PDA

View Full Version : كاظم حبيب: مواصلة النقاش والجدل في الجادة العريضة للفكر والسياسية 1


بحزاني نت
05-11-2007, 01:23
كاظم حبيب

مواصلة النقاش والجدل في الجادة العريضة للفكر والسياسية

بيني وبين الأستاذ الدكتور سيّار الجميل

في أربع حلقات

الحلقة الأولى

المدخل


كانت المبادرة بيد الأخ الأستاذ الدكتور سيَّار الجميل حين طرح موضوع "هل تنجح الديمقراطية في مجتمعاتنا العربية" للتثقيف والنقاش. وكان جهداً محموداً, كما عبر العرض عن مستوى رفيع في طرح الأفكار وصياغتها. وجدت نفسي متفقاً معه في الكثير من القضايا السليمة والجريئة التي طرحها في عمل جاد لوضع اليد على الجرح النازف في مجتمعاتنا ودولنا العربية. وقد شجعني ذلك على البدء بنقاش مع تلك الأفكار ومحاولة طرح جوانب أخرى من الموضوع التي وجدت مفيداً استكمالها أو مناقشة أراء أخرى في ذات الموضوع لكتاب آخرين لهم وجهات نظر أخرى. وبعد إرسالي المادة إلى الصديق الأستاذ الجميل ونشرها , وعد بمناقشة ما طرحته في مقالي الموسوم " نقاش مع أفكار الأستاذ الدكتور سيّار الجميل في مقاله : هل تنجح الديمقراطية في مجتمعاتنا العربية؟". وأوفى بوعده حين نشر أربع حلقات في نقاش جاد وموضوعي ورصين تحت عنوان "الديمقراطية – في مجتمعاتنا ...!! جادة نقاش بيني وبين الأستاذ الدكتور كاظم حبيب". وقد قرأت الحلقات الأربع, التي نشرت في موقع الحوار المتمدن ابتداءً من 22/10 وانتهت في 31/10/2007, بشغف كبير واغتنيت بها كثيراً وتكونت لدي صورة أفضل عن المنطلقات الفكرية النظرية والعملية للأستاذ الدكتور الجميل. وقد أوعدته برسالة خاصة مناقشة ما ورد في الحلقات الأربع من أفكار مهمة وجديدة حال الانتهاء من دراستها وفي حالة شعوري بضرورة ذلك. وبعد القراءة المتمعنة سعدت كثيراً بأسلوب الحوار والعمق الفكري لدى الدكتور الجميل , بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف حول هذه المسألة أو تلك. والنقاش الموضوعي والهادف والنقد الفكري البناء هو الطريق الوحيد الذي يسهم بتقديم الفائدة للمتحاورين وللجميع , ويغني موضوعات النقاش. وربما سيساعد هذا الأسلوب في النقاش مساعدة البعض عن الكف عن المهاترات التي لا تغني ولا تسمن , بل تضعف من يمارسها.


من المفيد حقاً أن يغتني النقاش بأفكار أخرى , تماماً كما دعا إلى ذلك الأستاذ الدكتور الجميل في المقال الأول الذي نشر في هذا الصدد , فالاختلاف في زوايا الرؤية والمنطلقات والمناهج المستخدمة في البحث هي التي تساهم في إضاءة الموضوع من جوانب وزوايا كثيرة , وبالتالي تسمح برؤية أكثر شمولية وأعمق مضموناً وقرباً من الواقع.


بما أن الموضوع مس بالأساس الديمقراطية والمجتمعات العربية , فسأقتصر في نقاشي حوله أيضاً , مع الأخذ بالاعتبار الرؤية الپانورامية التي طرحها الزميل العزيز فی مناقشته الأخيرة. سأبدأ بالنقاش من حيث انتهى إليه الزميل الفاضل.


