بحزاني نت
02-04-2005, 09:50
مصطفى عنترة : تأملات في "ميثاق حول اللغة والثقافة الأمازيغيتين"
شكل ميثاق أكادير الصادر في 5غشت 1991 خطوة متقدمة في مسار العمل الثقافي الأمازيغي،حيث عكس التحول النوعي الذي عرفته مكوناته الأساسية بالانتقال من مرحلة التنظيم في الفعل والوضوح في المطالب. وإذا كان هذا الميثاق قد عرف "وفاته" في الوظيفة بعد قبول أطرافه الأساسية بالمشاركة في المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية دون الإقرار بالوضع القانوني للغة الأمازيغية فإن مضامينه تشكل في العمق مرجعا أساسيا أطر عمل الحركة الثقافية الأمازيغية في التسعينات من القرن الماضي، وهو اليوم يشكل امتدادا لباقي المبادرات التي تمخضت عنه. الورقة التالية تحاول الوقوف عند مضامين هذه الوثيقة التي شكلت نقلة نوعية في مسار الحركة الثقافية الأمازيغية.
ـ السيـــاق:
جاءت ولادة ميثاق أكادير الصادر في 5غشت 1991 بمدينة ذات دلالات رمزية نتيجة عوامل متعددة تداخل فيها الذاتي بالموضوعي والمحلي بالإقليمي، ويمكن تحديد بعضها في:
ـ سقوط الكتلة الشرقية وتفكك الاتحاد السوفياتي وبالتالي انهيار منظومة فكرية كانت تعطي الأولوية للاقتصادي والسياسي على حساب الثقافي، هذا الأخير الذي برز كمكون أساسي في التحولات التي كان العالم مسرحا لها في بداية عقد التسعينات،
ـ الانفراج السياسي الذي عرفه المغرب في نهاية عقد الثمانينات وبداية عقد التسعينات من القرن الماضي وكان هدفه ترتيب التناوب الحكومي الذي لم يكتب له النجاح في محطة أولى وأيضا التهييئ لإدماج الصحراء المغربية داخل الوطن الأم عبر الاستفتاء الأممي،
ـ بروز مطلب الدمقرطة الذي يقتضي مشاركة المواطنين في تدبير الشأن العام والاعتراف بحقوقهم وخصوصياتهم الثقافية واللغوية..
ـ بروز الوعي بالذات الأمازيغية وضرورة إجبار الدولة على مراجعة استراتيجيتها في المجال اللغوي وتبني سياسة جديدة بخصوص مسألة تدبير التعدد الثقافي واللغوي الذي يشكل عاملا لإغناء هويتنا المتعددة المكونات والأبعاد،
ـ الطفرة النوعية التي ميزت العمل الثقافي الأمازيغي خاصة بعد إحداث جمعية الجامعة الصيفية بأكادير التي شكلت منتدى للنقاش والحوار حول الأمازيغية وأسئلة المغرب المعاصر، علاوة على التأثيرات الإيجابية للحركة الأمازيغية بالجزائر على الداخل اعتبارا أن المغرب استفاد جيدا في هذا المجال من دروس الجارة الجزائر.
وفي ظل هذا السياق المتميز جاءت ولادة ميثاق أكادير الصادر في 5 غشت 1991 في أعقاب الدورة الرابعة لجمعية الجامعة الصيفية بنفس المدينة ما بين 29 يوليوز و5 غشت 1991. وجذور فكرة الميثاق (1) كان وراءها ـ كما هو معلوم ـ الحسين المجاهد (الأمين العام الحالي للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية)، ذلك أنه تم إعداد "كتاب أبيض" في بداية عقد الثمانينات بعد خروج المرحوم علي صدقي أزايكو من السجن سنة 1983 . ويضم هذا الكتاب مجموعة من المواضيع التي تهم: الثقافة الأمازيغية، الإسلام والثقافة الأمازيغية، اللغة الأمازيغية، الحقوق اللغوية والثقافة الأمازيغية... وقد اقترح المجاهد اختزال هذه المواد وإعادة صياغتها باللغة العربية في شكل ميثاق حول اللغة والثقافة الأمازيغيتين، وكلف هو نفسه بإيجاد الصيغة الأولية للميثاق، حيث نوقشت وتمت المصادقة عليها بالمدرسة الفندقية بأكادير، فكان الموقعون هم السادة: إبراهيم أخياط عن الجمعية المغربية للبحث والتبادل الثقافي (الرباط)، لحسن كحمو عن الجامعة الصيفية (أكادير)، علي حرش الراس عن جمعية غريس الثقافية (كلميمة)، الحسين أخياط عن الجمعية الجديدة للثقافة والفنون الشعبية (الرباط)، محمد الشامي عن جمعية إلماس الثقافية (الناظور)، وحمزة عبد الله قاسم عن الجمعية الثقافية لسوس (الدار البيضاء).
