن يكون حاضراً ضمن عملية التحضير لأبرام هذه المعاهدة الجائرة .
وحين أستنكرت الجماهير الكوردية هذه المعاهدة بأشكال الرفض تم مواجهة هذه الأنتفاضات الشعبية بقسوة بالغة بالأسلحة البريطانية الجوية منها والبرية ودكت مدينة السليمانية بالقنابل ، واستمرت عمليات القمع العسكري من قبل القوات البريطانية ضد الشعب الكوردي مستمرة حتى نهاية الحرب العالمية الثانية .
وبقي الشعب الكردي يشعر بالحيف والظلم الذي لحقه من خلال وضعه دون مستوى المواطنة الحقيقية في الدستور العراقي ، ودون أن يكون له الحق في أن يأخذ حريته وارادته في تحقيق نوع من انواع السلطة في حكم نفسه بنفسه أسوة ببقية البشر في كافة أرجاء المعمورة .
ومن الغريب أن نجد أن الحكومات العراقية تعي حقاً أنها أمام شعب له لغة مشتركة وتاريخ مشترك وأرض يقيم عليها وأن له كامل الحقوق في الحياة خصوصاً بعد أن صدر الأعلان العالمي لحقوق الأنسان ، وخصوصاً بعد تمتعت العديد من الشعوب ذات القوميات المختلفة بحقها في الأستقلال واختيار شكل السلطة واسلوب الحكم التي تريد ، وخصوصاً بعد تطبيق عملي للفيدرالية ونظام الولايات والحكم الذاتي تم تطبيقه ونجاحه في العديد من دول العالم . وكانت السلطات العراقية التي تعاقبت على الحكم في العراق تعطي الوعود المليئة بالأكاذيب والمبطنة للشعب الكوردي ولاتلبث أن تقوم بتجييش الجيوش العسكرية المدججة بالسلاح لقمعهم وأسكات صوتهم وأرغامهم على الصمت والموت تحت رحمة القمع والظلم والأفكار الشوفينية التي عافها الزمن وتجاوزتها الشعوب المحبة للحياة والمتطلعة نحو مستقبل يليق بالأنسان .
وحين تشعر هذه السلطات أنها محاصرة أما لقوة صمود الجماهير الكردية وتلاحمها مع الجماهير العربية في العراق ، أو بناء على تعاطف الموقف الدولي وعدم وجود فعل للعبة سياسية يتم تسويف حقوق الكرد من خلالها ، لأن هذه السلطات غالباً ماتلجاْ الى الرضوخ للوعود ومنح الكورد جزء ليس له قيمة من الحقوق تحت شتى المسميات والأشكال .
ولن يفي بحثنا بالغرض المنشود من أستعراض المآسي والنكبات والمجازر التي تم ارتكابها بحق الكورد في العراق ، ولن تكفي صفحات هذا البحث لتقليب التاريخ العراقي المرير والأصرار الشوفيني في حكم السلطات الشوفينية للكورد والتركمان والكلدان والآشوريين بالقوة والحديد .
وحين شعرت السلطة العراقية في بداية السنوات الأولى لحكم البعث البغيض أنها تحت ضغط شعبي كبير يطالب بمنح حقوق الأكراد ، وحين شعرت السلطة الشوفينية أنها لاتستطيع مواجهة القوة الكوردية التي أستطاعت توحيد نفسها وتمتين علاقتها مع بقية القوميات والقوى السياسية في العراق ، وأصبحت لها أمتدادات سياسية دولية وأصبح صوتها مسموع عالمياً ، لجأت السلطة الى الخنوع وأختارت أن يكون للكورد في العراق حكماً ذاتياً .
ومع أن الكورد قبلوا بهذا الشكل بالرغم من كونه لايلبي طموحهم ولامطالبهم المشروعة ، الا أن السلطة عملت تدريجياً على أفراغ هذا الشكل السياسي من محتواه ، ولم يشكل هذا حلاً مقبولا وجذريا للمسألة الكوردية في العراق ، ولم يكن الحكم الذاتي حقاً مايلبي حقيقة النية التي كانت تخطط لها السلطة البعثية وبعد سنوات قليلة تجدد القتال مرة أخرى في كردستان ، ولكن بعد أن أعدت السلطة له نفسها وأستعادت قوتها ووظفت أموالها في سبيل سحق حركة الشعب الكوردي والتخلص من مطالبه الأنسانية المشروعة .
