PDA

View Full Version : ملف الكاتب والروائي الراحل جمعة كنجي وقصص جديدة تنشر لاول مرة


بحزاني نت
17-10-2007, 22:34
الكاتب والروائي الراحل جمعة كنجي

http://www.zahratnissan.com/themes/fawa7gold/images/topics/Jom3aKonjy.gif (http://www.zahratnissan.com/modules.php?name=News&new_topic=64)


بحزاني نت تفتح ملف الاديب والمثقف الايزيدي جمعة كنجي اللذي كرس حياته لأداء رسالته في خدمة الانسانية
1ـ حياته
2 - زهير كاظم عبود:جمعة كنجي المسافر الذي رحل دون كلمات
3 - خلدون جاويد:جمعة كنجي نجمة مؤتلقة قراءة في كتابه " ذلك المسافر"
4 - نبيل يونس دمان:لذكرى الاديب الاستاذ المعروف جمعة كنجي العـِطر والريحان


قصص تنشر لاول مرة

الينبوع الحزين

الطوفان
البيضة
لماذا هرب الحصان ؟
الغراب في زي جديد
الشمس والثلج والجبل
الديك في مملكة الثعالب
الثيران لا تستحق الرحمة !
العقاب العادل
السمكة الفضية

الأشجار لا تموت
معركة أخرى خاسرة


حياته
- مواليد 1933 الموصل ، بعشيقة/بحزاني
- انهى الدراسة الاعدادية – القسم – الادبي – سنة 1953
- خريج الدورة التربوية سنة 1954، عين معلما ً في مدارس سنجار والشيخان والموصل .
-التحق بصفوف الانصار عام 1963 ، بعد فصله من التعليم .
- بدأ الكتابة في الصحافة العراقية عام 1952، حيث نشر العديد من المقالات في جريدة ( فتى الموصل ) وبعدها في أتحاد الشعب وطريق الشعب والفكر الجديد وشمس كردستان .
- كان له اهتمام بالتراث ونشر العديد من المواضيع في مجلة التراث الشعبي .
- كتب القصة القصيرة ، وله عدة مجاميع غير منشورة .
- نشر قصص للأطفال من خلال دار ثقافة الطفل عام 1985.
- نشرت له مجموعة قصصية في سوريا بعنوان ذلك المسافر عام 1966 عن دار بترا للطباعة والنشر.
- له مخطوطة غير منشورة عن الديانة الأيزيدية .
-اعتقل بسبب نشاطه السياسي لأكثر من مرة في عهود مختلفة .وتعرضت عائلته للأبادة بعد اعتقالها في آب 1988، ومن ضمنها زوجته وأبناؤه الثلاثة ووالدته وشقيقته واولاد شقيقه ( ابو عمشة) ووالدتهم .
ولحد اليوم لم يعثر عليهم رغم سقوط النظام وإكتشاف المئات من القبور الجماعية .
منع من النشر وتعرض لأستدعاءات متكررة من قبل جهاز الأمن ، تعرض إلى سكته قلبية قاتلة يوم 18/10/1986 بعد خروجه من مبنى مديرية أمن نينوى مباشرة .

بحزاني نت
17-10-2007, 22:36
جمعة كنجي المسافر الذي رحل دون كلمات

زهير كاظم عبود



المجموعة القصصية التي كتبها القاص الكردي الأيزيدي الراحل ( جمعة كنجي ) تعبير حقيقي عن ذاكرة الأنسان المنفي داخل الوطن ، فقد تضمنت مجموعته القصصية أحاسيس دافئة وأحلاماً متواضعة ، وحكايات بسيطة بساطة المجتمع الذي كان يعيشه ، وربما كان جمعة كنجي يوزع روحه بين شخوص ومحاور القصص القصيرة التي ضمتها المجموعة الأخيرة التي تؤكد رحيله المبكر ممتلئاً بفواجع الوطن وعذابات العائلة والقرارات التي لاحقته في أيامه المليئة بالمرارة والعذاب والأحزان والمآسي ، ابتداءً من منعه نشر كتاباته الى فصله من وظيفته لأسباب سياسية وحرمانه من مصدر رزقه حتى محاربته نفسياً ومطاردته مقاتلاً متسلحاً بالعقيدة والبندقية ، ربما تشير هذه المجموعة القصصية إلى رحيله فعلاً حيث أختار الناشر قصته الأخيرة من بين مجموعة القصص (( ذلك المسافر )) فأختارها عنواناً للكتاب ليدلل بشكل أكيد على سفره الأبدي عن نهاراتنا المتعبة .

وداخل جميع القصص التي ضمتها المجموعة تقرأ وتشعر بعذابات الإنسان في الحياة الاعتيادية من خلال القهر الطبقي والاجتماعي يصورها القاص جمعة كنجي بأسلوب سلس وبارع ، ينتقي مفرداته من بين أيامنا وأرواحنا داخل القرية أو المدينة ، أو فوق ثلوج كردستان وحتى خلال المعارك الطاحنة بين قوات البيشمركة الكردية وبين قوات الجيش النظامي ، ففي قصة دائرة البيطرة والاحتجاج تشعر بلذة ذكريات الطفولة ومرابع الصبا وأوراق العمر التي تعرض لها قلم جمعة كنجي بدقة وتفاصيل دقيقة وبارعة تدلل على براعته في نقل الواقع واختزال الكلام من أجل إيصال المعنى العميق والمحور العام للقصص ، ومن كوخ على نهر الكومل المنساب شرق مدينة الموصل بدأ يصعد باتجاه القمم الشامخة لجبال كردستان حيث النقاء والثلوج والخلاص وصـــوت الرصاص الذي يتردد في فضاء المساحات القابعة بين الجبال والتمرد على الظلم والاضطهاد وقسوة السلطة ، وعناد المقاتل الذي لا يملك غير روحه يقاتل بها ، ويدس بين حكايات قصصه حكاية المقامة التي أنتزعها من التراث ، والحكايات الشعبية ليقوم بتوظيفها لصالح القصد القصصي ، وفي قصة القرية المهجورة ومعركة خاسرة أخرى اللتين تختلفان عن مسار القصص التي ضمتها المجموعة لكونهما كتبتا في العام 1969 تجد نمطاً من الحكايات التي تتضمن الكلمات الكردية ( بوخاترة خدا و علي آغا وغيرها من الكلمات الكردية التي احتوتها النصوص ……) ويحاول أن يبرز ظاهرة الانسحاق الطبقي وضياع الناس تحت سطوة الأغنياء ، و في قصة القلعة القديمة يقتبس أساسها من الرموز الدينية والأسطورة الشعبية المتداولة في المدن التي يسكنها الأيزيدية ويدخل فيها بلباقة وخفة أساطير دينية وأسماء أولياء ومزارات دينية للأيزيدية ، إضافة إلى تطرقه إلى الطوافة ، وهي احتفال ديني شعبي يقوم الأيزيدية خلاله بالرقص بالقرب من مزاراتهم المقدسة في كل المدن التي يسكنونها في أعيادهم ومناسباتهم الدينية ، ويتحول الطقس إلى مشروع فرح وتلاق بين الناس ، وثمة إشارات إلى معارك وطنية مثل معركة الكرامة التي كتبها بعد اندلاع معركة الكرامة وبروز ظاهرة العمل الفدائي المسلح ، وفي كل هذه القصص ثمة إشارات إلى بداية يانعة تدل على الإصرار والمثابرة لإيصال الصورة القصصية واضحة وبسيطة للقارئ ، ومن خلال تصفح ومطالعة القصص تشعر أن الهاجس الوطني يطغي على روح القاص كنجي وقد عبر عن أفكاره السياسية داخل النصوص وحقق بذلك منحنين هامين في مجال القصة القصيرة ، الأول إنه تمكن من إيصال الفكرة بأقصر الطرق إلى عقل القارئ ، والثاني إنه أختزل أفكاره على شكل قالب من الكلمات الجميلة والتي تضمنتها النصوص فنجح في كلا الحالتين ، لكن الكاتب ( جمعة كنجي ) كتب روحه ضمن القصة الأخيرة التي ضمتها المجموعة من خلال قصة ( ذلك المسافر !! ) وهي التي أختارها الناشر لتكون عنوان الكتاب ، ودليل واضح إلى الرحيل المبكر والعمر الحزين والمليء بالمتاعب للأديب و الكاتب جمعة كنجي المولود في ناحية بعشيقة 1933 وأكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة والإعدادية فيها ثم أكمل الدورة التربوية عام 1954 وعين معلماً في مدارس سنجار والشيخان والموصل ، وكان خلال فتره عمله استطاع أن يعكس قدرته الثقافية وموهبته التي لازمته طيلة حياته الثقافية والتي برزت بشكل واضح خلال كتابته قصص للأطفال أو الكتابات التي كانت تنشرها له الصحافة العراقية ( فتى الموصل واتحاد الشعب والفكر الجديد وطريق الشعب ) ، وتعرض بعدها للفصل والتشرد والالتحاق بالثورة الكردية المسلحة وتحملت عائلته حالها حال آلاف العوائل الكردية المآسي والعذاب والاعتقال والاضطهاد وبعد هذا وفي العام 1986 سكت قلم الكاتب جمعة كنجي عن الكتابة وتوقف القلب عن رحلة الألم والمكابدات الإنسانية لتتوقف رحلته دون أن يشاهد مجموعته القصصية موضوع مادتنا وهي تنشر وتطبع وتتداول بين أيدي محبي قصصه وحكاياته ، وبادرت دار بترا للطباعة والنشر في دمشق لتقوم بطبعها عام 1996 .

وبقيت قصص جمعة كنجي ليس فقط في الذاكرة وإنما علامة من علامات الوجع الإنساني الذي يغفو على تفاصيله إنسان العراق ، ومكابدات إنسانية واقعية وصريحة وربما تنقل بعض الذكريات عن عذابات البوح والشكوى التي امتلأت بها روح كنجي ففاضت بها قصصاً لم تكتمل فصولها ولا تكحلت بها عيونه ليشاهدها مرسومة على الورق ، فكانت جزء من ذاكرة العراق التي أكلها الألم والحزن والسفر ، و شكلت جزءاً من سفر عذابات الأيزيدية الذين تحملوا من العذاب الإنساني ما لا تطيقه الجبال مع بقائهم على نقائهم وطيبتهم وكرمهم الفطري ، لاعتقاد وإيمان القاص كنجي أن الروح تبقى هائمة بعد الموت ، يقينا أن روحه تبقى معلقة وهائمة تتسلل بين حروف كلمات القصص وتتداخل بين أحداثها وتشير بصدق الى أسم من أسماء الذاكرة الثقافية الكردية في العراق ، ذلك هو أسم الكاتب جمعة كنجي .

بحزاني نت
17-10-2007, 22:39
جمعة كنجي نجمة مؤتلقة قراءة في كتابه " ذلك المسافر"


خلدون جاويد

ذكرتني مجموعة القصص القصيرة للأديب الراحل جمعة كنجي بشاعر انجليزي يدعى توماس كراي ، اذ يقف هذا الشاعر أمام مقبرة فقراء ليعاتب الزمن القاسي قائلا كم من عبقرية تحت هذا التراب وقد عتمها الفقر . واذ أضم صوتي الى هذا الشاعر وأنا بصدد الكتابة عن أديبنا القاص ( جمعة ) فاني اؤكد – زعما مني – ان ادبه جميل وجدير بالقراءة والتوثيق أيضا . وعدا بعض القصص التي لم ترقَ الى مصاف عمله العام ، المتسم بالجودة ، فان اسلوب كتابته لقصته ( كوخ على ممر الكرمل ) يتصف بعنصر التشويق ويكسو القارئ بلحظة نسيان شيقة بل بوهج دافئ ينقله الى مناخات الحدث . أما السجع الجميل لديه في ( المقامة التكريتية) فهو لون او جنس ادبي ميت استطاع ان يحييه بقوة المضمون الذي كتب عنه . أما لو حذفت اسم جمعة كنجي ووضعت اسم أي أديب معروف من ادباء اميركا اللآتينية وقصصهم القصيرة المليئة بالغرائبيات لمافرقت في الاسلوب مابين ادبه وادبهم وخصوصا في قصة ( القلعة القديمة ) . هناك قصص اخرى جميلة أيضا لكن امتدادات جمعة كنجي للأسف مبتورة بانتهاء حياته النضالية المرهفة والنقية . تقول انطولوجياه المسطرة في نهاية الكتاب أنه " من مواليد 1933 ناحية بعشيقة ، أنهى الدراسة الاعدادية – القسم الأدبي سنة 1953 ، خريج الدورة التدريبية سنة 1954 ، عين مدرسا في مدارس سنجار والشيخان والموصل . التحق بصفوف الانصار بعد فصله من التعليم .
بدأ الكتابة في الصحافة العراقية عام 1954حيث نشر العديد من المقالات في جريدة فتى الموصل ، وبعدها في اتحاد الشعب وطريق الشعب والفكر الجديد . كان له اهتمام بالتراث ، ونشر العديد من المواضيع في مجلة التراث الشعبي . كتب القصص ، وله عدة مجاميع غير منشورة . نشر قصص الأطفال من خلال دار ثقافة الطفل عام 1985 .

اعتقل بسبب نشاطه السياسي لأكثر من مرة في عهود مختلفة ، وتعرضت عائلته للابادة بعد اعتقالها ومن ضمنها زوجته وأبناؤه الثلاثة ووالدته وشقيقه وأولاد أخيه وأولادهم . وكان النظام البائد مصرا طيلة الوقت على عدم الاقرار بجريمته ، رغم تدخل السيد ياكوب ميلر ودير شويل ( منظمة حقوق الانسان ) .
منع من النشر في السنوات الأخيرة ، قبل استدعائه الأخير من قبل جهاز الأمن ، والذي تعرض بسببه الى سكتة قلبية في عام 1986 ....
يظل هذا الأديب القاص نجمة مؤتلقة في ذاكرة الأدب العراقي ، وخسارة مثل آلاف بل ملايين الخسارات ، والأوضاع المفجعة لحيوات الناس وابداعاتهم ومواهبهم ومصائرهم ، وان محبي جمعة كنجي وعاشقي أدبه ليدينون بالشكر والامتنان الى كل من وقف وراء طبع مجموعته القصصية ...وياليت تظهر الى العيان قصصه الاخرى وآراؤه الأدبية .
اننا رغم ندم بعض أبطاله على الغفلة الصيانية التي سقط فيها شعبنا ، نلمس يد جمعة كنجي تشد على أيدينا وقلوبنا في نداءات أدبية انسانية محرضة على السلام وحق الحرية والبحث والسعادة . يقول جمعة كنجي في ( ذلك المسافر) على لسان أحد المسافرين وبلغة قصصية وشاعرية : " ذات يوم جميل ، قبل أعوام قليلة ، هدمنا جدارا قديما ، لكننا لم نفكر كثيرا بطرح الأنقاض خارج المدينة !!! فعاد الآخرون وبنوا ذلك الجدار مرة اخرى ثم بنوه في غفلة منا " . حقا انها غفلة العمر الصيانية حيث تعلو جدران العهد البائد ، ويكابد المسيرة شعبا وادباؤنا فيغدو طريق ( ذلك المسافر ) شعابا يعج بالثلج والفاقة والألغام ونقاط الحراسة والتفتيش والمتابعات الظالمة ، ومن ثم يستحيل الشعب العراقي بأجمعه مسلخا لمخططات الحروب والاذلال والسجون والمشانق أو المنافي والمغتربات ..الخ .
طوبى لجمعة كنجي في نشيده النابع من الروح والمعبأ بالجمال والحنين الى عالم السلام والمحبة والدفاع عن مظلومي ومعذبي الأرض .
وأخيرا ياليت تنتبه وزارة الثقافة العراقية مشكورة الى كتابات الأديب جمعة كنجي فتقوم بنشرها أو على الأقل باعادة طبع (ذلك المسافر) واحياءا لذكرى وفاته المصادفة في 18/10/ 1986 . وهناك متسع من الوقت لو قدمت الوزارة كتابه للشعب العراقي هدية من أحد القلوب الوفية للشعب والسلام والحرية قلب حبيبنا الغالي الشهيد جمعة كنجي .
انه وعطفا على ما أوردته عن الشاعر توماس كراي ، لابد من الاضافة في كون ظروف التشرد والاعتقالات وقساوة الحياة قد ضغطت بفعلها السلبي على حياة الملايين من الناس ومنهم اديبنا القاص الذي لو توفرت له سنون حياة أفضل لكان قد أبدع أيما ابداع ، لكن القتلة ومقبرة توماس كراي كانت بالمرصا د . ( ولمحبي قراءة النص الشعري المترجم ، لا بد من الرجوع الى ديوان نازك الملائكة حيث أغنت الشاعرة المكتبة العربية بترجمتها لهذا النص الجميل ) .

وأخيرا، عهدا للأديب جمعة كنجي بل أغلى العهود، بأن نعمل على هدي ٍ من محبة شعبنا والانتصار له وايقاد كل لحظة من عمرنا نجمة ً مؤتلقة في سبيله وفي طريق المبدع الأصيل جمعة كنجي ورفاقه في الأدب والنضال .

