فائز الحراقي
22-07-2007, 01:25
فائز الحراقي* *
*
المصباح النفطي يبعث بضوءه الخافت في جنبات الغرفة شبه المظلمة ، والتى يصعب عليك فيها تمييز الاشياء المحيطة بك وبجسدك المتروك في احد زواياها القميئة ... كانت المرأة تتلوى صارخةً حيناً ، وحيناً تمسك ببطنها المتكور ، محدقةً الى ولدها البكر الذي كان مستلقياً قبالتها محدقاً بها ، وكأنها شيءُ غريب نزل من كوكبٍ أخر ، ولم تكن امه وهو في المقابل ينظر أليها شاعراً بثقل الاغطية الملقاة على جسمه الصغير ، محدثاً نفسه عن سبب تأوه والدته وهي تمسك ببطنها المكور ، ولماذا تتألم* وهي لم تتجاوز العقد الثالث من عمرها ؟ إذاً فهي ليست كبيرة ! رغم بعض التجاعيد ، والتى تركت اثارها على الجبهة السمراء والهالات السمر تحت العينين ، والتى رسمتها سنوات الجوع والقحط والتعب اليومي المستمر ، فمنذ عشر سنواتٍ جاء الى هذه الدنيا طفلها البكر هذا ، والذي يستلقي امامها متألماً وكانه هو الذي سيلد وليست هي ، وبجانبه هذا الاب المتعب الذي اخذت السنوات من بهاءه كثيراً ، وحفرت معاول السنين جراحها على وجهه المليء بالحزن والكآبة حتى غدا هيكلاً على شكل انسان ، كان الطفل ينظر الى امه المتألمة ويدعوا لها بالسلامة مما تعاني منه ، ويتمنى لو تلد بنتاً ولا يدري لماذا ؟ سوى انه يميل الى بنت الجيران الصغيرة (جميلة) ، تلك البنت الصغيرة بعينيها الخضراوين ، وشعرها الذهبي المتراقص مع الريح وهي تركض امام هذا الطفل الناظر الى امه المتوجعة ، كان مخاضها صعباً وصراخاتها بدأت تعلو حتى طغت على سكون الغرفة شبه المعتمة ، والتى دفعت بالطفل الى القفز من مكانه مستنجداً بأبيهِ النائم الى جنبهِ مشيراً الى صاحبة تلك الصراح (( ابي ... ابي ...)) كانت كلماته المبعثرة تضيع مع الصراخ الذي يملأ الغرفة .... الليل ... وهذه العتمة ... ونور ضوءٍ خافت تثير الخوف في جسد هذا الطفل الذي ينتظر ولادة امه ، وهل ستلد بنتاً جميلة كجميلة لتكون اختاً له ؟ تشاركه لعبه ولهوهِ كما تشاركه جميلة والتى ستكبر يوماً ما لتتركه وحيداً محمولةً في تابوتٍ صغير كما حملوا اخته المولدةِ حديثاً ، بعد ان ولدة ميتةً* ولم يفرحوا حتى بتسميتها ، والتى قرر الطفل ان يسميها بلقيس والى الابد ... الى الابد
*
المصباح النفطي يبعث بضوءه الخافت في جنبات الغرفة شبه المظلمة ، والتى يصعب عليك فيها تمييز الاشياء المحيطة بك وبجسدك المتروك في احد زواياها القميئة ... كانت المرأة تتلوى صارخةً حيناً ، وحيناً تمسك ببطنها المتكور ، محدقةً الى ولدها البكر الذي كان مستلقياً قبالتها محدقاً بها ، وكأنها شيءُ غريب نزل من كوكبٍ أخر ، ولم تكن امه وهو في المقابل ينظر أليها شاعراً بثقل الاغطية الملقاة على جسمه الصغير ، محدثاً نفسه عن سبب تأوه والدته وهي تمسك ببطنها المكور ، ولماذا تتألم* وهي لم تتجاوز العقد الثالث من عمرها ؟ إذاً فهي ليست كبيرة ! رغم بعض التجاعيد ، والتى تركت اثارها على الجبهة السمراء والهالات السمر تحت العينين ، والتى رسمتها سنوات الجوع والقحط والتعب اليومي المستمر ، فمنذ عشر سنواتٍ جاء الى هذه الدنيا طفلها البكر هذا ، والذي يستلقي امامها متألماً وكانه هو الذي سيلد وليست هي ، وبجانبه هذا الاب المتعب الذي اخذت السنوات من بهاءه كثيراً ، وحفرت معاول السنين جراحها على وجهه المليء بالحزن والكآبة حتى غدا هيكلاً على شكل انسان ، كان الطفل ينظر الى امه المتألمة ويدعوا لها بالسلامة مما تعاني منه ، ويتمنى لو تلد بنتاً ولا يدري لماذا ؟ سوى انه يميل الى بنت الجيران الصغيرة (جميلة) ، تلك البنت الصغيرة بعينيها الخضراوين ، وشعرها الذهبي المتراقص مع الريح وهي تركض امام هذا الطفل الناظر الى امه المتوجعة ، كان مخاضها صعباً وصراخاتها بدأت تعلو حتى طغت على سكون الغرفة شبه المعتمة ، والتى دفعت بالطفل الى القفز من مكانه مستنجداً بأبيهِ النائم الى جنبهِ مشيراً الى صاحبة تلك الصراح (( ابي ... ابي ...)) كانت كلماته المبعثرة تضيع مع الصراخ الذي يملأ الغرفة .... الليل ... وهذه العتمة ... ونور ضوءٍ خافت تثير الخوف في جسد هذا الطفل الذي ينتظر ولادة امه ، وهل ستلد بنتاً جميلة كجميلة لتكون اختاً له ؟ تشاركه لعبه ولهوهِ كما تشاركه جميلة والتى ستكبر يوماً ما لتتركه وحيداً محمولةً في تابوتٍ صغير كما حملوا اخته المولدةِ حديثاً ، بعد ان ولدة ميتةً* ولم يفرحوا حتى بتسميتها ، والتى قرر الطفل ان يسميها بلقيس والى الابد ... الى الابد