PDA

View Full Version : خالد عيسى طه:العصيان المدني حالة ضرورية لعراقنا المرتبك


بحزاني نت
30-05-2007, 23:15
العصيان المدني حالة ضرورية

لعراقنا المرتبك

المستشار خالد عيسى طه

رئيس جمعية محامين بلا حدود

ونائب رئيس نقابة المحامين العراقيين البريطانيين


حصار لمدينة هنا وآخر هناك .. وحيث شهدائنا يواري أجسادهم الثرى في مقابر جماعية يتواصل الاحتلال في هذا الارهاب بالتعاون مع الذين يحبذون بقائه ، الكل يعلم ان حكاية التدمير والقتل العشوائي منذ التاسع من نيسان 2003 مع بدء الاحتلال ، ولم ينتهي حتى كتابة هذا المقال وجنود الاحتلال يصيدون المواطن العراقي كما يتصيد الصياد المحترف عصافير الغابة ولكن الاحتلال يتصيد كل العراقيين بشكل جماعي .. يحاصر المدن ويضرب مرقد أمير المؤمنين ويضرب الفلوجة أم المآذن ويستمر في العدوان ، ويلاحق الناس .. كل الناس ، سواء أكان من المقاومة الوطنية أو طفلاً صغيراً ، وحتى الذين في بطون أمهاتهم ، وكم من تلامذة المدرارس البريئين وفي مراحل الدراسة الأولى قصفت صفوفهم بصواريخ الطائرات .

إنها دوامة .. نعم هي دوامة ، ولكنها دوامة تطحن الناس في رحى البطش ، والطحين هنا أجساد العراقيين ، وهذه المجرشة لها قوة واستمرارة وقسوة وبعيدة كل البعد عن الرحمة وعن كل شيء يمت للحضارة بصلة واتفاقيات جنيف ومحاكم العدل الدولية ، لم ينجو من العراقيين أي فئة . كنا نقول أن صدام حسين أرهب الجميع ووزع ارهابه بالتناوب وحسب مصلحة بقائه ، وفاق الاحتلال ماذهب اليه صدام فكانت مطحنته أكبر وضحاياه أكثر ومقابر أوسع ، إن الاحتلال لم يبق شيئاً سليما في العراق ، لا بنية تحتية ولا آثار حضارية عمرها أكثر من خمسة آلاف سنة .

نحن نقول اذا كان الظلم لا يزال

اذا كان البطش مستمراً

واذا كان رعاة القوم سائرون في طريق النهب والسلب والاغتيال.

ما عساه يعمل شعب مثل العراق في مواجهة كل هذا ، وما عساه يعمل غير أ، يمارس أبسط حقوقه وهي المقاومة بأشكالهه والتي تتضمن المظاهرات والمسيرات والاحتجاجات وطلب تدخل منظمات العدل الدولية وحقوق الانسان وأحسنها في نظري هو العصيان المدني ، والعصيان المدني بمفهومه القانوني هو أن يعمد الشعب بفئاته وطوائفه وطبقاته الى الوقوف عن ممارسة أعماله اليومية ، فلا الموظف يذهب الى دائرته ولا الطبيب الى مستشفاه ولا المحامي الى مرافعاته في ساحات القضاء ، مثل هذا الاعتصام نجح فيه الخميني في الثورة الاسلامية في ايران ، ولم يكن شاه ايران آنذاك أقل قدرة على البطش مما هو عليه الاحتلال من قوات السافاك والشرطة والمخابرات والقوى الأمنية بكافة اشكالها ومستوياتها ، ومع ذلك فان هدير الخميني اسقط كل هذه الأغلفة المهترئة .

اليوم طلب البعض تحقيق ما يلي:

اطلاق صراح جميع المعتقلين السياسيين القابعين داخل أسوار مناطق الاعتقال الاحتلالية العائدة أو العائدة لوزارة الداخلية أو تلك المعتقلات المعروفة والغير معروفة ، حيث يقدر عدد المعتقلين بثلاثون ألفاً في المعتقلات الأمريكية ، وثلاثون ألفاً أخرى في معتقلات وسجون وزارة الداخلية السرية والعلنية ، وبضع آلاف أخرى في منطقة البصرة لدى القوات البريطانية.
الدعوة الى الكشف عن التحقيق فيما حدث في سجن الجادرية ، والذي أمر رئيس الوزراء ابراهيم الجعفري بالبدء به لقناعته بوجود هذا المعتقل وضرورة أن يجرى فيه تحقيق عادل ، والى الآن ورغم مضي أشهر ، لم يكشف عن بواطن وما احتوته اضبارة التحقيق .
المطالبة بعزل وزيري الداخلية والدفاع لأنهما متهمان بوجود أعمال اجرامية ضمن الوزارتين ، والقانون يحاسب المسؤول سواء أكان يعلم أو لا يعلم بهذه المجازر ، إذ ان مسؤوليته عن الوزارة تحمله عبء صيانة المواطن والحفاظ على حقوقه .
هنا يرد في الخاطر نظرية المهاتمة غاندي وطريقته في المقاومة السلمية ، وما قيل ويقال في هذه الفكرة اعزاء تخلف الهند عن الثورة الصناعية المستعرة آنئذٍ هو دعوة غاندي الى الزراعة والرعي قبل التصنيع ، إن غاندي كان بطلاً اسطورياً في انقاذ الهند من الاحتلال ونزع درة تاج المملكة البريطانية (الهند) والتي حرصت بريطانيا على ابقاء هذه الدرة ضمن نفائس مملكتها التي قيل أن الشمس لا تغيب عن أراضيها.

