بحزاني نت
10-10-2007, 12:39
تقسيم العراق ... بين الوطنية والنفاق
محمد شمس الدين البريفكاني
بعد أن أصدر مجلس الشيوخ الأمريكي قراره الغير ملزم بتأريخ 26ـ 09ـ2007 والقاضي بتقسيم العراق الى ثلاثة أقاليم أو كيانات حسب الإنتماء العرقي والطائفي، تعالت وبسرعة أصوات كثيرة منددة بمشروع القرار ومعترضة عليه داخل العراق وخارجه، حيث أصدرت الكثير من الحكومات العربية وجامعتها المشلولة، ومجلس التعاون الخليجي والكثير من الهيئات والإتحادات والمنظمات العربية، بالإضافة الى الكثير من الكتاب العروبيين قرارات وبيانات ومقالات تصب كلها في خانة واحدة وهي رفض مشروع القرار الأمريكي والإحتجاج عليه. بحجة إن القرار يشكل خطرا على وحدة وسيادة العراق وتدخلا في شؤونه الداخلية ومستقبله السياسي.
إن من يتابع هذا الكم الهائل من ردود الأفعال العراقية والعربية حول القرار، سيتصور بأن كارثة كبيرة ستحيق بالعراق أو بالأمة العربية وإن من واجب الأشقاء العرب التدخل السريع لأيقاف ومنع تنفيذ هذا القرار الجائر منعا لوقوع الكارثة.
لو كان الأمر كذلك فلربما كنا سنعطي الحق لكل الذين رفعوا هذه اللاءات ونقف الى جانبهم، لكن للأسف فإن الحقيقة شئ آخر مختلف تماما وبعيدة جدا عن مثل هذا التصور الساذج. والوصول الى معرفة هذه الحقيقة لا يكلف الباحث كثيرا من الجهد ليكتشف بأنها لاءات وإعتراضات خبيثة تتخذ من الوطنية والحرص على وحدة العراق ستارا أو عباءة جميلة، لكنها في الواقع تخفي وراءها أهدافا وغايات لاتمت الى أبسط معاني الوطنية بصلة، بل هي في جوهرها نفاق سياسي يهدف الى تحقيق مكاسب سياسية وطائفية وفئوية ضيقة على حساب وحدة العراق وسلامة شعبه من خلال إبقائه في حالة الفوضى والإقتتال الداخلي.
فالكل يعلم بأن قرار مجلس الشيوخ الأمريكي هذا لايتضمن أي جديد ولايشكل أية مفاجأة لا للسياسيين العراقيين ولا للحكومات والمنظمات العربية لأن ما جاء في القرار ينص عليه بوضوح دستور العراق الجديد الذي أقره البرلمان المنتخب من الشعب والذي وافقت ووقعت عليه جميع القوى والكتل السياسية المنضوية تحت راية البرلمان، وللتذكير أنقل للقارئ الكريم بعضا من مواد الباب الخامس من الدستور التي تؤكد على هذا الموضوع.
الباب الخامس سلطات الأقاليم
الفصل الاول الأقاليم
المادة (112
):
يتكون النظام الاتحادي في جمهورية العراق من عاصمةٍ واقاليم ومحافظاتٍ لا مركزيةٍ واداراتٍ محلية
.
المادة (113
):
اولاً :ـ يقر هذا الدستور، عند نفاذه، اقليم كردستان وسلطاته القائمة، اقليماً اتحادياً. ثانياً :ـ يقر هذا الدستور، الاقاليم الجديدة التي تؤسس وفقاً لاحكامه
.
المادة (114
):
يسن مجلس النواب في مدةٍ لا تتجاوز ستة اشهر من تاريخ أول جلسةٍ له، قانوناً يحدد الاجراءات التنفيذية الخاصة بتكوين الاقاليم، بالاغلبية البسيطة للاعضاء الحاضرين
.
المادة (115
):
يحق لكل محافظةٍ او اكثر، تكوين اقليمٍ بناءاً على طلبٍ بالاستفتاء عليه، يقدم بأحدى طريقتين: اولاً :ـ طلبٍ من ثلث الاعضاء في كل مجلسٍ من مجالس المحافظات التي تروم تكوين الاقليم. ثانياً :ـ طلبٍ من عُشر الناخبين في كل محافظةٍ من المحافظات التي تروم تكوين الاقليم
.