وقد قام الشامي (ينتمي إلى منطقة الريف) بتلاوة مضامين الميثاق في الجلسة الختامية لأشغال الدورة الرابعة لجمعية الجامعة الصيفية يوم الأحد 5 غشت 1991.
وقد تكلف أحمد بوكوس ( العميد الحالي للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية) بكتابة النص الفرنسي للميثاق فيما قامت جمعية تاماينوت بوضع النص الأمازيغي له.
وتجدر الإشارة في هذا الباب إلى أن فكرة الميثاق طرحت لأول مرة في أشغال الدورة الأولى لجمعية الجامعة الصيفية بأكادير عام 1980 من طرف بوكوس.
يتضمن الميثاق المسألة الأمازيغية في إطار مشروع مجتمعي ديمقراطي، حيث يحدد المبادئ الكبرى التي تجعل اللغتان العربية والأمازيغية متمتعتين بنفس الحقوق والاستعمالات الضرورية بغية وضع حد للهيمنة الثقافية واللغوية الأحادية، مما يستدعي في نظر بوكوس تجنيد كافة القوى الديمقراطية، إذ بعد الحصول على الضمانة الدستورية سيصبح لهذا الميثاق دور في ضمان الحقوق اللغوية والثقافية للشعب المغربي.
كذلك وردت فكرة الميثاق الوطني مرة ثانية من طرف جمعية تاماينوت، حيث تبنى جمعها الثالث المنعقد بالرباط في 15نونبر1981 مسألة الميثاق الثقافي لحل الإشكال اللغوي والثقافي على الصعيد الوطني، كما تم التأكيد على أنها ستعمل مع جمعيات مماثلة من أجل بلورة ميثاق ثقافي متوافق في شأن مضامينه من أجل فرض تلبية المطالب اللغوية والثقافية الملحة، إلا أن شروط ولادة كل من الميثاق الأول والثاني لم تكن حينها متوفرة مما جعل فكرة "الكتاب الأبيض" حول اللغة والثقافة الأمازيغيتين تحل محلهما.
2ـ المضــــامين :
يتضمن ميثاق أكادير خمسة محاور:
1- الهوية الثقافية المغربية:
يحمل هذا المحور عنوان: "الهوية المغربية، الوحدة في التنوع"، تأصيل الحضارة والثقافة الأمازيغيتين على أرض المغرب منذ أزيد من 5000 سنة وأيضا حضور اللغة والثقافة العربيتين، فضلا عن تفاعل الثقافة الأمازيغية مع غيرها من الثقافات المجاورة والوافدة التي لم يفقدها خصوصيتها.. ومن هذا المنطلق تكون أبعاد الثقافة المغربية تتمثل في: البعد الأمازيغي، البعد الإسلامي، البعد العربي، البعد الإفريقي، والبعد الكوني وهي أبعاد لا يمكن اختزالها في بعد أو نموذج واحد على حساب الأبعاد الأخرى.
2- الثقافة الأمازيغية:
يبرز هذا المحور حيوية وقدرة الثقافة الأمازيغية على الحفاظ على خصوصياتها الذاتية بالرغم من الصعاب التي واجهتها وما توافد عليها من ثقافات وأيضا ميزتها كثقافة تطبع شخصية حامليها بخصوصياتها وهي أساسا منقولة عبر اللغة الأمازيغية وآدابها وفنونها.
3- اللغة الأمازيغية:
يبرز هذا المحور عراقة اللغة الأمازيغية على أرض المغاربة، إذ يشير إلى مناطق تواجدها، فهي تنتشر على رقعة جغرافية تفوق مساحتها خمسة ملايين كلمتر مربع، حيث تمتد من الحدود المصرية الليبية إلى جزر الكناري، ومن الشط الجنوبي للمتوسط إلى مالي والنيجر بإفريقيا، وأهم مجموعة سكانية ناطقة بها توجد في المغرب، كما يشير إلى أن اللغة الأمازيغية تعد لغة التعبير عن الهوية الأولى للمغاربة إضافة إلى أنها البوتقة التي تتشكل فيها الحركة الثقافية راهنا، علاوة على أنها تشكل نظاما تواصليا قائما بذاته متوفرا على المكونات المعتمدة كليا في تعريف لغات العالم، ودونيتها تتمثل في عدم معياريتها وعدم استفادتها من أية عناية رسمية من طرف الدولة.