نحن لا نصدق ولا نعبأ بالقول الذي يردد أن الانكليز انسحبوا من الهند لأنها لم تعد تلك الدجاجة التي تبيض ذهباً على مدار السنة ، ولكن الوعي الذي خلقه غاندي هو الذي دفعهم واضطرهم لمغادرة البلاد ، ودليلنا أن بريطانيا تحرص على بقائها في الهند لاعتبارات مهمة منها أن الهند تزود معامل النسيج البريطاني في مانشستر بالقطن الجيد والرخيص وذلك لرخص اليد العاملة الهندية قياساً باليد العاملة البريطانية ، ولأجل هذا استولى البريطانيين على كل النقاط المؤدية لطريق الهند ، بدأً بجبل طارق ثم قناة السويس وعلى امتداده العراق ويعقبه الخليج العربي قابضين عليها بنواجذ أسنانهم ، قامعين كل حركة تحرر في هذه المواقع على طريق الهند لضمان بقاء نشاط الشركة الشرقية الانكليزية (The Eastern Company) والتي كان لها فرع في العراق ، إن الهند كانت مركز ربح ومرابحة للاقتصاد والانتاج الربيطاني وطاقة هائلة من العمالة الرخيصة ومخزناً كبيراً لزراعة القطن ، ولم يغب عن حسابات الانكليز أن الهند كانت مزرعة ومركز تصدير الافيون الى الشعب الصيني المجاور عن طريق هونج كونج ، إذ كان يهم البريطانيين أن يُخدّر الشعب الصيني وينام أطول مدة ممكنة ، لقد أوجعت المحتل سياسة اللاعنف التي شعارها (الثاهانجيريا) ومعناه العصيان المسلح حسب نظرية غاندي ، وكم كان غاندي مقنعاً لشعبه مؤثراً في انحسار الاحتلال وإن كانت تحت عبارة مسلح ولكن غاندي كان يحرص على أن يكون العصيان سلمي فكتب في مقاله المشهور مذهب السيف يقول: "عندما لا يكون هناك سوى اختيار بين الجبن ولاغنف فإنني مؤمن بأنني سأشير بإعتماد العنف، وانني لأفضل أن تلجأ الهند الى السلاح للدفاع عن شرفها على أن تصبح أو تبقى بطريقة متخاذلة ضحية ذليلة لا حول لها ولا طول لعارها... ولكننني أؤمن أن اللاعنف هو أسمى بما لا يقاس من العنف، وأن العفو هو أقرب الى الرجولة من العقاب لأن التسامح هو حلية الرجل الشجاع" ، وأنا من مؤيدي هذه النظرية اذا طبقت في العراق ، والسبب أننا سنُسقط بها حجة الأمريكان المحتلين بأن مثل هذا العمل هو عمل ارهابي القائمين به هم عراقيون وليس من الخارج ولحمته وسدته هو العصيان المدني المسالم .

إن هذا السلاح الذي استعمله غاندي خفف من قسوة تعامل بريطانيا مع الشعب الهندي هذا لاشعب العظيم صاحب أحد أقدم وأرقى الحضارات الانسانية. ذكر التاريخ أن المندوب السامي في الهند آنذاك لا يسمح بمرور أي شخصٍ هندي من أمام قصره على طول جبهة 500 متر الا زاحفاً على بطنه ، فأي قسوة واحتقار أكثر من هذا ، ولو تسنّى للحاكم المدني بول بريمر أن يفعل ذلك مع العراقيين لفعله كي يبدأ العراقيون بتحريك الرأس عند الكلام كما هي عادة الهنود الى الآن .