المادة (116
):
يقوم الاقليم بوضع دستورٍ له، يحدد هيكل سلطات الاقليم، وصلاحياته، وآليات ممارسة تلك الصلاحيات، على ان لا يتعارض مع هذا الدستور
.
المادة ( 117
):
اولاً :ـ لسلطات الاقاليم، الحق في ممارسة السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وفقاً لاحكام هذا الدستور، باستثناء ما ورد فيه من اختصاصاتٍ حصرية للسلطات الاتحادية. ثانياً :ـ يحق لسلطة الاقليم، تعديل تطبيق القانون الاتحادي في الاقليم، في حالة وجود تناقض او تعارض بين القانون الاتحادي وقانون الاقليم، بخصوص مسألةٍ لا تدخل في الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية. ثالثاً :ـ تخصص للاقاليم والمحافظات حصةٌ عادلة من الايرادات المحصلة اتحادياً، تكفي للقيام بأعبائها ومسؤولياتها، مع الاخذ بعين الاعتبار مواردها وحاجاتها، ونسبة السكان فيها. رابعاً :ـ تؤسس مكاتبٌ للاقاليم والمحافظات في السفارات والبعثات الدبلوماسية، لمتابعة الشؤون الثقافية والاجتماعية والانمائية. خامسا:ـ تختص حكومة الاقليم بكل ما تتطلبه ادارة الاقليم، وبوجهٍ خاص انشاء وتنظيم قوى الامن الداخلي للاقليم، كالشرطة والامن وحرس الاقليم.
إذن أين الغرابة في قرار مجلس الشيوخ الأمريكي؟وما هي المفاجأة؟
بإعتقادي إن الخطأ يكمن فقط في أن مجلس الشيوخ الأمريكي لم يوفق في إختيار الكلمات المناسبة للتعبير عن قراره عندما إستخدم عبارة تقسيم العراق الى ثلاثة كيانات طائفية، وهذا الخطأ يذكرني بالخطأ الفادح الذي إرتكبته الإدارة الأمريكية بعد عملية تحرير العراق، حين إستخدموا كلمة إحتلال العراق بدلا من تحريره والتي وضعتهم في مواجهة الكثير من المشاكل وعرضتهم الى إنتقادات لاذعة.
كان على مجلس الشيوخ أن لايصدر قراره بهذا الأسلوب نظرا لحساسية الوضع الأمني والسياسي والطائفي في العراق، بل كان من الأفضل أن يرفع توصية الى الإدارة الأمريكية لعرضها على البرلمان والحكومة العراقية يقترح فيها العودة الى الدستور وتطبيق الباب الخامس الذي ينص على تشكيل أقاليم فدرالية على أسس جغرافية.
إن هذا الخطأ الأمريكي سواء كان مقصودا أم غير مقصود لم يكن في النتيجة أكثر من تحصيل حاصل وإقرار واقع ولايستوجب الرد عليه بهذا الشكل المتسرع ولا مواجهته بهذه الموجة الكبيرة من الإحتجاج والإستنكار، سيما وقد ذهبت بعض الأطراف بعيدا في إستنكارها مثل الجبهة التركمانية التي لاتمثل غير أعضائها والذين هم في جلهم أعضاء مخابرات وأدوات طيعة بيد السلطات التركية التي تتدخل من خلالهم وبشكل سافر في الشأن العراقي. أعلنت هذه الجبهة بأنها وفي حالة تقسيم العراق فإنها ستعلن تركمن إيلي أي أقليم تركماني وسوف تستنجد بسيدتها تركيا الطورانية لتأني بجيوشها وآلتها العسكرية من أجل حماية رعاياها البالغ عددهم ثلاثمائة ألف مواطن تركماني يتوزعون على قرى وقصبات متباعدة ولا تجمعهم منطقة جغرافية واحدة.
أما هيئة علماء المجرمين والمفخخين وعلى لسان رئيسها حارث الضاري الذي لازال يتمسك بأذناب الدكتاتورية السنية التي حكمت العراق لعقود طويلة ويحلم بعودتها، فقد شنت هجوما لاذعا على القيادات وقوات البيشمركة الكوردية، مهددا ومتوقعا بأن التقسيم سيؤدي الى حرب متعددة العناوين والإتجاهات والأهداف، وتدخل قوى أقليمية وخارجية ليصبح العراق بؤرة شر وساحة حرب لاتنتهي.
