PDA

View Full Version : محمد الحنفي:الأمازيغية / الأصولية، أو العملة ذات الوجهين.....1


بحزاني نت
13-06-2007, 18:07
الأمازيغية / الأصولية، أو العملة ذات الوجهين.....1


محمد الحنفي


إهداء إلى

كل من آمن بوحدة المغرب، والمغاربة، وعمل فكرا، وممارسة، على ترسيخ هذه الوحدة.

كل المغاربة الذين يتمسكون بوحدتهم، في شموليتها.

كل المغاربة من أصل عربي / أمازيغي، الذين امتزجوا في دم واحد، صار يحمل اسم الدم المغربي,

كل المسلمين المغاربة الذين يحترمون الدين الإسلامي، ويرفضون استغلاله في الأمور الإيديولوجية، والسياسية.

كل الذين يتكلمون اللهجات الأمازيغية، ولم يعتبروها، في يوم من الأيام، وسيلة لتقسيم المجتمع المغربي إلى طوائف.

كل الشهداء المغاربة، الذين استشهدوا من أجل المحافظة على وحدة المغرب، ووحدة المغاربة، أنى كان جنسهم، أو لونهم، أو لغتهم، أو دينهم.

من أجل مغرب واحد، بهوياته المتعددة.

من أجل إنسان مغربي قوي، في مواجهة تحديات العولمة.

محمد الحنفي

****************

تقديم:

إن موضوع "الأمازيغية" / "الأصولية"، أو العملة ذات الوجهين، هو موضوع ارتبط بالتفاعلات، والاستقطابات، التي يعرفها العالم بصفة عامة، والعالم العربي بصفة خاصة، ويعرفها المغرب أيضا بصفة أخص. وقد ارتأينا، في هذه المعالجة، أن نجمع بين الأمازيغية، والأصولية، نظرا للقاسم المشترك بينهما. وهذا القاسم المشترك، هو تحول كل منهما إلى إيديولوجية، بحكم استغلالهما في الأمور الأيديولوجية المعتمدة في إنشاء أحزاب سياسية قائمة على أدلجة الدين الإسلامي، أو على أدلجة الأمازيغية.

ولذلك، فتناولنا لهذا الموضوع، ذي الربط المزدوج، يقتضي منا الانطلاق من كون الدين الإسلامي، واللهجات الأمازيغية، من مكونات ثقافة الشعب المغربي، وأن هذه المكونات، ترتبط بالواقع المتطور، والمتفاعل مع المحيط الإقليمي، والقاري، والقومي، والعالمي، وهو ما يعني استحالة الانغلاق على الذات، التي يسعى الأصوليون المؤدلجون للذين الإسلامي إلى الانغلاق عليها، والأمازيغيون المؤدلجون للهجات الأمازيغية إلى تكريس ذلك الانغلاق.

وتناولنا لهذا الموضوع، يقتضي منا أيضا، أن نستحضر أن تاريخ الشعب المغربي، هو تاريخ ذوبان الثقافات في بعضها البعض، وتاريخ تكامل تلك الثقافات، التي من بينها ثقافة الدين الإسلامي، وثقافة اللهجات الأمازيغية، وثقافة اللغة العربية، وغيرها. كما يقتضي منا أن نستحضر، وبعد مرور أربعة عشر قرنا، تقريبا، على وصول العرب، حاملين للدين الإسلامي إلى المغرب، أن نميز، في شخصيات المغاربة، بين:

ما هو الجانب العربي؟

وما هو الجانب الأمازيغي؟

نظرا لاختلاط الدماء، وذوبانها في بعضها البعض، وصيرورة اللغة العربية لغة مغربية، بلهجاتها المحلية المختلفة، بالإضافة إلى اللهجات الأمازيغية المختلفة، المتداولة بين أفراد الشعب المغربي، منذ زمن سحيق. وكل محاولة لجعل الشخصية المغربية، أمازيغية صرفة، أو عربية صرفة، إنما هو تعد على الواقع، وتجاوز له؛ لأنه لا يحتمله، لوقوفه وراء قيام النزعة الطائفية على أساس لغوي، أو ديني، في المجتمع المغربي.

ولذلك، فتناولنا لهذا الموضوع، لا من أجل إبخاس الأصولية حقها، ولا من أجل إبخاس الأمازيغية حقها، بل من أجل بيان أن أدلجة الدين الإسلامي الأصيل، وأد لجة اللهجات الأمازيغية، لا يمكن أن يكون أبدا في صالح المغاربة.

وحتى نوضح ما ذهبنا إليه أكثر، سنتناول من وجهة نظرنا، بطبيعة الحال، وحسب قراءتنا الخاصة لواقع الأصولية، ولواقع الأمازيغية، في نفس الوقت، مفهوم الأمازيغية، ومفهوم الأصولية، من وجهة نظر الطبقة الحاكمة، ومن وجهة نظر البورجوازية الصغرى، ومن وجهة نظر الطبقة العاملة، ومن وجهة نظر اليمين المتطرف، ومن نظر اليسار المتطرف، ثم الأمازيغية كلغة، وكتراث ثقافي، والأمازيغية كتعصب عرقي، والأمازيغية كشعار سياسي، والأمازيغية كآفاق، ومفهوم الأصولية كتعصب مذهبي، والأصولية كتراث، والأصولية كمذهب سياسي، والأصولية كتعصب مذهبي، والأصولية كواقع، والأصولية كآفاق، ثم الموقف من الأمازيغية بالنسبة للطبقة الحاكمة، وبالنسبة للبورجوازية الصغرى، وبالنسبة للطبقة العاملة ، وبالنسبة لليسار المتطرف، وبالنسبة لليمين المتطرف، محاولين الإجابة على السؤال:

هل من الحكمة قيام دولة أصولية؟

ثم نتناول العلاقة بين الأمازيغية، والأصولية:

وهل هي علاقة التقاء؟

وهل هي علاقة اختلاف؟

ثم نتناول الإجابة على السؤال:

أي أفق للأمازيغية، والأصولية في ظل عولمة اقتصاد السوق؟

وذلك من خلال العولمة، ورهان الأمازيغية، والعولمة ورهان الأصولية، ثم:

ما مدى تحرر الأمازيغية من آثار العولمة؟

وما مد تحرر الأصولية من توظيف العولمة؟

معرجين على مقاربة الجواب على السؤال:

من المستهدف بالأمازيغية، والأصولية؟

هل هو الطبقة الحاكمة؟

هل هي البورجوازية الصغرى؟

هل هي الطبقة العاملة؟

وغايتنا من الربط بين الأمازيغية، والأصولية، في هذه المعالجة، تتمحور حول كونهما، معا، يتعرضان للاستغلال البشع، من قبل مؤدلجي الأصولية، والأمازيغية، على السواء، حتى تصيرا خير وسيلة تعتمد في حشد الناس وراء الشعارات الإيديولوجية، والسياسية، الناتجة عن الاستغلال الأيديولوجي، للأصول المرجعية للدين الإسلامي، وللهجات الأمازيغية، حتى يمكن استغلالهم، كما قلنا، غير ما مرة، في العمل على تأييد الاستبداد القائم، أو فرض استبداد بديل. إن لم يؤد ذلك إلى طوائف اجتماعية، على المستوى الوطني، ليتحول المجتمع المغربي إلى مجتمع طائفي.

وحتى لا نصل إلى مرحلة تطييف المجتمع المغربي، نرى ضرورة فتح نقاش واسع حول الأمازيغية، والأصولية، كمكونين من مكونات الثقافة المغربية، وباعتبارهما موضوعين للأدلجة، وباعتبارهما منطلقا لطرح مطالب معينة، ووسيلة لتأسيس أحزاب، وتنظيمات جماهيرية معينة، حتى نقف على مكامن القوة، والضعف في كل منهما، وحتى نتعرف على خطورة أدلجة كل منهما على مستقبل الشعب المغربي. وهذا النقاش، يجب أن يكون مؤطرا، ومحدد الأهداف، وفاعلا في الواقع، بما يخدم توطيد وحدة، وقوة الشعب المغربي.