بحزاني نت
17-10-2007, 22:42
لذكرى الاديب الاستاذ المعروف جمعة كنجي العـِطر والريحان


نبيل يونس دمان
اميركا


بين فترة واخرى يطل علينا بكتاباته الهادفة الاخ خلدون جاويد ، وهو اليوم يقدم لنا كتاب ( ذلك المسافر ) للاديب والمناضل الراحل جمعة كنجي ، ذلك الانسان المثقف من الطائفة الايزيدية التي تعرفه جيدا منطقة الشيخان ، بل قل نينوى وسهلها المنبسط ، لما امتاز به من نضال دؤوب متواصل ، مقارعا الدكتاتورية المجرمة ، والتي انتقمت منه اشد انتقام ، في ابادة عائلته في فترة الانفال السيئة الصيت عام 1988 ، لم يبق من تلك الاسرة سوى الرفيق والصديق العزيز صباح جمعة كنجي ، وهو الاخر قاوم الدكتاتورية لسنوات طوال ، وهي في اوج قوتها ومتخذا من كردستان ، ومواقع الانصار البواسل منطلقا ً .
لذكرى الاديب الاستاذ المعروف جمعة كنجي العـِطر والريحان ، ولخلدون جاويد الشكر ، ولصباح كنجي الصديق المخلص التحية اينما يكون الان . وان شاء الله سنقرأ ذلك الكتاب يوما ً

بحزاني نت
17-10-2007, 22:48
الينبوع الحزين

جمعة كنجي
نينوى/ بعشيقة
5/8/1985


حط ّ السنونو فوق غصن شجرة. غرّد بصوت ٍ جميل ، ثم طار إلى ينبوع قريب لينهل الماء.
بكى الينبوع بدموع غزيرة ، وحزن السنونو على صديقه ، فأقترب منه ، وسأله:
- لماذا تبكي يا عزيزي؟
أجاب الينبوع من خلال دموعه :
- أواه.. يا أخي ! في الليلة الماضية تسلل إلى المجرى مخلوق مزعج، فليتك تساعدني في التخلص منه.
قال السنونو:
- ما شكل ذلك المخلوق؟؟
أجاب الينبوع :
لا ادري يا صديقي . قلت لك إنه تسلل ليلا ً ، و لا يكفّ قط عن القفز من مكان إلى آخر ، مثيرا ً الصخب والضجيج ، و عكّر مياهي بلعبته السخيفة هذه .
نظر السنونو إلى مجرى الينبوع من خلال شق ٍ بين الصخور، لم ير شيئا ًلشدة الظلام ، وفكر مع نفسه: أي مخلوق ذاك الذي إقتحم مجرى الماء ؟ لا بدّ وانه واحد من هاتيك المخلوقات التي تعيش في الماء . والينبوع يقول بأنه مخلوق مزعج ، يثير الضوضاء ، فمن المحتمل أن يكون ضفدعا ً . أصغى السنونو فأتاه صوت من الداخل : " قيق .. قوق .. قع! . صاح يخاطب الينبوع :
- يا صديقي ! إن ضفدعا ً طائشا ً قد إقتحم مجراك ، وهو الذي يعكر عليك الماء ، ويثير في داخلك الضوضاء.
قال الينبوع بدهشة:
- ضفدع ؟ ذلك المخلوق اللزج الملمس ، القبيح المنظر ، الكريه الرائحة .. هو الذي فعل بي هذا ؟؟
- أجل.
- أونسيَ هذا المخلوق القبيح فضلي ؟ أو يستطيع العيش بدون مياهي المنسابة في الجداول؟؟.
- يبدو أنه مخلوق عاق.
- ما العمل يا صديقي السنونو؟
قفز الضفدع قفزة جانبية، وصاح شامت :" قاق .. قوق !. فخاطبه السنونو قائلا ً:
- أيها الضفدع. إصغ إلي َّ . أنت تزعج الينبوع ، وتعكر مياهه ، وتسد ّ مجراه ..
- فردَّ الضفدع عليه ساخرا ً: " قاق .. قوق..قق ! لن أخرج ، ماذا تستطيع أن تفعل بي؟؟
- أجابه السنونو غاضبا ً:
- الماءُ ليس ملكا ً لك وحدك يا ضفدع إنه مُلك جميع الكائنات. وعليك أن تفهم هذه الحقيقة .
ردَّ الضفدع بسخرية :" قيق .. قاق .. قوق!" .
إنزعج السنونو. طار بعيدا ً عِبرَ المستنقعات. ثم عاد وبصحبته سلحفاة . وخاطب الضفدع بقوله:
- لقد اتيت بسلحفاة . سوف تدخل وتحملك على ظهرها عنوة ً . خيرٌ لك أن تخرج .
- أجاب الضفدع بأستهانة: " قاق .. قاق.. قاق! لن أخرج أيها السنونو!"
حاولت السلحفاة الدخول ، لكن مدخل الينبوع بدا أصغر من حجمها ، ففشلت في مهمتها .
بكى الينبوع بصوتٍ عال ٍتألم السنونو لحال ِ صديقه الينبوع، قال له:
- لا تحزن يا صديقي . سنجد حلا ً لهذه المشكلة .
- طار السنونو عبر الحقول . عاد وبصحبته أبو جنيب ( سرطان) . خاطب الضفدع مهددا ً:
- أخرج أيها الضفدع ، وإلاّ فسيدخل عليك صديقنا أبو جنيب ، فيمزقك بفكيه القويتين.
رد ّ الضفدع ينقنق بصوت قبيح : " قيق.. قيق.. قيق! لن أخرج من مكاني ".
لم يستطع أبو جنيب الدخول في الثقب ،حزن السنونو ، مضى الينبوع يبكي . فرح اللقلق وقال :
- ضفدع تافه يعكر مجرى الماء؟ سأقضي عليه بضربة واحدة من منقاري ، واحمل لحمة طعاما ً شهيا ً لفراخي .
- عاد السنونو ، خاطب الضفدع بقوله:
- يا ضفدع ! كفاكَ عنادا ً . أخرج ولا تزعج صديقنا الينبوع . لقد جاء اللقلق ، سيمزق لحمك بمنقاره الطويل.
ردّ الضفدع الأحمق يقول : " قاق .. قاق .. قاق! أنا في مكان ٍ حصين. حتى منقار اللقلق لا يصلني..!"
أدخل اللقلق منقاره في الشق. لم يستطع الوصول إلى الضفدع . قال للسنونو بأسف :
- الضفدع في مكان ٍ لا يصله منقاري .
هكذا وجد أصدقاء ُ الينبوع أنفسهم في حيرة . بكى الينبوع من جديد، توّسل إليهم ألاّ يتركوه في محنته . فكروا في وسيلة للقضاء على الضفدع الملعون.. أمن المعقول أن يتحداهم مخلوق تافه ضعيف وارعن مثله؟ وأخيرا ً إستقر رأيهم على أن يستشيروا شجرة الصفصاف ، لعلها تهديهم إلى حل .
حين قصدوا الشجرة ، وأوضحوا لها الأمر ، قالت :
- آه .. يا أعزائي . كم أنا آسفة لمصيبة صديقنا الينبوع . لولا مياهه العذبة لهلكنا جميعا ً .
سكتت الشجرة ، ثم استطردت تقول بأسف :
- لو استطعتُ أن أسيرَ مثلكم ، لقضيت ُ على الضفدع الملعون بضربة صغيرة من أحد أغصاني..!
- قالوا لها بصوت واحد:
- جئنا نسألك عن حل للمشكلة ، وأنت ِ أُختنا الكبيرة ، فهل نترك الينبوع وحيدا ً في محنته؟؟
أطرقت الشجرة ثم قالت بفرح:
- آه .. وجدت ُ الحل . أين صديقتنا البعوضة؟ إنها قادرة على مساعدتكم !
ضحكوا من كلام الشجرة كيف تتمكن البعوضة من مساعدتهم ؟ إنها مخلوق صغير ، سيبتلعها الضفدع بسهولة . لكن الشجرة الحكيمة أخبرتهم بأن الضفدع مغرور ، ولن يخرج من مخبئه إلاّ بالحيلة .. نادت ِ الشجرة ُ البعوضة َ ، خرجت من بين الأدغال، طارت فوق الأغصان ترسل طنينا ً متواصلا ً .
قالت لها الشجرة :
- يا صديقتنا البعوضة ! إن ضفدعا ً إعتصم في مجرى الينبوع ، و يمتنع عن الخروج منه.
- خافت البعوضة حين سمعت اسمَ الضفدع . حطّت فوق غصن ، قالت للشجرة :
- الضفدع حيوان متوحش، سيبتلعني بكل سهولة ، أخاف أن اقترب منه.
ضحكت الشجرة وقالت:
- لا.. لا يا عزيزتي . الضفدع حيوان غبي . سيخرج بمجرد أن يسمع صوت جناحيك.
لا تخافي ، فأنت ِ في حماية أصدقاء مخلصين.
إقتنعت البعوضة برأي الشجرة . طارت حول الينبوع ترسل طنينا ً عاليا ً .إبتهج الضفدع وقال لنفسه : " قيق .. قاق .. قوق ! سأحصل على وجبة غذاء لذيذة !" . وخرج إلى مدخل الينبوع . إقتربت البعوضة منه، حين مدَّ لسانه الطويل ليصطادها ، أطبق أبو جنيب على رقبته بفكيه القويتين، رفعه عاليا ً ثم ألقى به فوق ظهر السلحفاة .
مضت السلحفاة به بعيدا ً ، ألقته في بركة آسنة ، ثم جاء اللقلق ، إلطقته بمنقاره الطويل.
تدفقت مياه الينبوع عذبة صافية . ووقف السنونو يغرد فوق شجرة الصفصاف .

بحزاني نت
17-10-2007, 22:51
الطوفان

جمعة كنجي


الطوفان في مزرعة من المزارع ، شمر الفلاح عن ساعديه ، علق طرف ثوبه في وسط حزامه ، وتناول مسحاته ، ثم راح يعملُ بصمتٍ وهدوء، لهيب الشمس يكاد يحرق ظهره . في مكان ٍ غير بعيد منه ، جلست فوق ورقة ِ نبات بعوضة وذبابة وجرادة . شرع هؤلاء الحمقى الثلاث يسخرون من الفلاح ، زاعمين بأنه مخلوق بليد، ينهك نفسه في العمل ، في حين يعرفون هم كيف ينتزعون طعامهم منه عنوة بلا مقابل . مرَّ الفلاح بالقرب منهم ، دون أن يراهم ، فسخروا منه ، متوهمين بأنهم يختفون عنه في مكان حصين . هكذا ظل هؤلاء الكسالى يلتهمون طعامهم بشراهة، إستطاعت الجرادة ُ أن تأكل بقدر حجمها من الأوراق الخضراء ، أمّا الذبابة فرشفت من قشر بطيخ حتى إنتفخ بطنها ، بينما بقيت البعوضة ملتصقة بأحد السيقان، غارسة خرطومها الحاد فيه ، تنهل عصيره بغير حساب... إستمروا يأكلون ببطر، والفلاح منشغل في عمله . حين أدار الفلاحُ ظهره لهم، طاروا إلى مكان ٍ آخر ، وتمادوا في غيهم وغرورهم، قالت الجرادة:" أنا اقوى من الأنسان ، أستطيع أن التهم كلّ مزروعاته! " . لكنّ البعوضة إعترضت على كلامها قائلة : " أنت ِ متوهمةٌ يا جرادة . أنا اقوى من الأنسان . في النهار احتمي بين مزروعاته ، وفي الليل أهاجمه، ألسعه وامتص دمه لا أدعه ينام! " . إستاءت الذبابة من كلام البعوضة، فردت عليها: " يا لكِ من تافهة ! أنت لا تفارقين مخبأك إلا في الظلام . أمّا أنا فأهاجم الأنسان في وضح النهار، أرافقه في كل خطوة يخطوها. أعيش في منزله ، واشاركه طعامه ، وأنقل له ولحيواناته أمراضا ً مختلفة ، قد تؤدي إلى الموت ! أنا أقوى من الأنسان ! " .. ظلّوا يتناقشون دون أن يتفقوا على رأي معين. إحتدم الخلاف بينهم ، وكاد يؤدي إلى نزاع وخيم العواقب . هنا زقزق عصفور بالقرب منهم. قالت البعوضة: " لنحتكم إلى العصفور ،هو اكبر منا ، قد يعرف من هو الأقوى" . لكن الجرادة إعترضت وقالت بأنه حكم غير عادل ، بينها وبينه عداوة قديمة . سمعوا نقيق ضفدع بجوارهم ، إقترحت الجرادة أن يحتكموا إليه، لكن الذبابة إحتجّت، مدعية أن لسانه بذيء ، و غير آهل ليحكم بينهم . وقبيل غروب الشمس طار خفاش من فوقهم، قالت الذبابة : " لنحتكم إليه هو حاكم نزيه ، يخجل حتى من الظهور بين الناس!." لكن البعوضة لم توافق، إدعت إنه قصير النظر ، قد يراها ولا يرى بقية الخصوم! . وهنا قرروا أن يفترقوا، على أن يجتمعوا في اليوم التالي ، لعلهم يتفقون على رأي معيّن . لكن الفلاح وقف بالقرب منهم ، رافعا ً مسحاته عاليا ً ، ثم هوى بها على حافة اللاحة ، تدفق الماء يغمر الأرض ،صاحوا مذعورين وبصوت واحد: " إنه الطوفان .. لنهرب !!" . وقبل أن يتمكنوا من الهرب، غمرتهم موجةٌ من المياه، تعلقوا بقشة طافية ، حاولوا النجاة ، غير أن الفلاح ضرب الأرض بمسحاته مرة ثانية، فانطمروا تحت كومة صغيرة من الطين .
نينوى/ بعشيقة
27/8/1985

بحزاني نت
17-10-2007, 22:54
البيضة


جمعة كنجي

قبرة خرجت تبحث عن الحبّ ، رأت في طريقها بيضة ملقاة بين الحشائش .
نظرت القبرة إلى البيضة باستغراب وهي تقول لنفسها: "لا بدّ وأن احد الطيور نسي بيضته هنا !"
حملت القبرة البيضة معها ، وذهبت لكي تضعها في عشها .. في الطريق صادفت قنفذا ً سألته : " بيضة أي طائر هذه ؟ " .
إبتسم القنفذ وأجاب : " الناس يقولون: ليس كل مدعبل جوز !! ". ضحكت القبرة ساخرة من القنفذ . ذهبت فوضعتها إلى جانب بيضها في العش .
ورقدت القبرة على البيض ، وظلّت تنتظر ..
ذات يوم ، عندما شعرت القبرة أن البيضة الغريبة أوشكت أن تفقس . طارت فرحة لتستدعي القنفذ ،
جاء القنفذ ووقف إلى جانب القبرة قريبا ً من العش. حينذاك إنشطرت البيضة . وخرج منها تمساح صغير .
وفي لحظة واحدة إلتهم التمساح الصغير بيض القبرة ، بكت القبرة وطلبت من القنفذ أن يساعدها .
إلتفت القنفذ إليها يقول : " كيف أساعدك ؟ الناس قديما ً قالوا : على نفسها جنت براقش ! "


الموصل 27 /3/1986

بحزاني نت
17-10-2007, 22:56
لماذا هرب الحصان ؟
جمعة كنجي

في إحدى النواحي القريبة من مدينة الموصل ، وجد عاشور لنفسه عملا ً آخر .
إتفق مع صاحب معمل برغل أن يعمل عنده . وإنحصر عمل عاشور في تشغيل ( الدنك ) وواجبه الأساسي هو حث ّ الحصان على الجري حول نفسه باستمرار ، لكي يسحب جذعا ًخشبيا ً متينا ً ، من شأنه أن يدوّر حجرا ً اسطوانيا ً كبيرا ً . ولكي يتم دق البرغل بصورة صحيحة عليه ، أيضا ً ، أن يدور خلف الحصان ، ويدفع الحنطة المسلوقة إلى تحت الحجر ، وبعدما تنفصل القشورعن الحب، تقوم زوجته جرادة بغربلة البرغل ، وتذريته في الهواء ، وبذلك ، تنعزل النخالة عن الحنطة .
وتعهد صاحب العمل بأن يدفع أجرا ً أعلى لعاشور إذا قبل َ أن ينقل الحنطة على ظهرحماره شوشو.
ورغم أن العمل كان ، في البداية ، شاقا ً ومرهقا ً ، إلا أن عاشور وجرادة سرعان ما إعتادا عليه .
قال عاشور لزوجته :" هذه فرصة جديدة للعيش .. وأنت ِ تعرفين كيف خسرنا فرص أخرى ! ".
ردّت زوجته تقول : " أجل ، يا زوجي العزيز ، لا ينبغي أن نفسد هذه الفرصة أيضا ً !" .
عمل عاشور وزوجته باخلاص وتفان ٍ ، وبدأ لهما أن كل شيء يسير على ما يرام .
واهتم عاشور بالحصان . إنه حصان رهوان ومطيع ، قلّما يحتاج المرء إلى حـثه على الجري . وألف الحصان ُ عاشور ، وأخذ ينقاد له بسهولة . وحرص عاشور على منحه وقتا ً كافيا ً للأستراحة ، وهو أثناء ذلك ، يربت ظهره ، ويمسح شعر رقبته . كان الحصان يشعر بالبهجة إزاء مداعباته ، ويتناول علفه مسرورا ً ، يصهل بين وقت وآخر،كأنه يحيّ صديقه الجديد .
ذات مرة قالت جرادة لعاشور معاتبة : " أترى الحصان أنساك أمر حمارنا شوشو ؟ " .
فردّ عليها موبخا ً : " كوني عاقلة يا جرادة .. رزقنا ورزق الآخرين معلّق بالحصان ! " .
وعلى مر الأيام إزداد عاشور تعلقا ً بالحصان ، فراح يعامله بدلال منقطع النظير . ومن شدة حبّه للحصان علّق له ودعة على ناصيته وزيّن نيره بالخرز ، وطرز عصابة عينيه بقطع معدنية براقة حتى بدا الحصان جميلا ً ،كأنه حصان مشهور من حصن سباق الخيل .