ولجأت السلطة العراقية الى أخس الوسائل والأساليب ، فأستعملت السلاح الكيمياوي وطرق الأبادة الجماعية للبشر ، ومسحت القرى وأحرقت المزروعات وأقفلت عيون الماء وأبادت الطبيعة والأنسان في اسلوب همجي يدل دلالة أكيدة عن شوفينيتها وعدم عتقادها بحق الأنسان في الحياة ، ولجأت حتى الى المساومة على العراق من اجل القضاء على الحركة الشعبية الوطنية للكورد ، وتم تدمير 4500 قرية كوردية وقتل في الأنفال الحرب التي اطلقت عليها السلطة هذا الأسم أكثر من 180 الف مواطن كوردي من المدنيين ، وأستمر النظام الصدامي يمارس عمليات التطهير العراقي ، وبقيت جذوة المطالبة بالحقوق مشتعلة في ضمير كل كوردي وأستمر النزال مع السلطة رغم الخسائر والتضحيات الجسام حتى تمكن الشعب الكوردي من كنس وجود السلطة في اقليم كوردستان في العام 1991 على أثر انتفاضة شعبية عارمة ، وضمن عملية التنسيق الوطني للعراق لم يلجأ الكورد الى اقفال بلادهم ولامنعوا دخول احد من الذين يلوذون بها هرباً من صدام ، وانما صاروا الملاذ والصدر والبيت الآمن الذي يحمي الناس ، وتوحدت فصائل الحركة الكوردية المسلحة مع بقية فصائل المعارضة العراقية ترسم لغد عراقي فيدرالي وديمقراطي بعد التخلص من عفن الدكتاتورية ورجس الطغيان .
في العام 1992 أقرت المعارضة العراقية في مؤتمر فينا الأعتراف لشعب كردستان في ممارسة حقه بتقرير مصيرة بنفسه ، وقرر البرلمان الكوردي في العام 1992 الدعوة الى تحقيق الفيدرالية للكورد بأعتبارها شكل من اشكال السلطة الأختيارية ، وتكررت الدعوات من قبل مؤتمرات المعارضة العراقية في التأكيد على حق الشعب الكوردي في خيار الفيدرالية .
وسقط الطاغية وتمتع العراق بسيادته بعد أن قررت المنظمة الدولية نهاية الأحتلال .
ظهرت أشكاليات جديدة على الساحة العراقية ، من بينها تنكر بعض الأطراف للوعود والقرارات التي كان يدعو لها حين كان مذعناً يلوذ بالشعب الكوردي ويصطف معه ضد الطاغية ، والبعض أعتبر أن قرار خيار الفيدرالية من قبل البرلمان لايكفي لأقرار الفيدرالية مالم يقترن بموافقة أكثرية الشعب العراقي ضمن أستفتاء عام ، والبعض يرى أن هذا الخيار هو قرار خاص قرره الشعب الكوردي ولاحاجة لأقراره من قبل غيره لأن الكورد في العراق أعرف بما يريدون ومايطمحون له من شكل للسلطة التي يريدون ، وظهر بعض ممن يستنكرون منح الفيدرالية للكورد بأعتبارها كما يزعمون تمهد الطريق للأنفصال عن العراق .
الحقيقة التي يجب ان لاتغيب عن البال هو أن الفيدرالية لاتمنح من قبل الغير للكورد ، وأنما يطلبها ويقررها صاحب الشأن وهو الشعب الكوردي من خلال برلمانه في العام 1992 ، وهذا الطلب يجسد تشكيل الدولة الاتحادية التي تضم اقليمين او اقاليم متعددة تتمتع كل واحدة بمميزات السلطة الفيدرالية ، وهو اسلوب من اساليب الحكم المتعددة ، يتمتع به اقليم كردستان بالنظر لخصوصيته التاريخية والقومية ضمن الدولة العراقية الواحدة .