لقد نسي أو تناسى الشيخ الضاري ومعه كل الذين إعترضوا على قرار مجلس الشيوخ الأمريكي سواء من القوى العراقية أو العربية أوالأقليمية بأن العراق ومنذ فترة الحكم العثماني لم يكن موحدا بل كان يدار على شكل نظام الولايات وعلى أسس جغرافية، أي أقرب ما يكون الى نظام الفدرالية الجغرافية الذي نص عليه وأقره دستور العراق الجديد.
وفي المرحلة اللاحقة أي مرحلة الإستعمار الأنكليزي كانت كل جهود الشعب العراقي السياسية والعسكرية تصب في إتجاه واحد وهو تحرير العراق، الى أن تحقق ذلك الهدف وتم تشكيل الدولة العراقية الحديثة في بداية عشرينات القرن الماضي بنظام ملكي تعامل مع كل فئات الشعب العراقي بديمقراطية حقيقية ومن خلال برلمان ديمقراطي ضم أعضاء من كل مكونات الشعب العراقي آنذاك، ولم تتواجد على الساحة العراقية في ذلك الحين أحزاب عربية أو كردية ذات آيديولوجيات وتوجهات دينية تسعى الى تكريس الطائفية وتعمل وفق أجندات تخدم المصالح الدينية والقومية لدول أخرى كما هو حال العراق اليوم.
بعد نجاح ثورة 14 تموز سنة 1958 التي قادها عبدالكريم قاسم وأدت الى القضاء على النظام الملكي وتكوين الجمهورية العراقية، وبالرغم من وطنية عبدالكريم قاسم ومآثره الكثيرة، إلا أن تفرده بالسلطة { الزعيم الأوحد كما كان يطلق عليه } وعدم إتاحته الفرصة أمام بقية الأحزاب والقوى السياسية لمشاركته في الحكم، وإنتهاجه النهج الشيوعي بعيدا عن المسار القومي والوحدة العربية التي كانت مطلبا جماهيريا في تلك الفترة ومن ثم قطع علاقة العراق مع جامعة الدول العربية، أدت كل تلك الأسباب الى تراجع الديمقراطية بل وإختفائها من قاموس العراق السياسي، مما أدى الى ظهور خلافات سياسية شديدة بين قوى الشعب المختلفة، وصلت في الكثير من الأحيان الى صدامات مسلحة وإقتتال داخلي إرتكبت فيها مجازر دموية خاصة في كركوك والموصل زادت من تعميق الهوة بين فصائل الشعب العراقي ومكوناته القومية، وفي تلك الفترة أيضا ونتيجة لتنكر قاسم لحقوق الشعب الكوردي إندلعت في كوردستان { شمال العراق آنذاك } ثورة ايلول سنة 1961بقيادة الزعيم الخالد مصطفى البارزاني، التي كانت تتلخص أهدافها في تلك المرحلة بإقرار الحقوق القومية والسياسية والثقافية للشعب الكوردى، ثم تطورت الى المطالبة بالحكم الذاتي لكوردستان والديمقراطية للعراق. والتي تحققت من خلال إتفاقية 11 آذار سنة 1970 التي عقدت بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني ونظام البعث الحاكم آنذاك.
أما بقية طوائف ومكونات الشعب العراقي فلم تعرف خلال تأريخها الحديث أي شكل من أشكال الوحدة الوطنية عدا فترة الحكم الملكي التي تميزت بالديمقراطية، حيث تعاقبت بعد ذلك سلسلة الثورات والثورات المضادة والإنقلابات العسكرية، بدأ من ثورة 14 تموز 1958 التي قادها قاسم، ووصولا الى الإنقلاب المشؤوم الذي أوصل البعث الى السلطة في 17 تموز 1968 والتي تميزت جميعها بدكتاتورية الفئة الواحدة المتفردة بالسلطة، والتي عملت من خلال نظام السلطة المركزية على خنق الحريات ومصادرة الحقوق السياسية والثقافية لباقي فئات الشعب، والتعامل بقسوة وعدوانية ضد أية توجهات قومية أو طائفية أو حتى حزبية لاتتماشى مع سياسة وآيديولوجية الحزب الحاكم.