4- واقع اللغة والثقافة الأمازيغيتين:
يشير هذا المحور إلى واقع الإقصاء والتهميش الذي تعاني منه اللغة والثقافة الأمازيغيتين من طرف الدوائر الرسمية سياسيا واقتصاديا ومؤسساتيا. فسياسيا، تجاهلت الاختيارات الرسمية الخصوصيات والاختلاف لصالح منطق الأحادية، الذي كان المحرك الرئيسي للحركة الوطنية ومن يدور في فلكها، ذلك أن السياسة اللغوية التي اتبعت في المغرب منذ فجر الاستقلال، تجاهلت البعد الأمازيغي في الهوية الوطنية مركزة على ثنائية الإسلام والعروبة.
أما اقتصاديا، فقد تم إقصاء البادية من التنمية الاجتماعية، حيث عرفت المجتمعات القروية تفككا، خلافا لذلك عرفت هذه المناطق استغلالا ظرفيا إبان الانتخابات والصراعات حول السلطة. أما قانونيا فلا وجود لنص رسمي يحمي الأمازيغية بالرغم من أن المغرب من البلدان المصادقة والموقعة على أهم الاتفاقيات الدولية الضامنة للحقوق اللغوية والثقافية للشعوب دون تمييز، فضلا عن كون اللغة الأمازيغية وثقافتها هي مكون أساسي للهوية الوطنية يؤكده التاريخ والبيئة والأنتروبولوجيا.(2 )
5 ـ آفاق العمل الثقافي الأمازيغي :
نجد في هذا المحور مطالب الحركة الثقافية الأمازيغية الهادفة إلى إقامة سياسة لغوية وثقافية ديمقراطية تتأسس على اعتبار واحترام الحقوق اللغوية والثقافية المشروعة، وتتمثل هذه المطالب في ما يلي:
1- الإقرار في الدستور المغربي بكون اللغة الأمازيغية، لغة وطنية إلى جانب اللغة العربية،
2- إخراج معهد الدراسات والأبحاث الأمازيغية إلى حيز الوجود ليتولى تأطير مشاريع النهوض باللغة والثقافة الأمازيغيتين بهدف تطبيق الإجراءات التالية:
أ ـ وضع خط معياري موحد لكتابة اللغة الأمازيغية،
ب ـ تحقيق معيارية اللغة الأمازيغية،
ج ـ إعداد أدوات بيداغوجية لتدريس اللغة الأمازيغية،
د ـ إدماج تعليم اللغة والثقافة الأمازيغيتين في البرامج التعليمية الرسمية،
3- إدماج الثقافة الأمازيغية في مختلف مجالات الثقافة والتعليم وإنشاء شعب للغة والثقافة الأمازيغيتين بالجامعات المغربية،
4- إعطاء الثقافة الأمازيغية إمكانيات الاستفادة من برامج البحث العلمي الجامعية والأكاديمية،
5- إعطاء الثقافة الأمازيغية حقها في وسائل الإعلام المكتوبة والسمعية والمرئية على غرار المكونات الثقافية الأخرى،
6- تشجيع الإنتاج والإبداع في مختلف مجالات المعرفة الثقافية باللسان الأمازيغي،
7- إعداد ونشر واستعمال أدوات التعبير والتلقين باللغة الأمازيغية.
ومن هذا المنطلق فالميثاق نقل الحركة الثقافية الأمازيغية من مرحلة اتسم فيها العمل الأمازيغي بمضامين جمعوية ثقافية مرتبطة بالهوية إلى مرحلة مطلبية تتسم في جوهرها بما هو دستوري. وقد شكل هذا الميثاق نقطة تحول أساسية في مسار هذه الحركة ، حيث التقت فيها مع الحركة السياسية والمدنية المطالبة بدستور ديمقراطي.
3ـ "الوفــاة":
الأكيد أن ميثاق أكادير بعد مشاركة الجمعيات الثقافية الأمازيغية في المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية قد عرف طريقه إلى التراجع، وبمعنى أكثر وضوحا فأن ميثاق أكادير قد تم الإعلان عن" وفاة وظيفته" فور قبول أطراف أساسية داخل هذه الحركة المشاركة في المعهد الملكي لاعتبارات متعددة نسوق منها ما يلي:
أولا: لأن النخبة الأمازيغية لم تحترم التعاقد التأسيسي الذي يرتكز في أساسه على الدسترة في حين نجد غالبيتها اليوم وعلى رأسها بوكوس، أحد مهندسي هذا الميثاق، تتحدث عن التأهيل قبل الدسترة..
