PDA

View Full Version : الدكتور طالب الرماحي:العراق : الوحدة المستحيلة


بحزاني نت
10-10-2007, 13:37
العراق : الوحدة المستحيلة

الدكتور طالب الرماحي

من المآسي التي حاقت بالمجتمع الشيعي وفي العراق خاصة أنه تأثر بثقافة لاتخدم مصالحه، وتبنت طيلة القرن الماضي قضايا غيره ، وحصدت ثمارها أطراف أخرى لاتكن له الود بل هي غريمة له ضمن إطار صراع تاريخي طائفي مرير ، ومن أخطر متبنايات الشيعة في العراق السلبية ( وهي كثيرة ) ثقافة رفض أي شيء يصدر عن الغرب متأثرين بذلك بوسائل الإعلام العربية ذات الوجهين والتي ترفض الغرب ظاهرا وتتفق معه باطناً ، تنتقده إعلاميا وتتبنى رؤاه وتقلدها من وراء الكواليس ، ولم يكن شيعة العراق يتصفون بمثل هذه الإزدواجية وكانوا صادقين ومخلصين في مواقفهم التي أمليت عليهم نتيجة للآلة الإعلامية العربية وشطارتها ولعدم امتلاك الشيعة آلة إعلامية خاصة بهم للظروف السياسية القاهرة التي يعيشونها بسبب سياسة القمع والإلغاء التي كان يمارسها غالبية الحكام العرب والعراق وبشكل أكثر بشاعة وقسوة النظام الصدامي المقبور .

