بحزاني نت
23-06-2005, 16:25
سلمان المرشد حقيقة لا زالت موؤدة
عدنان ديب
إجازة في الحقوق – سورية - اللاذقية
السيد رئيس التحرير تحية طيبة وبعد :
تتعرض الآن العديد من المجلات الالكترونية للحديث عن هذه الشخصية التي عرفها تاريخ سورية في النصف الأول من القرن الماضي ويلاحظ أن هذه المقالات في معظمها تدور في فلك واحد لا تبرحه إذ هي تكرر نفسها من خلال ترديد عدة عبارات تلخص تلك التهم التي أطلقها خصوم هذه الشخصية وروّجوا لها في أربعينات القرن الماضي تلك الأقاويل التي جمعها في كتيب تشهيري شخص لبناني كان يعمل مترجما عند ضباط جيش الاستعمار الفرنسي وغدا هذا الكتيب مرجعا لكل من أراد أن يدلو بدلوه في هذه القضية .
أما وان يتصدى كاتب أو مفكر لها بشيء من الحياد كأن يتناول بالبحث والتحليل حيثيات ذلك القرار القاضي بالإعدام والذي قد يفاجئ القارئ إذا علم أن ذلك القرار لم يأتي على ذكر أي من التهم التي ألف سماعها .
أن يطلع على إفادة الشهود في تلك المحاكمة والتي على صوريتها برأت ساحة سلمان من التهم الملقاة على السن العامة لتدينه في غيرها .
أن يقارن بين إفادات الشهود.
أن يبحث في العوامل الاقتصادية والاجتماعية وأثرها في هذه القضية فهذا لم يحدث حتى الآن.
وسأحاول في هذه السطور أن أقدم صورة موجزة عن هذه الشخصية- بدايات نهضتها-
بعض من جوانبها من فكرية مذهبية إلى اجتماعية و سياسية .
ما خلفية هذا التشهير التاريخي الذي تعرضت له شخصية سلمان وما أسباب اختياره لهذه الحملة فعسى القارئ يستطيع استنتاج بعض جوانب الحقيقة .
والى البدايات:
كانت ولادته عام 1907 وإذ كان الفقر والجهل لسان حال الشعوب الواقعة تحت الحكم العثماني حينها فقد كان هذا الواقع على أمره في تلك المنطقة الجبلية بسبب تضافر الظروف التاريخية و الجغرافية على تكريس هذه المرارة .
لم يكن وريثا لوجاهة اجتماعية أو دينية بل كان ابنا لفرد من عامة الناس فنهضته ابتدأت من نفسه وفي سن مبكرة من سني حياته حيث كان على أعتاب شبابه و كان هذا شيئا غير مألوف في معايير ذلك الزمان أي أن يتكلم فتى في مثل هذا السن أو هذا المنشأ بفقه الأخلاق الروحية وبحديث كان من النوع الذي قد طمس في لجة التوهمات الخاطئة والاعتقادات الدخيلة على مذهبهم من فلسفية وغيرها . ولعل هذه الاعتبارات الثلاثة أي سن الفتوة , الأصل غير الديني , الطابع الجديد لحديثه الروحي, كانت السبب في استثارة انتباه الناس إليه وحركت حوله التساؤلات التي تناقلتها الألسن وتنادى لسماعها أبناء عشيرته التي تناثرت أطرافها في محافظات اللاذقية حمص حماه ووصل انتشار عوائلها إلى قرى حوران والجولان هذه العشيرة المتواجدة بين ظهراني العشائر العلوية والتي تختلف معها في كثير من الأمور المذهبية ولها شيوخها الخاصين بها .
أثار هذا الالتفاف حوله انتباه الفرنسيين إليه ووصلت أسماعهم بعض من كلماته و آرائه في تلك السلطة المحتلة فدعي للتحقيق في مركز القضاء وتعرض خلال ذلك للضرب و العذاب ومن ثم للسجن في اللاذقية لمدة ستة أشهر ثم نفوه إلى الرقة لمدة سنتان وذلك في سنة 1925 لتفرض عليه الإقامة الإجبارية في قريته بعد النفي لست سنوات متتالية.
باشر بعد العودة من النفي نهضته التي كان قد ابتدأها والتي لم تسمح الظروف وقتها أن تأخذ شكلا منهجيا منظما بل كانت اقرب إلى التلقائية العفوية فمن لفت نظر إلى اعتقاد خاطئ هنا إلى تصويب هناك إلى مبادرات اقتضاها واقع الحال إلى أحاديث استدرتها قعداته معهم وسأورد صورة عن تلك النهضة مبتدئا بالجانب الفكري المذهبي أولا بادئا بمبادرته المتمثلة في محاولة إعادة الاعتبار إلى سلك المشايخ الذي كانت الوراثة و الجهل قد أوصلاه حالة من التهدم فعمل سلمان على إدخال عنصر الأهلية إليه وذلك من خلال اختبار اجري عام 1935 حددت مواضيعه مسبقا وأعطيت الفترة الكافية للمراجعة و الدرس وسمح لمن أراد من المشايخ و أولادهم بالتقدم إلى ذلك الاختبار و انتدبت لجنة مؤلفة من ثلاثة من كبار العلماء المشهود لهم من الجميع يؤدون الاختبار أمامها ورتب الناجحون إلى درجات ولكل درجة الحق في ممارسة الأمور المذهبية التي تتفق وأهليتها ونقل لنا الذين عاصروا تلك الفترة كيف أعاد ذلك الاختبار الاحترام والثقة بذلك السلك وتتابعت عملية التقويم إذ كان قد استقر في أذهان تلك العشيرة تصور مذهبي قضى على كل حيوية ورأوا معه أن كل الأعلام الذين جاءوا دنيا البشر جاؤوها كأنوار تترأى لأعين الناس لا حقائق إنسانية تعاني و تتألم في سبيل ما أمنت به لتبرز عظمتها من خلال تلك المعانات فأنكر عليهم ذلك التصور مبينا لهم أن عظمة هؤلاء بما قدموا وضحوا وكان يعيب على شيوخ عشيرته تنكرهم لتضحيات أعلام التاريخ الإنساني كما نظروا إلى كل عمل أمر الله به في رسائله للناس نظرة قضت على ما أبقاه تصورهم السابق من حس بالحيوية إذ قالوا أن القيمة ليست بطبيعة العمل بل في جوهره أو حقيقته وجعلوا لكل منها جوهرا هو احد الشخصيات المقدسة عندهم وغالطوا أنفسهم قائلين :"من عرف جوهر الشيء استغنى عن مظهره" فأنكر عليهم هذا التصور ومن كلماته في هذا الموضوع " يا مشايخ ما متصحّوا بهالتشخيص كتبكم تقول كذا لا كما تقولون " .