وأذا وضعنا التساؤلات المريبة التي كانت السلطات البائدة تزرعها في العقول منذ عقود من الزمن وصدقها بعض من أجيال هذه العقود على جهة ، وعرضنا عن مناقشتها بالنظر لسطحيتها ، ووضعنا أمامنا مصلحة مستقبل العراق والحلول الناجعة لأشكالياته ، لوجدنا أن تحقيق الفيدرالية للشعب الكوردي أحد أهم الحلول الناجعة لهذه الأشكاليات ، والمطلع على التاريخ العراقي وأصحاب الضمائر الحية والوطنيين المضحين من أجل حياة ديمقراطية وتعددية وتليق بالأنسان يعرفون تماماً هذه الحقيقة .
ومن الحقائق الكبيرة التي لايمكن التغاضي عنها ان العراق بحاجة ملحة للنظام الفيدرالي ، وقد أثبت تجارب الدول الفيدرالية نجاح هذا النموذج في السلطة بما دفع شعوبها للرقي والتطور والأستقرار ، ولمسنا من خلال مانطالعه ونسمعه عن شعوبها التي حقق لها الحكم الفيدرالي زمناً سعيداً وهانئاً ومنسجماً يساهم الجميع فيه بالبناء سعياً لتوفير حياة تليق بالأجيال القادمة للعراق .
وأذا كان الدستور يمثل القاعدة الأساس للقوانين والأنظمة والتعليمات في كل بلد ، وهو الأساس القانوني الذي يرسم شكل الحكم والسلطة ، وبمعنى آخر أنه يمثل قاعدة الهرم التي ترتكز عليها القوانين ، فيستوجب الأمر أن تكون هذه القاعدة شاملة وتعالج أكثر القضايا الحساسة والمهمة في مفاصل الحياة العراقية .
وفي الوقت الذي أطلقت عليه بعض الدول كلمة الدستور ، فأن دولاً أخرى أطلقت عليه أسم القانون الأساس ، في حين أطلقت ثالثة عليه وصف قانون الدولة ، وفي كل الأحوال ورغم تعدد التسميات فانه يبقى القانون الأساس الذي يرسم الحقوق ويحدد الواجبات وتستند عليه القوانين الصادرة والأوامر والتعليمات ، ويعد كل تجاوز عليه خرقاً دستورياً يوجب الألغاء والمسائلة القانونية بالشكل الذي يقرره .
ولكل سلطة دستور ، وهذا الدستور يتضمن نصوص ومواد تفصيلية توجز مايحتاجه البناء السياسي والقانوني في المجتمع ، غير أن المشكلة لاتكمن في جمالية النصوص القانونية ، ولافي أنسجامها وكمال صياغتها ، بل تكمن في مدى تطبيقها في الحياة العملية ، فالعديد من النصوص الدستورية مكتوب متضمناً العديد من حقوق الأنسان ، ومن بينها حرية المعتقد والرأي والعقيدة ، ولكنها بعيدة عن التطبيق ولاتعتقد بها السلطات التي تعاقبت على حكم العراق ، ونحن نعرف أن النصوص الدستورية تعلو على كافة النصوص القانونية الآخرى وتلزمها ولايمكن لجميع القوانين مخالفة النص الدستوري .
وإذا كان الدستور يقرر حقوق السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية ، فأنه يقرر أيضاً حقوق الشعب ، ومن بين أهـم حقوق الشعب حرياته الأساسية التي يصونها ويحترمها الدستور ، ويوجب على القوانين أن تتضمنها وتصونها وتعمل وفقها ، ومن بينها حرية المعتقدات والأديان المختلفة في العراق ، بالأضافة الى كون الدستور يتضمن المباديء العامة التي تكفل الحقوق والحريات العامة للمواطن .
وعلى هذا الأساس فأن العراق وهو بلد عريق يسكن فيه بشر من مختلف الأديان والقوميات والمذاهب ، ففي العراق يسكن العرب والكرد والتركمان والكلدان والآشوريين ، مثلما يسكن فيه المسلمين والمسيحيين واليهود والصابئة المندائيين والأيزيديين .
أن أول الدساتير التي صدرت بعد تأسيس الدولة العراقية كان بتاريخ 21 آذار 1925 وصدر تحت أسم القانون الأساس لعام 1925.