بالرغم من إنهيار إتفاقية سنة 1975 إلا أن الشعب الكوردي بقي يتمتع بخصوصية متميزة ضمن إطار الجمهورية العراقية تطورت الى الإنفصال الكامل إداريا وسياسيا عن السلطة المركزية في بغداد بعد الإنتفاضة المليونية سنة 1991 حيث تم تحرير كوردستان من جميع فلول البعث وأصبحت محمية من قبل الولايات الأمريكية وقوات التحالف الدولية. ثم أعلنت القيادات الكوردية ومن طرف واحد قيام أقليم كوردستان الفدرالي وتمكنت بالرغم من الصعوبات والتحديات الخطيرة التي واجهتها أن تدير شؤون الأقليم السياسية والإدارية والإقتصادية بنجاح وكفاءة، وأصبح للأقليم حكومة وطنية وبرلمان ديمقراطي منتخب من الشعب يضم بين أعضاءه ممثلين عن جميع القوى السياسية والقوميات والطوائف التي تعيش على أرض كوردستان، إضافة الى بناء بنية تحتية لما يمكن أن يكون أساسا لتكوين دولة كوردية مستقلة كانت الظروف مهيئة لإعلانها بعد سقوط النظام البعثي في نيسان 2003، إلا أن الحكومة الكوردية وإنطلاقا من حرصها على وحدة العراق وإستقراره إختارت طواعية الإنضمام الى العراق، وساهمت بكل إمكاناتها السياسية والإدارية والعسكرية من أجل الحفاظ على وحدة العراق وإنجاح العملية السياسية والتحولات الديمقراطية لبناء عراق ديمقراطي فدرالي موحد.
اليوم من ينظر الى خارطة العراق السياسية سيجد خطا فاصلا بين إدارتين وحكومتين مختلفتين تماما، الأولى في أقليم كوردستان الذي أصبح أقليما فدراليا بموجب الدستور الذي صادق عليه برلمان العراق المنتخب من الشعب، وصادقت عليه الأمم المتحدة، يتمتع هذا الأقليم بحالة مشهودة من الهدوء والإستقرار وحركة دؤوبة ومتسارعة من النمو والإعمار والتطور في كافة المجالات، وتجري فيه العملية السياسية وفق أسس متقدمة من الديمقراطية وإحترام حقوق الإنسان والأقليات، مع وجود حكومة وطنية تسهر على أمن المواطنين وراحتهم وتعمل على تحقيق الرفاهية لهم. وفي المقابل توجد على الجهة الثانية الحكومة المركزية في بغداد التي تحاول بكل الوسائل السيطرة على الأوضاع الأمنية المتدهورة وتحقيق حد أدنى من الإستقرار، لكن جهودها تتعثر وتتبعثر على أرضية الواقع المر الذي يعيشه العراق على ضوء الإختلافات والإنقسامات الحادة بل والتناحرات السياسية التي تشهدها الساحة العراقية التي أصبحت منقسمة فعلا وعلى أسس طائفية وعرقية الى أكثر من ثلاث كيانات، إذا أخذنا بنظر الإعتبار الأنقسامات الدينية والمذهبية السنية سنية والشيعية شيعية، وهذا أخطر بكثير مما نص عليه قرارمجلس الشيوخ الأمريكي.
إذن فعلام يبكي دعاة الوحدة المفقودة! ولماذا ترتفع أصواتهم النشاز وإحتجاجاتهم الفارغة؟ ولماذا هذا التهجم على الحكومة الكوردية التي أعلنت موقفها الحاسم والصريح بتأييد القرار الأمريكي، هذا الموقف الذي جاء نتيجة لخبرة طويلة وتجارب كثيرة ومعرفة عميقة ونظرة موضوعية لواقع العراق السياسي والإجتماعي، وإدراك راسخ بأن دكتاتورية الفئة الواحدة أصبح أمرا من الماضي، وإن الطريق السليم والوحيد لتحقيق الوحدة والترابط بين كل فئات الشعب العراقي هوالإلتزام بمبادئ الديمقراطية والفدرالية، وليس الوقوف ضدها ومحاولة إفشالها، لأن ذلك من شأنه أن يحول العراق الواحد الى عريقات صغيرة وكثيرة.