كما كان هؤلاء قد أملوا على أنفسهم كل التحريمات التي عرفها أصحاب الأديان السابقة من سماوية وغيرها كما اخذوا بكل الأعياد التي عرفتها الشعوب التي مرت بهذه المنطقة من فارسية ومسيحية وغيرها وطبيعي أن كثرة الأعياد تلقى الترويج من قبل المشايخ حيث حللوا لأنفسهم دون العامة ما تأتيه منافع الزكاة فأنكر عليهم ذلك وكلمته المنشودة في هذا الموقع " دينّا مانو دين احتكار " كما أعادهم إلى الأعياد المعروفة بأصلها الإسلامي الصحيح هذه بعض من جوانب حركته في هذا المجال والتي لم تأخذ شكل أوامر و نواهي بل كما ذكرنا كانت اقرب إلى العفوية. وسفينة هذه الحركة لم تسر على مياه هادئة بل وقف في وجهها كل ما اعتادوه من أعراف و مسلمات و شيوخ أودى اختبار الأهلية المذكور بمزاياهم ووجوه أثقلتهم الوراثة عن التجاوب مع هذه الحركة الوليدة وكما شكل هؤلاء رأس الحربة التي اعتمدها خصوم سلمان لاحقا في افتعال الفتن و ترويج الإشاعات فقد أنتجت بالمقابل عاديون و شيوخ و وجهاء انسوا لها أحبوها وعانوا من اجلها .
ولنأتي إلى الجانب الاجتماعي حيث كان أبناء عشيرته تعودوا أن يروا المتنطحين للوجاهة المذهبية و الاجتماعية عابسي الوجوه حال هذه الفئة عند كل البشر وورثوا كل سوداوية الشعوب المغلوبة على أمرها من انغلاق عن الغير- اتكالية في العيش- النظرة إلى الطرف الآخر على انه بعبع مرعب لا سبيل إلى الخلاص منه وتوجهوا بتوا كليتهم إلى الله أن يمحق لهم ذلك البعبع وأخيرا لجأوا إلى التقية مذهبا يعفون أنفسهم أمام أنفسهم عما هم فيه وهم الآن مدعوون لحياة مغايرة تماما عما هم عليه فالزعيم الناهض شاب لطيف في طباعه وله معهم انطلاقة في المرح لا يجاريها إلا انطلاقته في الجد حين يدعو داعية. لا مكان في حضرته لمتكلف في قول أو عمل كما كان اؤلئك المتجلببون بمسوح التقوى من بهللة و دروشة ابعد الناس عن حضرته و فوق هذا فأتباعه مدعوون للاعتزاز بالمذهب و المجاهرة به إلى نبذ التلون إلى صراحة الخلق و الطباع تلك الصراحة التي انس لها حتى خصومه وعلى سبيل المثال طلب منه الجابري يوما أن يقول رأيه به وعندما تردد سلمان في إجابة الطلب بقوله "اتركا هلق " قال الجابري: " الآخرون يتملقونني " وأنت تقول رأيك بصراحة , فجاءه الجواب " أنت لئيم على بشاشة يا سعد الله " فضحك الأخر لهذه الصراحة .
وإذا كانت الظروف لم تسمح بإقامة حركة تعليمية حينها تساعد على تجاوز ذلك التشوه العقلي و الخلقي الذي خلفته عصور الاضطهاد كتلك الحركة التي جاءت بعد خمسين عام من ذلك التاريخ عندما أعطى مربي الأجيال المرشدية في نهاية السبعينيات هذه الظاهرة ما تستحقه من اهتمام من خلال عدة محاضرات فكرية ساعدت من استوعبها على التخلي عن تلك العقلية إذ لم تسمح الظروف بقيام هذه الحركة مع سلمان غير أنه بمواجهته لمريديه بتلك الصفات زرع بهم بزره الانفتاح المطلوب وقد يبدو في هذا القول شيء من المغالاة خاصة وأننا نتكلم عن حقبة تعوّد أبناؤها على وجاهات تنشأ بالوراثة تتمتع بالغنم دون الغرم لا زعامة تنهض بحق أتباعها بالحياة الحرة الكريمة و الناهض يعلم أن حركته ستؤدي به إلى حبل المشنقة كما هو الحال مع سلمان .
وكما كان حاله مع القريب القريب كان كذلك مع البعيد فبعد عودته من النفي دخل الحياة السياسية ممثلا لعشيرته في البرلمان و امتدت يده بالصداقة والتعاون إلى كافة أطياف الشعب السوري وتوافد لزيارة بيته في الجوبة العديد من وجهاء اللاذقية وحمص و تعازموه إلى بيوتهم وبقي الكثير منهم خارج عشيرته على مودتهم له رغم حملات الاتهام والتشهير وكادت في فترة العشرينيات و الثلاثينات أن تتلاشى تلك القطيعة التاريخية بين الجبل والمدينة وذلك لكون دولة الاحتلال الجديدة لم تفرق في اضطهادها بين أبناء المدينة وأبناء الجبل وأشير في ختام هذا الحديث الموجز عن هذه الانطلاقة الاجتماعية إلى انه على يديه افتتحت أولى المدارس في ذلك الجبل في قريته و قرى غيرها كما عرفت شعاب ذلك الجبل الموحش أول طريق للسيارات ربط بين الغاب و الساحل عبر جبل الشعرة وكانت حملات التلقيح لأطفال جماعته تنطلق من بيته بالتحديد وبإشراف و مشاركة هذا البيت وهذه الأمور الثلاثة تبدو في منظارنا الحالي أمورا عادية أما حين نضعها في سياقها التاريخي أي في ثلاثينيات القرن الماضي حيث الأمية المطبقة و الشعوذة هي السبيل الوحيد الذي كان متبعا لعلاج سائر الأمراض في سائر أنحاء الريف السوري و الماشي في تلك الجبال يحتاج إلى عصا كي يتوكأ عليها مخافة السقوط عندها لا يسع القارئ إلا أن يعترف بما لصاحب هذه الأعمال من أيادي بيضاء .