إزاء هذه المعاملة الطيبة أخذ الحصان يعمل بطاقة أقوى من السابق .
تطوّر العمل ُ وتحسن . كافأ صاحب العمل عاشور وجرادة ، وشكرهما على إخلاصهما تجاهه .
كان عاشور يعتقد بأن الفضل لا يعود إلا للحصان ، فبدونه يتوقف العمل ، ولا يمكن تحريك ( الدنك ).
وحل ّ شهر رمضان ، صام َ عاشور . في أحد أيامه إشتدّ الحر إلى درجة لا تُحتمل ، جلس عاشور ليستريح ، واستمر الحصان يدور حول ( الدنك ) . خطرت لعاشور فكرة طريفة : شهر الصيام يذّكر الأنسان بأنسانيته .. ومثلما يتعب الأنسان ، كذلك يتعب الحيوان ، الدنيا حر ، لا بدّ أن الحصان متعب . لو نزع العصابة عن عينه ، قد يشعر الحيوان بالراحة .. هل من الضروري أن تبقى عينا الحصان معصوبتين ؟ نهض عاشور . سار ببطء نحو ( الدنك ) . هتف بصوت آمر : ( هوش !) توقف الحصان في مكانه .
.. نزع العصابة عن عيني الحصان ، وهتف مجددا ً ( هووو !) انطلق الحصان يدور .
عاد عاشور ليستريح من جديد . دار الحصان بضع دورات حول ( الدنك ) ثم تسمر في مكانه . صاح به عاشور آمرا ً ( هوو..هووو !) لم يتحرك الحصان من موضعه قيد شعرة . تناول عاشور السوط بيده ، نظر الحصان بأستغراب حواليه .. احسَّ الحيوان - بدافع غريزي - أن حريته منتهكة . وجد نفسه مربوطا ً إلى كتلة صخرية مخيفة بواسطة حبال متينة .
التمعت في عينه نظرة تحد ٍ .
إقترب عاشور ملـّوحا ً له بالسوط ، صهل الحصان بجنون ، ورفس غاضبا ً .
حاول عاشور أن يهديء من روعته ، لكن الحصان إستمر في هياجه ، يرفس ويصهل ويزفر .. وفي لحظات قطّع الحبال ، وحطم الخشب ، وألقى بنيره على الأرض . وعبثا ً حاول عاشور أن يسيطر عليه ..!
ودع الحصان صديقه عاشور برفسه على بطنه ، ثم انطلق هاربا ً عبر الحقول مثيرا ً خلفه زوبعة من الغبار .



نينوى /بعشيقة28/7/1985

بحزاني نت
17-10-2007, 22:58
الغراب في زي جديد


جمعة كنجي


غراب أسود بلون الظلام ، رأى في طريقه جلد ثعلب ملقى على الأرض .
فقال الغراب لنفسه : " هذه ملابس جميلة ، لمَ لا أرتديها كي أبدو جميلا ً؟ " .
وضع الغراب جلد الثعلب فوق ظهره، ومشى في الوادي مثل الثعلب . صادف في طريقه سربا ً من الغربان قال لنفسه : " هؤلاء هم أصحابي ، لم َ لا أمزح معهم ؟! .
إقترب الغراب منهم يقلّد صوت الثعلب ، سمعت الغربان صوته ، طارت هاربة منه ، وحطت فوق شجرة قريبة .
أراد الغراب أن يطير ، لم يتمكن لثقل جسمه .. نادى على الغربان قائلا ً :
- لماذا هربتم ؟ أنا غراب مثلكم ، لكنني وجدت ُ جلد ثعلب فأرتديته !
سمع احد الثعالب صوته ، فهجم عليه وهو يقول : " أسناني تعرف أي مخلوق أنت ! "


الموصل 17/3/1986

بحزاني نت
17-10-2007, 23:01
الشمس والثلج والجبل

جمعة كنجي

رأى الجبل غيمة تمّر في السماء ، نظر إليها متعجبا ً : هي كبيرة الجسم مثله ، لكنها أخفّ من الهواء .. تمنى الجبل أن يصبح خفيفا ً مثل الغيم ، يستطيع التنقل من مكان إلى لآخر . وهنا بدأت الغيمة ُ تسقط فوق الجبل نتفا ً بيضاء كالقطن ، قال الجبل لنفسه : " هذا الثلج آت ٍ من الغيم ِ ! " . مضت الغيمة مسرعة ، جاءت أخرى ، سقط الثلج بغزارة ، غمر القمم والسفوح والوديان ، بدا الجبل كمن يرتدي ثوبا ً أبيض .
إستلقى الثلج فوق الجبل ، أراد أن ينام ، لكنه سمع صوت الجبل يقول :
- أيها الثلجُ ! أنت ثقيل جدا ً جدا ً ، والغيمة أخف من الريش، كيف إستطاعت أن تحملك ؟.
أجاب الثلج :
- أنتَ واهم أيها الجبل . أنا إبن الغيمة ، وأمي أكبر وأثقل مني بكثير ..
سكت الجبل ُ ، بدأ البرد يسري في جسمه ،كادت مفاصله أن تتجمد ، قال للثلج :
- هل ستبقى هنا كثيرا ً؟؟
أجاب الثلج :
- لا ادري .. جئت مع أمي من البحر ، لكنني لا أعرف كيف أعود إلى هناك ثانية !
سكت لحظة ، ثم إستطرد يقول : " إنني متعب جدا ً ، لا اعرف أين أذهب . سأنام هنا ! ".
وسرعان ما غرق الثلج في نوم عميق ، مرّ ثعلب من هناك ، أعلن بأن الثلج قد مات ! .
عندئذ حزن الجبل ، وإحتار في أمره ، وأخذ يفكر في حال نفسه : لا بدّ له أن يتخلص من الثلج . لو بقي الثلج هكذا في مكانه ، فلن يتحمله ! فهو بارد وثقيل .. أخيرا ً إهتدى الجبل إلى حلّ مناسب ،لم َ لا يخصص جائزة لمن يخلّصه من الثلج ؟ . في مطلع الربيع ، حين بدأت الحياة ُ تدب ّ في الكائنات ، إنتشر الخبر في أنحاء الجبل ، تجمعت الحيوانات ،كل واحد يحلم بالجائزة .
قال الجبل : " لقد إخترت القمر حكما ً .. هل توافقون ؟". وافق الحاضرون .
وبدأت المباراة .
تجمعوا حول الثلج بأعداد غفيرة ، لكن أي منهم لم يتجاسر على بدء المباراة .. الثلج نائم ، وثقيل ، يلتصق بالجبل ، ليس من السهل رفعه ..!
من الذي يتقدم أولا ً؟ من الشجاع الذي سيفوز بالجائزة ؟ .. صاحت دودة الأرض : "أنا". شرعت تتلوى بين الطين بجانب الثلج . تقدم هدهد ليلتقطها بمنقاره ، لكنه تذكر أنها تخوض مباراة شريفة ، فتراجع إحتراما ً للموقف . حاولت أن تحفر ثقبا ً في الثلج ، تململ الثلج في نومه وقال : " من هذا الذي يزعجني في نومي ؟ " .
شعرت دودة الأرض أنها ستتجمد من البرد ، صرخت طالبة النجدة .. فضحك الجبل ساخرا ً منها ، ودوى صغير الضفادع ، فأختفت الدودة تحت الأرض خجلا ً ، ولم يرها احد بعد ذلك أبدا ً ! .
تطلع الحاضرون إلى بعضهم . لقد فشلت دودة الأرض ، ولم تتمكن من رفع الثلج.. فمن الذي سينزل إلى الساحة بعدها ؟ . قفز قطّ بري وقف فوق الثلج برشاقة ، ثم إندفع يتلوى على صفحته بخفة ونشاط ، ناشبا ً أظافره الحادة فيه . قال الجرذُ أن القط شجاع وقد يفوز بالجائزة . وهنا زلّت قدم القط ، وسقط فوق الثلج كالميت ، بعد أن أصيب بكسور خطيرة في ظهره .
عندئذ إنتشله كلب ضخم..
إتفق الجميع على أن القط كان سيهلك فوق الثلج لولا شهامة ذلك الكلب المحترم !
رفع الثلج رأسه ، نظر إلى الحاضرين نظرة ً باردة، تنطوي على التحدي. وسرعان ما استسلم إلى النوم مرة أخرى . عندئذ اندفع دب كبير إلى وسط الحلبة. لوح الدب بقبضته القوية مهددا ً ، وصرخ صرخة وحشية ، ثم صعد فوق الثلج ، نظر حواليه بغطرسة . صفق له الحاضرون بأعجاب ، وهمس الأرنب في إذن القنفذ : " الدب حيوان قوي ، سيزيح الثلج ، ويفوز بالجائزة " .
لطم َ الدبُّ وجه الثلج برعونة ، ونهشَ جسده في أكثر من موضع ، عندئذ إستيقظ الثلج ركلهُ ركلة ً قوية .
وبلمح البصر ، إختفى الدب عن الأنظار . تدحرجت به كتلة صغيرة من الثلج جرفته نحو وادٍ عميق.
نظر الحاضرون إلى بعضهم بذهول : أين إختفى الدب ؟ لا أحد منهم يعرف ..! وإذن ليس من السهل إزاحة الثلج كما تصوروا . ومن يحلم بالجائزة قد يضحي بحياته في سبيلها . علقت أنظارهم جميعا ً بالغزال ، فهو أيضا ً قوي وسريع ، وتهيأ الغزال لكي ينزل إلى الساحة ، وفي نفس اللحظة سمعوا القمر يعلن عن إيقاف المباراة إلى وقت آخر .
إختفى القمر ، وتفرقت الحيوانات ، ثم أشرقت الشمس ، غمر ضوؤها وجه الأرض.
إستيقظ الثلج من نومه . جلس فوق الجبل يستمتع بضوء الشمس . لاح له البحر بعيدا ً عند الأفق . تمنى العودة إلى هناك ، فقد سئم من العيش في ذلك المكان المنعزل . فكر في وسيلة تمكنه من الرجوع إلى البحر. إستدار نحو شجرة جوز كبيرة ، طلب منها أن تساعده ، لكن الشجرة هزت رأسها بأسف ، قالت له :
- خصص الجبل جائزة لمن يحملك إلى البحر،وأثناء نومك حاول كثيرون أن يحملوك،لكنهم فشلوا !!
تمتم الثلج مع نفسه : " من يستطيع أن يحملني ، ينبغي أن يكون أكبر مني ! " بقي جالسا ً في مكانه ، فوق الجبل ، لا يعرف ماذا يفعل . إرتفعت الشمس في كبد السماء ، وأرسلت أشعتها اللاهبة ، فلفحت الحرارة جسده. خاف الثلج وبكى بدموع غزيرة . إنسابت دموعه حواليه على شكل سواق ٍ . جرت السواق عبر الوديان . توغلت بين الصخور ، طافت في البساتين ، عانقت كل زهرة . إتجهت نحو البحر ، عندئذ فقط عرف الثلج أن الشمس وحدها هي التي تستطيع أن تحمله إلى البحر .
بكى في هذه المرة من شدة الفرح . إستمرت دموعه تجري نحو البحر ، وفرح الجبل .
وحين بزغ القمر، إمتلأ الجبل بجموع المتسابقين ، كل واحد منهم يحلم بالجائزة .
نظروا حولهم بأستغراب .. أين الثلج ؟ من حمله ؟ ومن الذي سيفوز بالجائزة ؟ .. إدعى الثعلب أنه هو الذي حمله ، ضحك الجبل ُ ساخرا ً ، أشار إلى القمر. تعلقت أنظارهم نحوه ، قال القمر ضاحكا ً :
- الشمس اكبر منا جميعا ً . هي التي أذابت الثلج، فجعلته قادرا ً على الوصول إلى البحر .
بقيت أنظارهم متعلقة بالقمر . أرادوا أن يسألوه عن الجائزة ..
الجائزة الكبيرة التي حصلت عليها الشمس ، لكن غيمة بيضاء حجبت القمر عنهم .
.. وظلت الجائزة سرا ًلا يعرفون عنه شيئا ً !!.


نينوى/ بعشيقة

بحزاني نت
17-10-2007, 23:01
الديك في مملكة الثعالب

جمعة كنجي

إستيقظت سيدة المنزل من نومها على صوت ضجّة في قن الدجاج ، خرجت مسرعة لتتبين الأمر .
على ضوء فانوس تحمله في يدها ، شاهدت ثعلبا ً في مكان غير بعيد من المنزل .
صرخت سيدة المنزل ، فولّى الثعلبُ هاربا ً . وعندما بحثت عن الكلب لم تعثر عليه . غضبت سيدة المنزل . ظنت بأن الكلب قد أهمل واجبه وذهب يلهو مع أصدقائه . لذلك قررت أن تعاقبه عقابا ً شديدا ً .

في صباح اليوم التالي ، عندما شرعت سيدة المنزل تطعم حيواناتها ، إقترب الكلب مطالبا ً بحصته من الطعام ، لكن سيدة المنزل صرخت في وجهه غاضبة :
- أنت تُهمل واجبك ، لذلك لن أطعمك .. أين كنت تلعب طوال الليل ؟ .
قال الكلب وهو يتوسل إلى سيدته :
- يا سيدتي ! ثعالب كثيرة هاجمت البيت ، فخرجت ُ أطاردها حتى إختفت في الغابة .

لم تصدق سيدة المنزل كلام الكلب ، فضربته وطردته من المنزل . ذهب الكلب إلى الغابة فحفر وجرا ً تحت صخرة ،وعاش هناك وحيدا ً .

بعد أيام قليلة هاجمت الثعالب المنزل مرة أخرى . إستيقظت سيدة المنزل ، وطلبت من القط أن يطارد الثعالب ، لكن القط إنكمش على نفسه ، وهو يرتجف من شدة الخوف . غضبت سيدة المنزل ،وبخت القط ، وإتهمته بالجبن ، وفي الصباح لم تقدم له إستحقاقه من الطعام ، اقترب القط منها وقال متوسلا ً :
- سيدتي ! مطاردة الثعالب هي من واجبات الكلب ، وواجبي هو مطاردة الفئران .
ركلت سيدةُ المنزل ِ القطَّ بقدمها ، وطلبت منه أن يغادر المنزل فورا ً .
ذهب القط و إختفى في الغابة أيضا ً .
وسرعان ما إغتنمت الفئران فرصة غياب القط ، فغادرت جحورها و إنتشرت في أنحاء المنزل . وأخذت الفئران تعبث في كل ما يصادفها :
قضمت الأغطية والملابس ،أكلت الدهن والسكر ، حفرت الثقوب في الجدران ، تسللت إلى قن الدجاج ، والتهمت كل ما فيه من حبوب . بل أن فأرا ً وقحا ً إندس في الليل تحت ثياب سيدة المنزل ، فأستيقضت مذعورة وهي تصرخ .. في الصباح حرمت ِ الديك من الطعام ، قالت له ساخطة :
- يا لك من ديك جبان !! الفئران تلتهم طعام الدجاج ، وأنتَ لا تعرف كيف تطاردها ؟!
أجاب الديك قائلا ً :
- مطاردة الفئران هي من واجب القط يا سيدتي !
غضبت سيدة المنزل ، فطردت الديك أيضا ً ، ذهب وأقام هو الآخر في الغابة .
لم يمضي وقت طويل حتى شاهد ثعلب عجوز الكلب مختفيا ً في وجره ، عاد وأخبر أصحابه بما رأى .
كان القط يختبيء ُ بين الأغصان ، جاءت الثعالب إجتمعت في مكان قريب منه . حضر الأجتماع ملك الثعالب بنفسه . جلس مزهوا ً في صدر المجلس . تداولت الثعالب في الأمر : لابدّ وأن سيدة المنزل قد طردت الكلب ، فجاء يعيش في الغابة . لِم َ لا يستغلون هذه الفرصة ويهاجمون المنزل ؟؟ في مقدورهم أن يخنقوا سيدة المنزل ، وينهبوا كل ما في البيت من دجاجات ..! هكذا قررت الثعالب أن يبدأ الهجوم في المساء ، اتفقوا جميعا ً على أن الحظ سيحالفهم في هذه المرة ..!
حين تفرقت الثعالب . قفز القط راكضا ً نحو المنزل ، أخبر سيدته بما سمع ورأى .
لكن سيدة المنزل لم تصدقه ، قالت وهي تدير وجهها عنه : " إغرب عن وجهي ! أنا لا أصدقك . أنت تفتعل الأعذار لكي ترجع إلى المنزل " .
هكذا عاد القط خائبا ًإلى الغابة في أشد حالات الحزن والقلق . ظلّ المسكين يتجول في أنحاء الغابة ، يردد بصوت حزين : ميو ! ميو ! " في طرف الغابة ، حينما أراد القط أن يعبر جدول ماء ، سمع صوتا ً يناديه :
- يا صديقي القط .. يا صديقي القط ..
نظر القط إلى الأعلى ، رأى الديك واقفا ً فوق شجرة .. صاح القط بفرح :
- أهلا ً بك يا صديقي الديك .. متى جئت إلى الغابة ؟ ألا تخاف من العقاب ؟؟ .
قال الديك بصوت حزين :
- سيدة المنزل طردتني مثلما طردتك ، لأني لا اعرف كيف أطارد الفئران .
قفز القط إلى أعلى الشجرة ، جلس بجانب الديك ، وقص َّ عليه كل ما حدث . أرخى الديك جناحيه ، وأطرق يفكر بحزن : " ماذا يستطيع أن يفعل ديك صغير مثله إزاء عدد كبير من الثعالب ؟ !. فجأة ً طفرت إلى ذهن الديك فكرة ً غريبة ، قال للقط : " سأقوم أنا بمشاغلة الثعالب ، أما أنت فاذهب وابحث عن صديقنا الكلب ، فهو يستطيع أن يساعدنا " . صفق الديك بجناحيه ، وقف بأعلى الشجرة ثم صاح بصوت عال ٍ : " كيكي !! .. كيكي !! " . أجفل القط ، وهمس خائفا ً : " صه ! أمجنون أنت ؟ ستأتي الثعالب فتفترسنا ! " .. ظلَّ الديك يصيح ويصيح بلا إنقطاع ..
وانطلق القط مسرعا ً ، يقفز من شجرة إلى أخرى ، لا بدّ أن يعثر على الكلب .
سمع أحد الثعالب صياح الديك ، هرول نحو الشجرة مكشرا ً عن أنياب حادة ، قال له الديك بهدوء :
- أيها الثعلب .. أين الملك ؟ لقد جئت إلى الغابة لكي أحدثه في أمر مهم جدا ً .
فرح الثعلب ، انطلق يستدعي الملك ،عندما حضر الملك مع أفراد حاشيته ، خاطبه الديك :
- يا صاحب الجلالة. أنظر . أنا ديك جميل ، ولحمي يليق بملك عظيم مثلك !