اذا كان غاندي قد رفع راية العصيان المدني وهو عندي أعلى مراحل الكفاح اللاعنصري وعندي ايضاً أنه حق مكتسب لكل انسان ومواطن في مغارب الأرض ومشارقها ، ولا يسلب هذا الحق الا بالابادة والموت وليس هناك قوة تستطيع أن تمنعه من ممارسة حق من حقوقه كفرد من أفراد شعب يريد أن يعبر عن احتجاجه بهذه الطريقة ، ويريد أن يعلن رفضه للاحتلال ، وأن طريقة مقاومته لارضاء الشعب وتحقيق آماله بهذا الأسلوب الحضاري الاحتجاجي السلمي دون كدر كالذي نادى به المهاتمة غاندي ، وهكذا برأيي أننا الآن نحتاج الى العصيان المدني شعاراً رفعه غاندي بالأمس ونرفعه نحن اليوم وكان شعار رايته المغزل والماعز ، والمغزل يدل على مقاطعة النسيج القطني المصنوع في مانشستر بزراعة هندية وأيدي عاملة هندي أيضاً ، وجعل هذا المغزل شعاراً أمكن الهند من تنظيف شبه القارة الهندية من الاحتلال . وجدير بالذكر هنا أيضاً قول (هنري ثورو) منظر حركات العصيان المدني "كل الناس يتمسكون بحق الثورة، وهو حق رفض الولاء لحكومة ما، بل مقاومتها عندما يصبح استبدادها وطغيانها وعدم كفايتها أمورًا غير محتملة".

العراق اليوم اذا نادى باعتصام مدني سلمي كما نادى به الهنود سابقاً وامتنعوا من خلاله عن شراء البضاعة البريطانية هو عامل مهم في صحوة الاحتلال والاعتراف بوجوب المغادرة .

إني أقدر دعوة المقاطعة للمصنوعات الدنماركية لأن صحيفة دنماركية مسّت بذات الرسول وبكرامة الاسلام ، فما أهمية هذا النهج والمطالبة والاحتلال لا يقلّ ضرراً بالعراقيين عمّا نشرته الصحيفة الدنماركية . إني على يقين أن عوامل مجيء قائد مثل غاندي الى الهند ومن أجل جلاء المحتل ، هذه العوامل متوفرة الآن في العراق وفي جميع ظروفها ، وليس هناك اختصاراً للظرف العراقي الحالي أقل من (بطش + نهب + قتل + فساد + احتكار للسلطة + طائفية كريهة) وكلها ظاهر غير صحية .. بل قاتلة ، تعمل على مسح العراق من خارطة العالم .

عراقنا الآن يواجه ريحاً عاتيةً تعصف بكل شيء يعطي للعراق وشعبه خصوصية وحضارة .. وعيش رغيد ، ويحرمه من مستقبل زاهر ويلغي وجوده كدولة ، ويجعله دويلات ومماليك وطوائف ، وقوى الشر مازالت في حالة تأهب وجالسة (نص ركبة) تضرب أي شيء فيه رائحة مقاومة الاحتلال ، وشعارها في ذلك مقاومة الارهاب ، والفرق واسع بين المقاومة والارهاب ، هي حالة منع التجول واطلاق النار على أي شيء متحرك حتى ولو كان شبحاً ، هي هذه الحالة السياسية في مساحتها المقروئة ، كل من يحلم بوطنه .. ويساعد وطنه .. كل من يطالب بجلاء الاحتلال .. كل من يقف في وجهه ويقف ضد التيار الطائفي والتقسيم والمحاصصة هو ارهابي حتى ولو كان ذلك فكراً أو تلميحاً ، ويجب أن يقضى على ذلك الشخص وعلى حياته بشكل سافر .

في مثل هذا الواقع الذي يعيشه العراق اليوم يصبح من الواجب عليه أن يستعمل حقه بالعصيان المدني ، وعلينا أن ندعوا له بكل الوسائل ويجب أن يطبقه كل وطني غيور على بلده لا يريد للاحتلال البقاء ولا يريد جعل العراق ممراً لاحتلال سوريا أو ايران أو البلدان التي هي الظهير الصحيح للشعب العراقي لتنتعش الطبقة الرائدة بشعاراتها العنصرية الطائفية وكل من يقف ضد هذا التيار الطائفي يغيض الاستعمار ويتهم بانه ارهابي والموت كل الموت له . وكما قال الدكتور مارتن لوثر كينج (1929- 1968) "اذا الرجل لم يجد شيء يضحي من اجله فهو لا يستحق العيش".

وأخيراً وليس آخراً سيكون الاعتصام المدني رادعاً حقيقياً وموقفاً قوياً في وجه الحالة الكارثية التي نمر بها ، وهو اشارة واضحة للامريكان والبريطانيين أن احتلالهم للعراق لا يمكن استمراره دون الالتفات الى مصالح الشعب العليا ، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون .. والأيام بيننا .


أبو خلود