أما لماذا أثيرت حول اسمه هذه الضجة وتعرض لهذه الحملة من التشهير و الافتراءات فصودرت الأعمال وزورت المواقف واستبدلت الهوية فصّور ذلك الذي تورمت قدماه وهو يسير مشيا أمام شرطة الاحتلال من ميناء الاسكندرونة إلى منفاه في الرقة الذي لم يتبوأ أي من إفراد عشيرته منصبا واحدا في إدارة الاحتلال وما حدث موقف استدعى التعبير عن رفض هذه السلطة بقول أو عمل إلا ومارسه وقد ذكرنا تلك السنوات التسع من السجن والنفي و الإقامة الإجبارية و معاصروه نقلوا إلينا عبارته المشهورة في تلك الفترة :"أكبر خيانة هي خيانة الأمة " والعديد من أصحاب الضمائر الحية الذين وضعتهم وظائفهم في صف خصوم سلمان وقتها أثبتت شهاداتهم في جلسات تلك المحاكمة بعضا من مواقفه خاصة عندما أعطت اتفاقيات الجلاء متطوعي جيش الاحتلال الحق في ترك الخدمة أو الالتحاق بالجيش الوطني وبعد أن خابت جهود العديد من الوجهاء في إقناعهم بالالتحاق بالجيش الوطني قام سلمان بالنزول إلى ثكنات ذلك الجيش بصفته زعيما موثوقا بكلمته وقد تناقل العديد منهم عبارته :"امبلي و بيّي بتلتحقو يجيش البلاد وما بيصير عليكم شي " ونزل الكثير منهم عند رغبة سلمان مع أن عدد أفراد عشيرته كان غير ذي شان في ذلك الجيش وكذلك تناقلت صحف دمشق في تلك الفترة تصريح سلمان الداعم للحكومة عندما قامت سلطة الاحتلال بقصف العاصمة و البرلمان وتصريحه هو التالي:" بالرغم مما حصل بيننا وبين الحكومة فإنني أضع إمكانياتي وشعبي تحت تصرفها حتى انفراج الأزمة " واخص من أصحاب تلك الضمائر الحية الذين ذكروا تلك الوقائع المرحومين احمد السياف مدير الريجه وقتها وممثل الحكومة بالتفاوض مع سلمان و الأمير عبد الله التامر مدير منطقة الحفة التي كانت الجوبة تابعة لها ذلك الزمان وحتى شهادة قائد الدرك محمد علي عزمت لم تبتعد كثيرا عن هذا المنحى وأخيرا صّور صاحب هذه المبادرات و المواقف عميلا و خائنا يقود عصابة من متمردين وحوكم بهذه التهمة الأخيرة و بها أدين ولا أدلّ على الخلفية السياسية لقرار الإعدام من تلك الأيام الثلاثة فقط بين صدوره وتصديقه من رئيس الجمهورية و تنفيذه .
بداية القصة ونهايتها أن مفردات الوطنية ومفهومها كانا عنده على تناقض صارخ مع مفهوم ومفردات وطنية كبار الملاكين و المتنفذين كانت عنده كما أملاها عليه موقعه الذي انتدب نفسه له زعيما شابا ناهضا بحق أبناء عشيرته بالعزة و الكرامة وطبيعي أن تجد هذه الصيحة تجاوبا عند من كانوا أقنان الأرض في محافظات اللاذقية وحمص وحماه وطبيعي أيضا أن تقف لهم بالمرصاد وطنية أسيادهم المتمثلة بالحفاظ على المصالح الموروثة بحق الأرومة فقط وأشير هنا إلى أن انتخابات عام 1938 التي جرت للاستفتاء على عودة الساحل السوري إلى الوطن الأم من عدمها وما أفرزته من نتائج هي التي أنهت ذلك التعايش السلمي بين الجبل بزعامة سلمان و المدينة بزعامة ملاكيها ذلك التعايش الذي استمر أكثر من عقد من الزمن – لم يتطرق احد خلالها إلى وطنية سلمان أو يشير إلى ادعاء الإلوهية – خاض سلمان هذه الانتخابات في صفوف القائمة الوحدوية المناهضة للقائمة الانفصالية المدعومة من فرنسا وجرى تشكيل تلك القائمة بعهود مكتوبة قطع الموقعين عليها على أنفسهم عهد الشرف و الدين على قيام وحدة وطنية لا تمايز طبقي بين الطوائف غير انه بعد النجاح تغلبت المصلحة الشخصية على تلك العهود واستأثر من اسموا أنفسهم الكتلة الوطنية بكافة المناصب مستبعدين زملائهم ممثلي الجبل بل وأنهم أشركوا بعض وجوه القائمة الانفصالية بالغنيمة ثار سلمان على هذه الإيثاريّة كما ثار عليها الكثير من الشرفاء في سورية وقد بلغت الاحتجاجات على تصرفات تلك الطبقة في الجزيرة السورية وجبل العرب حد العنف المسلح .
عندها وعلى ما يبدو استشعر أرباب المصالح الخطر وقرروا القيام بضربة وقائية تنهي هذا التيار المتمرد في مهده وتعطي درسا لمن تسول له نفسه بالعودة لمثلها أما ما هي أسباب اختيارهم لسلمان ليكون هدفا لهذه الضربة - مع أن متنفذي تلك الفترة حاولوا إعادة الكرة مع غيره من زعماء سوريا وأحرارها وبطرق مغايرة - فانه كان لاختيار سلمان لتلك الحملة في رأيي أسباب تتلخص في انه الأكثر صلابة في مجابهة ذلك النفوذ الإقطاعي الظالم حيث دخل في مجابهات مع القائمين على قمة ذلك الهرم دون حساب للعواقب ورأوا به شخصية مؤهلة للتأثير حتى خارج حدود عشيرته ولا يمكن احتوائه بالوعود و الوعيد وهنالك سبب آخر على ما أظن يقف على رأس هذه الأسباب وهو أن سلمان وأتباعه كانوا الوحيدين الذين ليس لهم أي امتداد أو غطاء إقليمي أو دولي بدليل أننا خلال فترة الاضطهاد التي استمرت عدة عقود من بداية الأربعينيات حتى نهاية الستينيات لم نسمع صوتا واحدا يحتج على سلسلة المظالم وذلك على تعدد الوجوه التي عرفتها الساحة السورية في تلك الفترة والمعلوم أن تلك الوجوه وتلك الانقلابات لم تكن سوى صدى لتجاذب مصالح الدول الأخرى الإقليمية و الدولية .