رفع الملك رأسه ، نظر إلى الديك بفرح، ثم قال بلهفة :
حسنا ً .. أيها الديك ، انزل إلينا إذن .
فأجاب الديك :
- لا يا صاحب الجلالة .. ينبغي أن أذهب إلى النهر فأستحم كي تأكل لحمي وهو نظيف .
التفت الملك نحو حاشيته يقول :
- يا له من ديك عاقل !!
عندما بدأ الديك يطير من شجرة إلى أخرى ، أخذت الثعالب تلاحقه .
إجتمعت الثعالب على شاطيء النهر ، قفز الديك وحط َّ فوق صخرة بين المياه . همس الملك : " دعوه .. إذا حاول الهرب سيغرق حتما ً " . طار الديك ضاربا ً صفحة المياه بجناحيه ، أثار حول نفسه عاصة من الرذاذ ، بسرعة فائقة طار عاليا ً ، إستقر فوق غصن الشجرة .

بعدما تلاشت موجات المياه ، إنعكست صورة الديك واضحة فوق سطح النهر .
هنا صاح الديك يقول بسخرية : " يا صاحب الجلالة .. لقد سبحتُ وتستطيع الآن أن تأكلني !" .
إلتفت الملك نحو أصحابه وقال لهم بزهو : " من منكم يأتيني بهذا الديك الجميل ؟" .
إندفع ثعلب مغرور قائلا ً : " أنا" . وسرعان ما قفز إلى النهر .
أضطربت صفحة المياه ، و إختفت صورة الديك ، وفي أقل من غمضة عين غاص الثعلب نحو الأعماق .
تعجبت الثعالب مما حدث ، قال احدهم بأستغراب : " أين الديك ؟ بل أين الثعلب ؟ !" .
همس ثعلب آخر في أذن الملك بتملق : " يا صاحب الجلالة .. ذلك الملعون هرب بالديك لنفسه ! " .
غضب الملك ، هزّ ذيله ساخطا ً ، وقال بأستياء : " يا له من ثعلب جاحد! " .
عندما تلاشت الموجات ، وظهرت صورة الديك فوق رقعة المياه ، هتفت الثعالب بفرح : " عاد الديك يا صاحب الجلالة .. لعله هرب من ذلك الثعلب الملعون " . عقب الملك يقول لهم باطمئنان : . ألم أقل لكم بأنه ديك عاقل ؟ ! " . ووقف الملك بين أصحابه بكبرياء وهو يمني نفسه بوجبة غذاء لذيذة . نظر إلى الديك الجميل باعجاب ، مكشرا ً عن أنيابه الحادة ، ثم قال لجماعته بصوت آمر :
- أريد أن تأتوني بالديك .. إقفزوا جميعكم .. حالا ً .. جميعكم وبدون تأخير !
قفزت الثعالب إلى النهر . إضطربت المياه ، وتطاير الرذاذ في كل إتجاه. إختفت صورة الديك . فطن الملك بأن ثعلبا ً ربما إختطفه لنفسه. في لحظات إبتلعت المياه جميع الثعالب ، هوت نحو قاع النهر غارقة . وعندئذ نظر الملك حواليه وهو يتمتم : " أين الديك ؟ أين الثعالب ؟؟ " . طار الديك . حط فوق صخرة بين المياه ، وخاطب الملك بسخرية :
- يا صاحب الجلالة ! رأيت ، وأنا فوق الشجرة ، الكلب والقط قادمين
أراد ملك الثعالب أن يهرب ، لكن الكلب صرخ من ورائه بصوت مخيف : " عاو ! عو ! ".
قفز الملك إلى النهر وغرق .
في صباح اليوم التالي ، عندما خرجت سيدة المنزل لتجلب الماء من النهر ، رأت جثث الثعالب تطفوا على سطح الماء ، إستغربت من ذلك . وتساءلت مع نفسها : " كيف غرقت الثعالب ؟ ! " . وتمنت سيدة المنزل أن تعرف الحقيقة ، لكن .. كيف ؟ لا أحد يعرف إلا من يعيش في الغابة . الكلب والقط والديك هم الآن هناك . لعلهم يعرفون كيف غرقت الثعالب .
.. ونظرت سيدة المنزل بعيدا ً، ثم إنطلقت تهرول نحو الغابة باحثة ً عن أصدقائها .

الموصل14/3/1986

بحزاني نت
17-10-2007, 23:02
الثيران لا تستحق الرحمة !

جمعة كنجي

شرع عاشور يبحث عن عمل آخر . فوجد له عملا ً في مزرعة قريبة من مدينة الموصل . صاحب المزرعة رجل ثري ، مهنته شراء العجول الصغيرة ، ومن ثم تسمينها ، وبيعها في المدينة . وقد إنحصر عمل عاشور في تقديم العلف والماء للعجول . أمّا زوجته جرادة فتولت مهمة تنظيف الحضيرة . وترتب على حماره شوشو نقل العلف على ظهره من المخزن للحضيرة .
وقد ورث صاحب المزرعة الثري خبرة ً عن أبيه في مجال تسمين العجول .
وأوصى صاحب المزرعة عاشور بشيئين إثنين : ألا يقدم للعجول علفا ً أكثر مما تحتاجه ، وأن تظل مربوطة على الدوام .
واضب َ عاشور على عمله ، يقدم العلف والماء للعجول ثلاث مرات في اليوم ، وحرص على تنفيذ وصية صاحب المزرعة .كبرت العجول ، وأصبحت ثيرانا ًكبيرة ، ضخمة ، باعها صاحبها في المدينة ، فحصل على أرباح جيدة .
قرر صاحب المزرعة أن يزيد راتب عاشور . فله ولزوجته جرادة فضل كبير من نجاح عمله .
إشترى وجبة أخرى من العجول . إستمر عاشور يعمل بهمة وحماس ، وحرصت جرادة على تنظيف الحضيرة بعناية فائقة .. وأصبح بأمكان شوشو أن يتناول ما يشاء من علف العجول . ذات مرة ، سافر صاحب المزرعة إلى جهة بعيدة ، وأوكل عاشور بأدارة العمل إلى حين رجوعه .

لكن فكرة جهنمية خطرت على ذهن عاشور : " لماذا لا يقدم المزيد من العلف للعجول لكي تسمن بسرعة ؟ .. لو فعل ذلك ، فإن صاحب المزرعة سيحصل على أرباح أكثر ، وفي فترة زمنية أسرع ، قد يزيد أجوره أيضا ً..!" . بدأ عاشور يعلف العجول ببذخ ، كبرت بسرعة ،أصبحت ثيرانا ً جاهزة للبيع . لكن صاحب المزرعة تأخر ، وبقيت الثيران تأكل وتأكل ..
إحتار عاشور في أمره : البطر جعل الثيران هائجة ، وجرادة تخاف أن تدخل الحضيرة .
عاد صاحب المزرعة من سفره . لم يصدق ما رأى : أيمكن أن تكبر العجول بهذه السرعة ؟!.
أثنى صاحب المزرعة على عاشور وزوجته جرادة ، ونوه إلى أنه سيزيد من أجرهم .
الثيران الآن جاهزة للبيع . صاحب المزرعة توجه إلى المدينة ليعقد صفقة مع الدلالين . عاشور في غاية الفرح والرضا. لقد أثبت بأنه رجل مجد ومخلص في عمله. شيء واحد ينغص عليه سروره. الثيران تبدو عصبية المزاج ومشاكسة . قال لجرادة : " لو حررنا الثيران من أربطتها ، أفلا يحتمل أن تصبح هادئة وديعة؟ " . وافقته على رأيه ، عندئذ اخذ عاشور يحرر الثيران من أربطتها واحدا ً بعد الآخر .
إنطلقت الثيران تتراكض في أرجاء الحضيرة ،هي في أشد حالات الهياج . أدرك عاشور أنه قد إرتكب خطأ ً كبيرا ً . كل ثور بدأ ينظر للآخر بشزر . نفخ أحد الثيران بغضب ، إندفع يهدد الآخرين بقرنيه الطويلين . نشبت معركة طاحنة بين الثيران ، سقط بعضها على الأرض داميا ً . وعلا خوار الثيران الهائجة ،لم يعد في مقدور عاشور السيطرة عليها . حاصرته الثيران في زاوية الحضيرة ، صرخ من مكانه مستنجدا ً : " جرادة .. جرادة ! إفتحي الباب ، وأخرجي شوشو ، الثيران ستقضي عليه " . وحين فتحت جرادة الباب ، إنطلقت الثيران هاربة في كل إتجاه .
قفز عاشور من النافذة وهو يتمتم ساخطا ً : " حقا ً .. إن الثيران لا تستحق الرحمة ! ".
وعندما عاد صاحب المزرعة ، لم يجد أثرا ً لا لعاشور ولا لزوجته ولا لأي ثور .. !

19/10/1985

بحزاني نت
17-10-2007, 23:02
العقاب العادل

جمعة كنجي
هطلت أمطار غزيرة في الربيع ، فأورقت الأشجار ، وتفتحت الورود ، وازدهرت الحقول . تفجرت الينابيع العذبة من كل مكان ، وجرت المياه في الجداول رقراقة صافية . هنا وسط هذه الطبيعة الخلابة ، إختار النحل شجرة حور كبيرة ، فبنى لنفسه خلية ً داخل جذعها المجوّف .
طوال موسم الربيع ، إستمر النحل على العمل بجد ونشاط ، كل عاملة تغادر الخلية ، في وقت مبكر من الصباح ، تطير بعيدا ً عِبر الحقول ، باحثة عن الأزهار ، لتنقل رحيقها إلى الخلية . إستمر النحل يعمل أشهر عديدة ، دون كلل أو ملل ، حتى إمتلأت الخلية بالعسل ، ولم تعد تتسع للمزيد منه.
إحتار النحل في أمره . أيتوقف عن العمل والأزهار ما تزال تملأ الحقول ؟.
وجد النحل نفسه أمام معضلة ، غير أن فكرة لطيفة خطرت على بال الملكة ، فقالت :
- ليس هناك أي معضلة . إبحثوا عن مكان آخر لنبني خلية جديدة .
طارت نحلة لتبحث عن مكان ٍ ملائم ، لكنها لم ترجع . قيل أن زنبورا ً إفترسها .
خرجت نحلة أخرى ، لم ترجع أيضا ً . قيل بأنها تاهت ، ولم يعرف النحل ُ شيئا ً عن مصيرها .
لكن عزم النحل ِ لم يفتر . لا بدّ َ من بناء خلية أخرى . الصغار سيكبرون ، والخلية لا تتسع للجميع، والشتاء سيحل - عاجلا ً أم آجلا ً - ببرده وأمطاره وثلوجه . والعسل لن يكفي للكل. من الضروري أن يفتشوا عن مكان آخر ، قبل فوات الفرصة ، مهما كلفهم الأمر من تضحيات..

هكذا ، وبحماس منقطع النظير ، طار النحل في جميع الأتجاهات ، يفتش بين جذوع الشجار ، وفي شقوق الجبال ، وتحت الأجمات .. الأرض واسعة ، سيجدون حتما ً موضعا ً مناسبا ً لبناء خلية جديدة .
... عادت نحلة متعبة لتخبرهم أنها اكتشفت موضعا ً ملائما ً في جذع شجرة زيتون .
وفي موكب رائع بدأت الرحلة . ودّعت النحلات ُ القديمات صغارها ، ثم غادرت الخلية في رحلة طويلة نحو بيتها الجديد .. في الطريق، حطّت الملكة فوق غصن شجرة رمان للأستراحة ، تجمع النحل حولها على هيئة عنقود عنب ، إلاّ أفراد الحرس حيث ظلّوا يحومون في المنطقة خوفا ً من الأعداء .
إعترض سبيل النحل زنبور مغرور . إفترس عددا ً من النحلات المسكينات وقال بغطرسة :

- هذه الأرض أرضي ، ولن اسمح لكم الأقامة فيها ، سأفترسكم جميعا ً إن لم ترحلوا ..!
أجابته ملكة النحل الحكيمة :