الاستعارة الماركسية؟



كتب الصديق الدكتور الجميل ما يلي: "في كلامك أيها الصديق عند النقطة الثامنة نفس التفكير الماركسي ولم تزل تلتزمه ...". يشعر الإنسان إزاء هذا النص وكأن تبني الماركسية تهمة, كان عليًّ كاظم حبيب أن يتخلص منها , خاصة حين يقول "ولم تزل تلتزمه". الماركسية يا صديقي الفاضل, وأنت العارف بالأمور حقاً , ليست نظرية جامدة وغير قابلة للتطوير والتغيير والإغناء, كما عرضها علينا قادة الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي ولا كما تبنتها كثرة من الأحزاب الشيوعية والقوى والشخصيات اليسارية في العالم, لفترة غير قصيرة بل طويلة ومنهكة. يمكن وضع عنوان أخر للماركسية, باعتبارها منهج علمي لا غير, إنها المنهج المادي الجدلي, نصفه لهيگل ونصفه لماركس مع مشاركة واسعة وعميقة لما كان قبلهم ومن جاء بعدهم من الفلاسفة والعلماء والباحثين. لقد ولى عهد التشبث بالمقولات والاستعارة التاريخية الخاطئة والمناطحة بها, إذ أن الماركسية منهج علمي لدراسة وتحليل الواقع القائم والعمل على تغييره, أو النظر في الماضي والحاضر والمستقبل, هذه هي الأبعاد الثلاثة التي يبحث فيها المنهج من زاوية القضايا وتعتمد التجريد والتجسيد المتعاقب والتدقيق. وحين نبحث موضوع "المجتمعات العربية والديمقراطية", فهو بحث في الماضي والحاضر والمستقبل في آن.




في جميع كتاباتي , حين كانت الإشارة ضرورية, كنت أشير إلى أن المنهج الذي أعتمده في دراساتي وتحليلاتي للظواهر واستنتاجاتي هو المنهج المادي الديالكتيكي أو المنهج الماركسي , أو المنهج العلمي , بغض النظر عما إذا كنت استخدمه بشكل سليم ,أو ربما ارتكبت أحياناً بعض الأخطاءً بطريقة استخدامه وبالتالي توصلت إلى تحليلات واستناجات خاطئة , هي ما أشرت إليها في أكثر من كتاب ومقال. وهنا أؤكد بأن العيب لا يكمن في المنهج , بل في أسلوب أو طريقة فهمه واستخدامه من هذا الشخص أو الحزب أو ذاك أو عدم السعي إلى إغناء المنهج بالتقنيات والمعارف الحديثة. المنهج المادي قابل للتطوير والإغناء والتفاعل مع تطور العلوم والتقنيات الحديثة التي يمكن وضعها في خدمة مستخدم المنهج. وتبني المنهج المادي الديالكتيكي لا يحرم الإنسان حق تبني اللبرالية ما دامت النظام السياسي والاقتصادي الذي تستوجبه طبيعة المرحلة التي يمر بها المجتمع , كما لا يحرم الباحث حق استخدام المناهج الأخرى في التحليل. لكن المنهج العلمي المادي الجدلي يساعد الإنسان على اكتشاف العيوب الجدية الموجودة في طبيعة النظام الرأسمالي أو في ممارسات الدول الرأسمالية العالمية والعواقب الوخيمة حين لا تفرض الرقابة والتضبيط وسن التشريعات في هذا النظام بحيث تمنع من تفاقم التناقضات الاجتماعية والصراعات الطبقية التي يمكن أن تقود , كما قادت في السابق , إلى صراعات ونزاعات دموية وإلى انتفاضات وثورات. والمنهج يساعدنا على التمييز مثلاً بين العولمة كعملية موضوعية لا خلاف عليها ولا بد منها من جهة , وبين السياسات العولمية التي تمارسها الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي من جهة ثانية أو الموقف غير العقلاني الذي تتخذه الكثير من الدول والقوى السياسية من العولمة كعملية موضوعية مثلاً وعدم تمييزها بين العملية الموضوعية والسياسة المنتهجة. والمنهج هو الذي ساعد على تحديد الاختلالات الفعلية في طبيعة ومسيرة الدول الاشتراكية أيضاً التي تبنت المنهج ولم تمارسه فعلياً , ولكنها رفضت الانصياع للباحثين العلميين في الاتحاد السوفييتي الذين أشاروا إلى مواطن الخلل وخاصة في غياب الحرية والديمقراطية والسياسات الستالينية الدموية والإجرامية التي مارسها على امتداد فتره حكه البلاد, بل قام صدام بقتل الكثير من هؤلاء, ومن بينهم العلامة السوفييتي الشهير كوندراتيف, صاحب نظرية الموجات الطويلة, أو ما حصل في بقية الدول الاشتراكية.


