PDA

View Full Version : فوزي الاتروشي: حول اقتراح منح الدكتوراه الفخرية للرئيس مسعود البارزاني....


بحزاني نت
14-07-2007, 01:07
حول اقتراح منح الدكتوراه الفخرية للرئيس مسعود البارزاني....
المثقف الكوردي يجترُّ مألوف الكلام


فوزي الاتروشي


شكراً للرئيس مسعود البارزاني لأنه رفض في مدينة (دهوك) اقتراح سيدة كوردية بمنحه درجة الدكتوراه الفخرية، مثلما رفض جعل يوم زيارته لجامعة دهوك يوماً للجامعة. فقد أدرك أن خلف هذه الأفكار و الاقتراحات الشكلية يترسَّب نهج و ممارسة و تحريض تلقائي خفي على جعله دكتاتوراً في حين انه ليس بحاجة الى أية ألقاب او مسميات اضافية وهو الذي ظل يردد ان أهم مأثرة في حياته هي كونه مقاتلاً على مدى ثلاثين عاماً ضمن صفوف \"البيشمه ركه\" عماد الحركة التحررية الكوردية.

الواقع المؤسف ان قطاعاً واسعاً من المثقفين الكورد لا يخرج عن كونه متعلماً او أكاديمياً قضى بضع سنوات من التحصيل الدراسي المجرد لينقطع بعد ذلك عن العالم الرحب و المتغير للعلم و الثقافة و التزود بالمزيد، او انه مثقف أدمن المديح و الاطراء و الثناء و التمجيد و نسي مهمة المثقف المحورية وهي تنوير المجتمع و تشخيص امراضه واقتراح الحلول و القيام بدور تغييري تقويمي رائد. بدلاً من دور خافت يعوِّل على الاجترار و الاستنساخ ويعتمد آليات التمثيل الصامت في وقت عليه ان يهزَّ مسرح الحياة بنداءاته المدوية و اشراقاته المضيئة و الكاشفة التي يستفيد منها رئيس الاقليم في ردم الهوَّة و تجميل ماهو قبيح و استكمال ماهو ناقص و تبديل ماهو متهرئ، فهذا هو مربض الفرس وعلة وجود المثقفين و المستشارين الذين يوسعون مع الرئيس حلقة العقل الجماعي في تسيير دفة العمل، اما اذا صار المثقف و المستشار بلا لون و لا طعم و لا رائحة فان وجوده و عدمه نسيَّان.

كان على هذه السيدة الكريمة في دهوك ان تطرح الملفات الساخنة للنساء الكوردستانيات في مجتمع أصبحت المرأة تشكل اكثر من النصف، فثمة قضايا غدت ذات طابع وطني شامل لايمكن السكوت عنها لان الأمن الاجتماعي في الاقليم ينحدر بسببها الى درجة الخطورة ولان شظاياها تتطاير يومياً في الداخل و الخارج و نعني هنا قضايا ماتسمى بجرائم الشرف التي اشتدت وتيرتها في الاقليم بشكل مرعب و ايضاً قضية ختان الاناث وهي الجريمة الفظيعة التي كشفت منظمة الوادي الالمانية الغطاء عنها مؤكدة حدوث اكثر من (2100) حالة في (116) قرية كوردستانية في عام (2005-2006) والرقم الحقيقي بالتأكيد اكثر من ذلك اذا شمل الاحصاء كل مناطق كوردستان العراق ولكنها مازالت طيَّ الغيب و الكتمان. وكان على هذه السيدة ان تطرح على رئيس الاقليم تفعيل دور اتحاد نساء كوردستان لكي تصبح منظمة مهنية فاعلة عميقة الجذور في المجتمع وذا توجه جذري لاعادة التوازن الى الميزان المختل بين الرجل و المرأة في الاقليم. لكنها اختصرت الكلام و تشبَّثت بالتحايا و المدائح و السلام دون ان تدرك ان ماتقوله يضرُّ برئيس الاقليم ولا يستفيد منه قيد شعرةٍ جمهور الانام فقالت او بالاحرى استنسختْ كلاماً جرى اجتراره آلاف المرات وهو ان لامشاكل ولا هم يحزنون وان كل شيء على مايرام وكل الامور تمضي بالكمال و التمام.

ان القيمة الحقيقية لرئيس الاقليم هي بعدد بصمات الاصابع التي يتركها على تقاسيم وجه المجتمع بهدف تجميله، و بقدر الانجازات المادية و المعنوية التي يحققها لشعب اشتهر بالكوارث و المحن و الهجرات الجماعية ولمنطقة كانت كما سماها الاعلام العالمي ذات يوم بانها المنطقة الاكثر بؤساً في العالم فمسح البؤس و الفقر و الحرمان عن تضاريس كوردستان العراق هي شهادة الدكتواره الممنوحة من القلب الى القلب للرئيس البارزاني.