- الأرض واسعة ، وليس من العدل أن تكون مُلك مخلوق دون آخر .
قال الزنبور المغرور :
- أريد حصتي من العسل ..! أنظروا إلى جسمي الكبير ، ولوني الزاهي . سأنتقم منكم إن خالفتموني.
عاود النحل رحلته .
الزنبور شرس وأحمق ومتغطرس . لا ينبغي أن يعرف مكان الخلية ، طار النحل إلى مكان مجهول ، وبنى خلية جديدة ، في مأمن مِن الأعداء . عمل النحل بنشاط لا مثيل له . الأزهار ما تزال كثيرة ، ستمتليء الخلية بالعسل قبل حلول موسم البرد والأمطار والثلوج.
جرادة صغيرة ظلّت تراقب النحل بفضول ، وهي تقضم كل ما يصادفها من نباتات خضراء .
إستمر النحل يعمل حتى حلَّ الخريف ، بدأت الأزهار تذبل .
عملت كل نحلة ٍ بأخلاص وتضحية ، إلاّ ذكور النحل الكسالى حيث ظلّوا يتسلقون في أرجاء الخلية عاطلين . قيل أن أحدهم غنّى يوما ً للملكة ، فأعجبت بصوته .. وهكذا تصور هؤلاء الحمقى أن الملكة ستمنحهم حصة كبيرة من العسل لمجرد أنها طربت لصوت أحدهم ذات يوم ! .
خرج ذلك الذكر الطائش ، جلس بباب الخلية ، وشرع يغني بصوت عال .
سمعت الجرادة صوته ، فلم يعجبها غناؤه . شرعت هي أيضا ً تغني غناء يثقب الأذن.
إقتربت منه وقالت :
- النحل ُ مخلوق غريب ، لا يعجبني سلوكه . الغذاء متوفر في كل مكان ، لكنه لا يأكل منه شيئا ً.
أجاب الذكر موضحا ً :
- النحل يضع العسل . يجمعه من رحيق الأزهار ، ويدخره غذاء ً لفصل الشتاء .
ثم أضاف يقول بكبرياء :
- لكننا الذكور لا نعمل . غنيت ُ ذات يوم للملكة ، فأعجبت بصوتي، وهي لذلك فقط قد تمنحني حصة كبيرة من العسل.
قفزت الجرادة قفزة جانبية ، إستقرت فوق غصن شجرة ، شرعت تأكل تارة ، وتغني تارة أخرى .
عاد الذكر يتسكع في الخلية.
بعد أيام عقد النحل مؤتمرا ً . وقبيل إنعقاد المؤتمر ، غادرت الملكة غرفتها ، إلتف حولها النحل باعتزاز. ألقت الملكة خطابا ً مقتضبا ً ، أشارت فيه إلى أن الشتاء على الأبواب . اتفق الجميع على أن العمل سيتوقف تماما ً في موسم البرد ، والعسل - برغم وفرته - قد لا يكفي . عليهم ،إذن ، أن يقتصدوا في طعامهم . هذه حصة الصغار، وهذه حصة العاملات ، وتلك حصة الملكة . هنا استاء الذكور وأثاروا ضجة في قاعة الأحتفال .. أين حصتهم هم ؟ ردت الملكة على إعتراضهم بهدوء : "انتم لم تساهموا في إنتاج العسل ، فمن العدل الاّ تذوقوا قطرة منه .. ! " وقيل بأن الملكة أمرت بطردهم ، لكن هؤلاء الحمقى رفضوا بغرور . ضنا ً منهم أن حجمهم اكبر وأقوى ، ويستطيعون انتزاع حصتهم بالقوة . وهنا هجمت العاملات عليهم ، قضمت أجنحة البعوض ، لسعت البعض الآخر بأبرها الحادة ، فرّ من نجا منهم على غير هدى ، هائما ً على وجهه ، باحثا ً عن مكان يحتمي فيه .
أقبل الشتاء ، اشتد البرد . شاهدت الجرادة ذكر النحل المغرور يختفي في ثقب شجرة .
تساقطت الثلوج ، غطت وجه الأرض ، إحتمت الجرادة في مكان آخر .
إشتد الجوع بالزنبور . ما ذا يأكل والثلوج تغطي كل شيء من حواليه ؟. تذكر خلية النحل . لو عرف مكانها ؟ ! آه.. كم العسل لذيذ ! لكن أين يجد الخلية ؟ وكيف ؟ .. النحل لا يخرج من خليته شتاء ً . تذكر الزنبور بأنه رأى الجرادة تختفي في موضع ما . لمَ لا يقصدها ؟ لعلها تعرف مكان الخلية . لكن الجرادة أخبرته أنها نسيت مكان الخلية . الجوع أنهك جسدها ، واضعف ذاكرتها . فكرت بعمق دون أن تهتدي إلى حل .أخيرا ً تذكرت أن ذكر نحل يختفي في مكان قريب .قالت : " إنه يعرف مكان الخلية . لمَ لا نذهب إليه ، قد يساعدنا ؟ ...
إتفق الزنبور والجرادة وذكر النحل على مهاجمة الخلية ، ونهب كل ما فيها من عسل .
عندما إقتربوا من الخلية ، لم يجدوا غير ثقب صغير لا يتسع إلا لدخول نحلة .
قال الزنبور بصوت آمر :
- هيا ، يا ذكر النحل ، ادخل.. الجوع يقتلنا . تستطيع أن تسرق لنا شيئا ً من العسل .
رد عليه ذكر النحل وهو يرتجف من الخوف :
- لا أستطيع ! سيقضي عليّ النحل بأبره الحادة . لمَ لا تدخل أنت ؟
صاح به الزنبور غاضبا ً : " يا لك من رعديد جبان !" ثم هجم عليه وافترسه .
طلب الزنبور من الجرادة الدخول إلى الخلية . جسمها صغير ، وقد تفلح في محاولتها . لكن الجرادة رفضت وهي تجهش بالبكاء . كيف يستطيع مخلوق ضعيف مثلها مهاجمة خلية نحل ؟ . وحين هجم عليها الزنبور طفرت طفرة عريضة ، سقطت في بركة ماء ، وماتت غرقا ً .
بقي الزنبور ينتظر وحيدا ً بباب الخلية ، لعل نحلة تخرج . طال الأنتظار دون أن تخرج أي نحلة ، أخيرا ً مل ّ من طول الأنتظار ، طار عائدا ًإلى حجره ، قيل أنه سقط صريعا ً في منتصف الطريق ، بعد أن نهشه هدهد بمنقاره .



الموصل 7/7/1985

بحزاني نت
17-10-2007, 23:03
السمكة الفضية

جمعة كنجي
تجمع الأولاد في ساحة القرية . غدا ً يصادف الجمعة .. إنه يوم عطلة ، فأين يمضون عطلتهم ؟ وكيف ؟ . تناقشوا في الموضوع ، طرح كل طفل رأيه ، كانت آراءً صغيرة بلا معنى - من وجهة نظر الكبار - لكنها كانت في إعتقادهم آراء كبيرة وعظيمة الأهمية .
قالت لمياء:
- أحب أن نذهب غدا ً إلى الجبل لنجمع الورود البرية .
وقال مخلص :
- أنا افضل أن نرافق أمهاتنا وهنَّ يذهبن لحلب الغنم في البرية .
وقال أميل :
- لقد صنعت مصيدة جيدة. وأنتم أيضا ً تستطيعون أن تصنعوا مثلها . فلم َ لا نذهب لصيد العصافير ؟
إعترض خيري:
- بابا يقول بأن صيد العصافير عادة سيئة .. فماذا فعلت هذه المخلوقات الجميلة لنقتلها ؟! .
وأردف شامل : أرى أن نذهب إلى شاطيء النهر ، فنبني قرية لنا ، كما كنا نفعل في الماضي .
إحتجَّ خليل :
- هذه لعبة قديمة !
في النهاية حل ّ الظلام ، تفرق الأولاد ، دون أن يتفقوا على لعبة معينة .

.******.
صباح اليوم التالي ، قبيل شروق الشمس ، إنطلق خليل وحيدا ً نحو شاطيء النهر .
كان يحمل في مخلاته قليلا ً من الخبز والزبيب ، وشصا ً لصيد السمك . في الطريق فكر في ما كانت ترويه له أمه : " حوريات الماء كثيرا ً ما يستحمن في الليل على الشاطيء " . إذن من الأفضل له ، ألاّ يسرع حتى تشرق الشمس . تماهل في سيره وهو يراقب دائرة الشمس الأرجوانية خلف الجبال النائية ..
ُذهِلَ لمنظر الشروق : "ما أجمل َ قرص الشمس الذهبي وهو يرتفع هكذا بأبهة وشموخ فوق قمم الجبال ! " أسرع في مشيه وسط الحقول الخضراء.. كان الجو دافئا ً ، والأزهار تغطي سفوح الروابي ، قال في سره : " هذه هي تباشير الربيع " .
عندما بلغ شاطيء النهر ، تذكر نصيحة والدته : " إذهب إلى النهر .. إذهب .. فأنت صبي ولم تعد طفلا ً صغيرا ً ، لكن إياك أن تسبح إذا كنت وحدك ! " .
مضى ينقل خطاه فوق الرمال الناعمة ، باحثا ً عن مكان ملائم لصيد السمك .
إختار صخرة عالية ، ليجلس فوقها ...

كانت مياه النهر حمراء داكنة بلون الدم . هذا هو موسم الفيضان ، المياه مشبعة بالغرين . تساءل مع نفسه : " مِن أين يأتي النهر بكل هذا الغرين الكثير ؟ " .. هيأ الشص ، قذف به بعيدا ً ، إلى عرض النهر ، ثم جلس بهدوء يفكر في أمر الغرين .. أمه تقول :
" في كل سنة ، وفي مطلع الربيع ، تنزل الحوريات إلى النهر ، في موكب كبير ، فتسبح مثيرة ً ضوضاء وصخبا ً عظيمين ، وهي بعملها هذا ، تعكر مياه النهر ، فتبدو خابطة حمراء بلون الدم " .

أمّا معلمه فيقول : " إن سبب حمرة مياه النهر ،هو كثرة الغرين الذي تحمله المياه في موسم الربيع حين تذوب الثلوج " ، وهو يفكر في أمر الغرين ، إختلج الشص في يده، هتف:
- لا بدَّ وان سمكة كبيرة علقت به .
شدَّ على الخيط ، سحبه بهدوء . ظل يسحب ويسحب . عندما أتى على نهايته ، صاح بفرح :
- هيا . تعالي أيتها السمكة الجميلة ! .. لماذا تبدين هكذا عنيدة يا عزيزتي ؟.
قاومت السمكة بقوة ، وهي ما تزال في الماء . وكاد الخيط أن ينقطع ، قال لنفسه :

" ماذا ؟. أبدا ً لم أصادف في حياتي سمكة عنيدة إلى هذا الحد لعلها كبيرة ، ربمّا تكون قوية ، لكنها على أي حال ، لن تفلت من قبضتي ".
حين عاود السحب ظهرت فوق السطح سمكة فضية رشيقة .
خبطت السمكة الماء بزعانفها بقوة ، دارت حول نفسها عدة دورات يائسة ، محاولة الخلاص من الشص دون جدوى .

صاح خليل :
- كفاك ِ عنادا ً ، أيتها السمكة الفضية الرشيقة ، فأنا لا أريد أن ألحق بكِ أذى .
قالت السمكة وهي تقاوم بضراوة :
- جميع الصيادين يقولون هذا .. ألا ترى كيف يمزق شصك فمي ؟ ! .
جذبها خليل نحو الشاطيء بسرعة قائلا ً :
- أنا لا أوذي السمك الجميل ، بل أرعاه في البيت داخل خوض الزينة .. ألا تصدقيني ؟ .

نظرت السمكة بعينين حزينتين إلى وجهه المدور النحيل . قالت بلهجة توسل :

- يبدو لي انك ولد عاقل ، لا تشبه بقية الصيادين .. لكن ألا تعتقد بأن الحوض سيكون كالسجن بالنسبة لي .. ؟ . لقد تعودتُ أن أجوب البحار الشاسعة ، فكيف أستطيع الصبر في حوض صغير داخل البيوت ؟ ! .

عندما إنتزع خليل الشصَّ من فمها . هزت السمكة زعانفها من شدة الألم ، وقالت باكية :

- أعدني إلى الماء ، أيها الصبي الطيّب ، الهواء يخنقني ..! الم تعاهدني أن أبقى حية ؟؟.

- نعم وعدتك بذلك .. لكن من يقول إنك لن تهربي إذا أعدتك إلى الماء ؟ .

- إعتبرني صديقتك لن أهرب . سأجيء بين حين وآخر لكي أراك .

- ,إعتبريني صديقك . سأطلق سراحك .. كلما جئت ُ إلى الشاطيء ، سأبحثُ عنك ، أنت ِ حقا ً سمكة فضية جميلة .

ألقى بها في الماء . شرعت تسبح برشاقة . لوح لها بيده مودعا ً ، قالت بأمتنان :

- سأضع بيضا ً كثيرا ً ، قد أعود أنا وصغاري لرؤيتك ، أيها الصديق العزيز ، سأجلب لك هدية ثمينة .

- أين تضعين البيض ؟ .

- في البحار البعيدة ، قد لا تراني فترة طويلة ، لكن من المحتم أن أعود .

اطرق خليل يفكر : كيف تكون الحياة لو إنقرضت الطيور والأسماك والحيوانات ؟ .. تلك السمكة الفضية هي أمْ ، وتستطيع أن تنجب سمكا ً كثيرا ً على شاكلتها ، الأم هي مصدر الحياة سواء أكانت هذه الأم إنسانا ً أو حيوانا ً أو سمكة . ينبغي أن نراعي حق الأمومة لكي تستمر الحياة .. وحسنا ً فعلتُ باطلاق سراح تلك السمكة الفضية ، سواء عادت أمْ لمْ تعد " . وغمره الفرح بينما كانت السمكة الفضية تغوص نحو الأعماق.
. ******.
في ذلك اليوم قرر خليل ألاّ يصطاد أي سمكة أخرى .. قفل راجعا ً إلى بيته ، وذهنه مشغول بشأن تلك السمكة الفضية العجيبة : " أي هدية ستجلب له ؟ من يقول أنها سترجع ثانية ؟ أليس من الجائز أن تكون سمكة ماكرة هزأت منه وغررت به وخدعته ؟ .

ثم أليس من الجائزأن تقع في شبكة صياد آخر ؟ .. عندئذ ستكون لقمة سائغة . هذه الأفكار وأخرى كثيرة طافت في ذهنه ، لكنه قرر ألا يخبر أحدا ً بقصته .
. ******.


مرّت الأيام ..


ذات مرة فكر خليل في الذهاب إلى شاطيء النهر . ربما تكون صديقته السمكة الفضية قد عادت من رحلتها .. حين وصل الشاطيء ، جلس فوق ذات الصخرة ، التي إصطاد من فوقها السمكة . لقد مضى الربيع ، وإنتهى موسم الفيضان ، ها هي المياه تلوح له صافية رقراقة ..

إذا ما مرّت صديقته السمكة الفضية ، لن يتعذر عليه رؤيتها .. ظل َّ ينتظر حتى الظهر ، وفي نفسه يدور ألف هاجس : " ذلك الطير الغطاس ، ذو المنقار الطويل ، أليس من المحتمل - مثلا ً - أن يكون قد إلتهم صديقته تلك ؟؟ " .


فجأة قفزت السمكة الفضية عاليا ً فوق سطح الماء . لوحت له بزعانفها ، ثم غاصت نحو الأعماق ! أثارت عند غوصها صخبا ً عظيما ً : " بق ! بق " . هتف خليل :

" إنها هي . صديقتي نفسها . لقد عادت .. ولكن ، لماذا إختفت هكذا بسرعة ؟ " . تعلقت أنظاره بصفحة المياه . وهو يقول : " حتما ً ستعود ، كما وعدتني ! " .

وبينما هو مغرق في افكاره، إنشقت صفحة المياه ،ظهرت السمكة ، وهي تسبح نحوه.

صاح خليل بجذل :

- مرحبا ً ايتها السمكة الفضية ! . يسعدني أن التقي بكِ ثانية بعد فراق طويل .

- اهلا ً بك يا صديقي العزيز . لقد إنتظرتني كثيرا ً .. أليس كذلك ؟.

- نعم .

- الرحلة إلى البحار متعبة وخطرة .

- حمدً لله على سلامتك ِ.

- لقد جلبت لك هدية ثمينة . أتحزر ما هي؟؟.

فكر خليل... قال وهو يبتسم :

- لا ! .

ثم وهو يضحك :

- وماذا يوجد في البحر غير المياه ؟!.

- البحر، يا عزيزي، عالم واسع وكبير وزاخر بالعجائب مثل اليابسة . والآن هل تعرف ماذا جلبت لك ؟ .

- لا اعرف !!

اقتربت السمكة الفضية منه ، وقالت :

- إنظر .. لؤلؤة!

قفز خليل من شدة الفرح ، وقال :

- لؤلؤة ؟ . يا لها من هدية ثمينة ! شكرا ً لك يا صديقتي العزيزة .

ثم صاح بجذل ٍ :

- أنا يتيم . وأمي فقيرة . ستفرح حتما ً .

صَمَت َ لحظة ثم استطرد يقول :

- أمي تقول بأن الأغنياء وحدهم يمتلكون اللؤلؤ !!


قالت السمكة: " اللؤلؤ - يا صديقي - تصنعه بعذابها مخلوقات ضعيفة هي الأصداف ، ثم يستخرجه فقراء الناس من أعماق البحر ، لكنه يستقر أخيرا ً في جيوب ِ الأغنياء والموسرين .

سألها خليل:

- لما لا يحتفظ به الفقراء لأنفسهم ؟

أجابت السمكة الفضية :

- لأنهم يقايضونه لقاء لقمة العيش

عاد خليل يسألها بأستغراب :

- متى يمتلك الفقراء اللؤلؤ؟؟.

نظرت السمكة إليه مليا ً ، وأجابت بتريث:

- سيمتلكونه ذات يوم . لكن ذلك اليوم ، سيكون معمدا ً بالدم . ولن يتحقق ،إلاّ إذا عرف الفقراء لماذا هم فقراء ..!

فتح خليل فمه مستغربا ً إستطردت السمكة الفضية تنصحه وتحذره في وقت واحد :

- هذه لؤلؤة ثمينة . قد يهاجم اللصوص قريتكم بسبها . لا تخف ! سأكون إلى جانبك .

- شكرا ً لوفائك يا صديقتي العزيزة .

ودعت السمكة الفضية صديقها وإنصرفت . راقبها خليل ، وهي تغوص نحو الأعماق .




.******.


حين عاد إلى البيت ، أستقبلته أمه . فتح يده وهو يقول بسرور :

- أماه ... انظري!.

أطلقت أمه صيحة ذعر ، وهتفت بأنفاس مبهورة :

- هذه لؤلؤة كبيرة وثمينة . مِن أين حصلت عليها ؟ وكيف ؟؟..

يا إلهي .

- أهدتني إياها صديقتي السمكة .. ما بكِ يا أمي ؟ بدلا ًمن أن تفرحي بها أراكِ خائفة ً ؟!.

همست المرأة العجوز :

- سينتزعها اللصوص منا . أنت ما تزال صغيرا ً ، وأنا إمرأة عجوز واهنة القوة .

- اللصوص ؟ .. أنا لا أخافهم . إن صديقتي السمكة الفضية ستكون في عوننا إذا هاجمونا .

قالت أمه بحسرة :

- من الأفضل أن نخفي اللؤلؤة الثمينة ، و إلاّ فأنها ستجرُ علينا المتاعب .

إقتنعَ خليل برأي أمه ، وعند حلول الظلام أخفيا اللؤلؤة في مكان أمين .


. ******.


ومرّت أيام أخرى ..