بعد انهيار الاتحاد السوفييتي والبلدان الاشتراكية عاد مفكرو العالم الرأسمالي يعيدون دراسة ماركس على نحو خاص , وخاصة كتاب رأس المال, الذي استخدم ماركي في دراسته للرأسمالية المنهج المادي الديالكتيكي من أجل تحليل وفهم طبيعة وبنية وآليات وقوانين النظام الرأسمالي, وهو سفر رفيع المستوى لمن يريد أن يفهم الرأسمالية بكل جوانبها في إطار المرحلة التي كان يبحث فيها ماركس واتجاهات تطور الرأسمالية على المستوى الدولي. ولم يكن العيب في المنهج حين تم الادعاء باستخدامه في الاتحاد السوفييتي وبقية الدول الاشتراكية, بل أن ما جرى هناك هو التجاوز الفظ على المنهج المادي والتاريخي لصالح الرغبات والإرادات الذاتية, كما تم التجاوز على القوانين الاقتصادية وقوانين التحول الاجتماعي الموضوعية مما أدى إلى الانهيار الذي عرفناه في تلك الدول , إضافة إلى أن تلك المجتمعات لم تكن نضوج أصلاً لذلك التحول والتي لم تكن الرأسمالية فيها قد تطورت, بل كانت لا تزال مجتمعات إقطاعية شبه رأسمالية.


إن في مقدور الباحث العلمي أن يعتمد هذا المنهج في دراسة المجتمع الرأسمالي المتقدم أو المجتمع الريفي المتخلف , أن يعتمد خطوات التجريد والتجسيد المتعاقب والتدقيق لصياغة المقولات الأساسية لاتجاهات التطور في هذا المجتمع أو ذاك وبشكل ملموس وليس بعيداً عن الواقع المعاش. وبودي أن أشير بأني لم ادع يوماً بأني تخليت عن هذا المنهج أو الفكر الماركسي. للم تكن الماركسية أو المنهج عقيدة أو إيمان, بل كانت وستبقى أداة للدراسة والتحليل والاستنتاج. وهذا لا يعني إهمال المناهج الأخرى أو عدم الاستفادة منها. كما أن الزميل لم يطلع على دراساتي والكتب التي أصدرتها والتي أشير فيها إلى الأخطاء التي ارتكبتها في حياتي الفكرية والسياسية, ولم يكن تبني المنهج العلمي أو الماركسي أحد تلك الأخطاء, بل الأخطاء التي وقعت فيها ناتجة عن تحليلات خاطئة وذاتية مارستها في عملي الفكري والسياسي, وربما جاء بسبب عدم استيعابي الكافي حينذاك للمنهج العلمي ذاته. العمل الفكري لا يقوم على الانتقائية, بل اعتماد منهج معين أولاً, ولكن يمكن الاستعانة بالمناهج الأخرى للمقارنة أو الاستفادة لرؤية القضية الخاضعة للدراسة والتحليل من زوايا مختلفة وبأدوات تحليلية مختلفة بما يسهم في التيقن مما خلص إليه الباحث من نتائج أثناء الدراسة والتحليل.


ليس صحيحاً ما يقال بأن ليس هناك من القوى والشخصيات الفكرية والسياسية من لم يعترف بالأخطاء التي ارتكبها ويسعى إلى تجاوزها, ومنهم على سبيل المثال لا الحصر الصديق والكاتب المتميز الأستاذ كريم مروة, أو الأستاذ والصديق الراحل الدكتور فؤاد مرسي, أو ما يساهم به بعض الكتاب البارزين حالياً من كتابات تاركين خلفهم بعض ما توصلوا إليه سابقاً ويساهمن بفعالية كبيرة في بحوثهم العلمية, ومنهم الصديق الدكتور فالح عبد الجبار على سبيل المثال لا الحصر.


أتفق مع الصديق الجميل بأن قوى سياسية من مختلف الإيديولوجيات, وخاصة القوى القومية واليسارية, ومنها بعض الأحزاب الشيوعية, وليس كلها, لم تمارس النقد والاعتراف بالأخطاء التي ارتكبتها على صعيد المجتمعات العربية أو على صعيد الفكر والسياسة.