ثانيا: عدم احترام قواعد المرجعية الديمقراطية التي تقتضي العودة إلى القواعد من أجل انتزاع الشرعية الديمقراطية، إذ كانت مشاركة البعض كأشخاص وليس كإطارات وهذا عامل ساهم في إضعاف الجمعيات التي لها أطر تشتغل داخل المعهد.
ثالثا: غياب المرجعية الحداثية، والتي لا تلتقي مع الفصل 19 من الدستور على اعتبار أن مقومات الخطاب الأمازيغي تستند إلى العقلانية، التحديث، النسبية والعلمانية.
أكيد أن الدولة عندما تدخلت لتوقيف مسلسل التسييس الذي عرفته المسألة الأمازيغية لإرجاعها إلى إطاره الطبيعي الثقافي، اكتشفت هشاشة هذه النخبة وبالتالي لم تجد أية مقاومة تذكر من أجل إدماجها في إطار الحقل السياسي الرسمي.. فالدولة إذن، لم تجد أية مقاومة من لدن هذه النخبة بدليل التهافت الذي سكن جلها للتمثيل داخل هياكل المؤسسة الملكية المذكورة.
فالمطروح اليوم على الحركة الأمازيغية خيارين:
أولا: على تجديد ميثاق أكادير ليبقى إطارا مرجعيا للحقوق الثقافية واللغوية بالنسبة إلى الجمعيات الأمازيغية خاصة وأن هذا الميثاق كان مغلقا وقعته نخبة أمازيغية موحدة هي اليوم منقسمة بعد ظهور تطورات جديدة..،
ثانيا: على بلورة ميثاق جديد على ضوء المتغيرات السياسية والثقافية التي عرفتها البلاد عموما والحركة الثقافية الأمازيغية على وجه الخصوص،ميثاق جديد يقوم بالإجابة على ثلاث أسئلة مركزية:
أ ـ بين من ومن،
ب ـ ضد من،
ج ـ حول ماذا، بالإضافة إلى تحديد طبيعة الآليات الممكنة لترجمة مقتضيات الميثاق وأهدافه على أرض الواقع.
فالمخاض الذي تعرفه الحركة الأمازيغية والذي تظهر مؤشراته بشكل واضح اليوم من شأنه أن يفرز تطورات جديدة قد تساعد على رسم معالم التموقعات الجديدة لمختلف مكونات الحركة الثقافية الأمازيغية داخل الساحة الوطنية.لقد شهدنا بروز بيان فاتح مارس لصاحبه محمد شفيق الذي تمخضت عنه عدة مبادرات تمثلت على وجه التحديد في لقاء بوزنيقة ولجنة البيان الأمازيغي وكذا ورقات النقاش الغني، التي عكست الأسئلة المطروحة آنذاك، ذلك أن هذا المسلسل توجه بتدخل الدولة لتوقيفه من خلال الاعتراف اللفظي وإحداث المعهد الملكي.. تم شهدنا بروز "ميثاق المطالب الأمازيغية بشأن التعديلات الدستورية" كمحطة جديدة اتسمت بنوعية المطالب المطروحة من طرف إيمازيغن. وهو الميثاق الذي تمت هندسته من طرف نخبة توجد، اليوم، على يسار المعهد، وفي ذات السياق شهدنا بروز ميثاق مماثل كان وراءه مجموعة من الإطارات المدنية بشمال المملكة، فهذه المبادرات وغيرها ساهمت بشكل مركزي في تحريك الساحة الثقافية الأمازيغية بعد الجمود الذي أصابها من جراء دخول الدولة على الخط من خلال المعهد الملكي واستقطاب نخبة أمازيغية أصبح البعض منها يقول: "إن الحكم استجاب لكل المطالب المرفوعة وأن مرحلة النضال انتهت وحلت محلها مرحلة البناء.."!!
مما لاشك فيه أن هذه المبادرات تشكل في العمق امتدادا طبيعيا لميثاق أكادير في اتجاه صياغة مواثيق جديدة مستوعبة للتطورات الكمية والنوعية التي شهدها المغرب منذ أواسط التسعينات من القرن الماضي وذلك بهدف إلزام الدولة بالاعتراف الدستوري بالتعددية الثقافية واللغوية وتسطير استراتيجية واضحة لتدبيرها.
إضاءة:
(1) ـ اعتمدنا في هذا الإطار على مؤلف الدكتور الحسين وعزي" نشأة الحركة الثقافية الأمازيغية بالمغرب: تحليل سيرورة تحول الوعي بالهوية الأمازيغية من الوعي التقليدي إلى الوعي العصري"، مطبعة المعارف الجديدة ـ الرباط.