كانت أمه تكتم عنه سرا ً خطيرا ً . وفي إحدى الليالي قررت أن تفاتحه في الموضوع :

- خليل يا ولدي العزيز .

- نعم يا أماه ! .

- كنت صغيرا ً عندما مات أبوك ..

- نعم يا أمي .

- أنت الآن صبي على أعتاب الرجولة .
- أعرف !
- أتعرف كيف مات أبوك؟ !.
حملق في وجهها المتغصن بأستغراب :
- لا يا أمي.
صمتت لحظة . إستعادت في ذهنها ذكرى مؤلمة من الماضي ، ثم قالت بلهجة ملؤها المرارة :
- أبوك قتل !
- ُقتِل ؟!
- أجل . هناك ، على شاطيء النهر ، قرب شجرة السنديان . أسلم روحه ، ورأسه فوق ركبتي .
احتدَّ خليل وصاح بأنفعال ٍ :
- أخبريني .. من الذي قتله ؟ . لا بدَّ من أثأر له من قتلته. لست ُجبانا ً.
قالت أمه :
- لدغته أفعى سوداء .
رددَ بذهول:
- أفعى سوداء ؟ لو كان رجلا ً لأنتقمت منه . ولكن الأفعى السوداء ...
قالت أمه بهدوء:
- قد نجدها ذات يوم.
عاد يسألها بألحاح :
- وأين ؟ أين .. أجدها ؟؟.
إعتدلت أمه في جلستها . أصلحت من وضع ملابسها كمن يتهيأ لحديث طويل . طلبت منه أن يصغي إليها ، قالت له :
- إسمع يا خليل هذه الحكاية .
.*******.
أغمض البلبل العجوز عينيه مرة أخرى ، حاول أن ينام ، لكنه لم يستطع ، ظلت السنديانة تئن وتنوح طوال الليل . وقبيل الفجر ، جاءت الريح من بعيد ، وهي تسوق الغيوم أمامها ، وما إن سمعت السنديانة تبكي حتى توجهت إليها . وسألتها بحنان :
- أراكِ تبكين يا عزيزتي ، هل أنت عطشى ؟
رفعت السنديانة عينيها الدامعتين إلى الريح ، وقالت : لا . ولكنني وحيدة .
تململت الغيوم المثقلة بالأمطار ، وقالت : سوف نتأخر.
قالت الريح للسنديانة: كان بودي أن أبقى معك ، ولكن ..
تنهدت السنديانة ، وقالت بأسى: لقد هجرني جميع...
تململت الغيوم ثانية ، فقالت ، الريح ، وهي تتأهب للسير:
- سامحيني يا عزيزتي . لا استطيع أن أبقى . إن الحقول عطشى ، ويجب أن أسرع بالغيوم إليها .
مضت الريح نحو الحقول البعيدة ، والغيوم تتدحرج أمامها .
تمتمت السنديانة وهي تنوح : آه . لا يريد أحد أن يصغي إليَّ !.
أطلّ البلبل العجوز من عشه ، وقال : لا تبكي يا عزيزتي . إنني أصغ...
لكن السنديانة قاطعته بصوت متهدج:
- ما الذي يبقيك هنا . هاجر ، هاجر أنت بدورك ، لم أعد أريد أحدا ً .
- قال البلبل العجوز: لا .. لن أهاجر .
قالت السنديانة وهي تنشج :

- لو كنتَ قادرا ً على الهجرة لتركتني ، وهاجرت كالآخرين.

إرتفع نشيج السنديانة ، وسمعتها نحلة كانت عائدة إلى خليتها، فتوجهت إليها ، وهمت أن تسألها عنا بها لكنها حين رأت الأعشاش خاوية ، قالت مدهوشة :

- أين مضت البلابل ؟!

وقبل أن تجيب السنديانة بشيء ، إرتفع فحيح رهيب من أسفل الشجرة ، فتمتمت النحلة : أفعى!

قالت السنديانة وهي تنشج:

- لقد هاجر الجميع خوفا ً منها .

- وتركوك وحدك ؟

- نعم تركوني للأفعى .

- نحن لا نهاجر ، ونترك خليتنا للأعداء حين يهاجموننا ، بل نقاتل صفا ً واحدا ً دفاعا ً عنها .

إنتفض البلبل العجوز ، وإنطلق بأتجاه النهر ، فقالت السنديانة بمرارة:

- هاهو البلبل العجوز ، يهاجر أيضا ً !

- عبر البلبل العجوز النهر ، وراح ينادي على البلابل ، لم تمضي إلا لحظات حتى كان الجميع حوله ، فقال لهم :

- أبنائي إن السنديانة بحاجة إليكم ، يجب أن تعودوا .

إحتجت البلابل ، وارتفع أكثر من صوت :

- والأفعى ؟

- لقد هلك الكثير منا !

- نحن هنا في أمان .

- لن نعود

صاح البلبل ، وهو يهب من مكانه :

- سأعود وحدي ، وأقاتل الأفعى السوداء ! ما دمتم ترفضون العودة .

حلق البلبل عاليا ً ، انطلق وحيدا ً بأتجاه النهر ....

سأل خليل أمه بلهفة :

- ثم ماذا حدث ؟ ماذا حدث للبلبل ؟ ألا تخبرينني ؟

أجابت أمه بأصرار:

- كلا . لن أخبرك . أعفني من هذا .. لكن تذكر أن مصير والدك لا يختلف عن مصير البلبل العجوز .




. *****.

ومرت أيام أخرى ..

ذات يوم مشرق من أيام الربيع ، قرر أولاد القرية الذهاب إلى شاطيء النهر لكي يلعبوا هناك .

إعتذر لهم خليل لعدم إمكان مشاركتهم اللعب .كان في غاية الشوق لرؤية صديقته السمكة الفضية ... من يعرف أين هي الآن ؟..

أطلع أمه على رغبته ، طلب منها أن تخرج اللؤلؤة .. حين وصل َ الشاطيء ، جلس فوق ذات الصخرة العالية .

كان الأولاد يلعبون في مكان غير بعيد عنه . في الجهة المقابلة لاحت له شجرة السنديان .. خيّل إليه أنها تنشج . وتعجب ! كيف لم يفطن إلى وجودها من قبل ..؟

لكنها شجرة كباقي الأشجار، فمن أين أن يعرف ، قصتها ، لو لم ترو ِ له أمه، تلك الحكاية .. ظلَّ ينتظر صديقته السمكة وينتظر دون جدوى .

قال لنفسه : " سأنتظر . لعلها تعود .. سأنتظر وان كان نشيج السنديان يحز في نفسي " .

حين سأم من الأنتظار ، خاطب النهر بصوت فيه الكثير من التوسل :

- أيها النهر الصاخب ..! بالله أحلفك ، ألا تعرف أين صديقتي السمكة الفضية ؟ .

تماوج النهر ، ثم قهقه مزمجرا ً بجنون ، وصرخ بصوت كأنه الرعد :

- السمكة الفضية ؟ يا لك من ولد ساذج ! آلاف الأسماك تهلك في أعماقي يوميا ً .

قال خليل بحزن :

- أيها النهر .. لا تغضب .. لي سؤال آخر من فضلك : هل أن صديقتي قد هلكت أم إنها على قيد الحياة ؟؟ .

أجاب النهر بصوت غاضب :

- لا أدري .

وهنا قال خليل :

- سأنتظر جالسا ً ، أنتظر صديقتي ، فهل يغضبك هذا ؟

أجاب النهر ، ولم يكن في هذه الحالة غاضبا ً :

- إنتظر ! .. الأنتظار يعلمك الصبر ، والصبر سر نجاح كل إنسان .

وظل خليل جالسا ً في مكانه ينتظر . ظل ينتظر وينتظر دون جدوى ، السمكة الفضية لم تظهر .


.******.


قال خليل لنفسه : " لماذا لا أذهب ، أشارك الأولاد في اللعب ؟ ".

تمشى على طول الشاطيء ، وفي كل لحظة كان يأمل أن تظهر له السمكة . خيل إليه أن نحيب السنديانة يمتزج مع خرير المياه المتدفقة عبر النهر .

تذكر الحكاية التي روتها له أمه .. وتذكر حكاية الأفعى السوداء التي لدغت أباه .

أمه في إحدى الليالي قالت:

" إن الأفعى السوداء كبيرة بحجم الجاموس ، وشرسة كالذئب ، ونهمة بحيث تبتلع كل من يسوقه القدر إلى طريقها .. وهي في كل عام ، تلد آلاف الأفاعي السوداء التي لا تقل عنها غدرا ً .. ماذا يفعل لو هاجمته تلك الأفعى ؟".

أحسَّ بالخوف ، لكن سرعان ما زال خوفه ، حين تذكر نصيحة السمكة الفضية : " لا تخف . سأكون إلى جانبك ". ومضى ينقل خطاه فوق الرمال ، حين إقترب من الأولاد صاحوا جميعا ًبصوت واحد :

- هذا خليل .. هذا خليل ..

وصاح شامل :

- ألا تشاركنا يا خليل في اللعبة القديمة . ها نحن في سبيل أن نبني قرية .

قال بصوت عال ٍ :

- نعم . سأشارككم في اللعب .

غير أن قصة الأفعى السوداء ، ونشيج شجرة السنديان ، لم يفارقا ذهنه . فقال في سره : " إنهم لم يسمعوا بهذه القصة المفزعة " .. وطافت في خياله صورة آلاف البلابل التي إبتلعتها الحية . وفكر : " وماذا لو جاءت الأفعى السوداء ؟ ألا تستطيع أن تبتلع جميع الأولاد ؟؟ وقرر مع نفسه أن يقاوم الحية . وإنتزع نفسه من هذه الخواطر المحزنة ، ثم أجابهم :

- نعم . سأشارككم اللعب .


. ******.


إنصرف خليل إلى اللعب مع أصدقائه . إتفقوا على أن يبنوا قرية. وبناءُ قرية يحتاج إلى جهود كبيرة .. تطوع بعضهم ليقوموا بدور المعماريين ، وتطوع آخرون كعمال ، و غيرهم كنجارين .. إنهمكوا في العمل ، بنوا عددا ً من البيوت الصغيرة ، إستمروا يعملون ويعملون حتى أنجزوا بناء القرية .

وقف الأولاد الصغار يتأملون بفخر وإعتزاز قريتهم الجديدة تلك .

هنا هتف احدهم .

ألا ترون بأن القرية تحتاج إلى مدرسة ؟

وقال آخر :

- وتحتاج إلى مستوصف .

وقال غيره:

- وتحتاج إلى شارع يربطها بالمدينة .

- وتحتاج إلى جمعية فلاحية .

- وتحتاج إلى كهرباء .

وقال طفل أسمر :

- وتحتاج إلى حراس..ما فائدة كل ما بنيناه إذا هاجمنا اللصوص بغتة؟!.

إنهمكوا في العمل من جديد . تشاوروا فيما بينهم ، عينوا خليل آمرا ً للحرس.

قبيل الغروب صاح أحد الحراس محذرا ً : " إنني أرى أفعى سوداء ضخمة تحت شجرة السنديان !".

وقال حارس آخر : " كنت منذ حين أسمع شجرة السنديان تئن . لعلها كانت خائفة من الحية ؟".

وصاح خليل بصوت آمر:

- تأهبوا.. يا صغار للدفاع عن القرية ، و إلاّ الأفعى السوداء ستدمر كل ما بيناه .

وعبرَ المياه توجهت الأفعى السوداء نحو القرية وهي تقود خلفها عشرات الأفاعي الصغار .

وكلما كانت الأفاعي تقترب من القرية ، كانت أشكالها تستحيل إلى أشكال بشرية . لا حظوا أن الأفعى السوداء الكبيرة إستحالت إلى عملاق هائل ، عملاق أبيض البشرة ، أزرق العينين ، يحمل فوق رأسه قبعة ، وفي يده حربة ، في حين إستحالت الأفاعي الصغار إلى جيش جرار لا أول له ولا آخر .

فكر خليل بسرعة : " الآن عرفت كيف قتل هؤلاء المتوحشون والدي ! " تحسس جيبه . اللؤلؤة ما تزال فيه إلى جانب الشص . وقال لنفسه :" يجب أن نقاوم ! يجب أن نقاتل بشرف وبطولة ، و إلاّ فأن الأفاعي البشرية سوف تدمر القرية " .

وصرخ بصوت حاد:

- هيا يا أولاد . إتخذوا أماكنكم ! سنقاوم الأفاعي البشرية مهما كلفتنا من تضحيات .

وإنطلق مهرولا ً وهو يصيح :

- أما أنا فسأحرس مدخل القرية.

قهقهت الأفعى البشرية العملاقة بجنون وهي تقول :

- ماذا تفعلون هنا يا صغار ؟

أجابها خليل بشجاعة :

- نبني قرية !

قالت الأفعى البشرية الكبيرة ساخرة :

- هذه أرضنا.. أرض الأفاعي !

رد عليها خليل بسخرية أيضا ً:

- أرضكم ؟ يا للنفاق .. هذه أرضنا نحن . عليها عاش آباؤنا و أجدادنا وما أنتم إلا أفاعي بصورة بشرية ، تريدون السيطرة على كل مكان فوق الأرض بدون حق !

فحّت الحية الكبيرة ، وزعقت :

- إخرس ! سندمر القرية ! سنبتلعكم ! لا أحد يستطيع أن يقهرنا ..

فجأة ، في ذات اللحظة ، دوت ضجّة عظيمة هزت القرية .

نظر خليل نحو مصدر الضجّة :

لقد إنشقت صفحة المياه ، ها هي سمكته الفضية تتجه نحو القرية ، ومن خلفها مئات الأسماك الفضية الصغيرة . لم يصدق خليل عينيه .. بدأت الأسماك تقترب وتقترب ، وهي تكبر وتكبر ... أخيرا ً إستحالت كل سمكة إلى دبابة .. مئات الدبابات تحيط بالقرية ، كيف حدث هذا ؟ يا للصديقة الوفية ! هاهي إلى جانبي في ساعة الخطر .

قالت السمكة الفضية ، بعد أن استحالت إلى دبابة : " هيا يا صديقي .إمتطي ظهري !"

إختلجت اللؤلؤة في جيب خليل ، تحسسها إذا بها تستحيل إلى قنبلة .

وإستحال الشص إلى مدفع ..

تحركت عشرات الدبابات . إنطلقت عشرات المدافع . قاتل الصغار ببطولة .. ذعرت الأفاعي البشرية . تقهقهت . إستحالت مرة أخرى إلى أفاع ٍ حقيقية . حاولت الفرار .. إلى أين ؟ ظلّت الدبابات تلاحقها ..

من بعيد قهقهت السنديانة الكبيرة وهي ترى بعينيها مصير الأفاعي . حاولت بعض الأفاعي أن تنجو بنفسها ، لكن شجرة السنديان سدت عليها الطريق بأغصانها الكبيرة .

.******.

خرج الآباء والأمهات من بيوتهم . نظروا بعيدا ً، نظروا باتجاه شاطيء النهر، ثم قالوا بصوت واحد:

- إنها الحرب ُ تطرق أبوابنا

بحزاني نت
17-10-2007, 23:04
الأشجار لا تموت

جمعة كنجي

أقبل الخريف ، بدأت أوراق بعض الأشجار تذبل ثم تسقط على الأرض . حزنت الأشجار حزنا ً شديدا ً ، وتساءلت فيما بينها : " ماذا جرى ؟ ولماذا تتساقط الأوراق هكذا ؟؟" . قصدت الأشجار شجرة جوز كبيرة لتستشيرها في الأمر ، ضحكت شجرة الجوز وقالت : " لا شيء .. لا شيء يا عزيزتي . يبدو أن الشتاء قد بدأ يقترب ، لذلك تتساقط الأوراق نحو الأرض " .
عادت كل شجرة إلى مكانها ، وهي في غاية الأطمئنان . إستمر تساقط الأوراق ، تجمعت أكداس كثيرة منها فوق سطح الأرض . وقبل أن يحل ّ فصل الشتاء ، صارت جميع أشجار الغابة - عدا القليلات- عارية من الأوراق تماما ً .

حتى شجرة الجوز الكبيرة ، سقطت هي الأخرى أوراقها ، وبدت كأمرأة عجوز طاعنة في السن . عندما أضحت الغابة جرداء ، إنتشر الخوف بين الأشجار ، قالت شجرة التين :
-لا بدّ وأن الشتاء فصل قاس لا يرحم ، فأي شيء يمكن أن يحمله لنا ؟؟
ردت شجرة الجوز تقول بوقار:
- أجل.. إن الشتاء فصل قاس ٍ حقا ً ، سيحمل لنا معه الأمطار والثلوج والعواصف ..
لكن أن تصبروا !