ما هي طبيعة العلاقات الإنتاجية؟


إن قراءتي للمجتمع العربي ليست استعارة ماركسية بأي حال, بل هي تنطلق, في ضوء المنهج المادي, من واقع هذه المجتمعات والعلاقات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية السائدة فيها, ومن واقع النظم السياسية الحاكمة فيها. لم أشر في مناقشتي مع السيد الدكتور الجميل إلى المجتمع الإقطاعي في الدول العربية, بل أشرت إلى ما اصطلح عليه بالعلاقات الإنتاجية شبه الإقطاعية ذات الطبيعة الآسيوية. وهناك فارق كبير بين أوروبا ونظامها الإقطاعي وبين الدول العربية ونظامها شبه الإقطاعي الشرقي أو الآسيوي, ولا يمكن أن يرتكب في هذا الأمر أي خطأ. ولكن أليست هناك نقاط التقاء في إطار تلك العلاقات الاستغلالية؟ هنا تكمن القضية. نعم هناك نقاط التقاء رغم الفارق الكبير بين المسألتين.


لنأخذ العراق في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين وليس في فترة مدحت باشا التي عرفت الإصلاحات المهمة, كما ولنتابع أيضاً السياسات التي مارستها قوانين أرنست داوسن التي أصدرتها الحكومة العراقية في العام 1932 في قضية الأرض الزراعية في العراق لتعرفنا على مسألتين مهمتين, وهما:

تميزت الفترة الأولى بانتزاع المزيد من الأراضي الزراعية من صغار الفلاحين والمنتجين ومن الأراضي التابعة للديرة في فترة العلاقات الأبوية أو التي رقبتها للدولة, التي بحث فيها الأستاذ الدكتور عبد العزيز الدوري بعمق كبير في كتابه القيم حول تاريخ العراق الاقتصادي, أو الأراضي التابعة للدولة , وفق حكم الخليفة عمر بن الخطاب حين قرر, بعد استشارة الصحابة. "أن رقبة الأرض في العراق تعود للدولة", كما بحثتها في كتابي الموسوم "الإصلاح والتعاون الزراعي في العراق " في العام 1976, التي تم تسجيلها باسم السلطان عبد الحميد "الأراضي السنية", ومن ثم وفق قوانين دواسن (اللزمة والتفويض بالطابو) في الفترة الثانية التي تم تسجيلها باسم شيوخ العشائر والميسورين وجمهرة من التجار الأغنياء, حيث واصل الفلاحون الفقراء والمنزوعة أرضهم يعملون في تلك الأراضي الزراعية التي أصبحت عائدة ملكيتها أو حق التصرف بها لأولئك الشيوخ أو هربوا إلى المدن حيث البطالة والعوز والحرمان. أورد هنا إحصائية واحدة لكي يمكن أن نعرف طبيعة العلاقات التي سادت الريف العراقي في فترة العهد الملكي على الأقل وقبل صدور قانون الإصلاح الزراعي الأول رقم 130 لسنة 1958 أو القانون رقم 117 لسنة 1970 أو القانون الخاص بكُردستان العراق رقم 90 لسنة 1975. (راجع: حنا بطاطو. العراقز الكتاب الأول. بيروت. مؤسسة الأبحاث العربية. ترجمة عفيف الرزاز. 1990. ص 76).
http://mail.google.com/mail/?name=2ca91ef1a566c472.jpg&attid=0.1&disp=vahi&view=att&th=1160a0dced10af0e



ويستدل من هذا الجدول على أن 0,98 % فقط من مالكي الأرض أو المستحوذين عليها قد سيطروا على 55,1 % من الأراضي الزراعية , في حين أن 72,81 % من فقراء وصغار الفلاحين لم يكن تحت تصرفهم سوى 6,28 % من مجموع مساحات الأراضي الزراعية, إضافة إلى وجود نسبة مهمة من الفلاحين المعدمين دون أرض زراعية. كم أتمنى على الصديق الدكتور الجميل أن يعود إلى كتاب بطاطو في الجزء الأول منه ليرى طبيعة تلك العلاقات ويرى ملكية بعض العوائل العراقية حينذاك مثل عائلة السعدون وربيعة والعطية ...الخ. هل يمكن القول بأن علاقات الإنتاج شبه الإقطاعية لم تكن موجودة في ريف العراق؟ لا أرى ذلك طبعاً, ولكنها لم تكن على نمط العلاقات الإقطاعية التقليدية التي سادت ريف الدول الأوروبية, وليس في هذا أي استعارة ماركسية, ولكن وبغض النظر عن تلك العلاقات فأن التخلف والعلاقات العشائرية والعلاقات الريعية النفطية وغير النفطية هي التي تهيمن اليوم على الكثير من ريف واقتصاد الدول العربية, وأن العلاقات الإنتاجية الرأسمالية, وخاصة الصناعية, لم تلجها كفاية بما يساهم في كسر حلقة التخلف. أينما وجد التخلف الاقتصادي وجد بجواره التخلف الاجتماعي والديني والوعي المشوه والثقافة المتخلفة بشكل عام, والوعي انعكاس للواقع وليس العكس, وليس الحديث هنا عن نخبة صغيرة من خيرة مثقفي الدول العربية من مختلف القوميات.





