PDA

View Full Version : حبيب تومي : البطريرك مار عمانوئيل دلي والمبادرة التاريخية


بحزاني نت
02-07-2005, 11:22
البطريرك مار عمانوئيل دلي والمبادرة التاريخية

حبيب تومي/ اوسلو

مقدمة
في القوش وفي قرانا الكلدانية عموماً كانت الحياة اليومية الروتينية تسير وفق نمط طبيعي للحياة ، الطالب في مدرسته والفلاح في حقله ورجل الدين في كنيسته ، والراعي يسرح بمواشيه وأغنامه في سفوح الجبال ، والكاسب يفتح دكانه في السوق ويعرض ما لديه من البضاعة ، والعامل ينهمك في عمله ان كان في البناء والتعمير او في النجارة او الحدادة ....
لكن في لحظة ما يتوقف هذا الروتين وينقلب الى حركة سريعة حينما يبادر احدهم الى طلب استغاثة او نجدة بقوله [ هاور هاور هاور ايلا ايلا ] . الكل يترك عمله ويسارع ليساهم في تقديم المعونة المطلوبة ، لا سيما اذا تعلق الأمر باعتداء على البلدة ....
على ذلك تربينا وهكذا تعلمنا ان نكون يداً واحدة اوقات المحن والشدائد . وحتى رجال الدين لا يتورعون في المساهمة قدر الأمكان ، وكمثل غير حصري فإن القس منصور متي سورو في القوش كان اضافة الى واجباته الدينية وكتاباته الأدبية فقد كان معروفاً بشجاعته وأدارته ، فقد كان يقضي معظم المشاكل المتعلقة مع الحكومة وكذلك مع اغوات المنطقة اضافة الى اشتراكه في صد الهجمات او الأعتداءات على القوش .
الأقليات
لا غبار على المقولة التي تقول ان الأقليات الدينية والعرقية في هذه الصقع قد اصابها من الظلم والضيم على مدى مراحل متواترة في هذه البلاد ، وكان على القائمين على شؤون هذه الأقليات العمل والمثابرة وبشتى الطرق لحماية هذه الأقليات ، وضمان حقوقها في مختلف المراحل ، وفي احيان كثيرة كان الظلم والبطش يتناول رؤساء هذه الأقليات ، وكانوا في مقدمة الضحايا التي يطالها التنكيل والتعذيب والقتل ، ان تاريخ كنائسنا زاخر بهذه الحوادث لا مجال الى التطرق اليها .
موقف البطريركية الكاثوليكية للأمة الكلدانية
يأتي البطريرك في الدرجة الأسمى في مؤسسة الكنيسة وينال الأحترام والتبجيل باعتباره الأب العام والشامل لكل المطارنة والأساقفة والأكليروس عموماً ، وهو ايضاً الأب الروحي لرعيته ويسعى باهتمام واجتهاد لخدمتهم ، انه المدبر الأمين والساعي الى قيادة شعبه نحو شاطئ السلام ايام المحن والملمات الصعبة .
في مواقف صعبة كثيرة ، لا يتردد هؤلاء الرجال الى المبادرات الشجاعة لخدمة شعبهم ، نقرأ عن مبادرة المطران يوسف اودو في ايقاف المجزرة واعمال النهب والسلب عندما هجم عليها الأمير الراوندوزي ميري كور سنة 1832 م ، ونقرأ ايضاً عن موقف الكنيسة في محنة الآثوريين ، ففي مطاوي الحرب العالمية الأولى قدمت الكنيسة المساعدات الأنسانية الممكنة وفي عام 1919 فتحت البطريركية في الموصل ميتماً لأبناء المهاجرين الآثوريين .
وفي احداث عام 1933 المأسوية ، حينما انطلت الحيلة التي لجات اليها القوات العسكرية الحكومية التي طوقت مدينة سميل ، واستطاعت ان تجمع الأسلحة من المقاتلين بعد اعطائهم الأمان فكانت المجزرة التي ارتكبت في هذه المدينة .
اجل ان هذه الحيلة لم تنطلي على القوش بعد تطويقها من قبل هذه القوات ، ولم يسلموا اسلحتهم ولم يسلموا العوائل الآثورية التي لجأت الى القوش للقوات المحيطة بألقوش ، وفي لحظات حرجة تمكن احد الألاقشة وهو يوسف سرسركي ان يصل الى الموصل ويوصل الخبر الى البطريرك عمانوئيل تومكا [ 1852 ـ 1947 ] وقوله المشهور : [ سيدنا قو القوش زلا Saydna Qoo Alqush Zella ] وكانت ثمرة اتصالات البطريرك السريعة بالجهات المختصة وصمود القوش كفيلان بانتهاء الكارثة التي كادت ان تقع .