وهكذا فمنذ بداية عام 1942 عمد خصوم سلمان إلى إيقافه إقامة إجبارية في دمشق مدة عشرون شهرا متتالية وكان لا يزال نائبا في البرلمان وتفرغوا خلال تلك الفترة لإثارة الفتن و افتعال أسباب الخلاف وأطلقوا يد شرطتهم للتدخل ضد قرى جماعة سلمان تدخلا وصل حد الهجمات الدموية في كثير من القرى مثل قرية الفاخورة التي لا تبعد أكثر من عشرة كيلو مترات عن الجوبة تلك القرية التي قضى بها عدد من الأبرياء بعضهم قضى حرقا علي يد تلك السلطة وكذلك في قرى : اسطامو – خربة السنديان – بعض قرى سهل الغاب و افتعلوا الخلاف حتى في الجوبة نفسها ولابد من الإشارة إلى أن تلك السلطة كانت سلطة احتلال وليست سلطة استقلال وبيان ذلك أن سورية كانت تخضع لسلطة دولتان أجنبيتان هما فرنسا و بريطانيا التي كان جيشهما يحكم قبضته على بلادنا بحكم خوض ذلك الجيش غمار الحرب العالمية الثانية كما هو معلوم فهل يمكن أن تكون هناك حكومة على هذا الواقع أكثر من جسد استعماري بأطراف وطنية ومع حملات الاعتداءات تصاعدت حملات التشهير بواسطة الصحف المملوكة لكبار الملاك في المحافظات و العاصمة وأبواق دعاية أخرى حيث لم يفت خصوم سلمان التلويح ببعض الأوراق الصفراء يستثيرون بها حمية العامة الدينية كما استثاروا حميتهم الوطنية وكما كانت الشعوبية و الزندقة وغيرها من التهم السلاح الذي فتك به الحاكمون بكل أحرار الشرق الإسلامي فقد أطلقوا أبواقهم تتهم سلمان بادعاء الإلوهية في حين أن الحمية الدينية لأصحاب الأطيان المترامية لم تتحرك عندما الجأ الجوع و الفقر في تلك الفترة نفسها العديد من أبناء الساحل السوري على مقايضة الدين بلقمة العيش وذلك على يد البعثات التبشيرية وفي ظل تلك السلطة .
و في عام 1945 كان قد وصل عدد مذكرات التوقيف بحق سلمان وأفراد بيته و المعروفين في شعبه 1200 مذكرة استندت إلى تلك الفتن التي افتعلها خصومه وذكر بعض منها وعندما وجدوا أنفسهم بمواجهة مواقفه الوطنية إبّان محنة البلاد أواخر الاحتلال والتي اشرنا إليها وجدوا أنفسهم مضطرين أمام هذه المواقف وأمام قسم من الرأي العام المحلي الذي سمع بها , أن يلجأوا إلى الدهاء لإخراج الفصل الأخير من مسرحية الخلاص منه خاصة وان عددا لا باس به من الوجوه السياسية كان قد استطاع التحرر من قيود العقلية القديمة و رأى أن الاستقلال لا يمكن أن يستقر في ظل الأعراف الطبقية الإقطاعية السائدة ولم يرق لهم أن يروا دماء المواطنين تهرق مع بدايات الاستقلال فسعى بعض هذا النفر الطيب للصلح بين سلمان وأقطاب الحكم فتظاهر الآخرون بالقبول وعينوا ممثلا عنهم المذكور سابقا المرحوم احمد السياف وطلبوا من سلمان أن يعين من يمثله في هذه العملية فكان ابنه البكر محمد الفاتح وكان الاتفاق على أن يصدر عفو عام من رئاسة الجمهورية عن مذكرات التوقيف المذكورة وان يتم التعويض للمتضررين وهذه التسوية البدائية اتفق عليها بعهد شرف قطعه وزير الداخلية باسم رئيس الجمهورية غير أن الذي حدث أنهم اتخذوا التفاوض وسيلة لاستكمال الخطة فقدموا عرضا عرفوا أن سلمان سيرفضه مسبقا وهو أن يتم العفو عنه وأفراد بيته وتبقى مذكرات التوقيف بحق بقية أفراد شعبه فرفض هذا العرض وتابعوا إكمال المسرحية باستبدال محافظ اللاذقية السيد مظهر رسلان باشا والذي كان يمثل عينة من اؤلئك الذين نظروا إلى الوطنية و الاستقلال بفكر واعي استبدلوه بآخر يمشي في ركابهم ومعه تعليماتهم بتهيئة الجو الاجتماعي في الساحل لقبول الحملة المتوقعة ومن ثم أرسلوا ماوسعهم من وحدات الجيش مدعومة بالعديد من المصفحات وأحاطوا الجوبة من جهات الساحل و جهات صلنفة وحتى هذا الحشد العسكري برروه بأسباب سلمية يطول شرحها الآن غير أن الأمر كان مكشوفا لنظر سلمان قبل أن يكون مكشوفا للكثير حتى من هم في صف خصومه , و القريبون منه في تلك الفترة نقلوا إلينا عبارته لهم عندما ابدوا استغرابهم من لا مبالاته بتلك الحشود وعدم استعداده لها " هني بدن هنا وان ظفروا بي تركوكم انتم " وهذا ما فعله إذ جنّب جماعته فتك تلك الحملة فلم يأذن بقتال بل فدى شعبه بنفسه فعل الأب العطوف وكانت المحاكمة و الإعدام وكانت عبارته لوزير الداخلية الذي جاء يحضر تلك الواقعة " أهذا عهد الشرف عندكم يا صبري ؟ " فصمت الأخير ولم يجب .
وبعدها غدا قادة تلك الوحدات التي حاصرت الجوبة والذين اخضع بهم المستعمر سابقا كل حركات التحرر في سوريا صاروا حكام المستقبل وتابعوا اضطهاد اسم سلمان و جماعته وتعميم الاتهامات وترويجها وظهرت تلك المقولة التاريخية " زعمائكم في الجاهلية زعمائكم في الإسلام بشكل آخر هو جلاديكم زمن الاحتلال جلاديكم زمن الاستقلال "
والغريب في هذا الموضوع أن معظم تلك الفئة حكام الأربعينيات و الخمسينيات صاروا محط كل الاتهامات القومية و الاجتماعية في بلادنا والعديد منهم عاش أيامه الأخيرة في السجون أو المنافي تلاحقه تلك الانتكاسات القومية والاجتماعية ومع ذلك فقد ظلت هذه الفرية التي أخرجوها بحق سلمان على حالها قديمة جديدة لم تتغير .