لقد استطاع قانون الإصلاح الزراعي الأول وكذلك القانون رقم 117 لسنة 1970 في العراق مثلاً أن يبدأ بكسر شوكة الإقطاع والتحول التدريجي صوب الرأسمالية, إلا أن طبيعة وسياسات النظم التي سادت العراق منذ العام 1961, ولكن بشكل خاص في فترة النظام ألصدامي الاستبدادي والحرب العراقية الإيرانية حيث أعيدت العجلة إلى الوراء وأعيدت الأرض بصيغ مختلفة لشيوخ العشائر والإقطاعيين. لقد أعيد لهم ما اقتطع منهم قبل ذاك وفق القانون من أرض زراعية وعاد لهم وضعهم الاقتصادي والاجتماعي والسيطرة الفعلية على الفلاحين, وخاصة الفقراء والمعدمين وصغار المزارعين منهم. وفي مثل هذه الأجواء تنمو الطائفية بأبشع أشكالها المقيتة أيضاً. نحن بحاجة إلى كسر حلقة التخلف في المجتمع وفي وعي المجتمع , فكيف يتم ذلك؟ هذه المشكلة التي سوف أعالجها في الحلقة الثانية. في العام 1956 ألقى نوري السعيد خطاباً سياسياً ختمه بـ"دار السيد مأمونة", وكنت حينذاك أستمع إليه من بدرة مدينة المبعدين السياسيين, تحدثت فيه عن سبل مكافحة الإقطاع والتخلص منه , فقال ما مضمونه: يمتلك شيخ العشيرة وصاحب الأرض عدداً كبيراً من الأولاد بسبب تعدد زوجاته. وحين يموت ستتوزع الأرض على أبنائه, وهم شيوخ أيضاً, وهم كثيرو الأولاد بسبب تعدد زوجاتهم, وعند موتهم ستوزع الأرض على أبنائهم أيضاً, وهكذا تتقلص المساحات التي بحوزتهم وتحل مشكلة الأرض في العراق عبر عدة أجيال! إلا أن نوري السعيد السياسي البارع والحاذق والباشا المخضرم اعترف بوجود علاقات إقطاعية, والتي هي في حقيقة الأمر شبه إقطاعية.





لقد درست مادة اقتصاديات العراق والوطن العربي في الجامعة المستنصرية ودرست الاقتصاد الزراعي والمسألة الزراعية في الدول العربية ولدي معلومات وافية عن التحولات التي جرت في ريف هذه الدول, سواء المشرقية, كما لدي معلومات عن الدول المغاربية الأربع, رغم التباين الموجود بين الدول المغربية والدول المشرقية, يوجد تباين أيضاً في كل من دول هاتين المجموعتين, ولكن هنا اتجاه عام في التطور هو الذي يفترض أن نمسك بخيوطه ونتبين طبيعة العلاقات الإنتاجية التي كانت أو لا تزال تسود فيها وتجليات ذلك في الواقع الاجتماعي والثقافي والوعي لدى الفرد أيضاً. لا أبغي هنا العودة إلى ماضي الدول العربية في المشرق العربي وفي ظل الدولة العباسية أو الدولة العثمانية, ولكن بشكل خاص في ظل الدول العثمانية, التي ساهمت كتابات الأستاذ الدكتور سيّار الجميل في توضيح الكثير من معالمها, وبذلت جهداً من جانبي في توضيح الجانب الاقتصادي من هذه الفترة في العراق على نحو خاص في الكتاب الذي سيصدر قريباً في جزء واحد من مجموعة المجلدات العشرة التي أكتب فيها في كتابي الموسوم "لمحات من عراق القرن العشرين". ففي الدولة العثمانية سيطر في فترات معينة الإقطاع العسكري وإقطاع النخب الحاكمة والميسورين من جهة, والتعصب الديني والمذهبي من جهة أخرى, والتمييز القومي من جهة ثالثة, إضافة إلى العشائرية ودور شيوخ الدين الرجعي, على حياة البلاد العربية في ظل هذه الدولة الثيوقراطية المتخلفة. ورغم مرور ما يقرب من تسعة عقود على انتهاء تلك الفترة المظلمة التي دامت قرابة أربعة عقود, ورغم محاولات التحديث والتجديد, فأن آثارها وبصماتها الفكرية والسياسية لا تزال فاعلة في العقلية العربية وفي السلوك السياسي العربي.