إني، وأنا أطرح هذا الموضوع للنقاش، أعلم جيدا أننى لا أثير الفضول، بقدر ما أثير الإستعداء على أراء في الأصولية، وفي الأمازيغية، كما حصل سابقا، وكما قد يحصل حقا. وكيفما كان الأمر، فإن شرفي، الذي لا حدود له، يتمثل في توضيح وجهة نظري عن الأصولية، والأمازيغية، حتى وإن أدى ذلك إلى استعدا، الأصوليين، والأمازيغيين على شخصي، مما يمكن أن يترتب عنه إيذائي:

فهل تتم الإستجابة للنقاش الهادئ، والمتأني، لموضوع الأصولية، والأمازيغية؟

وهل يتقبل الأمازيغيون الاختلاف في وجهات النظر، واعتبارهم مجرد مؤدلجين للهجات الأمازيغية، التي تختلف تسمياتها؟

وهل يتقبل الأصوليون اعتبار ما يقومون به، إنما هو مجرد عمل مؤدلج للدين الإسلامي، لتحقيق أغراض إيديولوجية وسياسية؟

إننا بطرحنا هذا الموضوع للنقاش، لا نروم إلا خدمة الحقيقة، ولا شيء آخر، والحقيقة الوحيدة التي تطارد المغاربة جميعا، هي الحرص على وحدة الشعب المغربي، الذي يحمل آمال عظيمة لأبنائه: أصوليين، وغير أصوليين، أمازيغيين، وغير أمازيغيين، عربا، وغير عرب، حتى يعملوا على تحقيق الحرية، والديمقراطية، والعدالة الإجتماعية، كعناوين كبرى لأحلام الشعب المغربي.

مفهوم الأمازيغية:.....1

ونحن عندما نطرح مفهوم الأمازيغية للنقاش، نجد أن جملة من الأسئلة تحاصرنا، مستلهمة منا مقاربة الجواب عليها.

ومن هذه الأسئلة نجد:

هل الأمازيغية لغة، أم لهجات؟

وإذا قررنا بأنها هي مجموعة من اللهجات:

هل يوجد قاسم مشترك بينها، يصلح اعتماده لبناء اللغة الأمازيغية؟

ولماذا يدرج الأمازيغيون لهجات تاشلحيت، وتاريفيت، ضمن مكونات الأمازيغية؟

فماذا يجمع بين تاريفيت، وتامازيغت؟

وماذا يجمع بين تاشلحيت، وتامازيغت؟

إننا عندما نطرح هذه الأسئلة، وغيرها، مما يمكن أن يرد في سياق مناقشة المفهوم، لا نتوخى إلا استشراف الآفاق، واستشراف عمق المفهوم، حتى نتجنب المغالطات التي يمكن أن تكون قادرة على رسم معالم الطائفية في المجتمع المغربي.

وقبل الدخول في مقاربة الأجوبة على الأسئلة المذكورة نرى:

1) أن اللهجات الأمازيغية، ليست موضوع الصراع، لأنها قائمة في الواقع، وتتفاعل مع اللهجات المحلية الأخرى، ومع اللغة الوطنية، ومع اللغات الوافدة.


2) أن هذه اللهجات إذا تم الاهتمام بها، ستتبلور من خلالها لغة أمازيغية، وطنية، وقومية، يمكن أن تصير معتمدة في الإدارة، وفي تسيير شؤون الحياة.

3) أن علاقة اللهجات الأمازيغية، في حالة اعتبار اللهجات تشلحيت، وتاريفيت، لهجات أمازيغية، باللغة العربية هي علاقة تكامل، لا علاقة تناقض.

4) أن الطبقة الحاكمة وحدها ، وليس الشعب المغربي، هي التي تقف وراء افتعال الصراع بين اللهجات الأمازيغي،ة وبين اللغة العربية، لأجل إيجاد مبرر للتدخل لفرض سيادته.

5) أن موضوع الصراع الحقيقي، هو ملكية وسائل الإنتاج، التي قد تكون في ملك الطبقة البورجوازية، التي قد يكون أفرادها عربا، وقد يكونون أمازيغيين، فيستغلون الطبقة العاملة، التي قد يكون أفرادها أيضا، إما عربا، وإما أمازيغيين، وهو ما يعني: أن المستغلين، قد يكونون أمازيغيين، وغير أمازيغيين، عربا، وغير عرب، والمستغلين ( بفتح الغين ) قد يكونون أمازيغيين، وغير أمازيغيين، وقد يكونون عربا، وغير عرب، وهو ما يؤكد أن موضوع الصراع، ليس هو اللهجات الأمازيغية، بقدر ما هو ملكية وسائل الإنتاج، وأن من يتمكن من تلك الملكية، يستطيع أن يفرض اللغة التي تخدم سيطرته الطبقية.


6) أن الإنسان المغربي، تختلط فيه دماء الأمازيغيين، والعرب، وأن أيا كان، مهما بلغت قدرته في البحث، ودراسة الأعراق، والأجناس، في تطورها، وانتشارها، لا يستطيع أن يميز بين: من هو الأمازيغي، ومن هو العربي، وأن الانطلاق من اللهجات المستعملة، هو انطلاق خاطئ، كما أن الانطلاق من اللغة العربية، باعتبارها لغة رسمية، هو أيضا، انطلاق خاطئ، لأن المستعملين للهجات الأمازيغية، قد يكونون من أصل عربي، والمستعملين للغة العربية، وللهجات المتفرعة عنها، قد يكونون أمازيغيين، كما أثبتت ذلك العديد من الدراسات الميدانية، والبحثية، في نفس الوقت.

7) أن الهاجس الذي يحكم الأمازيغيين المغاربة هو:

كيف ينفتحون على العالم؟

وكيف يتواصلون مع مختلف مكوناته؟

وهذا الهاجس هو الذي جعلهم يتعلمون، ومنذ القدم، اللغة العربية لتحقيق هدفين:

الهدف الأول: هو إيجاد مدخل للتعامل مع النصوص الدينية الإسلامية: "القرآن"، و"الحديث"، التي وصلت إلى المغاربة الأمازيغ، الذين اعتنقوا الدين الإسلامي باللغة العربية.

الهدف الثاني: هو إيجاد وسيلة للتواصل، والانفتاح على العرب الوافدين من المشرق، إلى المغرب، حتى يتحقق الاندماج فيما بينهم، على جميع المستويات: الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، دون أن يفرطوا في استعمالهم للهجات الأمازيغية.

8) أن المنارات المعرفية، التي حافظت على اللغة العربية في المغرب، وأعطتها قوة الدفع، والاستمرار في المغرب، وفي شمال إفريقية، هي منارات أمازيغية، وليست عربية بالضرورة.

9) أن المدارس التقليدية التي عملت على انتشار اللغة العربية، وتمكين النشء من الحصول على المعارف التقليدية، وباللغة العربية، كانت، ولا زالت مبثوثة في المناطق الأمازيغية، أكثر منها في المناطق التي لا يستعمل مكانها اللهجات الأمازيغية.

10) إن معظم من ناضلوا، ودافعوا عن المغرب، وعن عروبته، وعن استقلاله حتى عن المشرق العربي، الذي كان محتلا من قبل الأتراك العثمانيين، هم من الأمازيغ. وهكذا نجد أن هذه المنطلقات، كما نراها، تعتبر ضرورية لمناقشة مفهوم الأمازيغية، حتى لا نسقط في المتاهات الشوفينية، الإثينية، التي تسعى إلى تحويل المجتمع المغربي إلى مجتمع طائفي، خدمة لمصالح النظام الرأسمالي العالمي، الذي يبني وحدته، على أساس تغيبت البلدان ذات الأنظمة التابعة، حتى لا تتحول إلى غول مخيف في حالة تحررها من التبعية.

مفهوم الأمازيغية:.....2

وأول سؤال يتبادر إلى أذهاننا، ونحن نقبل على مناقشة مفهوم الأمازيغية هو:

هل الأمازيغية لغة، أم لهجات؟

إننا إذا بحثنا في الميدان، قد لا نجد شيئا اسمه اللغة الأمازيغية، رغم تداول الرموز المسماة "تيفيناغ"ن التي يتم الانطلاق منها لتأكيد وجود لغة أمازيغية، انطلاقا من أن اللغة: هي عبارة عن منظومة متكاملة، محكومة بنظام نحوى / صرفي معين، انطلاقا من مرجعية معينة. قادرة على الدفع في اتجاه التفاعل مع المستجدات التي تحدث في الواقع، انطلاقا من التحول المستمر، الذي تعرفه التشكيلة الإقتصادية / الاجتماعية، القائمة في البلد المعني باستعمال تلك اللغة.