وأذا تمعنا سوية في ما أوردة القانون في الباب الاول ضمن بند حقوق الشعب ، سنجد أن المادة السادسة منه نصت على أن لافرق بين العراقيين في الحقوق أمام القانون وأن اختلفوا في القومية والدين واللغة ، كما أوردت المادة التاسعة أنه لايجبر أحد على مراجعة محكمة غير المحكمة المختصة بقضيته الا بمقتضى القانون .
أما المادة الثالثة عشر فقد حددت أن الأسلام الدين الرسمي للدولة ، ويضمن الدستور لجميع ساكني البلاد حرية الأعتقاد العامة ، وحرية القيام بشعائر العبادة وفقاً لعاداتهم مالم تكن هذه العادات مخلة بالأمن والنظام العام ، ومالم تكن منافية للأداب العامة .
وأعطت المادة السادسة عشر للطوائف المختلفة حق تأسيس المدارس لتعليم أفرادها بلغاتها الخاصة ، والأحتفاظ بها أي باللغة على أن يكون ذلك موافقاً للمناهج العامة التي تعين قانوناً .
بقي هذا الدستور نافذاً لحين إسقاط الملكية بثورة الرابع عشر من تموز 1958 والتي قادها الزعيم عبد الكريم قاسم ، حيث تم أصدار دستور مؤقت بعد أيام قليلة يتم الأستناد عليه ضمن المرحلة الأنتقالية التي كانت بصدد الوصول الى مرحلة سياسية ودستورية ثابتة وفق أسس ديمقراطية وفقاً لدستور عراقي دائم ، غير أن ظروفاً وملابسات وأحداث طغت على الوضع السياسي وأربكت الحياة الدستورية ، بالأضافة الى نجاح أنقلاب شباط 1963 سيء الذكر ، حيث تم الغاء الدستور المؤقت وأحلال دستور مؤقت آخر بديلاُ عنه في العام 1964 ، ثم صدر دستور مؤقت آخر في العام 65 ، وحين جاء أنقلاب 68 الغى الجميع وصدر دستور مؤقت لم يلبث أن تم الغاءه بدستور مؤقت في العام 70 ثم مشروع الدستور المؤقت في العام 90 قبل أحتلال صدام للكويت .
وضمن عملية التعايش اليومي والملموس في العراق نلمس مدى الأنسجام والتفاهم الديني والأحترام الواقعي بين المسلم والمسيحي واليهودي والصابئي المندائي والأيزيدي ، وكيف كانت علاقاتهم الأجتماعية وطيدة وراسخة ، وهذه الأديان موجودة فعلاً على الساحة العراقية ، بالأضافة الى وجود طوائف وملل أخرى كالكاكائية وأهل الحق في العراق .
وبموجب القانون الأساس فقد شرع إنشاء محاكم شرعية للمسلمين ، تقوم هذه المحاكم بتطبيق أحكام الشريعة الأسلامية على المتداعين ( تغير أسمها لاحقاً الى محاكم الأحوال الشخصية ) ، وتقضي هذه المحاكم بما تفرضه الشريعة الاسلامية في كل المجالات بما فيها المواريث والطلاق والزواج والبنوة والوصية والحضانة وغيرها ، غير أن الحكومة وبناء على مايخوله النص الدستوري وافقت على أنشاء محاكم للمواد الشخصية لغير المسلمين ، تأخذ هذه المحاكم على عاتقها القضاء الشرعي بين المواطنين العراقيين من غير المسلمين .
غير أن هذه المحاكم تحدد أختصاصها الشخصي في النظربقضايا معتنقي الديانة المسيحية واليهودية فقط بزعم وجود لوائح للأحوال الشخصية لهذه الديانات .
يعني هذا بقاء أمر القضاء لغير المسلمين من بقية المذاهب والأديان الآخرى سائباً دون مرجع قضائي يتحدد قانوناً ويوكل له مهمة القضاء بين هذه الأديان والملل وفق شريعتها وأحكامها .