ومشروع بايدن الذي أقره مجلس الشيوخ الأمريكي عرض وجهة نظر خاصة لحل القضية العراقية ، ونعتقد أن الأمريكيين لم يبادروا الى مثل هذه الخطوة اعتباطا وأنما جاءت بعد أن أدرك بايدن وجمع من رفاقه أن في العراق معظلة وليست مجرد قضية وأن حل هذه المعظلة بحاجة الى مجازفة تتمثل بمشروع يقدم الى الشعب العراقي ، في ظل غياب أي مشروع واضح تعتمده جهة معينة لبناء عراق خال من العنف لا من الشيعة ولا من السنة ، فالمشروع جاء على قناعة أمريكية من أن الشعب العراقي ووفق التركيبة السكانية والنظام السياسي الحالي سوف يبقى يعيش في دوامة مستمرة من العنف والتصفيات المتبادلة وقد صرح بهذه الحقيقة اكثر من متخصص في الوضع العراقي وآخرها ما ذكر على لسان إحدى النائبات في مجلس الشيوخ حيث قالت : إن الحرب في العراق سوف تستمر وستكلف الخزينة الأمريكية ترليون من الدولارات . فالنواب في مجلس الشيوخ ينظرون الى ما يحصل بعين السياسي المتمرس وهو يفكر بعمق من أجل أن يضع حلاً لتورط بلاده في العراق ، وإذا افترضنا أن هؤلاء يضعون المشاريع حرصا على مصالح الولايات المتحدة وضمان سلامة جنودهم وهذا أمر طبيعي ومن حقهم أن يفعلوا ذلك ، لكن هل يفعل قادة وبرلمانيو الأكثرية الشيعية الحاكمة في العراق كما يفعل نظرائهم من الأمريكيين ، بالطبع أن موقف هؤلاء القادة من المشروع لم يكن كذلك كما فعل الكرد عندما ابتعدوا عن المواقف ( الشعاراتية ) والمثالية والعاطفية كما فعل غالبية القادة الشيعة والذين تسابقوا لرفض المشروع جزافا دون تأن أو روية ومن دون أن ينتظروا لدراسته ومعرفة أين تكمن مصلحة الملايين التي تنزف دما كل يوم . وإذا كان الأمريكيون وهم الأكثر خبرة قد وضعوا حلا لمعضلة العراق بالتصديق على مشروع بايدن وهذا دليل على جديتهم في إيجاد حل ، فما هو حل قادتنا ، وشعبهم الأكثر تضررا مما يحصل ، وإذا كانت قناعة الأمريكيين في الحل هو التقسيم الطائفي وقد بلغوا هذه القناعة نتيجة لمقدمات وأسس علمية فما هو تصور قادتنا لحل المعظلة وما هي الأسس التي استندوا عليها في رفض هذا المشروع ، فعلى الأقل أن الشارع العراقي ينتظر من حكومته أن تبرهن له من أن الوحدة الجغرافية والطائفية والعرقية هي الطريق الى الحل ، وبذلك يكون رد مشروع بايدن قد ارتكز ولو على دعامة واحدة ، إن الشعب ومثقفي العراق وكل الشرفاء فيه يرون أن انتظار الفرج من حكومة لاتتعامل مع الوضع الدموي في العراق بإسلوب علمي يرتكز على الواقع ويضع حرمة الدماء ومصلحة الشعب فوق كل الإعتبارات الضحلة الأخرى ، أن الأمريكيين يدركون جيداً أن تباينا كبيرا بين مواقف كل الفرقاء ويأتي هذا المشروع كاقتراح ينسجم مع رغبة غالبية الشعب العراقي والتي تميل الى تقسيم العراق الى ثلاث فيدراليات أساسية وحكومة مركزية ذات صلاحيات محددة ، وهذا المشروع لم يتجاوز في غالبية بنوده الدستور العراقي كما أنه ليس ملزما لا للشعب العراقي ولا للإدارة الأمريكية وبالتالي فإن رفض هذا المشروع من قبل القادة العراقيين قبل مناقشته وقراءة ابعاده ونتائجه ينطوي على أمرين إما جهل بالمصالح الذاتية أو أنه فعلاً لايخدم تلك المصالح ، وعلى ضوء ما رأينا من اعتراضات فإننا نرى أن المشروع فعلاً لايخدم الطائفة السنية في العراق لأنه لاينسجم مع الأجندة التي تتبناها قياداتها ولا الحكومات العربية التي تساند تلك القيادات وتمول العمليات الإرهابية وتغذي العنف ظناً منها أن في وسعها إرجاع عجلة العراق الى الوراء الى ما قبل سقوط النظام الصدامي ، وبالتالي فإن موقف كل هؤلاء هو موقف صائب إذا ما قورن بمتبنياتهم السياسية في العراق الرافضة لأي شكل من أشكال الفيدرالية والتي يتضمنها المشروع ، وكان موقف الأخوة الكرد هو أيضا موقف يتسم بمصداقية سياسية تنسجم تماما مع مصالحهم حيث أبدوا ارتياحا للمشروع بعد أن بينوا أسباب ذلك الإرتياح فأن القرار لايتقاطع مع الدستور الذي يثبت الفيدرالية في العراق بل أنهم اعتبروا هذا المشروع نصرا لتطلعاتهم المستقبلية وتأكيدا على صدق دعواهم في أن الفيدرالية هي الحل الأمثل لعراق آمن .

لكن العجب كل العجب في موقف القيادات الشيعية التي رفضت المشروع ، وهي بذلك تناقض نفسها في تأييد دستورها الذي قاتلت من أجله وجاهدت لتثبيت فقرة العراق الفيدرالي فيه ، وهي بهذا الموقف ايدت أعدائها وبينت سطحية تعاملها مع قضاياها ، وهي بذلك تفتقد الى الحكمة والروية التي اتسمت بها القيادات السنية والكردية على حد سواء، وهذا الموقف يذكرنا بموقف القيادات الدينية الشيعية عند تأسيس الدولة العراقية 1921 حيث رفضوا الإنخراط في العملية السياسية وحرموا المشاركة في الإنتخابات تحت ذرائع شرعية لا اساس لها في الدين ولا في العقيدة وأنما جاءت تلك المواقف بسبب الجهل السياسي وانعدام الحكمة في التعامل مع القضايا المهمة للأمة .

لقد بدت القيادات الشيعية مرتبكة في ذرائعها في رفض المشروع وكأنها تريد أن تدفع الشكوك عن نفسها ولذا فهي تريد أن تبدوا لأعدائها في الداخل والخارج أنها ليست من دعاة التقسيم كما يروج له الأعداء ، ومن تلك الذرائع أن المشروع قد طغى عليه مصطلح ( التقسيم ) ، فاصبح هذا المصطلح اللغوي الدافع للسقوط في خطأ تاريخي ، علما أن هذه المفردة اللغوية يتناقلها السياسيون في معرض حديثهم دائما عن الفيدرالية وعن الدستور الذي يقر بتقسيم العراق الى أقاليم متعددة وحكومة مركزية .