والميادين المغربية، لا تتوفر فيها لغة أمازيغية بهذا المعنى، رغم العديد من الدراسات ذات الطابع الإيديولوجي / السياسي، التي تنجز باللغة العربية، وليس ب "اللغة الأمازيغية"، والتي يمكن اعتبارها دليلا على عدم وجود لغة من هذا النوع، بقدر ما توجد تصورات مختلفة، ومتناقضة، أحيانا، لهذه اللغة المختلفة. وما يقوم على أرض الواقع المغربي، هو مجموعة من لهجات تامازيغت، وتاشلحيت، وتاريفيت، التي أبى مؤدلجو الأمازيغية إلا أن يدمجوها ضمن الأمازيغية.

وهذه اللهجات ذات الحمولة الثقافية المتنوعة، والزاخرة بالقيم النبيلة، والمعاني السامية، يمكن أن تشكل أرضية للبحث من أجل الخروج بمنظومة لغوية محددة، محكومة بنظام نحوي / صرفي، وبلاغي، حتى تعتمد كمشروع للتدريس في مختلف المدارس المغربية، وفي جميع المستويات الدراسية، حتى تصير لغة متكاملة قائمة في الواقع الاقتصادي، والاجتماعي والثقافي، والسياسي، وحتى تتحول الأمازيغية، كلغة، إلى وسيلة لإغناء الثقافة المغربية، ولتطويرها، وتطورها، لتمكين المغاربة من دخول العصر من بابه الواسع.

وللوصول إلى ذلك، لا بد من إنضاج الشروط الموضوعية القائمة، التي نرى إنها تتمثل في:

1) قيام دستور ديمقراطي متلائم مع المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان.

2) ملائمة القوانين المحلية مع المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان .


3) تمكين جميع المغاربة من التمتع بحقوقهم الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية.

4) وضع حد لقيام أحزاب سياسية على أساس عرقي، أو لغوي، أو ديني، التزاما بما ورد في المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، وفي الإعلام العالمي المتعلق بحقوق الإنسان، على الخصوص.


5) إيجاد مؤسسات تمثيلية حقيقية، تعكس احترام إرادة الشعب المغربي، وحقه في الاختيار الحر، والنزيه.

6) القضاء على الآفات الاجتماعية مثل البطالة، والفقر، والأمية، والسرقة، والاتجار في المخدرات، وغير ذلك مما يزخر به المجتمع المغربي.


7) محاربة أدلجة الدين الإسلامي، ومواجهة المؤدلجين الذين يستغلون الدين الإسلامي في الأمور الإيديولوجية، والسياسية.

وهذه الشروط، في حالة نضوجها، يمكن أن تساعده على قيام عمل بحثي هادف، من أجل تحقيق بناء منظومة لغوية / أمازيغية، تصير معتمدة إلى جانب المنظومات اللغوية الأخرى، وفي مقدمتها اللغة العربية، وحينها يمكن أن نتحدث عن شيء اسمه: "اللغة الأمازيغية".

فهل نستطيع أن نسجل: أن النضال من أجل وجود لغة أمازيغية، لا يمكن أن ينفصل عن النضال من أجل الحرية، والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية؟

وهل نعتبر أن أي برنامج نضالي، لا بد أن تتحدد فيه الأولويات، وأن أولى الأولويات، بالنسبة إلينا، مناهضة الاستبداد القائم، والمسيطر في المجتمع المغربي؟

والسؤال الثاني، الذي يترتب عن السؤال السابق، هو:

وهل يوجد قاسم مشترك، بين اللهجات الأمازيغية، يصلح اعتماده لبناء اللغة الأمازيغية؟

إن اللغة، كما نعلم، هي مجموع الأصوات الدالة على عمل معين، وهذه الأصوات تتشكل منها مجموعات كبرى، وكل مجموعة على حدة يوجد ما يجمع بينها على مستوى الأصوات، وعلى مستوى المخارج، وعلى مستوى الدلالات، كما يوجد ما يفرق بينها على مستوى الأصوات، وعلى مستوى المخارج، وعلى مستوى الدلالات.

وما قلناه عن اللغات، نقوله عن اللهجات المنتشرة في هذا البلد، أو ذاك، كما هو الشأن بالنسبة للهجات الحسانية، واللهجات العربية / المغربية، واللهجات الأمازيغية، ولهجات تاشلحيت، ولهجات تاريفيت عندنا هنا في المغرب.

وبناء على ما ذكرنا، نستطيع أن نميز بين ثلاث مجموعات من اللهجات الأمازيغية: مجموعة تامازيغت، ومجموعة تاشلحيت، ومجموعة تاريفيت، وكل مجموعة من هذه المجموعات، تتشكل من اللهجات الأقرب من بعضها البعض، على مستوى الأصوات، ومخارجها، ودلالاتها، وهي كمجموعات تزداد بعدا عن بعضها البعض. إلا أن ذلك البعد، لا يلغي قيام روابط مشتركة فيما بينها، على مستوى الأصوات، والمخارج، والدلالات. غير أن هذه الروابط لا ترقى إلى مستوى صلاحية اعتمادها منطلقا لبناء لغة أمازيغية، كمنظومة، وكنظام نحوي، وصرفي، يحكم تلك المنظومة، في نفس الوقت.

ولذلك نقترح الانكباب على دراسة المكونات الأمازيغية، على أساس الفصل فيما بينها، من أجل الخروج بتصور يساعد على تطوير كل مكون على حدة، صوتا، ومخرجا، ودلالة، ونحوا، وصرفا، واعتماد كل ذلك أساسا، ومنطلقا للبحث، في أفق التدقيق في الأصوات، والمخارج، والدلالات، والنحو، والصرف، التي تجمع بين هذه المكونات الثلاثة، حتى نضع الأسس الكفيلة بإمكانية الحديث عن وجود لغة مشتركة، بين جميع الأمازيغيين، وعندها فقط، نعمل على وضع برنامج معد، ومدقق لتطوير اللغة الأمازيغية، وإيجاد هيئات مختصة بذلك، حتى تستطيع هذه اللغة الوليدة، من صلب اللهجات الأمازيغية، إنتاج المصطلحات الدالة على المعاني المختلفة، والمستحدثة، والوافدة، المتعلقة بمختلف المجالات الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية، وإنشاء معاجم أمازيغية على هذا الأساس، ووضع كتب نحوية، وصرفية معتمدة، لضبط اللغة الأمازيغية المشتركة، بين جميع اللهجات الأمازيغية، وعندها يمكن الحديث عن تدريس الأمازيغية، انطلاقا من برنامج عام، وبرامج خاصة بكل المستويات، من أجل تسييد اللغة الأمازيغية في المجتمع ككل.

ولهذا، فنحن عندما ننطلق من الواقع القائم، نجد أن ما ينجز من منطلق أنه هو الأمازيغية، لا يمكن تصنيفه إلا في خانة العبث، وأن هذا الاضطراب القائم في عملية تدريس الأمازيغية، هو أكبر دليل على ممارسة العبث، لأننا لم ننكب على ترسيخ القناعات، قبل الشروع في التدريس، لأن واضع البرامج، ومدرسها، ومراقب تدريسها، هم جميعا غير مقتنعين بها، خاصة، وأننا لم نقم بالدراسات الميدانية اللازمة، ومن قبل مختصين، ولم نقم بتقعيد اللغة الأمازيغية، ولم نقم بتكوين الأطر الخاصة بتدريس اللغة الأمازيغية، وبمراقبتها، حتى يتأتى لهذه الأطر المكونة، أن تلعب دورها في عملية تدرس اللغة الأمازيغية وآدابها، ونحوها، وصرفها، وبلاغتها إن أمكن، وحتى تصير الأجيال المغربية الصاعدة، قادرة على التعامل مع اللغة الأمازيغية، كخلاصة مركزة للهجات الأمازيغية، تعاملا إيجابيا، يرفع مكانتها في المجتمع المغربي.

فالقاسم المشترك بين اللهجات الكبرى غير قائم، ولكن إمكانيته تبقى واردة، إذا توفرت الإرادة السياسية، وفي هذا الأفق، يجب أن تبعد الأمازيغية عن كل الصراعات السياسية، التي قد تجرنا إلى تطييف المجتمع المغربي، وأن نركز فقط على الجانب الحقوقي، الذي يجب أن يضمن تفاعل مختلف المكونات الثقافية، التي تندرج ضمن المجموعات الكبرى للهجات الأمازيغية: تامازيغت، وتشلحيت، وتاريفيت، من أجل ضمان النمو السليم، في أفق تطوير القاسم المشترك فيما بينها، ليصير لغة قائمة الذات، تستعمل، كما تستعمل اللغة العربية، واللغة الفرنسية، واللغة الإنجليزية، في الدراسة، وفي الإدارة، وفي جميع مناحي الحياة، قبل أي تفكير في دسترتها. وإلا فان المطالبة بدسترتها قبل بلورة اللغة، إنما هو استغلال إيديولوجي، وسياسي، للهجات الأمازيغية. وهذا الاستغلال البشع، هو الذي يجب تجنبه، خاصة، وأن من يمارسون هذا الاستغلال، قد لا يعرفون ما هي الأمازيغية، ولا يستطيعون النطق بمفرداتها، فما بالنا بلهجاتها، في الاستعمال اليومي.