في العام 1959 تم إصدار قانون الأحوال الشخصية المرقم 188 لسنة 59 ، ويعتبر القانون المذكور طفرة نوعية ومكسب قانوني واسع في العمل القضائي ، أذ نصت العديد من نصوصه على حقوق وضمانات كثيرة للمرأة والعائلة العراقية ، غير أن مايلفت الانتباه ذلك النكوص الذي بدا واضحاً في الأختصاص الشخصي الذي نصت عليه الفقرة ( أ ) من المادة الثانية من القانون وهذا نصها :
( تسري أحكام هذا القانون على العراقيين الا ما أستثني بقانون خاص )
وكان الأخوة المسيحيين واليهود الموسوية قد أستثنوا بقانون خاص للقضاء وفق أحكام موادهم وخصوصيتهم الشرعية وماتفرضة أحكامهم وكتبهم الدينية .
وعلى هذا الساس فأن اختصاص محاكم الأحوال الشخصية يشمل كل من :
المسلمين العراقيين
الأجانب المسلمين في العراق
الصابئة المندائيين في العراق
الأيزيديين في العراق
وهكذا بقيت شرائح مهمة من شرائح المجتمع العراقي لها حضور فاعل في الحياة العراقية وتنطبق عليها كل مقومات ومستلزمات المواطنة العراقية ، وتتحمل كل واجباتها غير انها لاتتطابق في الحقوق مع المواطن الآخر في التطبيق القضائي وحق تطبيق أسس شرائعهم وديانتهم التي يعتقدون ويؤمنون بها .
أن الأعلان العالمي لحقوق الأنسان صدر في العاشر من كانون الأول عام 1948 ، و قد أكدت المادة الثانية منه على أن لكل أنسان حق التمتع بجميع الحقوق والحريات دون تمييز من أي نوع ، ولاسيما بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي وغير السياسي أو الأصل الوطني أو الأجتماعي أو الثروة أو المولد أو أي وضع آخر ، كما أكدت المادة 18 من الأعلان أن لكل شخص الحق في حرية الفكر والوجدان والدين ، ويشمل هذا الحق حريته في تغيير دينه أو معتقده ، وحريته في إظهار دينه أو معتقده بالتعبد وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم بمفرده أو مع جماعة وأمام الملأ او على حدة .
والمنطق القانوني يقضي أن تتطابق نصوص الدساتير التي صدرت في العراق مع نصوص الأعلان العالمي لحقوق الأنسان شكلاً ومضموناً ، لكنها في الحقيقة لم تتفق معه في الفعل ولافي التطبيق الواقعي ، حيث عمدت السلطات العراقية التي تعاقبت حكم العراق على غبن قضية حرية وحقوق الاديان في العراق بكلمات اوردتها النصوص الواسعة التي لاتفيد التخصيص ، وعامة لها مدلول لفظي لايفيد الحريات الدينية .
وحين أكدت الدساتير المؤقتة على الحرية العامة وصيانتها وعلى حرية الأديان فأنها غضت النظر عن كتابتها نصاً دستورياً صريحاً أو على الأقل قانونيا يبيح لهذه الأديان أن تجد لها مايشير الى خصوصيتها ، او على الأقل من ناحية الأحوال الشخصية في أنشاء محاكم شرعية تقوم بتطبيق نصوصها القانونية والشرعية ، ويكفي أن نعرف جميعاً أن للصابئة المندائية وللأيزيدية حجم حقيقي ملموس في التواجــد الفعلي على الساحة العراقية ، وكذلك في الحضور الوطني والتضحية من أجل المستقبل الديمقراطي والفيدرالي في العراق .
يعني هذا أن لهاتين الشريحتين المهمتين في النسيج العراقي حقوق مثلما عليها واجبات وانها تتوفر فيها كل مستلزمات الخصوصية الدينية المعنية التي وجدها القانون في الديانة المسيحية أواليهودية .
وأذا أفترضنا أن السياسة الخاطئة التي سارت عليها السلطات البائدة منذ تأسيس الحكم الوطني في العراق ولحد سقوط سلطة الطاغية الأخير في نيسان 2003 قد انتهت ، لنتصفح معاً نصوص قانون الفترة الأنتقالية الذي صدر في العام 2004، ولنتأمل ماورد فيه من نصوص بخصوص حقوق الأديان .
