PDA

View Full Version : شيرزاد سيد علو:العنف


بحزاني نت
16-07-2007, 08:46
العنف

شيرزاد سيد علو

العنف هو خاصة من الخواص الأساسية للسلوك العدواني، و مرتبط باستخدام القوة، و ذلك اما عن طريق الايماء أو القول أو الفعل. و يمارس ضمن المجموعات البشرية، من قبل طرف ضد آخر. و هو كفعل تجسيد واضح و جلي للقوة بأشكالها المادية و الفيزيائية و الرمزية و النفسية. و يمكن القول بأن الانسان وحده يتميز بهذه الظاهرة في اطاره الاجتماعي، و الذي يعيش حالة من التأثير المتبادل ضمن سلسلة من الصراعات المختلفة، كالثقافية منها، و الاجتماعية، و الاقتصادية، و السياسة...الخ. أما ما أريد التطرق اليه هنا هو ظاهرة العنف ضد المرأة، في اطار العلاقة الزوجية، هذه العلاقة الحميمة، و التي تقوم على الأغلب على أساس مبدأ حرية الاختيار للفرد. و لكن حتى هذا الاختيار لن يكون سالما كثيرا من التدخلات الثقافية و المؤسساتية، و التي ترسم حدودا قاهرة تلزم الفرد مكرها أحيانا أكثر على الأخذ بعين الاعتبار بتلك الأطر الثقافية و المجتمعية عند اختيار شريك أو شريكة الحياة. و لما كان الصراع بين الجنسين من أولى مظاهر الصراع الاجتماعي داخل المجتمع البشري، فان عمليات الفرز بين مناطق السيطرة و الهيمنة من جهة، و بين مناطق الخضوع من جهة أخرى قد تمت منذ بدء ذلك الصراع،لتبرز من خلالها السمات و القواعد الثقافية و التاريخية لكل تركيبة اجتماعية و التي تساهم بشكل كبير بدورها في تشكيل ملامح شخصية كل فرد و وضعه في طرف معين من أطراف الصراع، ليتشبع بالتالي ثقافيا بالأساليب الكفيلة بتحقيق السلطة. و لأن المجتمع هو مجتمع ذكوري سلطوي، فعلى الأرجح سيكون معظم عوامل و مقومات السلطة لصالح الرجل. أما المرأة فتبقى في الطرف الآخر، لتخضع للرجل بارادة مسلوبة، حتى أنها لا تعرف أحيانا كثيرة معظم حقوقها، بسبب الثقافة السلطوية، و التي تكون قد أنتجت قواعد اجتماعية و أخلاقية صارمة، تشبه الأحكام الالهية الممنوعة من المس بها. فتسمح المرأة، بعد عملية غسل الدماغ، و بشكل ارادي للرجل بالسيطرة عليها، لدرجة أنها تناصر الرجل في ظلمه، فيما لو تمردت احدى النساء على هذا الظلم، مبررة مناصرتها تلك بالدفاع عن قيم المجتمع، و التي فرضتها السلطة الذكورية لاخضاعها و ترويضها و تطويعها لارادة الرجل. و بذلك تكون لدرجة ما سببا في وجود الرجل في موقع التسلط و العنف. لا يجوز أن نستهين بحجم و مساحة انتشار العنف ضد المرأة، فحسب احدى التقارير للمنظمة العالمية للصحة ف/ ان العنف داخل الأسرة، المرتكب ضد الشريك في اطار علاقة حميمية، يعد من أبرز أشكال العنف انتشارا عبر العالم/. و حسب دراسات كثيرة في هذا المضمار، فان أكثر من 95 بالمائة من حالات العنف داخل الأسرة تكون ضد المرأة، من قبل شريكها. و هذا النوع من العنف هو ظاهرة عالمية تتخطى حدود كل المجتمعات و الطبقات الاجتماعية. و مع أن مبادئ حقوق الانسان تؤكد صيانة كرامة الانسان و حقوقه، دون تمييز بسبب الجنس أو الأصل أو اللون أو الدين، الا أن العنف يمارس و للأسف بشكل واسع النطاق من قبل الرجال، متجاهلين ثقافة حقوق الانسان،و متحدين الفكر الانساني، بتقويض القيم و المبادئ الانسانية كالحرية و الحق في الحياة بأمن و سلام و مساواة. فالمعاملة السيئة و الحرمان من التمتع بالحرية و التعذيب كلها دلائل واضحة على سلوك الرجال للعنف ضد النساء. و ان لم نعترف بهذا العنف، فاننا مجبرين على الاعتراف بوجود التمييز ضد المرأة. و هذا التمييز بحد ذاته هو شكل من أشكال العنف، كما بينته الاتفاقية الدولية للقضاء على كل أشكال التمييز ضد المرأة. ففي مادتها الأولى وضحت التمييز على أساس الجنس كالتالي ,, أي استبعاد أو تقييد أو تفرقة على أساس الجنس يكون من نتائجه تهوين أو احباط الاعتراف أو تمتع المرأة بحقوق الانسان المدنية، السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، و الثقافية,, و بممارسة أي طرف أفعالا عنيفة، سيكون هناك حتما بالمقابل ضررا يقع على الطرف المعنف. و يمكن التعرف على نوع الأضرار التي تقع على النساء، من خلال قراءة المادة الأولى في اللاعلان العالمي للقضاء على العنف ضد النساء و الذي يبين فيه القصد من العنف بشكل واضح,, يقصد بالعنف ضد النساء أي