(2) ـ لمزيد من الإطلاع أنظر كتاب "الأمازيغية والسياسة اللغوية والثقافية بالمغرب"، للدكتور أحمد بوكوس، إصدارات طارق بن زياد 3003
شكل ميثاق أكادير الصادر في 5غشت 1991 خطوة متقدمة في مسار العمل الثقافي الأمازيغي،حيث عكس التحول النوعي الذي عرفته مكوناته الأساسية بالانتقال من مرحلة التنظيم في الفعل والوضوح في المطالب. وإذا كان هذا الميثاق قد عرف "وفاته" في الوظيفة بعد قبول أطرافه الأساسية بالمشاركة في المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية دون الإقرار بالوضع القانوني للغة الأمازيغية فإن مضامينه تشكل في العمق مرجعا أساسيا أطر عمل الحركة الثقافية الأمازيغية في التسعينات من القرن الماضي، وهو اليوم يشكل امتدادا لباقي المبادرات التي تمخضت عنه. الورقة التالية تحاول الوقوف عند مضامين هذه الوثيقة التي شكلت نقلة نوعية في مسار الحركة الثقافية الأمازيغية.
ـ السيـــاق:
جاءت ولادة ميثاق أكادير الصادر في 5غشت 1991 بمدينة ذات دلالات رمزية نتيجة عوامل متعددة تداخل فيها الذاتي بالموضوعي والمحلي بالإقليمي، ويمكن تحديد بعضها في:
ـ سقوط الكتلة الشرقية وتفكك الاتحاد السوفياتي وبالتالي انهيار منظومة فكرية كانت تعطي الأولوية للاقتصادي والسياسي على حساب الثقافي، هذا الأخير الذي برز كمكون أساسي في التحولات التي كان العالم مسرحا لها في بداية عقد التسعينات،
ـ الانفراج السياسي الذي عرفه المغرب في نهاية عقد الثمانينات وبداية عقد التسعينات من القرن الماضي وكان هدفه ترتيب التناوب الحكومي الذي لم يكتب له النجاح في محطة أولى وأيضا التهييئ لإدماج الصحراء المغربية داخل الوطن الأم عبر الاستفتاء الأممي،
ـ بروز مطلب الدمقرطة الذي يقتضي مشاركة المواطنين في تدبير الشأن العام والاعتراف بحقوقهم وخصوصياتهم الثقافية واللغوية..
ـ بروز الوعي بالذات الأمازيغية وضرورة إجبار الدولة على مراجعة استراتيجيتها في المجال اللغوي وتبني سياسة جديدة بخصوص مسألة تدبير التعدد الثقافي واللغوي الذي يشكل عاملا لإغناء هويتنا المتعددة المكونات والأبعاد،
ـ الطفرة النوعية التي ميزت العمل الثقافي الأمازيغي خاصة بعد إحداث جمعية الجامعة الصيفية بأكادير التي شكلت منتدى للنقاش والحوار حول الأمازيغية وأسئلة المغرب المعاصر، علاوة على التأثيرات الإيجابية للحركة الأمازيغية بالجزائر على الداخل اعتبارا أن المغرب استفاد جيدا في هذا المجال من دروس الجارة الجزائر.
وفي ظل هذا السياق المتميز جاءت ولادة ميثاق أكادير الصادر في 5 غشت 1991 في أعقاب الدورة الرابعة لجمعية الجامعة الصيفية بنفس المدينة ما بين 29 يوليوز و5 غشت 1991. وجذور فكرة الميثاق (1) كان وراءها ـ كما هو معلوم ـ الحسين المجاهد (الأمين العام الحالي للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية)، ذلك أنه تم إعداد "كتاب أبيض" في بداية عقد الثمانينات بعد خروج المرحوم علي صدقي أزايكو من السجن سنة 1983 . ويضم هذا الكتاب مجموعة من المواضيع التي تهم: الثقافة الأمازيغية، الإسلام والثقافة الأمازيغية، اللغة الأمازيغية، الحقوق اللغوية والثقافة الأمازيغية... وقد اقترح المجاهد اختزال هذه المواد وإعادة صياغتها باللغة العربية في شكل ميثاق حول اللغة والثقافة الأمازيغيتين، وكلف هو نفسه بإيجاد الصيغة الأولية للميثاق، حيث نوقشت وتمت المصادقة عليها بالمدرسة الفندقية بأكادير، فكان الموقعون هم السادة: إبراهيم أخياط عن الجمعية المغربية للبحث والتبادل الثقافي (الرباط)، لحسن كحمو عن الجامعة الصيفية (أكادير)، علي حرش الراس عن جمعية غريس الثقافية (كلميمة)، الحسين أخياط عن الجمعية الجديدة للثقافة والفنون الشعبية (الرباط)، محمد الشامي عن جمعية إلماس الثقافية (الناظور)، وحمزة عبد الله قاسم عن الجمعية الثقافية لسوس (الدار البيضاء).