مفهوم الأصولية:.....1

وبعد معالجتنا، بتأن، لمفهوم الأمازيغية، ننتقل إلى معالجة مفهوم الأصولية.

فما دلالة هذا المفهوم؟

وما هي الغاية من استعماله؟

وما هي الشروط الموضوعية المؤدية إلى انتشاره؟

وما هي النتائج المترتبة عن هذا الانتشار؟

وهل يمكن أن تصير الأصولية وسيلة لإيجاد حلول لهذه المشاكل التي يعرفها العالم؟

وما دور الأصولية في سيادة الإرهاب، وإرهاب الدولة، على المستوى العالمي؟

وما العمل من أجل التخلص من الأصولية؟

وقبل الدخول في مناقشة هذا المفهوم، يمكن أن نسجل:

1) ضرورة التمييز بين الأصولية، وبين الدين بصفة عامة، وبينها وبين الدين الإسلامي بصفة خاصة، لأن الأصولية تعتمد ما كان يمارسه المعاصرون لظهور الدين، أي دين، أو لظهور الدين الإسلامي، الذين كان لهم فهم معين، أو تأويل معين للنص الديني، وليس النص الديني في حد ذاتهن الذي يفهمونه ويؤولونه انطلاقا من فهم وتأويل المعاصرين لظهوره، أي انطلاقا من شروط أخرى غير الشروط التي يعيشها الأصوليون، والتي تقتضي أن يكون لهم فهم مخالف، أو تأويل مخالف، انطلاقا من شروطهم الذاتية، والموضوعية.

ولذلك، ومن هذا المنطلق، نرى أن الأصولية هي التعبير المرادف لتعبير "الإسلاميين" الذين يحملون تسميات مختلفة، وعلى مدى التاريخ، وعلى مدى البلاد العربية، وباقي بلدان المسلمين في عصرنا هذا، والذين وصلوا إلى نتيجة واحدة، وهي أن إرجاع التاريخ إلى الوراء، لا يتأتى إلا باستعمال القوة، ضد الأشخاص المخالفين، وضد الشعوب المخالفةن وضد الدول المخالفة، مما أنتج ما صار يعرف بالإرهاب، الذي صار منتجا للإرهاب المضاد، كما حصل في العديد من مناطق العالم، وخاصة في افغانستان، وفي العراق.

2) إن حقيقة الدين الإسلامي، وانطلاقا من النص الديني، لاعلاقة لها بالصولية؛ لأن الدين الإسلامي يسعى إلى تحقيق كرامة الإنسانن والعمل على حفظ تلك الكرامة، أما الأصولية، فلا تسعى إلا إلى إهدار تلك الكرامة، ودوس القيم التي تتحقق معها إنسانية الإنسان.

3) إن تاريخ الدين الإسلامي الحقيقي، هو تاريخ إنتاج القيم النبيلة، التي ساهمت في إنتاج حضارة عظيمة، صارت مرجعا للحضارات التي جاءت بعدها، أما تاريخ الأصولية، فهو تاريخ دموي، من مقتل علي بن أبي طالب، إلى يومنا هذان وسيبقى كذلك إلى أجل غير مسمى، تنكشف فيه طبيعة الأصولية، وممارسات، وأحابيل الأصوليين، لتصير منبوذة من قبل جميع الناس، مسلمين، وغير مسلمين، كما شرع يتبدى ذلك الآن، من خلال الممارسات اليومية لمن يسمون بالأصوليينز

وما سجلناه حول الأصولية، والأصوليين، أو حول ما سميناه ب"أدلجة الدين الإسلامي" وب"مؤدلجي الدين الإسلامي"، يقتضي منا التركيز على ضرورة إشاعة التمييز الضروري، والمبدئي، بين الدين الإسلامي، وبين أدلجة الدين الإسلامي، وبين المسلمين الحقيقين، وبين مؤدلجي الدين الإسلامي، والإنطلاق من أساس هذا التمييز، من أجل مقاربة الأجوبة المتعلقة بالأسئلة التي طرحناها في موضوع الأصولية.

وأول سؤال يرد علينا في هذا الإطار هو:

فما دلالة مفهوم الأصولية؟

إن الأصولية نسبة إلى أناس يتمسكون بعيش حياتهم كما عاشها من كان قبلهم، ثم انتقل المعنى ليدل على ممارسة الحياة الدينية، بطريقة تنطبق على طريقة الأوائل، ليتحدد الأمر أكثر في الدلالة على المذهب السياسي القائم على استغلال الدين عند الأقدمين، وفي هذا العصر الذي نعيش فيه.

وبالنسبة إلينا، فالأصولية هي عملية أدلجة الدين الإسلامي، على نفس طريقة أدلجة الدين عند الخوارج، أو الشيعة، أو الزبيريين أو غيرهم، حتى يصير الدين، بسبب ذلك، تعبيرا عن المصالح الطبقية: الإقتصادية، والإجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية، للجهة الممارسة لأدلجة الدين الإسلامي، وفي أفق تأبيد الاستبداد القائم، أو من أجل فرض استبداد بديل، وجميع التوجهات المؤدلجة للدين الإسلامي، تندرج ضمن مفهوم الأصولية، مهما كانت التسمية التي يحملها كل توجه، ومهما كانت الأهداف التي يسعى إلى تحقيقها، ومهما كان الادعاء الذي تروجه، وهي، لذلك، عندما تعمل على استعادة ما كان عليه الأوائل، فإنها تعمل على عرقلة التطور الذي يعرفه الواقع، في المجالات الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية والسياسية، ومن منطلق أن كل تطور، هو خروج عن الدين الإسلامي. والواقع: أنه خروج عن الأهداف التي يسعى الأصوليون إلى تحقيقها.

وإذا كانت الأصولية هي السمة المميزة لعصرنا، فان هذه الأصولية هي العلامة الكبرى على استمرار تخلف العرب، والمسلمين، لانجرارهم، باستمرار، إلى الماضي، ولعجزهم عن الانعتاق من أسر الماضي، الذي يحضر في كل صغيرة، وكبيرة، ومن أسر أدلجة الدين الإسلامي، وبسبب قبولهم بالتجييش وراء مؤدلجي الدين الإسلامي، الذين لا يزيدون العرب، والمسلمين، إلا إغراقهم في الفكر الظلامي، الذي يقضي على كل إمكانية للانفتاح على الفكر التنويري.

وبناء على ما ذكرنا، يمكن أن نقول أيضا: أن الأصولية هي مجموع التوجهات، التي تعمل على استنساخ طرق الحياة المستمدة من حياة المسلمين الأوائل، ، وانطلاقا من الرؤى، والتصورات الإيديولوجية، وجعلها سائدة في حياتنا المعاصرة، وهادفة إلى تأبيد الاستبداد القائم، أو فرض استبداد بديل.

