PDA

View Full Version : فوزي الاتروشي:نازك الملائكة صوت شعري و نسائي رائد


bahzani
13-07-2007, 10:47
نازك الملائكة صوت شعري و نسائي رائد

فوزي الاتروشي

رغم كل العنف المستشري في العراق والذي يحرق الأخضر و اليابس ويكاد ينهي وطناً من الخارطة، يبقى موت شاعرة كبيرة حدثاً ذا مرارة متميزة. لذلك فان نازك الملائكة التي رحلت تركت ما هو أكثر من ذكرى و أعمق من مجرد البكاء على الاطلال. فالشاعرة لم تصبح ذكرى لأن كلماتها في \"عاشقة الليل\" و \"شظايا و رماد\" و دواوينها الأخرى التي اسست لثورة شعرية أصيلة و مبدعة مازالت تفوح برائحة الحب و الوطن و التوق الأدبي نحو الحرية و السعادة، وهي لن تصبح أطلالاً و خرائب لان ربيعها الشعري أخذل كل الذين زعموا انهم تجاوزوها في المعاني و تحدُّوها في المباني و التراكيب الشعرية.

لم أكن قد أكملت العشرين من عمري حين تعرفتُ على العالم الشعري الانيق و الفواح لهذه الشاعرة وذلك في المكتبة العامة بمنطقة الأعظمية في بغداد. قبلها كنت منهمكاً في الاغتراف من كلاسيكيات الأدب العربي وحين عرجتُ على الشعر الحديث كانت نازك الملائكة هي عنواني الأول و الذي لم يتقادم و لم يتعتَّق الى يومنا هذا، انه الصوت النسائي المقتحم و القادم من دهاليز الشعر العمودي بثوب جديد مطرَّز بشعر التفعيلة الحامل نكهة الحياة الجديدة و ايقاعها و مشاعرها النائية عن التصحُّر و التقعُّر و الغموض و الضبابية. و رغم ان الملائكة مؤسِّسة ولها فضل السبق في حفر هذا الاخدود الكبير في العالم الشعري العربي، فانها لم تشأ ان تدخل مع السياب و آخرين لتأكيد فضل السبق هذا ولم تخض معارك أدبية، ربما لأنها بطبعها الأنيق و بمراهنتها على فطنة و ذكاء القارئ و المتتبع و الدارس و الناقد المتخصص ادركت ان المهم هو العطاء و الابداع و الاستمرار في العمل و التواصل وهو مادأبت عليه في سيرتها الشعرية وفي سياق الدراسات التي اتحفت بها المكتبة العربية. انها رائدة نسائية عراقية بحق فهي التي كتبت بجرأة و صراحة عن مشاعرها منذ الاربعينات في مجتمع ذكوري رجولي لايرى للمرأة إلا دور المتلقي الجاهل و الممنوع من الكلام و التعبير و الافصاح، كتبتْ عن الحب و الحياة و الحزن و الفرح و احجمت عن الصمت، و الاكثر من ذلك انها تجاوزت الرجال في احداث الثورة الشعرية عن القلاع المحصَّنة للشعر العربي الكلاسيكي وهي الثورة التي عانت على مدى عقود من سهام النقد من الجيل الكلاسيكي الذي بلغ حد الطعن بالهوية السياسية لنازك الملائكة والسياب من خلال اتهامهما بالمؤامرة على الأدب العربي. لكن كل سيول النقد الهدام ذهبت أدراج الرياح وبقيت الشجرة الباسقة لنازك الملائكة وزملائها السياب و البياتي و بلند الحيدري تثمر الى اليوم لان نسخها تغذى من عملية المزاوجة بين قراءات التراث و ربطها بالحاضر الراهن و الاطلاع على الحركة الشعرية في العالم، فهذه الشجرة الوارفة الاغصان والتي سميت \"الشعر الحديث\" لم تكن حصيلة فجائية وضربة حظ بقدر ما كانت اختزلاً للماضي و اعترافاً بالحاضر و استشرافاً للمستقبل فجاءت حاملة لألوان الحياة المعاصرة.

اعتمدت نازك الملائكة كثافة الجملة و قصرها ووضوحها و أناقتها اسلوباً لم تحد عنه في اية قصيدة و ظلت مؤمنة ان رسائلها الشعرية ينبغي ان تفهم من قبل المتلقي الاعتيادي، لأن الفهم أساس المعرفة و المعرفة أساس التذوق و الشعر أصلاً فن راقي جميل قبل كل شيء و ليس علماً رياضياً حافلاً بالمعادلات و الارقام و البيانات و الاحصاءات، انه يمثل لحظة الانتقال من الواقع المعاش الى الخيال و الفضاء المنشود. لذلك فان شعراء الستينات في العراق حين زعموا في الـ (البيان الشعري) انهم تجاوزوا الملائكة و السياب كانوا انما يغترفون من الحجر و يطرق على الحديد البارد و ينزلقون الى دهاليز مظلمة و غرف بلا تهوية و صحارى قاحلة، عوضاً عن البساتين الزاهرة و الأضواء الكاشفة و الآفاق الزرقاء المدمنة على الصحو و الاشراق وهو العالم الشعري الذي رسمته الملائكة و زملائها، و النتيجة ان شعر الستينات العراقي تحول الى كمية هائلة من الكلام المتقعر و المتعالي على القارئ و البعيد عن الموسيقى و التناسق النغمي و الخيال و الصورة الشعرية. فكان البيان الشعري حينذاك بيان وفاة للشعر الجميل المفعم بحرارة الحياة و ديناميكيتها. و حسناً فعل شعراء الستينات في العراق حين تراجعوا عن اطروحاتهم الفكرية و الجماعية لان البعد بينهم وبين القارئ اصبح بقدر البعد الشاسع بين الثرى و الثريا. والذي يراجع شعر الراحل نزار قباني ودواوينه التي مازالت طبعاتها تتوالى، يعرف حجم ذكاء هذا الشاعر في مواجهة جهل بعض الشعراء الذين يرون انفسهم في برج عاجي مزعوم لايعترف بالقارئ و النتيجة معروفة وهي ان القراء لايعرفون حتى بخبر وفاتهم، و هذا هو مايميز نازك الملائكة التي يمتد بيان نعيها على كل خارطة الوطن العراقي، لانه رمز و أحد ثوابت العراق الذي تتمزق اليوم ثوابته وتتراكم خرائبه وتتوالى حرائقه.

26-6-2007