وقد قام الشامي (ينتمي إلى منطقة الريف) بتلاوة مضامين الميثاق في الجلسة الختامية لأشغال الدورة الرابعة لجمعية الجامعة الصيفية يوم الأحد 5 غشت 1991.
وقد تكلف أحمد بوكوس ( العميد الحالي للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية) بكتابة النص الفرنسي للميثاق فيما قامت جمعية تاماينوت بوضع النص الأمازيغي له.
وتجدر الإشارة في هذا الباب إلى أن فكرة الميثاق طرحت لأول مرة في أشغال الدورة الأولى لجمعية الجامعة الصيفية بأكادير عام 1980 من طرف بوكوس.
يتضمن الميثاق المسألة الأمازيغية في إطار مشروع مجتمعي ديمقراطي، حيث يحدد المبادئ الكبرى التي تجعل اللغتان العربية والأمازيغية متمتعتين بنفس الحقوق والاستعمالات الضرورية بغية وضع حد للهيمنة الثقافية واللغوية الأحادية، مما يستدعي في نظر بوكوس تجنيد كافة القوى الديمقراطية، إذ بعد الحصول على الضمانة الدستورية سيصبح لهذا الميثاق دور في ضمان الحقوق اللغوية والثقافية للشعب المغربي.
كذلك وردت فكرة الميثاق الوطني مرة ثانية من طرف جمعية تاماينوت، حيث تبنى جمعها الثالث المنعقد بالرباط في 15نونبر1981 مسألة الميثاق الثقافي لحل الإشكال اللغوي والثقافي على الصعيد الوطني، كما تم التأكيد على أنها ستعمل مع جمعيات مماثلة من أجل بلورة ميثاق ثقافي متوافق في شأن مضامينه من أجل فرض تلبية المطالب اللغوية والثقافية الملحة، إلا أن شروط ولادة كل من الميثاق الأول والثاني لم تكن حينها متوفرة مما جعل فكرة "الكتاب الأبيض" حول اللغة والثقافة الأمازيغيتين تحل محلهما.
2ـ المضــــامين :
يتضمن ميثاق أكادير خمسة محاور:
1- الهوية الثقافية المغربية:
يحمل هذا المحور عنوان: "الهوية المغربية، الوحدة في التنوع"، تأصيل الحضارة والثقافة الأمازيغيتين على أرض المغرب منذ أزيد من 5000 سنة وأيضا حضور اللغة والثقافة العربيتين، فضلا عن تفاعل الثقافة الأمازيغية مع غيرها من الثقافات المجاورة والوافدة التي لم يفقدها خصوصيتها.. ومن هذا المنطلق تكون أبعاد الثقافة المغربية تتمثل في: البعد الأمازيغي، البعد الإسلامي، البعد العربي، البعد الإفريقي، والبعد الكوني وهي أبعاد لا يمكن اختزالها في بعد أو نموذج واحد على حساب الأبعاد الأخرى.
2- الثقافة الأمازيغية:
يبرز هذا المحور حيوية وقدرة الثقافة الأمازيغية على الحفاظ على خصوصياتها الذاتية بالرغم من الصعاب التي واجهتها وما توافد عليها من ثقافات وأيضا ميزتها كثقافة تطبع شخصية حامليها بخصوصياتها وهي أساسا منقولة عبر اللغة الأمازيغية وآدابها وفنونها.
3- اللغة الأمازيغية:
يبرز هذا المحور عراقة اللغة الأمازيغية على أرض المغاربة، إذ يشير إلى مناطق تواجدها، فهي تنتشر على رقعة جغرافية تفوق مساحتها خمسة ملايين كلمتر مربع، حيث تمتد من الحدود المصرية الليبية إلى جزر الكناري، ومن الشط الجنوبي للمتوسط إلى مالي والنيجر بإفريقيا، وأهم مجموعة سكانية ناطقة بها توجد في المغرب، كما يشير إلى أن اللغة الأمازيغية تعد لغة التعبير عن الهوية الأولى للمغاربة إضافة إلى أنها البوتقة التي تتشكل فيها الحركة الثقافية راهنا، علاوة على أنها تشكل نظاما تواصليا قائما بذاته متوفرا على المكونات المعتمدة كليا في تعريف لغات العالم، ودونيتها تتمثل في عدم معياريتها وعدم استفادتها من أية عناية رسمية من طرف الدولة.