فما هي الغاية من استعمال مفهوم الأصولية؟

إن معظم المفاهيم التي يوظفها مؤدلجو الدين الإسلامي، تهدف، بالدرجة الأولى، إلى تضليل المتلقي، مهما كان هذا المتلقي، الذي يصير معتقدا بأن ما يذهب إليه مؤدلجو الدين الإسلامي، هو حقيقة الدين الإسلامي، بسبب التضليل الذي يمارسونه. وانطلاقا من هذا التضليل الممارس، فان الغاية من استعمال مفهوم الأصولية، تتمثل في جعل المتلقي يعتقد بأن الرجوع إلى الأصل أصل، وأن ما عليه مؤدلجو الدين الإسلامي، ينتمي إلى ذلك الأصل. وبالتالي، فالمسلمون الحقيقيون، هم الذين ينتمون إلى المنتسبين إلى الأصل. وبناء على ذلك، فما كان عليه أوائل المسلمين، يشكل مجموعة من الأصول، على مستوى العقيدة، وعلى مستوى الشريعة، وعلى مستوى فهم الكتاب، والسنة، وعلى مستوى المسلكيات الفردية، والجماعية، وعلى مستوى طبيعة الحكم الذي كان سائدا عندهم، تلك الأصول، التي كانت، ولا زالت، مثالا للاقتداء عبر العصور المتعاقبة. والذين يسعون إلى فرض ذلك المثال، وبالقوة، هم الأصوليون، الذين يسعون إلى نمذجة الحياة الإقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، حتى يقيموا نظاما على مقاس ذلك المثال، الذي لا يخدم إلا مصالح الأصوليين. والأصوليون ليسوا إلا مؤدلجي الدين الإسلامي، ومؤدلجو الدين الإسلامي لا يسعون إلا إلى إقامة التطابق بين ما هم عليه، وما يسعون إلى تحقيقه، وبين الدين الإسلامي، بدعوى الرجوع إلى الأصول، باعتبارها الإطار الذي نجد فيه حلولا للمشاكل الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية. وهي حلول، في حالة تحققها، لا تخدم إلا مصالح الطبقة التي تعودت على أدلجة الدين الإسلامي.

وانطلاقا مما ذكرنا، فان الغاية من استعمال مفهوم الأصولية، هو إيهام عامة الناسن بأن ما عليه مؤدلجو الدين الإسلامي، يتطابق تطابقا تاما .مع الدين الإسلامي، ومع ما كان عليه المسلمون الأوائل، عقيدة، وشريعة، ومسلكيات فردية، وجماعية، وحكما، وهو إيهام يمكن نقضه بالقول: "إن التاريخ لا يعيد نفسه"؛ لأن الشروط التي عاشها الأوائل، تختلف عن الشروط التي نعيشها، وهو ما يعني: أن التاريخ لا يتكرر. وبناء على ذلك، فالغاية من استعمال كلمة الأصولية، هي تكريس التضليل، للتغطية على الممارسات المختلفة، الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، التي يمارسها مؤدلجو الدين الإسلامي، من أجل الوصول إلى الاستبداد بحكم المسلمين باسم "الدولة الإسلامية"، التي تعمل على تنميط المسلمين، ونمذجتهم باسم "تطبيق الشريعة الإسلامية"، التي صارت تشكل سيفا لقطع رؤوس المعارضين لمؤدلجي الدين الإسلامي، حتى يصير المجال خالصا سائغا لهم، لا يصول فيه، ولا يجول إلا هم، ومن ورائهم مجيشوهم، الذين عليهم أن يطيعوا أوامر أمراء مؤدلجي الدين الإسلامي، الذين يعتبر "رضاهم من رضا الله ومعصيتهم من معصية الله". كما يذهب إلى ذلك مؤدلجو الدين الإسلامي.
وبعد معالجتنا، بتأن، لمفهوم الأمازيغية، ننتقل إلى معالجة مفهوم الأصولية.

فما دلالة هذا المفهوم؟

وما هي الغاية من استعماله؟

وما هي الشروط الموضوعية المؤدية إلى انتشاره؟

وما هي النتائج المترتبة عن هذا الانتشار؟

وهل يمكن أن تصير الأصولية وسيلة لإيجاد حلول لهذه المشاكل التي يعرفها العالم؟

وما دور الأصولية في سيادة الإرهاب، وإرهاب الدولة، على المستوى العالمي؟

وما العمل من أجل التخلص من الأصولية؟

وقبل الدخول في مناقشة هذا المفهوم، يمكن أن نسجل:

1) ضرورة التمييز بين الأصولية، وبين الدين بصفة عامة، وبينها وبين الدين الإسلامي بصفة خاصة، لأن الأصولية تعتمد ما كان يمارسه المعاصرون لظهور الدين، أي دين، أو لظهور الدين الإسلامي، الذين كان لهم فهم معين، أو تأويل معين للنص الديني، وليس النص الديني في حد ذاتهن الذي يفهمونه ويؤولونه انطلاقا من فهم وتأويل المعاصرين لظهوره، أي انطلاقا من شروط أخرى غير الشروط التي يعيشها الأصوليون، والتي تقتضي أن يكون لهم فهم مخالف، أو تأويل مخالف، انطلاقا من شروطهم الذاتية، والموضوعية.

ولذلك، ومن هذا المنطلق، نرى أن الأصولية هي التعبير المرادف لتعبير "الإسلاميين" الذين يحملون تسميات مختلفة، وعلى مدى التاريخ، وعلى مدى البلاد العربية، وباقي بلدان المسلمين في عصرنا هذا، والذين وصلوا إلى نتيجة واحدة، وهي أن إرجاع التاريخ إلى الوراء، لا يتأتى إلا باستعمال القوة، ضد الأشخاص المخالفين، وضد الشعوب المخالفةن وضد الدول المخالفة، مما أنتج ما صار يعرف بالإرهاب، الذي صار منتجا للإرهاب المضاد، كما حصل في العديد من مناطق العالم، وخاصة في أفغانستان، وفي العراق.

2) إن حقيقة الدين الإسلامي، وانطلاقا من النص الديني، لا علاقة لها بالأصولية؛ لأن الدين الإسلامي يسعى إلى تحقيق كرامة الإنسان، والعمل على حفظ تلك الكرامة، أما الأصولية، فلا تسعى إلا إلى إهدار تلك الكرامة، ودوس القيم التي تتحقق معها إنسانية الإنسان.

3) إن تاريخ الدين الإسلامي الحقيقي، هو تاريخ إنتاج القيم النبيلة، التي ساهمت في إنتاج حضارة عظيمة، صارت مرجعا للحضارات التي جاءت بعدها، أما تاريخ الأصولية، فهو تاريخ دموي، من مقتل علي بن أبي طالب، إلى يومنا هذان وسيبقى كذلك إلى أجل غير مسمى، تنكشف فيه طبيعة الأصولية، وممارسات، وأحابيل الأصوليين، لتصير منبوذة من قبل جميع الناس، مسلمين، وغير مسلمين، كما شرع يتبدى ذلك الآن، من خلال الممارسات اليومية لمن يسمون بالأصوليين.

وما سجلناه حول الأصولية، والأصوليين، أو حول ما سميناه ب"أدلجة الدين الإسلامي" وب"مؤدلجي الدين الإسلامي"، يقتضي منا التركيز على ضرورة إشاعة التمييز الضروري، والمبدئي، بين الدين الإسلامي، وبين أدلجة الدين الإسلامي، وبين المسلمين الحقيقيين، وبين مؤدلجي الدين الإسلامي، والانطلاق من أساس هذا التمييز، من أجل مقاربة الأجوبة المتعلقة بالأسئلة التي طرحناها في موضوع الأصولية.

وأول سؤال يرد علينا في هذا الإطار هو:

فما دلالة مفهوم الأصولية؟

إن الأصولية نسبة إلى أناس يتمسكون بعيش حياتهم كما عاشها من كان قبلهم، ثم انتقل المعنى ليدل على ممارسة الحياة الدينية، بطريقة تنطبق على طريقة الأوائل، ليتحدد الأمر أكثر في الدلالة على المذهب السياسي القائم على استغلال الدين عند الأقدمين، وفي هذا العصر الذي نعيش فيه.

وبالنسبة إلينا، فالأصولية هي عملية أدلجة الدين الإسلامي، على نفس طريقة أدلجة الدين عند الخوارج، أو الشيعة، أو الزبيريين أو غيرهم، حتى يصير الدين، بسبب ذلك، تعبيرا عن المصالح الطبقية: الإقتصادية، والإجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية، للجهة الممارسة لأدلجة الدين الإسلامي، وفي أفق تأبيد الاستبداد القائم، أو من أجل فرض استبداد بديل، وجميع التوجهات المؤدلجة للدين الإسلامي، تندرج ضمن مفهوم الأصولية، مهما كانت التسمية التي يحملها كل توجه، ومهما كانت الأهداف التي يسعى إلى تحقيقها، ومهما كان الادعاء الذي تروجه، وهي، لذلك، عندما تعمل على استعادة ما كان عليه الأوائل، فإنها تعمل على عرقلة التطور الذي يعرفه الواقع، في المجالات الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية والسياسية، ومن منطلق أن كل تطور، هو خروج عن الدين الإسلامي. والواقع: أنه خروج عن الأهداف التي يسعى الأصوليون إلى تحقيقها.