عدنان ديب
إجازة في الحقوق – سورية - اللاذقية
السيد رئيس التحرير تحية طيبة وبعد :
تتعرض الآن العديد من المجلات الالكترونية للحديث عن هذه الشخصية التي عرفها تاريخ سورية في النصف الأول من القرن الماضي ويلاحظ أن هذه المقالات في معظمها تدور في فلك واحد لا تبرحه إذ هي تكرر نفسها من خلال ترديد عدة عبارات تلخص تلك التهم التي أطلقها خصوم هذه الشخصية وروّجوا لها في أربعينات القرن الماضي تلك الأقاويل التي جمعها في كتيب تشهيري شخص لبناني كان يعمل مترجما عند ضباط جيش الاستعمار الفرنسي وغدا هذا الكتيب مرجعا لكل من أراد أن يدلو بدلوه في هذه القضية .
أما وان يتصدى كاتب أو مفكر لها بشيء من الحياد كأن يتناول بالبحث والتحليل حيثيات ذلك القرار القاضي بالإعدام والذي قد يفاجئ القارئ إذا علم أن ذلك القرار لم يأتي على ذكر أي من التهم التي ألف سماعها .
أن يطلع على إفادة الشهود في تلك المحاكمة والتي على صوريتها برأت ساحة سلمان من التهم الملقاة على السن العامة لتدينه في غيرها .
أن يقارن بين إفادات الشهود.
أن يبحث في العوامل الاقتصادية والاجتماعية وأثرها في هذه القضية فهذا لم يحدث حتى الآن.
وسأحاول في هذه السطور أن أقدم صورة موجزة عن هذه الشخصية- بدايات نهضتها-
بعض من جوانبها من فكرية مذهبية إلى اجتماعية و سياسية .
ما خلفية هذا التشهير التاريخي الذي تعرضت له شخصية سلمان وما أسباب اختياره لهذه الحملة فعسى القارئ يستطيع استنتاج بعض جوانب الحقيقة .
والى البدايات:
كانت ولادته عام 1907 وإذ كان الفقر والجهل لسان حال الشعوب الواقعة تحت الحكم العثماني حينها فقد كان هذا الواقع على أمره في تلك المنطقة الجبلية بسبب تضافر الظروف التاريخية و الجغرافية على تكريس هذه المرارة .
لم يكن وريثا لوجاهة اجتماعية أو دينية بل كان ابنا لفرد من عامة الناس فنهضته ابتدأت من نفسه وفي سن مبكرة من سني حياته حيث كان على أعتاب شبابه و كان هذا شيئا غير مألوف في معايير ذلك الزمان أي أن يتكلم فتى في مثل هذا السن أو هذا المنشأ بفقه الأخلاق الروحية وبحديث كان من النوع الذي قد طمس في لجة التوهمات الخاطئة والاعتقادات الدخيلة على مذهبهم من فلسفية وغيرها . ولعل هذه الاعتبارات الثلاثة أي سن الفتوة , الأصل غير الديني , الطابع الجديد لحديثه الروحي, كانت السبب في استثارة انتباه الناس إليه وحركت حوله التساؤلات التي تناقلتها الألسن وتنادى لسماعها أبناء عشيرته التي تناثرت أطرافها في محافظات اللاذقية حمص حماه ووصل انتشار عوائلها إلى قرى حوران والجولان هذه العشيرة المتواجدة بين ظهراني العشائر العلوية والتي تختلف معها في كثير من الأمور المذهبية ولها شيوخها الخاصين بها .
أثار هذا الالتفاف حوله انتباه الفرنسيين إليه ووصلت أسماعهم بعض من كلماته و آرائه في تلك السلطة المحتلة فدعي للتحقيق في مركز القضاء وتعرض خلال ذلك للضرب و العذاب ومن ثم للسجن في اللاذقية لمدة ستة أشهر ثم نفوه إلى الرقة لمدة سنتان وذلك في سنة 1925 لتفرض عليه الإقامة الإجبارية في قريته بعد النفي لست سنوات متتالية.
باشر بعد العودة من النفي نهضته التي كان قد ابتدأها والتي لم تسمح الظروف وقتها أن تأخذ شكلا منهجيا منظما بل كانت اقرب إلى التلقائية العفوية فمن لفت نظر إلى اعتقاد خاطئ هنا إلى تصويب هناك إلى مبادرات اقتضاها واقع الحال إلى أحاديث استدرتها قعداته معهم وسأورد صورة عن تلك النهضة مبتدئا بالجانب الفكري المذهبي أولا بادئا بمبادرته المتمثلة في محاولة إعادة الاعتبار إلى سلك المشايخ الذي كانت الوراثة و الجهل قد أوصلاه حالة من التهدم فعمل سلمان على إدخال عنصر الأهلية إليه وذلك من خلال اختبار اجري عام 1935 حددت مواضيعه مسبقا وأعطيت الفترة الكافية للمراجعة و الدرس وسمح لمن أراد من المشايخ و أولادهم بالتقدم إلى ذلك الاختبار و انتدبت لجنة مؤلفة من ثلاثة من كبار العلماء المشهود لهم من الجميع يؤدون الاختبار أمامها ورتب الناجحون إلى درجات ولكل درجة الحق في ممارسة الأمور المذهبية التي تتفق وأهليتها ونقل لنا الذين عاصروا تلك الفترة كيف أعاد ذلك الاختبار الاحترام والثقة بذلك السلك وتتابعت عملية التقويم إذ كان قد استقر في أذهان تلك العشيرة تصور مذهبي قضى على كل حيوية ورأوا معه أن كل الأعلام الذين جاءوا دنيا البشر جاؤوها كأنوار تترأى لأعين الناس لا حقائق إنسانية تعاني و تتألم في سبيل ما أمنت به لتبرز عظمتها من خلال تلك المعانات فأنكر عليهم ذلك التصور مبينا لهم أن عظمة هؤلاء بما قدموا وضحوا وكان يعيب على شيوخ عشيرته تنكرهم لتضحيات أعلام التاريخ الإنساني كما نظروا إلى كل عمل أمر الله به في رسائله للناس نظرة قضت على ما أبقاه تصورهم السابق من حس بالحيوية إذ قالوا أن القيمة ليست بطبيعة العمل بل في جوهره أو حقيقته وجعلوا لكل منها جوهرا هو احد الشخصيات المقدسة عندهم وغالطوا أنفسهم قائلين :"من عرف جوهر الشيء استغنى عن مظهره" فأنكر عليهم هذا التصور ومن كلماته في هذا الموضوع " يا مشايخ ما متصحّوا بهالتشخيص كتبكم تقول كذا لا كما تقولون " .