أشارت المادة السابعة ( أ ) الى أن الأسلام دين الدولة الرسمي ، وعدت الشريعة الاسلامية مصدراً للتشريع ، ويضمن القانون كامل الحقوق الدينية لجميع الافراد في حرية العقيدة والممارسة الدينية .
أن نصاً خجولا كهذا يتحدث عن دين واحد هو دين الدولة الرسمي ، ويتحدث عن ضمان حرية العقيدة دون الأشارة الى كون هذه العقيدة دينية أم سياسية أو مذهبية أم اجتماعية أو اقتصادية ، فأنه يشير الى الممارسة الدينية دون أن يخرج عن معطف النص الذي يشير الى أسلامية السلطة .
وفي المادة الثالثة عشر أعطى الحق للعراقي بحرية الفكر والضمير والعقيدة الدينية وممارسة شعائرها وحرم الأكراه بشأنها .
العلمانية أيضاً تعني بحرية المعتقد على الصعيد الفردي ، مثلما تسمح لأي مجموعة ممارسة الشعائر الدينية بشكل عام ولأي كيان أجتماعي متمتعاً بقدر واف من الأستقلالية عن سلطة الدولة ، وهي لاتعني قطعاً مواطن بلادين أو مجتمع بلادين ، وأنما تعني دولة وسلطات حاكمة لاتنحاز لدين أو أقلية عرقية ، أو طائفة أو مذهب معين ، ولاتدعو العلمانية المؤمنة الى فصل الناس عن دينها ، لكنها تدعو لأنشاء سلطة لأدارة دولة حديثة تقوم على مبدأ التعددية الثقافية والدينية والسياسية ، تجد أنعكاساً لها في هيكل السلطة دون أن تتعكز على دين أو مذهب معين .
ومهما يكن الأمر فأن قانون الأحوال الشخصية العراقي النافذ المرقم 188 لسنة 59 المعدل بوضعه الحالي لايساعد في الأشارة الى حقوق الأديان الموجودة في العراق والتي لم يشر اليها نص الفقرة ( أ ) من المادة الثانية منه ، كون أحكام سريان القانون عامة تسري على كل العراقيين الا ما أستثني منهم بنص خاص ، ولم يتم أستثناء معتنقي الصابئة المندائية ولاالديانة الأيزيدية بنص خاص ، مما يوجب حكماً أن يتم تطبيق قانون الأحوال الشخصية الخاص بالمسلمين عليهم .
وحتى لو فرضنا جدلاً أن هذا القانون يحقق العدالة فأنه يحققها للمسلمين ولايمكن أن يرغم أبناء ديانة أخرى على تطبيق نصوص أخرى من غير دينهم ، لأننا سنجد أنفسنا مخالفين لنصوص دستورية غاية في الأهمية وردت ضمن حقوق الشعب العراقي ، في حق المواطن أن يراجع المحكمة المختصة التي يجدها تقوم بتطبيق النصوص الشرعية لديانته ووفق خصوصيته الدينية .
وليس الأمر وحده عند هذا الحد ، بل يتم تكليف قضاة من المسلمين في تطبيق الأحكام الشرعية للمسيحيين واليهود والصابئة المندائية والأيزيدية دون أن يشترط كون القاضي المكلف بهذا الأمر معرفته بأسس الديانة الايزيدية أو الصابئة المندائية ، لابل وعلى الأغلب انه يكون من بين ممن لاعلاقة أو لاأهتمام له بمعرفة الأديــان والمذاهب وخصوصياتها الدينية .
وفي هذا الأمر غاية في الأجحاف والتهميش والظلم بالأضافة الى المخالفة الدستورية الواضحة والتناقض مع النصوص ، وهذا الأمر يشكل صورة واضحة للتفرقة في التعامل القانوني والدستوري بين أبناء العراق تبعاً لدياناتهم .