انتهت الحلقة الأولى وتليها الحلقة الثانية





4/11/2007 كاظم حبيب

بحزاني نت
05-11-2007, 12:23
كاظم حبيب

مواصلة النقاش والجدل في الجادة العريضة للفكر والسياسية

بيني وبين الأستاذ الدكتور سيّار الجميل

الحلقة الثانية


النخب والجماهير والديمقراطية




أتفق تماماً مع الصديق الدكتور الجميل حول التباين بين موقف النخبة المثقفة والواعية وبين موقف الجماهير من الديمقراطية ومن الإسلام, وبالتالي لا يوجد خلاف أيضاً عما تريده تلك النخب وما تريده الجماهير الواسعة التي لا تزال تغط في سبات عميق وجهل مريع حيث تلعب المؤسسات الدينية دورها الأول في تمديد فترة السبات, فيقظتها ووعيها يكون وبالاً على من شارك ويشارك في تجهيل الناس وتنويمهم واللعب بمقدراتهم. كما أتفق أيضاً بأن لا علاقة للإسلام بالديمقراطية, فالإسلام شيء والديمقراطية شيء آخر, وهما متناقضان إن شئنا تسجيل الحقيقة وتأكيد الواقع. بعد تسجيله هذه الحقيقة يعود الزميل ليؤكد ما يلي:




"إن المشكلة لا يمكن تمييعها بإخفاء حقيقة مجتمعاتنا ، كما إن علاج المشكلة لا يكمن بتوفير أي منهج علمي ، أو مادي جدلي وتاريخي ، للمساعدة على وضع اليد على العصب الحساس في عملية التغيير الاجتماعي والسياسي في أي بلد من البلدان .. فما قيمة المنهج العلمي في مجتمع لا يمتلك الوعي ؟ وما قيمة المنهج المادي أو الجدلي في أي مجتمع لم يتحرر تفكيره بعد من القيود الثقيلة التي تحكمه ؟" (مقتطف من الحلقة الأولى).




أولاً: أؤكد صواب وجود من يريد تمييع القضية ودفعها إلى الوراء بحجة التحري عن العلاج, ولكن لا الأستاذ الجميل ولا أنا من بين من يرغب أو يحاول تمييع أي قضية تستوجب مكافحتها. وتزداد أهمية عدم التمييع حين يمس الأم المسألة المهمة والحيوية بل والأساسية التي يعالجها الزميل الجميل.




ثانياً: تكمن أهمية المنهج الذي أستخدمه أنه يساعد على الغور في عمق المشكلة وتشخيصها ثم التحري عن العوامل التي تسببت بها ثم الشروع بالبحث في الحلول الناجعة لها, ولا يبقى الباحث يتحرك على سطح الأحداث ويرى المظاهر الخارجية للمشكلة فقط , إذ أن تسجيل مظاهر العلة مهم ولكن تشخيص السبب يتطلب النزول إلى قعر المشكلة. وهذا يعني تشخيص العوامل التي ساعدت ولا تزال تساعد على تغييب وعي الإنسان وتعطيل استخدامه لعقله وإثقاله بالقيود التي تمنع تحرير تفكيره.