إن العقلاء والمخلصين واهل الدراية السياسية يتفقون أن العراق مقسم فعلاً ، ونحن لسنا دعاة للتقسيم بقدر ما نريد أن نكون واقعيين في التعامل مع الملف العراقي الذي تميز بسخونة فريدة ودموية غير معهودة طيلة الثلاث عقود الأخيرة ونعتقد إن هذه الدموية الفريدة هي التي خلفت لنا حاضرا دمويا استثنائيا . فكردستان التي تتمتع بما يفوق معاييرالحكم الذاتي وأكثر بكثير مما يقره الدستور من صلاحيات الأقاليم ، وهي ترفض دخول العرب إليها من غير موافقة مسبقة أو تصريح من حكومتها ، بادرت خلال الأيام الماضية الى فتح ممثليات لها في دول العالم ، إذن وحدة مفترضة تلك التي تربط كردستان بوسط العراق وجنوبه ؟ . أما المنطقة الغربية فقد أصبحت مقفلة تماما على السنة وليس في وسع أحد من الشيعة أن يتجول في محافظات تكريت والأنبار وديالى والموصل فضلاً عن العيش فيها بسلام ضمن أحياء آمنة ، وكلنا نرقب كيف يتعرض الشيعة التركمان أو الشبك والذين أجبروا على البقاء في الموصل الى حملات تصفية مستمرة من سيارات مفخخة وأحزمة ناسفة ، فيما غادرها الكثيرون الى محفظات الوسط والجنوب الشيعية .

إن تقسيم العراق فعليا بفيدراليات حقيقية واسعة الصلاحيات مع حكومة مركزية ذات صلاحيات محددة والإسراع في ذلك سوف يكون من صالح الجميع وهو الكفيل بوضع حد لسفك دماء الأبرياء في الوسط والجنوب بل وفي المناطق الغربية التي كانت وما تزال مقرا ومستقرا للجماعات الإرهابية السنية المحلية أو الواردة من الخارج ، فها هو العراق قد دخل سنته الخامسة من تحريره من قيود الإستعباد البعثي الصدامي مازال يتعرض الى عمليات منظمة من عمليات العنف والتخريب وسفك الدماء الطاهرة ، وأن قساوة هذه العمليات واستهدافها الجميع ، خلقت ضربا من الخوف الذي استوطن لدى السكان الشيعة المتواجدين قرب المناطق السنية ، وأن هذا الأمر قد اصبح واقعا ليس من السهل تفاديه أو حتى معالجته ، فقد هجر 98% من شيعة الأنبار مساكنهم الى محافظات الوسط والجنوب ،والأحياء الشيعية في ديالى تتعرض باستمرار الى غزوات الإرهابيين من الطائفة الأخرى ، وتحولت بغداد التي تتميز بتداخل الوجود الشيعي والسني الى أحياء مقفلة على الشيعة أو السنة وحالة الترقب بين الطائفتين هاجسا في قلوب الجميع ، فإذا كان الحال قد وصل الى ما آل إليه فإي حديث عن عراق موحد .

ونحن نبدي رأينا في موضوع التقسيم والفصل بين طوائف العراق نحب أيضا أن نؤكد أن قطاعات كبيرة من الأخوة السنة يميلون الى التعايش مع إخوتهم الشيعة وأن منهم من يطارد الإرهابيين في الأنبار وديالى ومناطق أخرى ، لكن الذي نراه أن سلطان هؤلاء على الإرهابيين من أبناء جلدتهم محدود جدا ، وخاصة أن تلك الجماعات ما زالت توالي صدام وحزب البعث والقاعدة وهي تشكل أجيالاً عديدة تربت على الثقافة الصدامية ونهلت من مشاربه الطائفية والمفعمة بالأحقاد للطائفة الشيعية وللأكراد .

---------

مركز العراق الجديد للإعلام والدراسات

www.thenewiraq.com (http://newspro.co.uk/tni/nl/lt/t_go.php?i=576&e=Zm9AYmFoemFuaS5uZXQ=&l=http://www.thenewiraq.com/)