وإذا كانت الأصولية هي السمة المميزة لعصرنا، فان هذه الأصولية هي العلامة الكبرى على استمرار تخلف العرب، والمسلمين، لانجرارهم، باستمرار، إلى الماضي، ولعجزهم عن الانعتاق من أسر الماضي، الذي يحضر في كل صغيرة، وكبيرة، ومن أسر أدلجة الدين الإسلامي، وبسبب قبولهم بالتجييش وراء مؤدلجي الدين الإسلامي، الذين لا يزيدون العرب، والمسلمين، إلا إغراقهم في الفكر الظلامي، الذي يقضي على كل إمكانية للانفتاح على الفكر التنويري.

وبناء على ما ذكرنا، يمكن أن نقول أيضا: أن الأصولية هي مجموع التوجهات، التي تعمل على استنساخ طرق الحياة المستمدة من حياة المسلمين الأوائل، ، وانطلاقا من الرؤى، والتصورات الإيديولوجية، وجعلها سائدة في حياتنا المعاصرة، وهادفة إلى تأبيد الاستبداد القائم، أو فرض استبداد بديل.

فما هي الغاية من استعمال مفهوم الأصولية؟

إن معظم المفاهيم التي يوظفها مؤدلجو الدين الإسلامي، تهدف، بالدرجة الأولى، إلى تضليل المتلقي، مهما كان هذا المتلقي، الذي يصير معتقدا بأن ما يذهب إليه مؤدلجو الدين الإسلامي، هو حقيقة الدين الإسلامي، بسبب التضليل الذي يمارسونه. وانطلاقا من هذا التضليل الممارس، فان الغاية من استعمال مفهوم الأصولية، تتمثل في جعل المتلقي يعتقد بأن الرجوع إلى الأصل أصل، وأن ما عليه مؤدلجو الدين الإسلامي، ينتمي إلى ذلك الأصل. وبالتالي، فالمسلمون الحقيقيون، هم الذين ينتمون إلى المنتسبين إلى الأصل. وبناء على ذلك، فما كان عليه أوائل المسلمين، يشكل مجموعة من الأصول، على مستوى العقيدة، وعلى مستوى الشريعة، وعلى مستوى فهم الكتاب، والسنة، وعلى مستوى المسلكيات الفردية، والجماعية، وعلى مستوى طبيعة الحكم الذي كان سائدا عندهم، تلك الأصول، التي كانت، ولا زالت، مثالا للاقتداء عبر العصور المتعاقبة. والذين يسعون إلى فرض ذلك المثال، وبالقوة، هم الأصوليون، الذين يسعون إلى نمذجة الحياة الإقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، حتى يقيموا نظاما على مقاس ذلك المثال، الذي لا يخدم إلا مصالح الأصوليين. والأصوليون ليسوا إلا مؤدلجي الدين الإسلامي، ومؤدلجو الدين الإسلامي لا يسعون إلا إلى إقامة التطابق بين ما هم عليه، وما يسعون إلى تحقيقه، وبين الدين الإسلامي، بدعوى الرجوع إلى الأصول، باعتبارها الإطار الذي نجد فيه حلولا للمشاكل الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية. وهي حلول، في حالة تحققها، لا تخدم إلا مصالح الطبقة التي تعودت على أدلجة الدين الإسلامي.

وانطلاقا مما ذكرنا، فان الغاية من استعمال مفهوم الأصولية، هو إيهام عامة الناس بأن ما عليه مؤدلجو الدين الإسلامي، يتطابق تطابقا تاما .مع الدين الإسلامي، ومع ما كان عليه المسلمون الأوائل، عقيدة، وشريعة، ومسلكيات فردية، وجماعية، وحكما، وهو إيهام يمكن نقضه بالقول: "إن التاريخ لا يعيد نفسه"؛ لأن الشروط التي عاشها الأوائل، تختلف عن الشروط التي نعيشها، وهو ما يعني: أن التاريخ لا يتكرر. وبناء على ذلك، فالغاية من استعمال كلمة الأصولية، هي تكريس التضليل، للتغطية على الممارسات المختلفة، الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، التي يمارسها مؤدلجو الدين الإسلامي، من أجل الوصول إلى الاستبداد بحكم المسلمين باسم "الدولة الإسلامية"، التي تعمل على تنميط المسلمين، ونمذجتهم باسم "تطبيق الشريعة الإسلامية"، التي صارت تشكل سيفا لقطع رؤوس المعارضين لمؤدلجي الدين الإسلامي، حتى يصير المجال خالصا سائغا لهم، لا يصول فيه، ولا يجول إلا هم، ومن ورائهم مجيشوهم، الذين عليهم أن يطيعوا أوامر أمراء مؤدلجي الدين الإسلامي، الذين يعتبر "رضاهم من رضا الله ومعصيتهم من معصية الله". كما يذهب إلى ذلك مؤدلجو الدين الإسلامي.

مفهوم الأصولية:.....2

وما هي الشروط الموضوعية التي أدت إلى انتشار مصطلح الأصولية؟

إن الشروط الموضوعية الفارزة للأصولية، لا يمكن أن تكون إلا شروطا متخلفة، واستبدادية.

وهذه الشروط القائمة في الواقع المغربي، تتمثل في:

1) دعم أدلجة الدين الإسلامي منذ عدة عقود، باعتبار تلك الأدلجة خير وسيلة لتضليل الكادحين من جهة، وخير وسيلة لمحاربة المد الاشتراكي العلمي من جهة ثانية، حتى لا تعتمد الاشتراكية العلمية في التحليل، ومن أجل التضليل، والتدجين، والتجييش، في نفس الوقت، خدمة لمصالح الطبقة الحاكمة من جهة، وسعيا إلى التمكن من تحقيق التطلعات الطبقية لمؤدلجي الدين الإسلامي، من جهة ثانية، وتحقيقا لإقصاء الفكر الاشتراكي العلمي من الواقع، من جهة ثالثة.

2) غياب الديمقراطية الحقيقية، التي تخدم مصالح الشعب المغربي، مقابل تكريس ديمقراطية الواجهة، التي تلعب دورا بارزا في إعطاء الشرعية للاستبداد القائم على جميع المستويات: الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية، حتى تستمر الطبقة الحاكمة في استغلال أجهزة الدولة، لتكريس الاستغلال المادي، والمعنوي للشعب المغربي، وتعميق ذلك الاستغلال.

3) سيادة النظام الرأسمالي التبعي، ذي الأصول الإقطاعية، الذي يضاعف استغلال المغاربة لصالح التحالف البورجوازي الإقطاعي المتخلف، ولصالح المصالح الرأسمالية العالمية، المتمثلة في المؤسسات المالية الدولية، وفي الشركات العابرة للقارات.

4) غياب احترام حقوق الإنسان الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية، وعدم ملائمة القوانين المحلية مع المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، وقمع كل المطالبين بحقوقهم المهضومة، وفي كل القطاعات الاقتصادية / الاجتماعية.

5) سيادة أدلجة الدين الإسلامي على المستوى الرسمي، وعلى المستوى الشعبي، وعلى مستوى البرامج الدراسية، وعلى المستوى الإعلامي، وهو ما يعني القبول التلقائي بالعمل على فرض استبداد بديل، باعتباره "حكما اسلاميا" منتظرا.

6) خيانة القيادات الحزبية، والنقابية التاريخية، للجماهير الشعبية الكادحة، وطليعتها الطبقة العاملة، مما جعلها تصاب باليأس من كل التنظيمات التي تدعي النضال من أجلها، حتى وإن كانت صادقة فيما تدعيه، بسبب توالي الخيانات في حق الكادحين.

وهذه الشروط التي اشرنا إليها، تعتبر مسألة أساسية، لانفراز الأصولية، وللاستمرار في عملية الانفراز تلك، ما لم تتغير الشروط المذكورة. ولذلك، فأي عمل من أجل الحد من الأصولية، يقتضي العمل على إنضاج شروط نقيضة، ليتغير الانفراز.

وبسبب استمرار الشروط الفارزة للأصولية، نجد أنفسنا أمام سؤال ملح في نفس السياق. وهو:

ما هي النتائج المترتبة عن عملية انتشار الأصولية؟

إن عملية انتشار الأصولية يقتضي منها أن تؤدي إلى تحقيق نتائج معينة، تتمثل في:

1) تحول أدلجة الدين الإسلامي إلى واقع بنيوي، نظرا لعدم التمييز بين الدين الإسلاميين وأدلجة الدين الإسلامي، ونظرا لاعتقاد عامة الناس، وخاصتهم: أن الدين الإسلامي هو عينه أدلجة الدين الإسلامي، وأن أدلجة الدين الإسلامي هي عينها الدين الإسلامي. ونحن نعلم أن ممارسة كهذه، لا يمكن أن تكرس إلا صيرورة أدلجة الدين الإسلامي جزءا من كيان المجتمع المغربي، ومكونا من مكوناته.