واقبل الشتاء . هبّت عاصفة شديدة ، إرتجفت الأشجار من شدة الخوف ، وإنتشر الذعر في الغابة : الرياح عنيفة ، تستطيع أن تقتلع أي شجرة من جذورها .. ما السبيل للخلاص من العاصفة ؟!. صاحت الأشجار بصوت واحد : " لنهرب من وجه العاصفة ، وإلاّ ستقضي علينا جميعا ً .. !" لكن شجرة الجوز الكبيرة هزت رأسها غير موافقة على هذا الرأي ، قالت بصوت رزين :
- كلا .. لن نهرب ! قد تسقط بعض الأشجار في مهب العاصفة ، لكن ليس في مقدور العاصفة علينا جميعا ً .
هكذا صمدت الأشجار في وجه العاصفة . بقيت العاصفة تهب أسبوعا ً كاملا ً . سقطت بعض الأشجار ، تكسرت أغصان أشجار أخرة ، ثم هدأ كل شيء ، تلبدت السماء بغيوم سوداء كثيفة . لم يمضِ ِ وقت طويل حتى تساقطت الثلوج بغزارة . إستمر الثلج يتساقط ويتساقط حتى غطى الغابة وإنطمرت جذوع الأشجار تحته . خافت الأشجار خوفا ً شديدا ً ، قالت شجرة الزعرور :
- لنهرب.. ! الثلج أخطر من العاصفة . سيطمرنا تحته ، ويقضي علينا جميعا ً !.
أطرقت شجرة الجوز الكبيرة تفكر ، ثم قالت للأشجار بصوت حكيم :
- كلا .. لن نهرب ! قد تسقط بعض الأشجار تحت ثقل الثلج ، ولكن ليس في إمكان الثلج أن يقضي علينا جميعا ً !
إقتنعت الأشجار برأي شجرة الجوز الكبيرة ، وبقيت في مكانها بأنتظار ذوبان الثلوج" .
ذات يوم سقطت الأمطار بغزارة . فرحت الأشجار وقالت : " المطر سيذيب الثلوج". في الليل أضاء الغابة بريق ساطع ، أعقبه دويٌّ يشبه أصوات المدافع ، إنكمشت الأشجار على نفسها وهي ترتعد ذعرا ً .
قالت شجرة البلّوط : هذه هي الصاعقة .. وهي تستطيع إقتلاع أي شجرة في غمضة عين ! " . خافت الأشجار وصاحت :
- لنهرب.. ! الصاعقة أخطر من الثلج ، وهي تستطيع أن تمزقنا قطعا ً قطعا ً .
قالت شجرة الجوز الكبيرة مؤنبة :
- كلا .. لن نهرب ! الصاعقة قد تقتلع بعض الأشجار ، ولكن ليس في إمكانها إبادة غابة .
إقتنعت الأشجار بهذا الرأي ، فلم تهرب .

أذابت الأمطار الثلوج إنحدرت السيول من قمم الجبال . تجمعت على شكل نهر هائج . إتجه النهر صوب الغابة وهو يزمجر . إقتلع عددا ً غير قليل من الأشجار ، وجرفها معه بعيدا ً ، إنتشر الذعر في الغابة ، صرخت شجرة الصفصاف :
- لنهرب ..! السيل أخطر من الصاعقة . سيجرفنا نحو البحار البعيدة .
لكن شجرة الجوز الكبيرة إعترضت قائلة :
- كلا .. لن نهرب ! السيل سيجرف الأشجار ، لكنه لا يستطيع القضاء على غابة .

هكذا بقيت الأشجار في مكانها ولم تهرب . مع بداية الربيع أورقت جميع الأشجار ، إكتست الغابة بثوب أخضر جميل . إنسابت الجداول الصافية في كل مكان ، غرّدت الطيور على الأغصان ، إمتلأت الأغصان بالفاكهة ، لم يعد هناك مكان على الأرض أجمل من الغابة .وحدث فجأة - في أحد أيام الصيف - أمر مرعب . شبت النيران في طرف الغابة ، تصاعدت أعمدة الدخان نحو السماء ، إنتشر الأضطراب في الغابة ، صرخت الأشجار باكية.

- لنهرب ..! النيران أخطر من السيول . إنها ستحرقنا جميعا ً ، وتحيلنا إلى كومة من الرماد !!

نظرت شجرة الجوز الكبيرة إلى ألسنة النيران ثم خاطبت الأشجار بهدوء ووقار :

- كلا .. لن نهرب !! حتى النيران لا تستطيع القضاء علينا. جذورنا في الأرض، وستنمو من جديد .

أحرقتِ النيران جزءً من الغابة ، ثم مضت تلتهم الهشيم . فرحت ِ الأشجار ، وعانقت شجرة َ الجوز بأعتزاز . ويوما بعد يوم أخذت الأشجار تعلو وتكبر . نبتت أشجار جديدة . ظنت الأشجار بأنها لن تصادف محنة ً أخرى . ولكن حدثَ فجأة أن ترددت في أنحاء الغابة طرقات غريبة : " طاق .. طق ! " وعلى الفور إنتشر خبر مؤلم في الغابة : مخلوق يدعى الأنسان ، بيده آلة تسمى الفأس .. هذا المخلوق يقطع أي شجرة يريد بضربات قليلة من آلته الرهيبة ! .

هتفت الأشجار : " لنهرب ..! هذا المخلوق مخيف أكثر من العواصف والثلوج والبرق والسيل .. بل وحتى النار ! "

ردت شجرة الجوز الكبيرة تقول :

- كلا .. لن نهرب !!

القت نظرة على الأنسان ثم استطردت تكمل :

- هذا المخلوق رهيب ، يستطيع أن يقضي علينا فعلا ً ، لكنه لن يقدم على ذلك أبدا ً .

قالت الأشجار مستغربة :

- لماذا ؟؟

أجابت شجرة الجوز الكبيرة :

-لأنه عاقل !! لن يلحق بنا أذى كبيرا ً .سيأخذ حاجته من الخشب ، وينصرف .

عند ذاك توقفت ضربات الفأس ، غادر الأنسان الغابة حاملا ً معه قليلا ً من الخشب .




.****.

مضى الصيف ، واقبل الخريف ، وبدأت أوراق الأشجار تتساقط .. في هذه المرة ، لم تخف الأشجار ولم تضطرب، فهي تعلم أنها مقبلة على حوادث خطيرة : ستهب العواصف . وتتساقط الثلوج،وتفيض الوديان وتقصف الرعود، وتنتشر الحرائق ...وسيأتي الأنسان أيضا ًحاملا ً فأسه ، وبرغم كل ذلك ستبقى الغابة مزدهرة ، خضراء ، يانعة، ولن تموت الأشجار أبدا ً ..

بحزاني نت
17-10-2007, 23:06
معركة أخرى خاسرة


جمعة كنجي


ساقلع عن التدخين..


ألا تصدقونني؟ انني جاد في هذه المرة، ولن ادخن أي سيكارة اعتبارا من صباح غد..اي يوم يصادف غدا؟ حسن. اذن ستكون ساعة الصفر صباح الاحد.وبعدها ساحطم خصمي العنيد الذي ظل يصارعني طيلة ربع قرن من الزمان.




نحن الان في يوم السبت. الوقت صباحا. وحتى تحين ساعة الصفر العظيمة ساصفي بعض الحسابات القديمة مع عدوي الغادر. اعترف لكم باني خضت ضده معارك عديدة كان الفشل نصيبي في جميعها، لكني موقن اشد اليقين بأني ساحقق النصر في المعركة المقبلة. ومنذ الان ساتهيأ للمعركة، معتمدا على ستراتيج جديد لم اتبعه في أية معركة سابقة. لقد اجريت تحليلا لاخطائي التي جرت علي الفشل فوضح لي اني كنت ابتدأ بداية خاطئة، والبداية الخاطئة تؤدي إلى نتائج خاطئة، والعكس صحيح. والعاقل من استفاد من اخطائه. متى دخنت السيكارةألاولى؟ الحقيقة اني لا اتذكر ذلك بالضبط،وكل ما اتذكره اني دخنت لاول مرة وانا طفل ساذج. وماذا كانت الدوافع ؟ لاادري بالضبط. ربما كانت محاولة مني لتقليد الكبار بدافع من اقران السوء.. وعلى أي حال فقد ابتدأت التجربة في السر خوفا من بطش ابي. ثم زين لي جموح المراهقة-بعد اعوام- أن اظهر امام الملا وبين شفتي سيكارة انفث دخانها برضا وسرور متبخترا كالطاؤوس، متنقلا هنا وهناك في زهو وكبرياء. ضبطني ابي؟ وانتم تعرفون ماحدث،زادني العقاب اصرارا على مواصلة التجربة، لماذا يمنعني ابي من التدخين؟ كل الناس يدخنون،المساءلة ضرورة من ضرورات الحياة مثل الاكل والشرب والدراسة، وابي ايضا ربما يكون جدي منعه عبثا عن التدخين، لكنه يدخن اليوم رغم نصائح جدي له..اه..لو يعلم ابي كم اني مغرم بالتدخين، فالناس ينظرون إلي نظراتهم إلى رجل عندما يرون السيكارة في فمي، والتدخين يساعدني على تركيز افكاري وقت الدراسة... التدخين وسيلة ناجحة بين الاغراب. وواسطة للتغازل مع الاحباب... فلن يلمني ابي؟ولم يمنعني؟ إن لم ادخن في صغري فسوف ادخن حتما في كبري، فلم يلمني ويمنعني ابي ؟ لم؟.
استمرت مطاردة ابي لي اعواما عديدة ،ثم يأس، واذن لي أن ادخن علنا متى اشاء.
جرفني تيار الحياة، ووجدتني اصارع الامواج الصاخبة، وبدات آرائي تتغير وتتبلور. شرعت انظر للامور نظرة واقعية، نظرة رجل حنكته تجارب مرة قاسية، عندئذ فقط ادركت أن ابي كان على صواب. وبدأ الالم يحز في نفسي... اليس من العار أن يستمر الانسان على الخطا؟ وما قيمة السيكارة ؟ ولماذا لا يمكن الاستغناء عنها؟ إن الذي لايقنع نوازع السوء الصغيرة في نفسه لايمكن أن يحقق الامال العظيمة.. بهذه المعنوية شرعت افكر بالكف عن التدخين لاول مرة، باعتبار التدخين رذيلة اجتماعية... وكنت يومئذ صارما في انتقاد الذات، حريصا على تنفيذ اية فكرة تخطر على بالي بدقة متاهية.
وياللاسف... فشلت المحاولة الاولى بعد تنفيذها بوقت قصير، وشرعت ادخن بنهم اكبر من السابق، وعدت اناقش نفسي مرة اخرى: هل قطع التدخين صعب إلى هذا الحد؟ لا..مطلقا. انها مسالة ارادة لا غير، وانا لست ضعيف الارادة في ذلك الشان، ساحاول وفشل المحاولة لن يثنيني عن عزمي، ساعيدها مرة اخرى.
تذكرت قصة القائد المغلوب والنملة.تهيات لجولة ثانية وفشلت
فشلت في جولة اخرى واخرى واخرى، حتى لم يعد بامكاني أن اتذكر عدد مرات فشلي، واستمرأت لذة الفشل، وايقنت أن في الفشل لذة لاتقل عن لذة النجاح ابدا.
ومرت اعوام...
وفي كل عام كنت اظن أن المعجزة ستتحقق، واني لا بد من أن احطم الوحش المجنون الذي استعبدني طويلا. قررت أن اخوض غمار معركة اخرى،مستفيدا من الخبرة الاخرين، ومستعينا بتجاربي الشخصية.
ناقشت نفسي من جديد، لابد من عمل حاسم فقد بدات تظهر اعراض جانبية كما يقول الاطباء، فالتدخين يستنزف جزءاً غير يسير من ميزانيتي، وانا اسعل بشكل مقرف كانني شيخ في السبعين من عمره، ماذا قال لي الطبيب؟التهاب قصبات؟اه..عزائي انه التهاب بسيط لاضرر منه..ولثتي ملتهبة ايضا، وقد دب التسوس في اسناني الصفراء، لكم اصبحت مهملا...يبدو أن الدخان صار يبلد ذهني بدلا من أن يشحذه، من اجل والا كيف ارمي اعقاب السيكاير في اركان المنزل بدلا من أن اطفائها في المنفضة التي بجانبي؟ لقد احرقت ذات مرة بدلة جديدة اول ما لبستها. وهذه اصابعي، صفراء لحد القذارة.. والانكى من كل شي أن ابني الصغير (خليل) بدا يسرق مني السكاير وهو بعد في السادسة من عمره. لقد ضبطته يدخن.. وغضبت وارتفعت يدي في الهواء لتنال على وجه في صفعة قوية، لكني عدلت اخيرا،فان العقاب لايفيد، ينبغي أن اقطع علية الطريق، الا ادع في أي سيكارة في تناول يده، ولكن كيف يتسنى ذلك؟ينبغي أن اقلع انا عن التدخين فلا تقع أية سيكارة في متناول صغير.
...فليتحطم الصنم الذي عبدته طويلا.ولتبدا معركة جديدة. ولنر لمن يكون النصر.
شرعت اهيء كل مستلزمات المعركة المقبلة،محاولا عدم الوقوع في أي خطا من الاخطاء السابقة. اخبرت بعض الاصدقاء بعزمي، فابتسموا ساخرين، واخبرت زوجتي في الموضوع، وطلبت منها أن تشتري مقدما كل حاجيات الغد، لانه قد يفرض منع التجوال،ففغرت فمها دهشة، وعندئذ أو ضحت لها:
- لن يحدث أي انقلاب يا عزيزتي.
وبلباقة شرحت لها مشروعي، وهو البقاء في المنزل يوما كاملا، وعدم السماح لاي شخص بالدخول اليه ايضا، فتبسمت ساخرة، ثم اردفت تقول:
-لابأس.. لعلك تنجح في احدى محاولاتك.
واوضحت لها بالتفصيل ادق الامور في معركتي المقبلة،فوعدتني بانها ستبذل من جانبها اقصى الجهود في سبيل تحقيق امنيتي. وامضينا ساعة نتناقش. ثم حل المساء، فشرعت ادخن سيكارة في اثر سيكارة حتى انتصف الليل... عندئذ سحقت جميع ما تبقى لدي من سيكاير، واليقيتها إلى الزقاق من النافذة، موذنا بافتتاح المعركة. وبعد أن تناولت فطوري في الصباح لاحت بوادر الازمة... شعرت بالدوار يعصف براسي، كانني رائد فضاء يسبح في مجال انعدام الجاذبية، قاومت هذه الاعراض المزعجة بشجاعة دون أن انبس بكلمة، لكني في قرارة نفسي كنت على استعداد كامل أن ادفع دينارا كاملا في سبيل سيكارة واحدة، بل كنت على استعداد لان اضحي بسنة من عمري لقاء نفس واحد من الدخان.وخطر أن اعلق فوق الباب لافتة: ممنوع الدخول والخروج؟ .ثم ارتأيت أن امضي تلك السويعات المزعجة بالمطالعة.واخترت احب قصة إلى نفسي، اخترت قصة بعنوان (عناقيد الغضب) وشرعت اقرا فصلا معينا طالما اهاج في نفسي اعمق الاحاسيس الانسانية. لكني لم افقه شيئا مما قرات. ثم تناولت مجلة رخيصة حافلة بصور بغايا عاريات باسم الفن.ثم القيتها جانبا هي الاخرى. واحسست بما يشبه الظمأ. وتجرعت كاسين مترعين من الماء دون أن يزايلني ذلك الاحساس. ثم شعرت بالنعاس. غير اني لم استطع النوم..وشعرت بأعراض غريبة كتلك التي يشعر بها مريض مصاب بهبوط في الضغط. وانتابتني حالة من الياس والفجيعة والقنوط دون أي مبرر.. هل ثمة شي افتقدته؟ لكن الباب موصد، وعلي أن اقوم. ثم تمددت ورحت في اغفاءة قصيرة. وعندما استيقظت امتدت بيدي بطريقة ميكانيكية لتبحث عن علبة السكائر تحت الوسادة. فيا لخيبة الامل قررت بعد ذلك اتمشى على السطح لتمضية فترة هي اتعس من الفترة التي يمضيها المتهم قبل صدور الحكم عليه. وصعدت فوق السطح. ويالهول مارأيت كان ابني (خليل) قابعا في احدى الاركان وبين اصابعه سيكارة يدفع بها في فمه إلى اقصى حد ممكن، وقد انتفخت أو داجه ودمعت عيناه. ورايت لعابه يسيل.انقضضت عليه كالبرق وانتزعت منه السيكارة، وامتصت منها انفاسا عميقة متلاحقة، وعصف بي الدوار كرة اخرى، لكني تمالكت نفسي وصرخت في وجهه بغضب:
-هيه ايها العفريت. قل لي من اين حصلت على هذه السيكارة؟ رفع الي وجها مذعورا،فكررت عليه قولي:
-لن اضربك. قل لي كيف حصلت على سيكارتك في هذا الحصار الجهنمي المفروض على البيت؟ دون أن ينبس بكلمة انتصب واقفا، وتطلع حواليه بارتباك شديد ثم مضى إلى احد الاركان، وازاح حجرا عن حجر، ثم سحب قبضة من مختلف أنواع السكاير كان قد سرقها مني في فترات متباعدة.. صادرت السكائر المهربة،وصرخت به وانا اقطب ما بين حاجبي.
-لاتحاول أن تسرقني ثانية؟
واجاب متلعثما:
-لا يا أبي.
واقبلت زوجتي على صراخي، فوقفت مندهشة وهي تتمعن بذهول في سحب الدخان المعقودة فوق راسي.والحق اني شعرت بالخجل والارتباك ثم شرحت لها الموضوع باختصار، فقالت بعطف:
- عبثا تتعب نفسك كل مرة.
اجبتها على الفور:
- خسرت معركة اخرى يا عزيزتي، ولم اخسر الحرب.