الكلدانيون
ورد في مجلة لغة العرب للأب انستاس ماري الكرملي ع2 سنة 1911 ص52 عن الكلدانيين :
كان الكلدانيون في سابق العهد امة عظيمة بلغت من شأو الحضارة مبلغاً بعيداً ، وكانت تسكن العراق من شماليه الى جنوبيه ، وكان لهم شهرة طبقت الخافقين ...
واليوم بقي من هذه الأمة العظيمة اقلية عراقية صغيرة تحاول ان يكون لها موقعاً في بلادها .
لقد حاول الحكم البائد صهر الأقليات القومية العراقية ، ومن جملة هذه القوميات القومية الكلدانية ، وبعد ان اصبح ذلك الحكم في خبر كان ، استبشرت الأقليات الدينية والعرقية خيراً بأن تجد لها كلاماً مسموعاً في بلدها العراق ، واليوم ونحن في خضم مرحلة كتابة الدستور ينبري الوجهاء والرؤساء الروحانيين لهذه الأقليات بالتحرك والسعي الحثيث لأثبات وجود هذه الأقليات وضمان حقوقهم في هذه الوثيقة العراقية الهامة .
لقد كان الطلب الذي قدمه سيدنا غبطة البطريرك مار عمانوئيل الثالث دلي الى السادة المسؤولين في الدولة والحكومة العراقية لاثبات التسمية الكلدانية في الدستور العراقي ، لقد كانت هذه الخطوة لابد منها وضرورية وجاءت في الوقت المناسب ، ان هذا الموقف يعتبر من المواقف الرائعة للمؤسسة البطريركية عبر التاريخ .
اقليــــــــة الأقليــــــة
لكي يكون للفرد مكان في المنظومة الأسرية او الأجتماعية ينبغي ان يكون له اسماً دالا عليه ، فيسجل في شهادة الولادة اسم الفرد الذي يبقى ملازما له حتى بعد مماته .
لقد اراد صدام ان يمسح الأسم الكلداني من الخارطة العراقية وفعل ذلك مع القوميات العراقية الأخرى ، ولكن بعد زواله ، انبرى اخوتنا الآشوريين وبادروا الى الغاء الأسم الكلداني ايضاً ، وجعلوا من الكلدانية اقلية تابعة للقومية الآشورية ، وأصبحنا ان صح التعبير اقلية الأقلية الآشورية ، وعندما افرط اخواننا الآشوريون في الكرم ، سمح لنا [ بعضهم ] ان يكون لنا اسم كلدوآشوري لا اكثر ، وعنما رفعت القوى الكلدانية السياسية والكتاب والمفكرين الكلدانيين اسم القومية الكلدانية ، كانت تكال لهم التهم من التآمر على الوحدة القومية ، والخيانة ، ناهيك عن الألفاظ النابية والشتائم التي تسارع ادارة عنكاوا الى ازالتها .
في هذا السياق يصف بعضهم دفاع البطريرك عن شعبه ، بأنه كمن يشعل فتيل الفتنة ، ولا ادري من هو احق من سيدنا البطريرك بالدفاع عنا ؟ وماذا عن وجهاء ورؤساء الأقليات الأخرى التي تدافع عن شعبها هل هذه ايضاً تشعل نار القتنة ؟
انه منطق يدخل في ادلجة كل المفاهيم ووضعها في قالب نظري حزبي ضيق .
لقد وضع سيدنا البطريرك حداً قاطعاً للجدل الدائر حول التسمية . ان تسمياتنا جميعها عزيزة على قلوب ابنائها ، ولا مجال للألغاء او الأقصاء .
ان الطريق الأسلم هو [ توحيد ] الجهود عبر حوار حضاري مبني على التسامح واحترام كافة الآراء والخيارات ودون تمييز ، عندها سيكون لنا صوت متناغم متفاهم ومسموع وعناصره : من الكلدان والسريان والآشور .
حبيب تومي / اوسلو