4- واقع اللغة والثقافة الأمازيغيتين:
يشير هذا المحور إلى واقع الإقصاء والتهميش الذي تعاني منه اللغة والثقافة الأمازيغيتين من طرف الدوائر الرسمية سياسيا واقتصاديا ومؤسساتيا. فسياسيا، تجاهلت الاختيارات الرسمية الخصوصيات والاختلاف لصالح منطق الأحادية، الذي كان المحرك الرئيسي للحركة الوطنية ومن يدور في فلكها، ذلك أن السياسة اللغوية التي اتبعت في المغرب منذ فجر الاستقلال، تجاهلت البعد الأمازيغي في الهوية الوطنية مركزة على ثنائية الإسلام والعروبة.
أما اقتصاديا، فقد تم إقصاء البادية من التنمية الاجتماعية، حيث عرفت المجتمعات القروية تفككا، خلافا لذلك عرفت هذه المناطق استغلالا ظرفيا إبان الانتخابات والصراعات حول السلطة. أما قانونيا فلا وجود لنص رسمي يحمي الأمازيغية بالرغم من أن المغرب من البلدان المصادقة والموقعة على أهم الاتفاقيات الدولية الضامنة للحقوق اللغوية والثقافية للشعوب دون تمييز، فضلا عن كون اللغة الأمازيغية وثقافتها هي مكون أساسي للهوية الوطنية يؤكده التاريخ والبيئة والأنتروبولوجيا.(2 )
5 ـ آفاق العمل الثقافي الأمازيغي :
نجد في هذا المحور مطالب الحركة الثقافية الأمازيغية الهادفة إلى إقامة سياسة لغوية وثقافية ديمقراطية تتأسس على اعتبار واحترام الحقوق اللغوية والثقافية المشروعة، وتتمثل هذه المطالب في ما يلي:
1- الإقرار في الدستور المغربي بكون اللغة الأمازيغية، لغة وطنية إلى جانب اللغة العربية،
2- إخراج معهد الدراسات والأبحاث الأمازيغية إلى حيز الوجود ليتولى تأطير مشاريع النهوض باللغة والثقافة الأمازيغيتين بهدف تطبيق الإجراءات التالية:
أ ـ وضع خط معياري موحد لكتابة اللغة الأمازيغية،
ب ـ تحقيق معيارية اللغة الأمازيغية،
ج ـ إعداد أدوات بيداغوجية لتدريس اللغة الأمازيغية،
د ـ إدماج تعليم اللغة والثقافة الأمازيغيتين في البرامج التعليمية الرسمية،
3- إدماج الثقافة الأمازيغية في مختلف مجالات الثقافة والتعليم وإنشاء شعب للغة والثقافة الأمازيغيتين بالجامعات المغربية،
4- إعطاء الثقافة الأمازيغية إمكانيات الاستفادة من برامج البحث العلمي الجامعية والأكاديمية،
5- إعطاء الثقافة الأمازيغية حقها في وسائل الإعلام المكتوبة والسمعية والمرئية على غرار المكونات الثقافية الأخرى،
6- تشجيع الإنتاج والإبداع في مختلف مجالات المعرفة الثقافية باللسان الأمازيغي،
7- إعداد ونشر واستعمال أدوات التعبير والتلقين باللغة الأمازيغية.
ومن هذا المنطلق فالميثاق نقل الحركة الثقافية الأمازيغية من مرحلة اتسم فيها العمل الأمازيغي بمضامين جمعوية ثقافية مرتبطة بالهوية إلى مرحلة مطلبية تتسم في جوهرها بما هو دستوري. وقد شكل هذا الميثاق نقطة تحول أساسية في مسار هذه الحركة ، حيث التقت فيها مع الحركة السياسية والمدنية المطالبة بدستور ديمقراطي.
3ـ "الوفــاة":
الأكيد أن ميثاق أكادير بعد مشاركة الجمعيات الثقافية الأمازيغية في المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية قد عرف طريقه إلى التراجع، وبمعنى أكثر وضوحا فأن ميثاق أكادير قد تم الإعلان عن" وفاة وظيفته" فور قبول أطراف أساسية داخل هذه الحركة المشاركة في المعهد الملكي لاعتبارات متعددة نسوق منها ما يلي:
أولا: لأن النخبة الأمازيغية لم تحترم التعاقد التأسيسي الذي يرتكز في أساسه على الدسترة في حين نجد غالبيتها اليوم وعلى رأسها بوكوس، أحد مهندسي هذا الميثاق، تتحدث عن التأهيل قبل الدسترة..
ثانيا: عدم احترام قواعد المرجعية الديمقراطية التي تقتضي العودة إلى القواعد من أجل انتزاع الشرعية الديمقراطية، إذ كانت مشاركة البعض كأشخاص وليس كإطارات وهذا عامل ساهم في إضعاف الجمعيات التي لها أطر تشتغل داخل المعهد.