المانيــــــــا
محمد شمس الدين البريفكاني
بعد أن أصدر مجلس الشيوخ الأمريكي قراره الغير ملزم بتأريخ 26ـ 09ـ2007 والقاضي بتقسيم العراق الى ثلاثة أقاليم أو كيانات حسب الإنتماء العرقي والطائفي، تعالت وبسرعة أصوات كثيرة منددة بمشروع القرار ومعترضة عليه داخل العراق وخارجه، حيث أصدرت الكثير من الحكومات العربية وجامعتها المشلولة، ومجلس التعاون الخليجي والكثير من الهيئات والإتحادات والمنظمات العربية، بالإضافة الى الكثير من الكتاب العروبيين قرارات وبيانات ومقالات تصب كلها في خانة واحدة وهي رفض مشروع القرار الأمريكي والإحتجاج عليه. بحجة إن القرار يشكل خطرا على وحدة وسيادة العراق وتدخلا في شؤونه الداخلية ومستقبله السياسي.
إن من يتابع هذا الكم الهائل من ردود الأفعال العراقية والعربية حول القرار، سيتصور بأن كارثة كبيرة ستحيق بالعراق أو بالأمة العربية وإن من واجب الأشقاء العرب التدخل السريع لأيقاف ومنع تنفيذ هذا القرار الجائر منعا لوقوع الكارثة.
لو كان الأمر كذلك فلربما كنا سنعطي الحق لكل الذين رفعوا هذه اللاءات ونقف الى جانبهم، لكن للأسف فإن الحقيقة شئ آخر مختلف تماما وبعيدة جدا عن مثل هذا التصور الساذج. والوصول الى معرفة هذه الحقيقة لا يكلف الباحث كثيرا من الجهد ليكتشف بأنها لاءات وإعتراضات خبيثة تتخذ من الوطنية والحرص على وحدة العراق ستارا أو عباءة جميلة، لكنها في الواقع تخفي وراءها أهدافا وغايات لاتمت الى أبسط معاني الوطنية بصلة، بل هي في جوهرها نفاق سياسي يهدف الى تحقيق مكاسب سياسية وطائفية وفئوية ضيقة على حساب وحدة العراق وسلامة شعبه من خلال إبقائه في حالة الفوضى والإقتتال الداخلي.
فالكل يعلم بأن قرار مجلس الشيوخ الأمريكي هذا لايتضمن أي جديد ولايشكل أية مفاجأة لا للسياسيين العراقيين ولا للحكومات والمنظمات العربية لأن ما جاء في القرار ينص عليه بوضوح دستور العراق الجديد الذي أقره البرلمان المنتخب من الشعب والذي وافقت ووقعت عليه جميع القوى والكتل السياسية المنضوية تحت راية البرلمان، وللتذكير أنقل للقارئ الكريم بعضا من مواد الباب الخامس من الدستور التي تؤكد على هذا الموضوع.
الباب الخامس سلطات الأقاليم
الفصل الاول الأقاليم
المادة (112
):
يتكون النظام الاتحادي في جمهورية العراق من عاصمةٍ واقاليم ومحافظاتٍ لا مركزيةٍ واداراتٍ محلية
.
المادة (113
):
اولاً :ـ يقر هذا الدستور، عند نفاذه، اقليم كردستان وسلطاته القائمة، اقليماً اتحادياً. ثانياً :ـ يقر هذا الدستور، الاقاليم الجديدة التي تؤسس وفقاً لاحكامه
.
المادة (114
):
يسن مجلس النواب في مدةٍ لا تتجاوز ستة اشهر من تاريخ أول جلسةٍ له، قانوناً يحدد الاجراءات التنفيذية الخاصة بتكوين الاقاليم، بالاغلبية البسيطة للاعضاء الحاضرين
.
المادة (115
):
يحق لكل محافظةٍ او اكثر، تكوين اقليمٍ بناءاً على طلبٍ بالاستفتاء عليه، يقدم بأحدى طريقتين: اولاً :ـ طلبٍ من ثلث الاعضاء في كل مجلسٍ من مجالس المحافظات التي تروم تكوين الاقليم. ثانياً :ـ طلبٍ من عُشر الناخبين في كل محافظةٍ من المحافظات التي تروم تكوين الاقليم
.