كما كان هؤلاء قد أملوا على أنفسهم كل التحريمات التي عرفها أصحاب الأديان السابقة من سماوية وغيرها كما اخذوا بكل الأعياد التي عرفتها الشعوب التي مرت بهذه المنطقة من فارسية ومسيحية وغيرها وطبيعي أن كثرة الأعياد تلقى الترويج من قبل المشايخ حيث حللوا لأنفسهم دون العامة ما تأتيه منافع الزكاة فأنكر عليهم ذلك وكلمته المنشودة في هذا الموقع " دينّا مانو دين احتكار " كما أعادهم إلى الأعياد المعروفة بأصلها الإسلامي الصحيح هذه بعض من جوانب حركته في هذا المجال والتي لم تأخذ شكل أوامر و نواهي بل كما ذكرنا كانت اقرب إلى العفوية. وسفينة هذه الحركة لم تسر على مياه هادئة بل وقف في وجهها كل ما اعتادوه من أعراف و مسلمات و شيوخ أودى اختبار الأهلية المذكور بمزاياهم ووجوه أثقلتهم الوراثة عن التجاوب مع هذه الحركة الوليدة وكما شكل هؤلاء رأس الحربة التي اعتمدها خصوم سلمان لاحقا في افتعال الفتن و ترويج الإشاعات فقد أنتجت بالمقابل عاديون و شيوخ و وجهاء انسوا لها أحبوها وعانوا من اجلها .
ولنأتي إلى الجانب الاجتماعي حيث كان أبناء عشيرته تعودوا أن يروا المتنطحين للوجاهة المذهبية و الاجتماعية عابسي الوجوه حال هذه الفئة عند كل البشر وورثوا كل سوداوية الشعوب المغلوبة على أمرها من انغلاق عن الغير- اتكالية في العيش- النظرة إلى الطرف الآخر على انه بعبع مرعب لا سبيل إلى الخلاص منه وتوجهوا بتوا كليتهم إلى الله أن يمحق لهم ذلك البعبع وأخيرا لجأوا إلى التقية مذهبا يعفون أنفسهم أمام أنفسهم عما هم فيه وهم الآن مدعوون لحياة مغايرة تماما عما هم عليه فالزعيم الناهض شاب لطيف في طباعه وله معهم انطلاقة في المرح لا يجاريها إلا انطلاقته في الجد حين يدعو داعية. لا مكان في حضرته لمتكلف في قول أو عمل كما كان اؤلئك المتجلببون بمسوح التقوى من بهللة و دروشة ابعد الناس عن حضرته و فوق هذا فأتباعه مدعوون للاعتزاز بالمذهب و المجاهرة به إلى نبذ التلون إلى صراحة الخلق و الطباع تلك الصراحة التي انس لها حتى خصومه وعلى سبيل المثال طلب منه الجابري يوما أن يقول رأيه به وعندما تردد سلمان في إجابة الطلب بقوله "اتركا هلق " قال الجابري: " الآخرون يتملقونني " وأنت تقول رأيك بصراحة , فجاءه الجواب " أنت لئيم على بشاشة يا سعد الله " فضحك الأخر لهذه الصراحة .
وإذا كانت الظروف لم تسمح بإقامة حركة تعليمية حينها تساعد على تجاوز ذلك التشوه العقلي و الخلقي الذي خلفته عصور الاضطهاد كتلك الحركة التي جاءت بعد خمسين عام من ذلك التاريخ عندما أعطى مربي الأجيال المرشدية في نهاية السبعينيات هذه الظاهرة ما تستحقه من اهتمام من خلال عدة محاضرات فكرية ساعدت من استوعبها على التخلي عن تلك العقلية إذ لم تسمح الظروف بقيام هذه الحركة مع سلمان غير أنه بمواجهته لمريديه بتلك الصفات زرع بهم بزره الانفتاح المطلوب وقد يبدو في هذا القول شيء من المغالاة خاصة وأننا نتكلم عن حقبة تعوّد أبناؤها على وجاهات تنشأ بالوراثة تتمتع بالغنم دون الغرم لا زعامة تنهض بحق أتباعها بالحياة الحرة الكريمة و الناهض يعلم أن حركته ستؤدي به إلى حبل المشنقة كما هو الحال مع سلمان .
وكما كان حاله مع القريب القريب كان كذلك مع البعيد فبعد عودته من النفي دخل الحياة السياسية ممثلا لعشيرته في البرلمان و امتدت يده بالصداقة والتعاون إلى كافة أطياف الشعب السوري وتوافد لزيارة بيته في الجوبة العديد من وجهاء اللاذقية وحمص و تعازموه إلى بيوتهم وبقي الكثير منهم خارج عشيرته على مودتهم له رغم حملات الاتهام والتشهير وكادت في فترة العشرينيات و الثلاثينات أن تتلاشى تلك القطيعة التاريخية بين الجبل والمدينة وذلك لكون دولة الاحتلال الجديدة لم تفرق في اضطهادها بين أبناء المدينة وأبناء الجبل وأشير في ختام هذا الحديث الموجز عن هذه الانطلاقة الاجتماعية إلى انه على يديه افتتحت أولى المدارس في ذلك الجبل في قريته و قرى غيرها كما عرفت شعاب ذلك الجبل الموحش أول طريق للسيارات ربط بين الغاب و الساحل عبر جبل الشعرة وكانت حملات التلقيح لأطفال جماعته تنطلق من بيته بالتحديد وبإشراف و مشاركة هذا البيت وهذه الأمور الثلاثة تبدو في منظارنا الحالي أمورا عادية أما حين نضعها في سياقها التاريخي أي في ثلاثينيات القرن الماضي حيث الأمية المطبقة و الشعوذة هي السبيل الوحيد الذي كان متبعا لعلاج سائر الأمراض في سائر أنحاء الريف السوري و الماشي في تلك الجبال يحتاج إلى عصا كي يتوكأ عليها مخافة السقوط عندها لا يسع القارئ إلا أن يعترف بما لصاحب هذه الأعمال من أيادي بيضاء .