بحزاني في 25/5/969

بحزاني نت
27-10-2007, 18:58
في الذكرى العشرين لوفاته زهرة نيسان تستذكر مبدعنا القاص جمعة كنجي


كلمة اسرة تحرير مجلة زهرة نيسان في الذكرى العشرين لرحيل الكاتب والقاص جمعة كنجي/

تمر علينا هذه الايام ذكرى رحيل الكاتب والاديب (جمعة كنجي) فقد كان رحمه الله بحرا من العطاء لا ينضب، امتازت قصصه بالواقعية ذات النزعة الانتقادية شانه شان رواد القصة العراقية لذا احسن ادارة الحوارات في قصصه فانسابت كالنهر وبلغة رقيقة شفافة تلمح في ثناياها تاثره بالادب الروسي

فيرتدي احيانا معطف غوغول وينطلق بعربة تيشيخوف بحثا عن ذاته في ثنايا عباراته ويبدو كمصور فوتوغرافي ينقل الواقع بكلمات يجيد اختيارها.

فهو ذلك المسافر الذي حمل هم الفلاح، وهم الطفولة، وركب ثوره المجنح منطلقا الى فضاءات الروح، وقد ادى واجبه الانساني بكل اتقان واخلاص، وامتاز بجودة الاسلوب واحكام في التاليف وشخصياته القصصية نبيلة النزعة اجاد في عرضها، وكثيرا ما كان ياخذ جانبا من نفسه لتصوير شخصياته متاثرا بنجيب محفوظ. كما هو الحال في قصته (معركة خاسرة اخرى) وقد مال ايضا الى التحليل النفسي لابطاله، بالاعتماد على ملاحظة الواقع في ايراد الاحداث الجزئية التي يبنى منها الخيال، وذلك للوصول الى غايتها الاجتماعية ويبدو في كثير من الاحيان كمعلم يوجه الناشئة الى تبني مزايا اجتماعية وخلقية.

ولم يلجأ جمعة كنجي للوسائل الخطابية الرنانة بل كان همه التعمق في الفكرة عن طريق تصوير الموقف الإنساني بإثارة الشعور والفكر معا بوسائل فنية وواقعيته لم تهمل عنايته بالاسلوب فالواقعية عنده ليست في نقل الواقع بل في الايمان بان الوقائع العادية وخاصة في الطبقات الفقيرة من المجتمع تمثل اعمق حقائق الحياة.

وتخليدا لذكراه بادرت (زهرة نيسان) الى اعادة نشر قصصه تباعا ايمانا منها لقيمتها الفنية العالية.

ملاحظة : ستحتفي (زهرة نيسان يوم السبت القادم 27/10/2007) بذكرى رحيل القاص (جمعة كنجي) وبحضور نخبة من المثقفين واصدقاء الكاتب الراحل من امثال شمديم باراني وطلال حسن وغيرهم.

بحزاني نت
31-10-2007, 09:30
كلمة في الجلسة الخاصة في رابطة التآخي

حسن ديوالي

صديق وزميل المرحوم جمعة كنجي حسن ديوالي في الجلسة الخاصة في رابطة التآخي والتضامن الايزيدية في ذكرى رحيل القاص/
بسم الله الواحد الاحد/
اعزائي الحضور المحترمون لنا الشرف ان نشارك في هذا التأبين اللائق بالحدث الجلل والخسارة الكبيرة في ذكرى رحيل المرحوم القاص الزميل العزيز (ابو باسل جمعة كنجي) ترك المرحوم ذكريات لا تحصى

من خلال المعشر الطويل في الطفولة ثم الدراسة بمراحلها الثلاثة. وكانت اللقاءات جلها تنتهي بنتائج مريحة، واطمئنان لمستقبلنا واطفالنا ومعظم مواضيعنا كانت تخص الملة الايزيدية في عهد الشباب ومصير اولئك الشباب ونحن منهم نطمح في الكثير رغم محيطنا المضبب في حينه. نبحث في التربية مع الدراسة، في نظافة بيوتنا البسيطة المحروقة من ابسط وسائل الراحة. نبحث عن مستقبل وطننا الغالي، ونحن نخوض عهد الملكية، ثم عهد الجمهوريات المتنوعة. الى ان رسينا على حب الوطن وضمان مستقبلنا واولادنا وشعبنا ممن يلعب بمقدراتنا.ثم اخذ كل منا مسارا يرتاح له.اما المرحوم ابو باسل كان جريئا في كلامه قليل المجاملة مع من يجالسه كان يختلف عنا فبعد التخرج ودخوله سلك التربية والتعليم كان يقتر على نفسه وصغاره ويشتري الكتب والمجلات بميولها المختلفة، دينية، سياسية، فلسفية وكنا عند اللقاء نخوض مواضيع لا حول لنا ولا قوة فيها. كان خطه باللغة العربية واضح وجميل واسلوبه واقعيا ضمن المحيط الذي يعيش فيه، وكان دائما مع الضعيف ضد القوي، ومع الفقير ضد الغني، ومع المغلوب ضد الغالب وكانت صفاته هذه كافية لينعته البعض (شيوعي متطرف) غير ملتزم بالعادات والتقاليد التي فرضت علينا رجل علماني يؤمن بالعلم وتفرعاته ويحترم العادات والتقاليد الدينية ايضا. كانت قصصه وكتاباته واضحة ولها معنا يعالج فيها مقالب المجتمع الذي نعيشه على مضض. كان المرحوم وطنيا ملتزما باخلاقية القاص الناصح يكتب كل ما يراه حق وما يمليه عليه ضميره الحي لصالح وطنه وشعبه وملته، ولم يخضع لطاغوت الانظمة المقبورة التي عاشها من العهد الملكي والى عهد الجمهوريات بمختلف اتجاهاتها كان مؤمنا ايمانا راسخا بقوة الشعب وما يؤول اليه حكمه العادل ولم يخضع يوما لقوة غاشمة آنية زالت هي الاخرى مع زوال عهدها. واما ذكرى المرحوم بقيت هي الارسخ والاقوى في الثناء على ما تركه من سيرة جيدة وادبيات حكيمة وتربية للاجيال على حب الوطن والتحرر من الافكار التي تفرق الشعب وتجعل منه لقمة سائغة للطامعين كان مناضلا وخلف مناضلين اوفياء فيما عهدوا والدهم المربي والمناضل الكفوء. لذكراك الف تحية وثناء لما خلفته لنا وللحاضرين الصحة والعافية وشكرا ابو فلاح الديوالي صديق وزميل المرحوم جمعة كنجي

bahzani
23-01-2008, 23:29
القاص جمعة كنجي والرحيل المأساوي

رحيم الحلي

منذ عام بدأت أبحث عن قصص قصيرة ، أروي فيها ضمئي إلى عالم القصص والحكايا ، فدلني البحث على موقع القصة العراقية الرائع والذي أسسه الأستاذ الأديب جاسم المطير والقاص عدنان مبارك ، ومن خلاله قرأت بنهم كتابات القصصين المعروفين مثل فؤاد التكرلي ، وجاسم المطير، وزعيم الطائي وأخرين ، فتعرفت على قاص شدَّني بشكل عجيب وغريب إلى كتاباته ، هو القاص الراحل جمعة كنجي ، لا أدري هل شدني إليه تاريخه النضالي الطويل أم بساطة اسلوبه ، حين ابتدأت الدخول إلى هذا العالم الابداعي الساحر ؟ فلقد تسلل إلى نفسي عذباً رقراقاً مثل صفحات الماء حين تجلس على حافات الأنهار العذبة ، دون تقديم أو تعريف ، دخل مثل ضوء الصباح حين يتسلل عبر نوافذ العقل والقلب ، أحزنني رحيله المبَّكر كعادة الأقمار في سماء العراق المظلمة ، لا ادري لماذا ترحل الأقمار مبكراً ؟ وبطريقة مفجعة ! تترك جروحاً في القلب وندوباً في الروح ، هكذا رحل هذا المبدع القاص جمعة كنجي .
تمتاز كتابات القاص جمعة كنجي ببساطة وسلاسة عاليتين ويكاد يعتقد القاريء أن هذه القصص موجهة للاطفال وحسب ، وهي حقاً ستكون مميزة في هذا المجال ، وستلقى اعجاباًً عندهم وإستمتاعاً عند قراءاتها ، بينما تحتوي هذه القصص في الواقع كلاماً أشبه بالحكمة و التوجيه والتحذير ، وهي تريد أن تقدم خطاباً سياسياً رمزياً غير تقريري ، قد عجنه بماء الأدب وباسلوب قصصي مشوق وبلغة متماسكة ، ففي قصة الأشجار لاتموت أقص اليكم هذا المقطع : مضى الصيف ، واقبل الخريف ، وبدأت أوراق الأشجار تتساقط .. في هذه المرة ، لم تخف الأشجار ولم تضطرب ، فهي تعلم أنها مقبلة على حوادث خطيرة : ستهب العواصف . وتتساقط الثلوج ، وتفيض الوديان وتقصف الرعود ، وتنتشر الحرائق ...وسيأتي الأنسان أيضا ًحاملا ً فأسه ، وبرغم كل ذلك ستبقى الغابة مزدهرة ، خضراء ، يانعة ، ولن تموت الأشجار أبدا ً ..
لغة الأمل وحب الحياة والسلام تنضح من بين كلماته وتنفذ إلى قلوبنا بدفء واشتياق .
وفي قصة السمكة الفضية يكتب : " إن الأفعى السوداء كبيرة بحجم الجاموس ، وشرسة كالذئب ، ونهمة بحيث تبتلع كل من يسوقه القدر إلى طريقها .. وهي في كل عام ، تلد آلاف الأفاعي السوداء التي لا تقل عنها غدرا ً .. ماذا يفعل لو هاجمته تلك الأفعى ؟"، أن هذه الأفعى في هذه القصة هي الديكتاتورية وأذنابها حين إبتلعت أبنائنا في حروبها ، وبهذا إلتجأ إلى هذا الأسلوب الرمزي وحكايا الأطفال ليوغل في الرمزية ، وليوصل رسالته دون أسلوب مباشر ، كي ينجو من العقاب الذي لم ينجو منه في النهاية ، ولتبدو قصصه أشبه بحكايا أو قصص أمريكا اللاتينية التي استخدمت الخرافة الشعبية في النسج القصصي .
ففي قصة الشمس والثلج والجبل يكتب : الشمس اكبر منا جميعا ً ، هي التي أذابت الثلج ، فجعلته قادرا ً على الوصول إلى البحر .
يقول الشاعر خلدون جاويد : ذكرتني مجموعة القصص القصيرة للأديب الراحل جمعة كنجي بشاعر انجليزي يدعى توماس كراي ، اذ يقف هذا الشاعر أمام مقبرة فقراء ليعاتب الزمن القاسي قائلا كم من عبقرية تحت هذا التراب وقد عتمها الفقر .
قصصه كانت تتحدث عن الناس وخاصة الفقراء الذي انتمى إليهم ، بدأ الكتابة في الصحافة العراقية عام 1952 حيث كتب في جريدة فتى الموصل ، وكتب في صحف " أتحاد الشعب " وفي " طريق الشعب " وفي " الفكر الجديد " وشمس كردستان ، وله العديد من المقالات في مجلة التراث الشعبي ، أن هذا المنهج السياسي والفلسفي الذي انتمى إليه جعله يكتب بأسلوب هادف يطمح لبناء عالم يحلم به ، عالم يملؤه الحب والخير والسلام ، ليس فيه عدوان أو حروب ، ليس فيه ظلم ونهب وجوع ، تشرق فيه الشمس وينزاح من أُفقه الظلام ، كي يذوب الثلج وتنسكب المياه في الأنهار والجداول ، أَحبَّ الإنسان وإنحاز إليه في صراعه مع الظالمين والسارقين لقوته ، والمعتدين على حقوقه وحريته ، يريد حياة بلا متطفلين مزعجين ، ففي قصة الطوفان أقتطف النص الأتي : هكذا ظل هؤلاء الكسالى يلتهمون طعامهم بشراهة ، إستطاعت الجرادة ُ أن تأكل بقدر حجمها من الأوراق الخضراء ، أمّا الذبابة فرشفت من قشر بطيخ حتى إنتفخ بطنها ، بينما بقيت البعوضة ملتصقة بأحد السيقان ، غارسة خرطومها الحاد فيه ، تنهل عصيره بغير حساب... إستمروا يأكلون ببطر ، والفلاح منشغل في عمله
وفي قصةالسمكة الفضية يتضح خطابه وانتصاره للفقراء حيث كتب المقطع الأتي : متى يمتلك الفقراء اللؤلؤ؟؟. نظرت السمكة إليه مليا ً ، وأجابت بتريث:
سيمتلكونه ذات يوم . لكن ذلك اليوم ، سيكون معمدا ً بالدم . ولن يتحقق ، إلاّ إذا عرف الفقراء لماذا هم فقراء ..!
أليست هذه القصة هي دعوة للثورة أو الاستيقاظ ؟ كي تنتهي حكاية الظلم والاستغلال ، كي يمضي ليل القسوة الطويل .
لقد حلم بالربيع بالدفء يدخل بيوت الفقراء ، وحياة الناس ، ليرحل الثلج والبرد والخوف ، لقد إنتظر شروق الشمس طويلاً ، ومرت سنوات عجاف ينتظر ، كي يفرح الجبل وتبتسم الحياة والانسان ، كي تكبر شجرة السنديان والجوز وتعشب الحقول ، الذئب والدب والثعلب والزنبور هما دلالات الأذى والاعتداء على الإنسان الخلاق المنتج للخيرات والذي يزرع الثمار والفواكه والقمح ، رغم ذلك يجوع ، فهو يحلم بعالمٍ يحب الناس بعضهم ، ويتعاون الناس بينهم لبناء عالم سعيد .
في حكايا المسافر كتب الشهيد جمعة كنجي : " ذات يوم جميل ، قبل أعوام قليلة ، هدمنا جداراً قديماً ، لكننا لم نفكر كثيراً بطرح الأنقاض خارج المدينة !!! فعاد الآخرون وبنوا ذلك الجدار مرة اخرى ثم بنوه في غفلة منا " .
انه جدار الديكتاتورية التي ناضل ضدها ، حين أطبقت على أنفاسه وعلى ابداعه ، ومنعته من النشر ، وضيقت عليه حياته بالإستدعاء المتكرر لأجهزتها القمعية ، وفي أجواء العوز والجوع التي عاشها أبناء شعبنا المبتلى ، والتي دفع فاتورتها المثقفون بشكل مضاعف ، حيث أراد نظام صدام تركيعهم وإخضاعهم ، بقي جمعة كنجي على دربه وعهده شجاعاً متحدياً الديكتاتورية ، والتي تسببت برحيله المبكر حيث تعرض لسكتة قلبية ، يوم 18/10/1986 بعد خروجه من مبنيى مديرية أمن نينوى ، وإنتقموا منه حتى بعد رحيله المفجع ، حيث إعتقلوا زوجته وأبناؤه الثلاثة ووالدته وشقيقته واولاد شقيقه ( أبو عمشة) ووالدتهم وإختفت أخبارهم إلى اليوم ، ولم يعثرلهم على أي أثر في كل المقابر الجماعية التي إمتدت في طول البلاد وعرضها .

كتب الأستاذ صباح كنجي السطور الاتية عن حياة هذا المبدع :

جمعة كنجي
مواليد 1933 الموصل ، بعشيقة _ بحزاني .
انهى الدراسة الاعدادية – القسم – الادبي سنة 1953 .
خريج الدورة التربوية سنة 1954 ، عين معلما ً في مدارس سنجار والشيخان والموصل .
التحق بصفوف الانصار عام 1963 ، بعد فصله من التعليم .
كان له إهتمام بالتراث ونشر العديد من المواضيع في مجلة التراث الشعبي .
كتب القصة القصيرة ، وله عدة مجاميع غير منشورة .
نشر قصص للأطفال من خلال دار ثقافة الطفل عام 1985.
نشرت له مجموعة قصصية في سوريا بعنوان ذلك المسافر عام 1966 عن دار بترا للطباعة والنشر.
له مخطوطة غير منشورة عن الديانة الأيزيدية .

سلاماً لك أيها القاص جمعة كنجي ، وسحقاً للظُلْمَةِ والظلامْ ، لابد للشمس أن تشرق ، ولابد للعدالة أن تتحق ،
والسعادة أن تكون ذات يوم ملك الجميع .
هل ندعوا للاهتمام بنتاجك القصصي ؟ أم ننتظر إنقشاع الغيوم من سماء العراق الجريح ! كي ينتهي ليل العراق الطويل ، وتشرق شمسنا الحزينة أيها المناضل الراحل القاص جمعة كنجي ، حيث لازالت كثير من العصافير تطير في سماء الغربة الطويلة ، ولازال أزيز الرصاص يزرع الخوف ، واصوات المدافع تهز أغصان الاشجار ، ولم يحط السنونو بعد ولازال مهاجراً يحلم بنهار جديد.