وأذا كانت الحقوق متساوية ، فلم هذا الفصل والتفريق في منح الحقوق ؟ ولماذا يتم تشريع محاكم للمواد الشخصية للمسيحيين واليهود دون غيرهم من الأديان في العراق ؟ مع وجود أديان أخرى لاتقل عنها أهمية وحضوراً وتجمعاً ، وهل ثمة أعتراف صريح وواضح بوجود الديانة الأيزيدية والصابئة المندائية التي تجاوزها القانون في العراق ؟
تتميز الأديان في العراق وخصوصاً الصابئة المندائية والأيزيدية بوجود منهج محدد ووفق هذا المنهج يتم الألتزام بأحكامه الدينية ونصوصه الشرعية ، وثمة حقيقة أخرى واضحة وضوح الشمس من كون الصابئة المندائية والأيزيدية يشتركون في توحيد الله ولكل منهما ديانته العريقة والموغلة في القدم على أرض العراق مع وجود الخصوصية لكلا الدينين ، مما يستوجب أن يتم تكليفهما بتقديم لائحة تتضمن الأحكام الشرعية للمواد الشخصية لمعتنقي كل من هذين الدينين .
وبالنظر لوجود لائحة للأحوال الشخصية في هذا الخصوص لهذه الأديان ينبغي النص وفقاً لقانون الأحوال الشخصية العراقي النافذ بأستثناء الصابئة المندائية والأيزيدية من القانون . بمعنى أن يصار الى شمولهما بالخصوصية التي تبيح لهما تكليف قاضي للأحوال الشخصية يكون من القضاة المتخصصين في القضايا الشرعية والفقهية الخاصة بكل ديانة من دياناتهم ، أي بمعنى ضرورة أن يصار الى إناطة الفصل الشرعي بينهم من قبل قاض من بين معتنقي تلك الديانات يتخصص في قضايا المواد الشخصية ، وبالأضافة الى ضرورة معرفته بقضايا القانون والحقوق ، فأنه يقوم بالفصل في القضايا الشخصية وفقاً لنصوص القانون وأستناداً للنصوص الدستورية .
أن حرمان أبناء المسيحيين والأيزيدية والصابئة المندائية واليهود من ولوج العمل في القضاء العراقي لايجد له سبباً انسانياً ودستورياً ، ويتعارض مع مبدأ المساواة والعدالة ، ويجعل من مواطنتهم ناقصة وليس لها مايبررها ،بالاضافة الى الخرق الدستوري للنص .
فأذا كان الدستور يقضي بمنح الأديان حريتها وممارسة طقوسها بكل حرية ، فأن القوانين الجزائية ينبغي أن تكون منسجمة مع نصوص الدستور وأن تضفي الحماية لجميع هذه الديانات من العقول الظلامية والمتخلفة والمريضة التي تدفع بأتجاه تكفير الآخر وأستباحة دمه وسلب حياته تحت شتى الذرائع والمزاعم والأسباب الواهية ، وأن تضع الأفعال المخالفة للقانون في التعرض لهم ضمن باب الظروف المشددة في العقاب حماية لهم ومنعاً لوقوع الخرق وأرتكاب الفعل المخالف للقانون بحقهم .
تكمن الحرية الدينية في صميم أي مجتمع يسعى الى الحرية والديمقراطية وبناء أسس عادلة في الحياة ، وهي مجسدة برسوخ وبمثابة قيم أجتماعية وأنسانية منسجمة مع الشرائع الدينية ولوائح حقوق الأنسان ، كما أن الحق في حرية الدين يشكل حجر الزاوية للحياة الديمقراطية ، وهو المقياس الحيوي في تشكيل وصيانة أي نظام سياسي مستقر ، وبالمقابل فأن التقصير في حماية حرية الأديان والحقوق الأنسانية الأساسية الأخرى ينمي التطرف ويقود الى عدم الاستقرار والعنف ظهور إتجاهات تنحرف عن المقاصد النبيلة والدعوات الأصلاحية لأي دين ، وبالتالي تحريف الهدف الأساس وصيرورة الفعل الجرمي والسلوك الحيواني وسيلة من وسائل مستترة بأسم الدين للوصول الى غايات غير مشروعة ومقترنة بالعنف والأرهاب .
فتقييم أوضاع الحرية الدينية قد يخدم أحياناً كثيرة للمساعدة في تشخيص طريقة البناء والأستقرار لدولة ما ، ولهذه الأسباب وغيرها يبقى تعزيز الحرية الدينية عنصراً لازماً لسياسة الدولة العراقية الديمقراطية الفيدرالية .