أما لماذا أثيرت حول اسمه هذه الضجة وتعرض لهذه الحملة من التشهير و الافتراءات فصودرت الأعمال وزورت المواقف واستبدلت الهوية فصّور ذلك الذي تورمت قدماه وهو يسير مشيا أمام شرطة الاحتلال من ميناء الاسكندرونة إلى منفاه في الرقة الذي لم يتبوأ أي من إفراد عشيرته منصبا واحدا في إدارة الاحتلال وما حدث موقف استدعى التعبير عن رفض هذه السلطة بقول أو عمل إلا ومارسه وقد ذكرنا تلك السنوات التسع من السجن والنفي و الإقامة الإجبارية و معاصروه نقلوا إلينا عبارته المشهورة في تلك الفترة :"أكبر خيانة هي خيانة الأمة " والعديد من أصحاب الضمائر الحية الذين وضعتهم وظائفهم في صف خصوم سلمان وقتها أثبتت شهاداتهم في جلسات تلك المحاكمة بعضا من مواقفه خاصة عندما أعطت اتفاقيات الجلاء متطوعي جيش الاحتلال الحق في ترك الخدمة أو الالتحاق بالجيش الوطني وبعد أن خابت جهود العديد من الوجهاء في إقناعهم بالالتحاق بالجيش الوطني قام سلمان بالنزول إلى ثكنات ذلك الجيش بصفته زعيما موثوقا بكلمته وقد تناقل العديد منهم عبارته :"امبلي و بيّي بتلتحقو يجيش البلاد وما بيصير عليكم شي " ونزل الكثير منهم عند رغبة سلمان مع أن عدد أفراد عشيرته كان غير ذي شان في ذلك الجيش وكذلك تناقلت صحف دمشق في تلك الفترة تصريح سلمان الداعم للحكومة عندما قامت سلطة الاحتلال بقصف العاصمة و البرلمان وتصريحه هو التالي:" بالرغم مما حصل بيننا وبين الحكومة فإنني أضع إمكانياتي وشعبي تحت تصرفها حتى انفراج الأزمة " واخص من أصحاب تلك الضمائر الحية الذين ذكروا تلك الوقائع المرحومين احمد السياف مدير الريجه وقتها وممثل الحكومة بالتفاوض مع سلمان و الأمير عبد الله التامر مدير منطقة الحفة التي كانت الجوبة تابعة لها ذلك الزمان وحتى شهادة قائد الدرك محمد علي عزمت لم تبتعد كثيرا عن هذا المنحى وأخيرا صّور صاحب هذه المبادرات و المواقف عميلا و خائنا يقود عصابة من متمردين وحوكم بهذه التهمة الأخيرة و بها أدين ولا أدلّ على الخلفية السياسية لقرار الإعدام من تلك الأيام الثلاثة فقط بين صدوره وتصديقه من رئيس الجمهورية و تنفيذه .
بداية القصة ونهايتها أن مفردات الوطنية ومفهومها كانا عنده على تناقض صارخ مع مفهوم ومفردات وطنية كبار الملاكين و المتنفذين كانت عنده كما أملاها عليه موقعه الذي انتدب نفسه له زعيما شابا ناهضا بحق أبناء عشيرته بالعزة و الكرامة وطبيعي أن تجد هذه الصيحة تجاوبا عند من كانوا أقنان الأرض في محافظات اللاذقية وحمص وحماه وطبيعي أيضا أن تقف لهم بالمرصاد وطنية أسيادهم المتمثلة بالحفاظ على المصالح الموروثة بحق الأرومة فقط وأشير هنا إلى أن انتخابات عام 1938 التي جرت للاستفتاء على عودة الساحل السوري إلى الوطن الأم من عدمها وما أفرزته من نتائج هي التي أنهت ذلك التعايش السلمي بين الجبل بزعامة سلمان و المدينة بزعامة ملاكيها ذلك التعايش الذي استمر أكثر من عقد من الزمن – لم يتطرق احد خلالها إلى وطنية سلمان أو يشير إلى ادعاء الإلوهية – خاض سلمان هذه الانتخابات في صفوف القائمة الوحدوية المناهضة للقائمة الانفصالية المدعومة من فرنسا وجرى تشكيل تلك القائمة بعهود مكتوبة قطع الموقعين عليها على أنفسهم عهد الشرف و الدين على قيام وحدة وطنية لا تمايز طبقي بين الطوائف غير انه بعد النجاح تغلبت المصلحة الشخصية على تلك العهود واستأثر من اسموا أنفسهم الكتلة الوطنية بكافة المناصب مستبعدين زملائهم ممثلي الجبل بل وأنهم أشركوا بعض وجوه القائمة الانفصالية بالغنيمة ثار سلمان على هذه الإيثاريّة كما ثار عليها الكثير من الشرفاء في سورية وقد بلغت الاحتجاجات على تصرفات تلك الطبقة في الجزيرة السورية وجبل العرب حد العنف المسلح .
عندها وعلى ما يبدو استشعر أرباب المصالح الخطر وقرروا القيام بضربة وقائية تنهي هذا التيار المتمرد في مهده وتعطي درسا لمن تسول له نفسه بالعودة لمثلها أما ما هي أسباب اختيارهم لسلمان ليكون هدفا لهذه الضربة - مع أن متنفذي تلك الفترة حاولوا إعادة الكرة مع غيره من زعماء سوريا وأحرارها وبطرق مغايرة - فانه كان لاختيار سلمان لتلك الحملة في رأيي أسباب تتلخص في انه الأكثر صلابة في مجابهة ذلك النفوذ الإقطاعي الظالم حيث دخل في مجابهات مع القائمين على قمة ذلك الهرم دون حساب للعواقب ورأوا به شخصية مؤهلة للتأثير حتى خارج حدود عشيرته ولا يمكن احتوائه بالوعود و الوعيد وهنالك سبب آخر على ما أظن يقف على رأس هذه الأسباب وهو أن سلمان وأتباعه كانوا الوحيدين الذين ليس لهم أي امتداد أو غطاء إقليمي أو دولي بدليل أننا خلال فترة الاضطهاد التي استمرت عدة عقود من بداية الأربعينيات حتى نهاية الستينيات لم نسمع صوتا واحدا يحتج على سلسلة المظالم وذلك على تعدد الوجوه التي عرفتها الساحة السورية في تلك الفترة والمعلوم أن تلك الوجوه وتلك الانقلابات لم تكن سوى صدى لتجاذب مصالح الدول الأخرى الإقليمية و الدولية .