فعل عنيف قائم على أساس الجنس ينجم عنه أو يحتمل أن ينجم عنه أذى أو معاناة جسمية أو نفسية للمرأة، بما في ذلك التهديد باقتراف مثل هذا الفعل، أو الاكراه أو الحرمان التعسفي من الحرية، سواء أوقع ذلك في الحياة العامة أو الخاصة,,. و يوضح أيضا في مادته الثانية جوانب أخرى من العنف و منها ما يتعلق بالعنف داخل الأسرة,, أعمال العنف الجسدي و النفسي الذي يقع في اطار الأسرة. بما في ذلك الضرب و الاعتداءات الجنسية ضد الأطفال الاناث في الأسرة و العنف المتصل بالمهد، و الاغتصاب في اطار العلاقة الزوجية، و بتر الأعضاء التناسلية للاناث، و غيره من الممارسات التقليدية المؤذية للمرأة، داخل أو خارج العلاقة الزوجية,,. و يمكن الاستدلال على مظاهر العنف ضد المرأة بأشكال مختلفة و كثيرة في مجتمعاتنا، كالصفع و اللكمات و الضرب بالأرجل، و التي تسبب ألما للنساء، و نفسيا أيضا، خاصة و أن الضرب يحدث شعورا بالمذلة و الاهانة، و يمس بشكل مباشر كرامة الانسان في الصميم. و كذلك سبها، شتمها، اهانتها، البصق عليها، و تحقيرها للحط من قيمتها، و اشعارها بالخجل، و دفعها للانطواء، و جعلها بلا حول و لا قوة، لدرجة فقدانها لثقتها بنفسها، و اكراهها على أشكال غير مرغوبة لديها من الاتصال الجنسي و التي تحدث لها أضرارا نفسية و تهدد علاقتها الزوجية. و أحيانا أخرى يستخدم الرجل سلطته المستبدة و الظالمة، ليفرض عليها العزلة و يمنعها من استمرارها في علاقاتها العائلية و منعها من الاتصال بأناس تربطها بهم روابط الصداقة، و يبقيها محرومة من امكانية الحصول على المساعدات و المعلومات التي يمكن أن تحتاجها من مصادر خارجية. و هكذا للأسف تستمر الحياة بهذا الشكل، و يستمر الرجال بتسلطهم على المرأة، و تستمر معها الكارثة لتسلب المرأة سعادتها، و الطفل فرحته، و من المجتمع أمنه و سلامه و لتعيق تنميته. و أقول المجتمع، لأنه و ان كانت هذه الظاهرة تحدث داخل الأسرة، الا أن آثارها تتعدى حدود العلاقة الزوجية، و تخترق الحدود الجغرافية، لتنعكس في النواحي الاقتصادية و الصحية لجميع أفراد المجتمع. لذلك لا يبقى العنف شأنا خاصا بكل رجل أو بكل أسرة، وانما هو سأن عام يمس الجميع، و لأنه يمس الجميع، يجب أن يهم الجميع، و يهتم به الجميع أيضا. و لأننا نحن الكرد لا نعيش في دولة خاصة بنا، و بالتالي لا نستطيع أن نقنن مواجهة العنف، و لا يمكن لنا أن نضع برامج للقضاء أو على الأقل للحد من آثاره الاجتماعية و النفسية، اذ تكلف ذلك مبالغ طائلة، و كوادر من مختلف الاختصاصات، الا أننا لا يجب أيضا أن نسمح أكثر بتآكل بنية مجتمعاتنا من داخل أسرنا. فاذا كنت أيها الرجل الكريم ممن يؤمنون بمبادئ حقوق الانسان، و مبادئ الديمقراطية،/ و نحن أحوج الى ذلك/، فعليك و من منطلق الايمان أن تعكس ذلك في علاقتك الزوجية، قبل أية علاقة أخرى، و ذلك بأن تكون هذه العلاقة مبنية على الايمان بحرية زوجتك و استقلالها كشخص مثلها مثلك. و ربما لن يكون هذا سهلا عليك، خاصة وأننا،/ كما قلت في البداية/، نتحرك ضمن الخطوط الثقافية و المجتمعية، و التي تحدد لنا اتجاهات السير و تحد من حركتنا اذا ما رغبنا في التجاوز. الا أنه لن يكون بالمستحيل أيضا، فحركة التاريخ لم ولن تتوقف ، و في كل لحظة يحرز فيه الانسان شيئا من التقدم، رغم التحديات و رغم العوائق. و المرأة أيضا تستطيع مشاركة الرجل في هذه المهمة، فالى جانب حفاظها بكل قوة على وحدة أسرتها، وعلاقتها الحميمية مع زوجها،تستطيع أن تلعب دورا فعالا و ايجابيا، و ذلك بأن لا تشجع الرجل على الاستمرار في تصرفاته المستبدة، و تذكره في كل مناسبة بأن استبداده يهدد أمن و سلامة الأسرة، ويحدث آلاما للجميع، و يلحق أضرارا جسيمة بالمجتمع الكردي، خاصة اذا كان شريكها أحد النشطاء السياسيين أو الحقوقيين، و لكن يفترض أن يكون كل ذلك بهدوء و من أجل الاصلاح.أما الطرف الذي يستطيع التأثير بقوة أكبر على الشارع الكردي في هذا الاتجاه فهو المثقف، فلا أحد باستطاعته/ نسبيا / أن يفهم العقد الاجتماعية و أسبابها و ايجاد الحلول لها أكثر منه. لذا أناشد هذا المثقف / المشكور طبعا على خدماته لشعبه / باسم الكرد بأن يكثف من أبحاثه في هذا المجال لنعرف كيف نتغلب على العنف بالهدوء و السلام. بقلم شيرزاد سيد علو.