2) اعتماد صيرورة أدلجة الدين الإسلامي جزءا من مكونات الواقع المغربي، لإعطاء الشرعية للاستبداد القائم، واعتباره جزءا من الدين الإسلامي. لاعتبار أن الأصل في الإسلام، هو استبداد الحكم باسمه، او لإعطاء الشرعية للعمل من أجل فرض استبداد بديل باسم الدين الإسلامي، وفي اطار ما يسمونه ب "الدولة الإسلامية"، التي تحتكر الكلام باسم الله، وتحكم باسم الله، وتقتل من تشاء، وتحيي من تشاء باسم "الشريعة الإسلامية"، الأداة المثلى لتكريس عمق الاستبداد البديل.

3) اعتماد المرجعية الدينية في وضع البرامج الدينية، وفي سن القوانين المختلفة، المتعلقة بالاقتصاد، والاجتماع، والثقافة، والسياسة، وغير ذلك، مما يساعد على جعل جميع أفراد المجتمع، يتعاملون على أساس تلك القوانين، التي تبث الاستبداد في الواقع على جميع المستويات، وفي كافة المجالات.

4) محاربة عمل العقل بنوعيه، المادي، والمثالي، ومن منطلق أنه يقود إلى الإلحاد، مما يؤدى إلى تعطيل ذلك العمل، والاستسلام لما يريده المستبدون باسم الدين الإسلامي، حتى لا يوصفوا بنعت الكفر، والإلحاد، ومن أجل تحقق الحلم بالجنة يوم القيامة، وتجنب غضب الحكام المؤدلجين للدين الإسلامي، كجزء من طاعة الله، التي لا وجود فيها لشيء اسمه استعمال العقل المادي.


5) تسييد الفكر الغيبي، والخرافي، الذي يعتبر نتاجا طبيعيا لأدلجة الدين الإسلامي. وهذا التسييد، ومن هذا النوع، يؤدى، بدوره، إلى تغييب الناس عن واقعهم الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي. وهو ما يعرضهم لعمق الاستغلال المادي، والمعنوي.

5) تسييد مظاهر التخلف في المجتمع، الذي تصير مكوناته خارج التاريخ: وخارج العصر الذي تعيشه على جميع المستويات، وفي جميع المجالات الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية. فكأن التخلف من قدر الشعوب المحكومة بسيادة أدلجة الدين الإسلامي.

وهذه النتائج، وغيرها مما يترتب عن انتشار الأصولية، هي التي تقف سدا ضد إمكانية أي شكل من أشكال التطور الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، مما يؤدى إلى تأبيد التخلف، الذي لا حدود له.

مفهوم الأصولية:.....3

وإذا كان التطور الذي يمكن أن يكون وسيلة، وإطارا لإيجاد الحلول للمشاكل القائمة في الواقع العيني:

فهل يمكن أن تصير الأصولية وسيلة لإيجاد حلول لهذه المشاكل التي يعرفها العالم؟

إن الأصولية السائدة عندنا في المغرب كما في البلاد العربية، وفي جميع البلدان المسلمين، تقدم نفسها على أنها هي الإطار السحري، لإيجاد الحلول لجميع المشاكل الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية. لذلك نجد أن الأصوليين، يرفعون باستمرار: "الإسلام هو الحل"، لكن:

ما هو الحل الذي يراه الأصوليون لمشاكل الواقع المختلفة؟

إن الأصوليين عندما يدعون: أن "الإسلام هو الحل"، إنما يسعون إلى تكريس التضليل الذي يطال المجتمع ككل، لأنهم أول من يعلم أن الأمر كذلك، لأن الدين الإسلامي، إذا وجد حلولا للعديد من المشاكل الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، التي عاصرت نزول القرآن، أو التي جاءت بعدها، مما يقاس عليها، إلا أنه بعد ظهور التشكيلة الاقتصادية / الاجتماعية الرأسمالية، والرأسمالية التبعية، نجد أن مشاكل عويصة، ومعقدة، لا يمكن أن ينطبق عليها "الإسلام هو الحل"، ولا يمكن أن تكون قابلة لأن توجد لها حلول، كتلك المشاكل البسيطة، التي عاصرت نزول القرآن الكريم:

وبناء عليه، فإن الأصولية، إنما تبني تصورها للحلول التي تفرض تطبيقها على أرض الواقع، من منطلق "تطبيق الشريعة الإسلامية"، وللوصول إلى إيجاد بشر يقبل بذلك التطبيق لما هو متصور عندهم، نجد أن الأصوليين يعتبرون:

1) أن الاقتصاد الاستغلالي: الإقطاعي، والرأسمالي، والمختلط، والتجاري، والحرفي، هو اقتصاد إسلامي، وبالتالي: فكل نمو اقتصادي، وبأية طريقة، لا بد أن يساهم في نمو إيرادات الزكاة، التي يستبد بها الأصوليون، باعتبارهم ممثلين له في الأرض.

2) أن المشاكل الاجتماعية، ستجد لها حلولا بفتاوى الأصوليين، انطلاقا من تأويلاتهم للنصوص الدينية، وفي إطار عملية التجييش، التي تستهدف الرجال، والنساء، والشباب، واليافعين، والأطفال، على حد سواء. وسواء تعلق الأمر بالأسرة، أو بالتعليم، أو بالصحة، أو بالسكن، أو غير ذلك، مما له علاقة بالمجتمع، الذي يجد له الأصوليون صيغة إخراجية، تتناسب مع تأويلاتهم الإيديولوجية للنص الديني، ومع منهجهم في تجييش فئات المجتمع من المسلمين.


3) أن المشاكل الثقافية تجد حلها في إيجاد ثقافة مستنسخة عن ثقافة الزمن الماضي، ذات الطبيعة العبودية، أو الإقطاعية، باعتبارها "ثقافة إسلامية"، مما يساعد على تنميط القيم الإنسانية في المجتمع المغربي، حتى يسهل تجييش المسلمين، وتنميطهم، شكلا، وفكرا، وممارسة، من أجل العمل على قيادتهم في تحقيق أهداف الأصوليين، المتمثلة في تأبيد الاستبداد القائم، أو العمل على فرض استبداد بديل باسم الدين الإسلامي.

4) أن الأحوال المدنية يتم إخراجها، انطلاقا من تأويلات الأصوليين للنص الديني، لتكريس الفوارق بين النساء، والرجال، وأمام القانون، وبين الطبقات الاجتماعية، باعتبارها قدرا من عند الله.


5) أن الأمور السياسية تصير رهينة بيد "الدولة الإسلامية"، كما يتصورها الأصوليون، فهي المشرعة، وهي المنفذة، باعتبارها أداة قمعية في يد الأصوليين، وهي التي يمكن أن تكون وسيلة للتحكم في المجتمع جملة، وتفصيلا، وباسم "تطبيق الشريعة الإسلامية"، الذي لا يمكن أن يصير إلا استبدادا بديلا، إذا لم يعمل الأصوليون على اعتبار الاستبداد القائم متطابقا مع تصورهم للحياة السياسية. فالأصوليون، إذا، لا يعملون على إيجاد حلول للمشاكل القائمة، تتناسب مع تطور الواقع، وانطلاقا مما يقتضيه ذلك التطور، وبطريقة تعبر عن السعي إلى تحقيق الحرية، والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية؛ بل يفرضون الحلول التي يرونها متناسبة مع أدلجتهم للدين الإسلامي، وبقوة الاستبداد القائم، أو بقوة السعي إلى فرض استبداد بديل. وهذا الوضع الذي يعمل الأصوليون على فرضه، أو على تأبيده، في إطار الاستبداد القائم، يفرض علينا طرح السؤال:

وما هو دور الأصولية في سيادة الإرهاب، وإرهاب الدولة على المستوى العالمي؟

إن عصر عولمة اقتصاد السوق، هو نفسه عصر عولمة الإرهاب الأصولي، وإرهاب الدولة الرأسمالية العالمية، بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية، وإرهاب الدول التابعة.