اما ما عداها فان الاطنان من مقالات المدح و التمجيد سوف تذهب ادراج الرياح لان الرئيس لن يحتفظ بها في جعبته، فهو بحاجة الى مقالات و افكار و آراء تؤشر مواقع الخلل وتؤطر دوائر الخطر و تستكشف المواقع الملغومة لكي يكون على بيِّنة من أمره، ولهذا بالذات كان جواب الرئيس مقنعاً حين قال \"لاتجعلوا مني دكتاتوراً\".

لذا نتمنى على الرئيس ان يجعل من حملته على الفساد هذه المرة صخرة كبيرة يرميها في بركة ساكنة، وان يحيل كل ماقاله الى تطبيق عملي على ارض الواقع، لان رائحة الفساد الاداري و المالي في الاقليم تزكم الانوف و منظمات المجتمع المدني في العالم بدأت تنتبه الى هذه الظاهرة المخيفة، مثلما انتبهت الى القتل العشوائي الكارثي للنساء في كوردستان و نشرت صفحة انترنيت دانماركية قبل ايام ان (30) الف امرأة هنَّ ضحايا هذا العنف منذ عام 1991 و لغاية 2007. ولا نستبعد ان تنهض منظمة \"الشفافية الدولية\" بنشر غسيلنا على العالم بخصوص الفساد المالي، ولكي نستبق الامور و المزيد من التداعيات فالاحرى بنا قرن القول بالفعل و الاعتراف بالظواهر المسيئة و تشخيص النواقص و تشريع قوانين و تعليمات لتطبيقها، فالتطبيق وليس النصوص هو المحك واية قاعدة قانونية لاتطبق بضمانات قضائية و آليات تنفيذية لايعتبر قانوناً، نقول ذلك لان سنوات مرت على الغاء مصطلح جرائم الشرف و اعتبارها قتلاً عمدياً، ورغم ذلك فان الجهاز القضائي في الاقليم ظل يتساهل الى حد الميوعة وكان هذا القانون صدر ليكون ديكوراَ يعلق على مبنى البرلمان الكوردستاني و ليس تمثيلاً لارادة مجتمع ينوي التطور و التقدم الى الامام.

وكم تمنَّيت ان يجري تنفيذ تصريحات الرئيس مسعود البارزاني التي اطلقها في دهوك عام 1998 وكنت حينها ضمن زملاء كتاب آخرين من اوائل الذين كتبوا في صحيفة (خه بات) ان المطلوب تطهير وتنقية الثورة من الظواهر الشاذة و النتوءات الغريبة، ولكن مع الاسف فان حملة الاصلاحات توقفت حتى قبل ان تبلغ منتصف الطريق، لذلك تراكم الفساد ليصبح جبلاً وازداد عدد المتطفِّلين على الثورة و زادت معها مطالبهم و مصالحهم و ثرواتهم و امتيازاتهم، واي جرح قد يشفى في البدء بقليل من الدواء، ولكنه اذا تقيَّح و توَّرم يصبح الاستئصال اكثر ايلاماً، ورغم ذلك فان رحلة الالف ميل تبدأ بخطوة ولابد لنا ان نبدأ قبل ان تشيخ التجربة التي احرقنا شموع العمر لاجلها. واغتنم الفرصة هنا لاقول للعديد من السادة الذين يحتلون مواقع ومناصب عالية في الاقليم انهم ليسوا بحاجة الى اختلاق لقب \"دكتور\" ليصبحوا على قدر من الاهمية في مجتمع غالبيته العظمى من الأميين. ان لقب دكتور درجة علمية قد لا تؤهل صاحبها الا للعمل الأكاديمي في حقل علمي محدود بالذات، ثم ان انتحال هذا اللقب من قبل بعض الموظفين سرقة أدبية بكل معنى الكلمة و تحايل على الناس البسطاء و دليل مركب النقص و عقدة نفسية.

ان صفة العطاء اللامحدود و الانجاز و الابداع و التأهل لقيادة المفاصل الاساسية في المجتمع و درجة العمل المضني و الماضي النزيه و التمرس في العمل الوطني و الامانة في صيانة المال العام و مراكمة المعرفة و الاطلاع على ماهو جديد و حضاري في العالم هي المواصفات الجليلة التي ينبغي ان يتصف بها العامل في المجال العام في كوردستان واكبر عمالقة التاريخ في العلم و الأدب و الفكر و السياسة و الاقتصاد لم يكونوا يحملون لقب الدكتوراه. مرة اخرى شكراً للرئيس والمقاتل الكوردي مسعود البارزاني و نتعهد ان لا نشارك في جعله دكتاتوراً. اما لقب دكتوراه فخرية فقد تقرره له ذات يوم جامعة عالمية معتبرة واذا حدث ذلك فانه اعتبار معنوي كبير لرجل هو سليل مدرسة نضالية من قواعدها الزهد في القول و الافراط في العمل و البخل بالالقاب و المظاهر و الامعان فيما هو جوهري ومفيد و نافع.

فليحرق الاخ الرئيس مراحل الزمن و شموع العمر على هذا الدرب و بذلك يصبح تلقائياً حاملاً للقب الدكتوراه الفخرية في الذاكرة الجمعية الكوردستانية.



28-6-2007