وهكذا فمنذ بداية عام 1942 عمد خصوم سلمان إلى إيقافه إقامة إجبارية في دمشق مدة عشرون شهرا متتالية وكان لا يزال نائبا في البرلمان وتفرغوا خلال تلك الفترة لإثارة الفتن و افتعال أسباب الخلاف وأطلقوا يد شرطتهم للتدخل ضد قرى جماعة سلمان تدخلا وصل حد الهجمات الدموية في كثير من القرى مثل قرية الفاخورة التي لا تبعد أكثر من عشرة كيلو مترات عن الجوبة تلك القرية التي قضى بها عدد من الأبرياء بعضهم قضى حرقا علي يد تلك السلطة وكذلك في قرى : اسطامو – خربة السنديان – بعض قرى سهل الغاب و افتعلوا الخلاف حتى في الجوبة نفسها ولابد من الإشارة إلى أن تلك السلطة كانت سلطة احتلال وليست سلطة استقلال وبيان ذلك أن سورية كانت تخضع لسلطة دولتان أجنبيتان هما فرنسا و بريطانيا التي كان جيشهما يحكم قبضته على بلادنا بحكم خوض ذلك الجيش غمار الحرب العالمية الثانية كما هو معلوم فهل يمكن أن تكون هناك حكومة على هذا الواقع أكثر من جسد استعماري بأطراف وطنية ومع حملات الاعتداءات تصاعدت حملات التشهير بواسطة الصحف المملوكة لكبار الملاك في المحافظات و العاصمة وأبواق دعاية أخرى حيث لم يفت خصوم سلمان التلويح ببعض الأوراق الصفراء يستثيرون بها حمية العامة الدينية كما استثاروا حميتهم الوطنية وكما كانت الشعوبية و الزندقة وغيرها من التهم السلاح الذي فتك به الحاكمون بكل أحرار الشرق الإسلامي فقد أطلقوا أبواقهم تتهم سلمان بادعاء الإلوهية في حين أن الحمية الدينية لأصحاب الأطيان المترامية لم تتحرك عندما الجأ الجوع و الفقر في تلك الفترة نفسها العديد من أبناء الساحل السوري على مقايضة الدين بلقمة العيش وذلك على يد البعثات التبشيرية وفي ظل تلك السلطة .
و في عام 1945 كان قد وصل عدد مذكرات التوقيف بحق سلمان وأفراد بيته و المعروفين في شعبه 1200 مذكرة استندت إلى تلك الفتن التي افتعلها خصومه وذكر بعض منها وعندما وجدوا أنفسهم بمواجهة مواقفه الوطنية إبّان محنة البلاد أواخر الاحتلال والتي اشرنا إليها وجدوا أنفسهم مضطرين أمام هذه المواقف وأمام قسم من الرأي العام المحلي الذي سمع بها , أن يلجأوا إلى الدهاء لإخراج الفصل الأخير من مسرحية الخلاص منه خاصة وان عددا لا باس به من الوجوه السياسية كان قد استطاع التحرر من قيود العقلية القديمة و رأى أن الاستقلال لا يمكن أن يستقر في ظل الأعراف الطبقية الإقطاعية السائدة ولم يرق لهم أن يروا دماء المواطنين تهرق مع بدايات الاستقلال فسعى بعض هذا النفر الطيب للصلح بين سلمان وأقطاب الحكم فتظاهر الآخرون بالقبول وعينوا ممثلا عنهم المذكور سابقا المرحوم احمد السياف وطلبوا من سلمان أن يعين من يمثله في هذه العملية فكان ابنه البكر محمد الفاتح وكان الاتفاق على أن يصدر عفو عام من رئاسة الجمهورية عن مذكرات التوقيف المذكورة وان يتم التعويض للمتضررين وهذه التسوية البدائية اتفق عليها بعهد شرف قطعه وزير الداخلية باسم رئيس الجمهورية غير أن الذي حدث أنهم اتخذوا التفاوض وسيلة لاستكمال الخطة فقدموا عرضا عرفوا أن سلمان سيرفضه مسبقا وهو أن يتم العفو عنه وأفراد بيته وتبقى مذكرات التوقيف بحق بقية أفراد شعبه فرفض هذا العرض وتابعوا إكمال المسرحية باستبدال محافظ اللاذقية السيد مظهر رسلان باشا والذي كان يمثل عينة من اؤلئك الذين نظروا إلى الوطنية و الاستقلال بفكر واعي استبدلوه بآخر يمشي في ركابهم ومعه تعليماتهم بتهيئة الجو الاجتماعي في الساحل لقبول الحملة المتوقعة ومن ثم أرسلوا ماوسعهم من وحدات الجيش مدعومة بالعديد من المصفحات وأحاطوا الجوبة من جهات الساحل و جهات صلنفة وحتى هذا الحشد العسكري برروه بأسباب سلمية يطول شرحها الآن غير أن الأمر كان مكشوفا لنظر سلمان قبل أن يكون مكشوفا للكثير حتى من هم في صف خصومه , و القريبون منه في تلك الفترة نقلوا إلينا عبارته لهم عندما ابدوا استغرابهم من لا مبالاته بتلك الحشود وعدم استعداده لها " هني بدن هنا وان ظفروا بي تركوكم انتم " وهذا ما فعله إذ جنّب جماعته فتك تلك الحملة فلم يأذن بقتال بل فدى شعبه بنفسه فعل الأب العطوف وكانت المحاكمة و الإعدام وكانت عبارته لوزير الداخلية الذي جاء يحضر تلك الواقعة " أهذا عهد الشرف عندكم يا صبري ؟ " فصمت الأخير ولم يجب .
وبعدها غدا قادة تلك الوحدات التي حاصرت الجوبة والذين اخضع بهم المستعمر سابقا كل حركات التحرر في سوريا صاروا حكام المستقبل وتابعوا اضطهاد اسم سلمان و جماعته وتعميم الاتهامات وترويجها وظهرت تلك المقولة التاريخية " زعمائكم في الجاهلية زعمائكم في الإسلام بشكل آخر هو جلاديكم زمن الاحتلال جلاديكم زمن الاستقلال "
والغريب في هذا الموضوع أن معظم تلك الفئة حكام الأربعينيات و الخمسينيات صاروا محط كل الاتهامات القومية و الاجتماعية في بلادنا والعديد منهم عاش أيامه الأخيرة في السجون أو المنافي تلاحقه تلك الانتكاسات القومية والاجتماعية ومع ذلك فقد ظلت هذه الفرية التي أخرجوها بحق سلمان على حالها قديمة جديدة لم تتغير .