وإذا ثبت لدينا، وبالوقائع الملموس، أن إرهاب الدولة، هو إرهاب تاريخي، لصلته بالصراع الطبقي من جهة، ولكون الدولة، أي دولة، ومهما ادعت تمثيلها لجميع الطبقات، أداة السيطرة الطبقية، فإن جميع الدول القائمة في الواقع، قامت، وتقوم وراء دعم الأصولية، ومنذ أواسط القرن العشرين، من أجل إرهاب الاشتراكيين، والدول الاشتراكية القائمة حين ذاك، وخاصة ما كان يمكن أن يقوم في البلاد العربية، وفي باقي بلدان المسلمين، من أجل أن يتراجع الاشتراكيون إلى الوراء، وتنعدم إمكانية قيام دول اشتراكية في هذه المناطق.

ولذلك فالأصوليون، وظفوا في مراحل تاريخية معينة، بعد أن قدمت لهم الإمكانيات المادية، والمعنوية، والإعلامية، المقروءة، والمسموعة، والمرئية، لممارسة الإرهاب الفكري، والجسدي، والعقائدي، ضد كل من اقتنع بالفكر الاشتراكي العلمي في البلاد العربية، وفي باقي بلدان المسلمين، وعلى المستوى العالمي، ومن أجل أن تصير المجتمعات العربية، مجتمعات خالية من الاشتراكية لصالح التحالف البورجوازي الإقطاعي، ولصالح الرجعية، والرجعيين، والمتخلفين، ولصالح الفكر الرجعي المتخلف، الذي صار جزءا لا يتجزأ من الواقع العيني، ومن بنياته التي يصعب اجتثاثها، إلا باجتثاث البشر، الذين يساهمون في تكوين الواقع، وفي إنجاز مظاهر تخلفه.

وبعد سقوط المعسكر الاشتراكي، وتراجع الاشتراكيين في البلاد العربية، وفي باقي بلدان المسلمين، استأسد الأصوليون، بما توفر لديهم من إمكانيات، وبعد أن انغرس في نفوس الناس، التطابق بين أدلجة الأصوليين للدين الإسلامي، وبين الدين الإسلامي، وبعد أن تجيش المسلمون المنمطون على مقاس ما يرسمه الأصوليون، وراء الأصوليين، تحول الأصوليون من إرهاب الدول الاشتراكية، إلى إرهاب الدول الرأسمالية، والرأسماليين، فتحولوا من مساعد على محاربة الاشتراكية، والاشتراكيين، إلى مبرر للتراجع عن الحقوق الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية، وعن المكتسبات التي تحققت لصالح الجماهير الشعبية الكادحة، وطليعتها الطبقة العاملة، حتى يصير الاستغلال الهمجي سيدا في العالم، محكوما بعولمة اقتصاد السوق، مع نهاية القرن العشرين، وبداية القرن الواحد والعشرين، وليبقى الأصوليون يراوحون مكانهم، منتجين لإرهاب الاشتراكيين أو من تبقى منهم، ولإرهاب الرأسماليين في نفس الوقت، ولجعل عامة الناس يعتقدون: أن الصراع المشروع، وهو الصراع القائم بين الأصوليين، ومن تجيش وراءهم، من المسلمين المنمطين، مما يجعل الصراع الحقيقي، الذي لا يكون إلا طبقيا، يختفي من الواقع، وبصفة نهائية، ولجعل الصراع لا يكون إلا تناحريا / دمويا، ليختفي الصراع الديمقراطي في مستوياته الفكرية، والإيديولوجية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، بسبب التضليل الذي يمارسه الأصوليون، الذين يصادرون تاريخ الصراع الطبقي، لصالح الصراع الديني / الديني، الذي لا يكون الا طائفيا، كما يسعى إلى ذلك الأصوليون.

فالأصولية، إذن، نشأت في التاريخ على ممارسة الإرهاب، وتم إحياؤها، ودعمها، على هذا الأساس. واستمرارها في الواقع العيني، لا يمكن أن يتم إلا في ظل سيادة الإرهاب، والإرهاب المضاد الذي تنتجه. وبناء على هذا الاستنتاج، فإن جميع أشكال الإرهاب من إنتاج أصولي، سواء تعلق الأمر بالإرهاب الرسمي، أو بالإرهاب غير الرسمي. وهو ما يجعلنا نتساءل:

ما العمل من أجل التخلص من الأصولية باعتبارها منتجة للإرهاب، وواقعة وراء تسييده في الواقع العيني، سواء كانت هذه الأصولية رسمية، أو غير رسمية؟

إن الأصولية، مهما كانت، ومهما ادعت حرصها على حماية الدين الإسلامي، وعلى المسلمين، وعلى حماية بلدان المسلمين، فإنها لا تعدو أن تكون مستبدة، إن كانت حاكمة، أو تعمل على فرض استبداد بديل، إن كانت معارضة، وهي في الحالتين معا، تمارس القهر، والقمع، وتعمل على حرمان جميع الناس من حقوقهم الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية، باعتبارها بدعة ومن وضع الكفار، والملحدين، والصهاينة. وباعتبارها بمرجعية غير إسلامية، ونقيضة للقدر الذي به يكتمل إيمان المسلمين.

وبناء على هذا التصور، نرى أن التخلص من الأصولية، كفكر سائد، يقتضي منا:


أولا: العمل على تفكيك الفكر الأصولي، وبيان خطورته على مستقبل شعوب المسلمين، وعلى شعوب العالم، ودوره في تأبيد الاستبداد القائم، أو العمل على فرض استبداد بديل، حتى يتبين أن الفكر الأصولي، هو فكر متخلف، يرعى التخلف، ويغرسه في الفكر، وفي الممارسة اليومية لعامة الناس. وحتى يمتلكوا الوعي بخطورته، ويتجنبوا الأخذ به، ويعملوا على مقاومته.

ثانيا: التأكيد على ضرورة التمييز بين الدين الإسلامي، وبين أدلجة الدين الإسلامي، واعتبار أن ما يقوم به مؤدلجو الدين الإسلامي، لا علاقة له بما جاء به الدين الإسلامي في حقيقته، حتى يعي الناس بحقيقة الدين الإسلامي، وبحقيقة أدلجة الدين الإسلامي.

ثالثا: اعتبار استغلال الأصوليين للدين الإسلامي في الأمور الإيديولوجية، والسياسية، انتهاكا جسيما لحق الإنسان في احترام معتقداته، التي يجب أن تبقى بعيدة عن كافة أشكال الاستغلال المادي، والمعنوي للدين، أيا كان هذا الدين، والمطالبة بضرورة إصدار قانون خاص يجرم ذلك الاستغلال، انطلاقا مما هو منصوص عليه في المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان.

رابعا: النضال من أجل إفراز ديمقراطية حقيقية من الشعب، والى الشعب، وفي إطار جبهة وطنية للنضال من أجل الديمقراطية التي تعمل على:

1) إفراز دستور ديمقراطي، تكون فيه السيادة للشعب.

2) إيجاد قوانين انتخابية، ضامنة لنزاهة الانتخابات حتى تكون الانتخابات، وما ينتج عنها من مؤسسات تمثيلية حقيقية، معبرة عن إرادة الشعب المغربي، ومدافعة عن مصالحه الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية.

3) إيجاد حكومة من الأغلبية البرلمانية ،تلتزم بتطبيق القوانين، والقرارات الصادرة عنه، حتى تكون في خدمة الشعب المغربين التزاما بالممارسة الديمقراطية الحقة، وأجرأة لدولة الحق والقانون.

4) العمل على ملاءمة الدستور، ومختلف القوانين والمراسيم، والقرارات، مع المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، حتى يكون ذلك وسيلة لضمان تمتع جميع المواطنين بجميع الحقوق، وفي أفق دولة الحق والقانون.

5) قيام مؤسسات تمثيلية حقيقية: محلية، وإقليمية، ووطنية، بمحاسبة المسئولين، ومراقبتهم على جميع المستويات: الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، تعبيرا عن الممارسة الديمقراطية، التي تكرس سيادة الشعب على نفسه. وبقيام ديمقراطية حقيقية من الشعب، والى الشعب، تصير الأصولية ذات تأثير ضعيف، يمكن أن يؤدي إلى إفساح المجال أمام استعادة المغاربة للثقة بأنفسهم، فينخرطوا، بسبب ذلك، في الحياة الجمعوية، والحقوقية، والنقابية، والحزبية، باعتبارها وسائل إجرائية، للنضال من أجل الديمقراطية، في حالة عدم تحققها، والنضال من أجل حمايتها، وتطويرها، في حالة تحققها.