المادة (116
):
يقوم الاقليم بوضع دستورٍ له، يحدد هيكل سلطات الاقليم، وصلاحياته، وآليات ممارسة تلك الصلاحيات، على ان لا يتعارض مع هذا الدستور
.
المادة ( 117
):
اولاً :ـ لسلطات الاقاليم، الحق في ممارسة السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وفقاً لاحكام هذا الدستور، باستثناء ما ورد فيه من اختصاصاتٍ حصرية للسلطات الاتحادية. ثانياً :ـ يحق لسلطة الاقليم، تعديل تطبيق القانون الاتحادي في الاقليم، في حالة وجود تناقض او تعارض بين القانون الاتحادي وقانون الاقليم، بخصوص مسألةٍ لا تدخل في الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية. ثالثاً :ـ تخصص للاقاليم والمحافظات حصةٌ عادلة من الايرادات المحصلة اتحادياً، تكفي للقيام بأعبائها ومسؤولياتها، مع الاخذ بعين الاعتبار مواردها وحاجاتها، ونسبة السكان فيها. رابعاً :ـ تؤسس مكاتبٌ للاقاليم والمحافظات في السفارات والبعثات الدبلوماسية، لمتابعة الشؤون الثقافية والاجتماعية والانمائية. خامسا:ـ تختص حكومة الاقليم بكل ما تتطلبه ادارة الاقليم، وبوجهٍ خاص انشاء وتنظيم قوى الامن الداخلي للاقليم، كالشرطة والامن وحرس الاقليم.
إذن أين الغرابة في قرار مجلس الشيوخ الأمريكي؟وما هي المفاجأة؟
بإعتقادي إن الخطأ يكمن فقط في أن مجلس الشيوخ الأمريكي لم يوفق في إختيار الكلمات المناسبة للتعبير عن قراره عندما إستخدم عبارة تقسيم العراق الى ثلاثة كيانات طائفية، وهذا الخطأ يذكرني بالخطأ الفادح الذي إرتكبته الإدارة الأمريكية بعد عملية تحرير العراق، حين إستخدموا كلمة إحتلال العراق بدلا من تحريره والتي وضعتهم في مواجهة الكثير من المشاكل وعرضتهم الى إنتقادات لاذعة.
كان على مجلس الشيوخ أن لايصدر قراره بهذا الأسلوب نظرا لحساسية الوضع الأمني والسياسي والطائفي في العراق، بل كان من الأفضل أن يرفع توصية الى الإدارة الأمريكية لعرضها على البرلمان والحكومة العراقية يقترح فيها العودة الى الدستور وتطبيق الباب الخامس الذي ينص على تشكيل أقاليم فدرالية على أسس جغرافية.
إن هذا الخطأ الأمريكي سواء كان مقصودا أم غير مقصود لم يكن في النتيجة أكثر من تحصيل حاصل وإقرار واقع ولايستوجب الرد عليه بهذا الشكل المتسرع ولا مواجهته بهذه الموجة الكبيرة من الإحتجاج والإستنكار، سيما وقد ذهبت بعض الأطراف بعيدا في إستنكارها مثل الجبهة التركمانية التي لاتمثل غير أعضائها والذين هم في جلهم أعضاء مخابرات وأدوات طيعة بيد السلطات التركية التي تتدخل من خلالهم وبشكل سافر في الشأن العراقي. أعلنت هذه الجبهة بأنها وفي حالة تقسيم العراق فإنها ستعلن تركمن إيلي أي أقليم تركماني وسوف تستنجد بسيدتها تركيا الطورانية لتأني بجيوشها وآلتها العسكرية من أجل حماية رعاياها البالغ عددهم ثلاثمائة ألف مواطن تركماني يتوزعون على قرى وقصبات متباعدة ولا تجمعهم منطقة جغرافية واحدة.
أما هيئة علماء المجرمين والمفخخين وعلى لسان رئيسها حارث الضاري الذي لازال يتمسك بأذناب الدكتاتورية السنية التي حكمت العراق لعقود طويلة ويحلم بعودتها، فقد شنت هجوما لاذعا على القيادات وقوات البيشمركة الكوردية، مهددا ومتوقعا بأن التقسيم سيؤدي الى حرب متعددة العناوين والإتجاهات والأهداف، وتدخل قوى أقليمية وخارجية ليصبح العراق بؤرة شر وساحة حرب لاتنتهي.