أن المجتمعات الناجحة تضمن الحرية الدينية للناس ، وتمنح الأنسان كامل الحرية في ممارسة الطقوس والتقاليد والأعراف الدينية بما لايخالف النظام العام والأداب ، وينبغي أن نضمن حرية ممارسة هذه الطقوس والعبادات لهذه الأديان جميعها وبشكل متساوي بما فيها الديانة اليهودية التي نالت من الغبن والتهميش والظلم الكثير من السلطات التي تعاقبت على حكم العراق تحت شتى الذرائع التي لاتتطابق مع الواقع العراقي ولاتخدم مستقبله .
ومن بين هذه الحقوق أعادة أماكن العبادة لمعتنقي الديانة اليهودية في العراق وترميمها والأهتمام بها وأشراكهم مثلما يشترك غيرهم من المسيحيين والصابئة المندائية والأيزيدية في وزارة الاوقاف والشؤون الدينية .
كما تعاني الأضرحة والمزارات الدينية لدى الأيزيدية من الأهمال والنسيان ، فلا تهتم بها السلطات ولاتلتفت اليها ، كما لاتشعر هذه الشريحة بمساهمة السلطة في أضفاء نوع من الصيانة والتجديد والتعمير الذي يليق بأي رمز ديني لأي مذهب أو طائفة أو دين بما يجسد عدم المساواة في التعامل مع هذه الشريحة الدينية المهمة والكبيرة في العراق .
كما يعاني رجال الدين الأيزيدي من غياب حقيقي لمسألة الحقوق يشاركهم في هذا الغياب رجال الدين المندائي حيث لاحقوق لهم ولاتعتبرهم السلطات متفرغين لعملهم الديني وممارستهم الطقوس الدينية لأبناء دينهم ، ولاتمنحهم الرواتب التي تليق بمقامهم وعلمهم ودرجاتهم الدينية وخصوصيتهم ، مثلما لاتتكفل بمنحهم الحقوق التقاعدية كما تفعل مع رجال الدين من الأديان الأخرى ، وفي هذا الأمر ليس فقط عدم المساواة والمجافاة في الحقوق ، وأنما أيجاد شروخ وفجوات في التعامل بين رجال الدين المختلفين في العراق .
ولهذا ينبغي النص على أن تحترم الدولة العراقية الفتية التعددية الدينية والمذهبية وتصون أماكن العبادة للمسلمين والمسيحيين واليهود والصابئة المندائية والأيزيدية ، وتكفل حرية الرأي والأعتقاد والعبادة وفقاً للقانون ، وأن تساوي في نظرتها للمتفرغين من الرجال والنساء للطقوس الدينية وخدمة المزارات ، وأن تعطي المزارات من الاهتمام والألتفات في الرعاية والصيانة مما يوجبه القانون .
أن مسألة الحقوق للأديان والمذاهب مسألة تمثل مطلبا وطنياً عراقياً ملحاً وضرورياً ، فنحن بحاجة الى أجماع وطني ونظرة متساوية ومنصفة ، والأقرار بحقوق جميع القوميات وكذلك الأديان من الأيزيدية والصابئة المندائية والمسيحية واليهودية والأسلامية بكافة مذاهبها الى أقل الشرائح الدينية والعقائد الموجودة في العراق .
مثلما نحن بحاجة أن نبحث عن الحقوق التي ضيعتها الأنظمـة السابقة بقصد اودون قصد ، وهذه الفرصة التاريخية التي تشير الى معالم حيـاة جديدة للعراق في المنطقة ستزيد بالتأكيد من قوة التلاحم والتكاتف الوطني ، مثلما تزيـد الوطن منعة وتلاحماً ووحدة ، وتزيدنا أملاً في مستقبلنا الديمقراطي والفيدرالي .
أن من يريد أن يحقق حياة دستورية ينعم بها العراقي بحياة ديمقراطية وفيدرالية عليه أن يعالج مسألة الحقوق بضمير منصف وفق رؤية حريصة على مستقبل الاجيال القادمة .