ثالثا: غياب المرجعية الحداثية، والتي لا تلتقي مع الفصل 19 من الدستور على اعتبار أن مقومات الخطاب الأمازيغي تستند إلى العقلانية، التحديث، النسبية والعلمانية.
أكيد أن الدولة عندما تدخلت لتوقيف مسلسل التسييس الذي عرفته المسألة الأمازيغية لإرجاعها إلى إطاره الطبيعي الثقافي، اكتشفت هشاشة هذه النخبة وبالتالي لم تجد أية مقاومة تذكر من أجل إدماجها في إطار الحقل السياسي الرسمي.. فالدولة إذن، لم تجد أية مقاومة من لدن هذه النخبة بدليل التهافت الذي سكن جلها للتمثيل داخل هياكل المؤسسة الملكية المذكورة.
فالمطروح اليوم على الحركة الأمازيغية خيارين:
أولا: على تجديد ميثاق أكادير ليبقى إطارا مرجعيا للحقوق الثقافية واللغوية بالنسبة إلى الجمعيات الأمازيغية خاصة وأن هذا الميثاق كان مغلقا وقعته نخبة أمازيغية موحدة هي اليوم منقسمة بعد ظهور تطورات جديدة..،
ثانيا: على بلورة ميثاق جديد على ضوء المتغيرات السياسية والثقافية التي عرفتها البلاد عموما والحركة الثقافية الأمازيغية على وجه الخصوص،ميثاق جديد يقوم بالإجابة على ثلاث أسئلة مركزية:
أ ـ بين من ومن،
ب ـ ضد من،
ج ـ حول ماذا، بالإضافة إلى تحديد طبيعة الآليات الممكنة لترجمة مقتضيات الميثاق وأهدافه على أرض الواقع.
فالمخاض الذي تعرفه الحركة الأمازيغية والذي تظهر مؤشراته بشكل واضح اليوم من شأنه أن يفرز تطورات جديدة قد تساعد على رسم معالم التموقعات الجديدة لمختلف مكونات الحركة الثقافية الأمازيغية داخل الساحة الوطنية.لقد شهدنا بروز بيان فاتح مارس لصاحبه محمد شفيق الذي تمخضت عنه عدة مبادرات تمثلت على وجه التحديد في لقاء بوزنيقة ولجنة البيان الأمازيغي وكذا ورقات النقاش الغني، التي عكست الأسئلة المطروحة آنذاك، ذلك أن هذا المسلسل توجه بتدخل الدولة لتوقيفه من خلال الاعتراف اللفظي وإحداث المعهد الملكي.. تم شهدنا بروز "ميثاق المطالب الأمازيغية بشأن التعديلات الدستورية" كمحطة جديدة اتسمت بنوعية المطالب المطروحة من طرف إيمازيغن. وهو الميثاق الذي تمت هندسته من طرف نخبة توجد، اليوم، على يسار المعهد، وفي ذات السياق شهدنا بروز ميثاق مماثل كان وراءه مجموعة من الإطارات المدنية بشمال المملكة، فهذه المبادرات وغيرها ساهمت بشكل مركزي في تحريك الساحة الثقافية الأمازيغية بعد الجمود الذي أصابها من جراء دخول الدولة على الخط من خلال المعهد الملكي واستقطاب نخبة أمازيغية أصبح البعض منها يقول: "إن الحكم استجاب لكل المطالب المرفوعة وأن مرحلة النضال انتهت وحلت محلها مرحلة البناء.."!!
مما لاشك فيه أن هذه المبادرات تشكل في العمق امتدادا طبيعيا لميثاق أكادير في اتجاه صياغة مواثيق جديدة مستوعبة للتطورات الكمية والنوعية التي شهدها المغرب منذ أواسط التسعينات من القرن الماضي وذلك بهدف إلزام الدولة بالاعتراف الدستوري بالتعددية الثقافية واللغوية وتسطير استراتيجية واضحة لتدبيرها.
إضاءة:
(1) ـ اعتمدنا في هذا الإطار على مؤلف الدكتور الحسين وعزي" نشأة الحركة الثقافية الأمازيغية بالمغرب: تحليل سيرورة تحول الوعي بالهوية الأمازيغية من الوعي التقليدي إلى الوعي العصري"، مطبعة المعارف الجديدة ـ الرباط.
(2) ـ لمزيد من الإطلاع أنظر كتاب "الأمازيغية والسياسة اللغوية والثقافية بالمغرب"، للدكتور أحمد بوكوس، إصدارات طارق بن زياد 3003