لقد نسي أو تناسى الشيخ الضاري ومعه كل الذين إعترضوا على قرار مجلس الشيوخ الأمريكي سواء من القوى العراقية أو العربية أوالأقليمية بأن العراق ومنذ فترة الحكم العثماني لم يكن موحدا بل كان يدار على شكل نظام الولايات وعلى أسس جغرافية، أي أقرب ما يكون الى نظام الفدرالية الجغرافية الذي نص عليه وأقره دستور العراق الجديد.
وفي المرحلة اللاحقة أي مرحلة الإستعمار الأنكليزي كانت كل جهود الشعب العراقي السياسية والعسكرية تصب في إتجاه واحد وهو تحرير العراق، الى أن تحقق ذلك الهدف وتم تشكيل الدولة العراقية الحديثة في بداية عشرينات القرن الماضي بنظام ملكي تعامل مع كل فئات الشعب العراقي بديمقراطية حقيقية ومن خلال برلمان ديمقراطي ضم أعضاء من كل مكونات الشعب العراقي آنذاك، ولم تتواجد على الساحة العراقية في ذلك الحين أحزاب عربية أو كردية ذات آيديولوجيات وتوجهات دينية تسعى الى تكريس الطائفية وتعمل وفق أجندات تخدم المصالح الدينية والقومية لدول أخرى كما هو حال العراق اليوم.
بعد نجاح ثورة 14 تموز سنة 1958 التي قادها عبدالكريم قاسم وأدت الى القضاء على النظام الملكي وتكوين الجمهورية العراقية، وبالرغم من وطنية عبدالكريم قاسم ومآثره الكثيرة، إلا أن تفرده بالسلطة { الزعيم الأوحد كما كان يطلق عليه } وعدم إتاحته الفرصة أمام بقية الأحزاب والقوى السياسية لمشاركته في الحكم، وإنتهاجه النهج الشيوعي بعيدا عن المسار القومي والوحدة العربية التي كانت مطلبا جماهيريا في تلك الفترة ومن ثم قطع علاقة العراق مع جامعة الدول العربية، أدت كل تلك الأسباب الى تراجع الديمقراطية بل وإختفائها من قاموس العراق السياسي، مما أدى الى ظهور خلافات سياسية شديدة بين قوى الشعب المختلفة، وصلت في الكثير من الأحيان الى صدامات مسلحة وإقتتال داخلي إرتكبت فيها مجازر دموية خاصة في كركوك والموصل زادت من تعميق الهوة بين فصائل الشعب العراقي ومكوناته القومية، وفي تلك الفترة أيضا ونتيجة لتنكر قاسم لحقوق الشعب الكوردي إندلعت في كوردستان { شمال العراق آنذاك } ثورة ايلول سنة 1961بقيادة الزعيم الخالد مصطفى البارزاني، التي كانت تتلخص أهدافها في تلك المرحلة بإقرار الحقوق القومية والسياسية والثقافية للشعب الكوردى، ثم تطورت الى المطالبة بالحكم الذاتي لكوردستان والديمقراطية للعراق. والتي تحققت من خلال إتفاقية 11 آذار سنة 1970 التي عقدت بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني ونظام البعث الحاكم آنذاك.
أما بقية طوائف ومكونات الشعب العراقي فلم تعرف خلال تأريخها الحديث أي شكل من أشكال الوحدة الوطنية عدا فترة الحكم الملكي التي تميزت بالديمقراطية، حيث تعاقبت بعد ذلك سلسلة الثورات والثورات المضادة والإنقلابات العسكرية، بدأ من ثورة 14 تموز 1958 التي قادها قاسم، ووصولا الى الإنقلاب المشؤوم الذي أوصل البعث الى السلطة في 17 تموز 1968 والتي تميزت جميعها بدكتاتورية الفئة الواحدة المتفردة بالسلطة، والتي عملت من خلال نظام السلطة المركزية على خنق الحريات ومصادرة الحقوق السياسية والثقافية لباقي فئات الشعب، والتعامل بقسوة وعدوانية ضد أية توجهات قومية أو طائفية أو حتى حزبية لاتتماشى مع سياسة وآيديولوجية الحزب الحاكم.
بالرغم من إنهيار إتفاقية سنة 1975 إلا أن الشعب الكوردي بقي يتمتع بخصوصية متميزة ضمن إطار الجمهورية العراقية تطورت الى الإنفصال الكامل إداريا وسياسيا عن السلطة المركزية في بغداد بعد الإنتفاضة المليونية سنة 1991 حيث تم تحرير كوردستان من جميع فلول البعث وأصبحت محمية من قبل الولايات الأمريكية وقوات التحالف الدولية. ثم أعلنت القيادات الكوردية ومن طرف واحد قيام أقليم كوردستان الفدرالي وتمكنت بالرغم من الصعوبات والتحديات الخطيرة التي واجهتها أن تدير شؤون الأقليم السياسية والإدارية والإقتصادية بنجاح وكفاءة، وأصبح للأقليم حكومة وطنية وبرلمان ديمقراطي منتخب من الشعب يضم بين أعضاءه ممثلين عن جميع القوى السياسية والقوميات والطوائف التي تعيش على أرض كوردستان، إضافة الى بناء بنية تحتية لما يمكن أن يكون أساسا لتكوين دولة كوردية مستقلة كانت الظروف مهيئة لإعلانها بعد سقوط النظام البعثي في نيسان 2003، إلا أن الحكومة الكوردية وإنطلاقا من حرصها على وحدة العراق وإستقراره إختارت طواعية الإنضمام الى العراق، وساهمت بكل إمكاناتها السياسية والإدارية والعسكرية من أجل الحفاظ على وحدة العراق وإنجاح العملية السياسية والتحولات الديمقراطية لبناء عراق ديمقراطي فدرالي موحد.
اليوم من ينظر الى خارطة العراق السياسية سيجد خطا فاصلا بين إدارتين وحكومتين مختلفتين تماما، الأولى في أقليم كوردستان الذي أصبح أقليما فدراليا بموجب الدستور الذي صادق عليه برلمان العراق المنتخب من الشعب، وصادقت عليه الأمم المتحدة، يتمتع هذا الأقليم بحالة مشهودة من الهدوء والإستقرار وحركة دؤوبة ومتسارعة من النمو والإعمار والتطور في كافة المجالات، وتجري فيه العملية السياسية وفق أسس متقدمة من الديمقراطية وإحترام حقوق الإنسان والأقليات، مع وجود حكومة وطنية تسهر على أمن المواطنين وراحتهم وتعمل على تحقيق الرفاهية لهم. وفي المقابل توجد على الجهة الثانية الحكومة المركزية في بغداد التي تحاول بكل الوسائل السيطرة على الأوضاع الأمنية المتدهورة وتحقيق حد أدنى من الإستقرار، لكن جهودها تتعثر وتتبعثر على أرضية الواقع المر الذي يعيشه العراق على ضوء الإختلافات والإنقسامات الحادة بل والتناحرات السياسية التي تشهدها الساحة العراقية التي أصبحت منقسمة فعلا وعلى أسس طائفية وعرقية الى أكثر من ثلاث كيانات، إذا أخذنا بنظر الإعتبار الأنقسامات الدينية والمذهبية السنية سنية والشيعية شيعية، وهذا أخطر بكثير مما نص عليه قرارمجلس الشيوخ الأمريكي.
إذن فعلام يبكي دعاة الوحدة المفقودة! ولماذا ترتفع أصواتهم النشاز وإحتجاجاتهم الفارغة؟ ولماذا هذا التهجم على الحكومة الكوردية التي أعلنت موقفها الحاسم والصريح بتأييد القرار الأمريكي، هذا الموقف الذي جاء نتيجة لخبرة طويلة وتجارب كثيرة ومعرفة عميقة ونظرة موضوعية لواقع العراق السياسي والإجتماعي، وإدراك راسخ بأن دكتاتورية الفئة الواحدة أصبح أمرا من الماضي، وإن الطريق السليم والوحيد لتحقيق الوحدة والترابط بين كل فئات الشعب العراقي هوالإلتزام بمبادئ الديمقراطية والفدرالية، وليس الوقوف ضدها ومحاولة إفشالها، لأن ذلك من شأنه أن يحول العراق الواحد الى عريقات صغيرة وكثيرة.
المانيــــــــا