إن إشارتي إلى العيش في القرن التاسع عشر فيه الكثير من الرؤية الرمزية للقضية, أي للماضي الذي يعيش فيه المجتمع بغض النظر عن السنوات والعقود والقرون المنصرمة, فهو يعيش الماضي في الحاضر من حيث الموقف من الدين والعادات والتقاليد والسلوكية. نحن نعيش في القرن الحادي والعشرين, ولكن ما هو أسلوب أو طريقة التفكير لدى الإنسان العربي في المرحلة الراهنة, ومن أين يأتيه هذا الانغلاق الفكري والسياسي والاجتماعي ورفض العولمة وكأنها قضية خيار وليست عملية موضوعية لا يمكن تجاوزها. لقد تغير المجتمع البدوي وتغير الريف في الكثير من الدول العربية, كما تغيرت العواصم العربية, ولا شك في ذلك. لقد دخل الراديو والتلفزيون والفضائيات ونشرات الأخبار والتقارير والأفلام عبر التقنيات الحديثة , كما أصبح الإنترنيت أداة في العمل اليومي للكثير من الناس المتعلمين, ودخلت السيارة والقطار والطيارة, ودخلت الحارثة والحاصدة والدارسة, ودخلت الكثير من الخدمات من الغرب "الكافر!" حسب تعبير الإسلام عموماً والسياسي خصوصاً, ولكن ماذا تغير في هذا الإنسان في هذه المنطقة, سواء أكان هذا الإنسان عربياً أم من قومية أخرى في هذه الدول؟ وكيف يفكر هذا الإنسان وكيف يتعامل مع الأحداث الجارية في العالم. ليس في هذا السؤال أي تمييع للمشكلة أو رفض فكرة غياب الوعي أو تخلفه, بل يفترض فينا الإجابة عن السؤال الرئيسي: لماذا يعيش الناس حالة غياب الوعي وتعطل العقل؟ لا شك في أن الإسلام والمؤسسة الدينية وشيوخ الدين لهم دورهم الأكبر في هذه المشكلة, وصحيح أن الدين والعشائرية والطائفية المقيتة لها دورها المتميز والكبير في ذلك, وصحيح أن مجتمعاتنا منغلقة على نفسها بطرق وأساليب وأشكال أخرى تختلف عما كانت عليه في القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين, ولكن ماذا يكمن وراء كل ذلك, وما هي الأرضية التي تعيد إنتاج ذلك؟ هل التخلف قدرنا وغياب الوعي نصيبنا, أم أن هناك عوامل كامنة وراء ذلك؟ هنا أحاول أن أتحرى عن تلك الأسباب والتي لم يخلو بحثك يا صديقي العزيز من تشخيصها, وأن كنت قد مررت عليها بسرعة, وأقصد بذلك حين أوردت موضوع الإنتاج وعلاقات الإنتاج وما ينشأ عنها ويبنى عليها من فكر وأسلوب تفكير وتعامل من جانب الفرد والمجتمع والنخب الحاكمة أو النخب المثقفة. من أين يأتي الوعي القاصر أو الوعي المشوه لدى الإنسان بالحياة المعاصرة وبالعولمة وبالمنجزات الهائلة التي أوصلت الإنسان إلى مستوى الحضارة الراقية الراهنة؟ إنها الأسباب التي ذكرتها والتي لا اختلف معها, ولكني أتساءل عن الأرضية الخصبة التي تنبت عليها وتنمو وتزدهر تلك العوامل المسببة ويعاد إنتاجها باستمرار؟ أتساءل عن القاعدة التي أنتجت هذا البناء الهزيل, هذا الإنسان الذي نراه أمامنا ونتعامل معه يومياً ونعرف ما به وما يعاني منه؟ لست متعصباً للمنهج المادي الجدلي, ولا أنكر وجود مناهج أخرى لها علميتها وقيمتها ولها مكانتها في البحث, ولكن أريد أن أضع يدي أيضاً عبر هذا المنهج وغيره على تلك الأرضية التي بتغييرها يمكن إزالة تلك العوامل القاهرة حالياً ولو بخطوات, إذ أن عمليات التغيير الاجتماعي هي أعقد وأصعب بكثير من أي ولادة أخرى لأنها مرتبطة بالإنسان , وكما قيل مجازاً وصواباً: تغيير ما في النفس أصعب وأعقد بكثير من القيام بثورة!




لو ألقينا نظرة على الهند التي أوردها الزميل الجميل كمثل للديمقراطية والتي لا أختلف معه في هذا التشخيص. ولكن ألا يرى الزميل معي أن الهند تعيش في مجتمعين , رغم التداخل بينهما, مجتمع مديني صناعي علماني متقدم وديمقراطي من جهة, ومجتمع آخر ريفي متخلف حيث المهراجات والراجات وأصحاب الإقطاعيات الواسعة حيث الاستغلال البشع والصراع الديني والمذهبي والقتل والتدمير ووأد البنات أو وضعهن في المعابد لأغراض مختلفة ... الخ. لا يختلف كثيراً في ممارسات التخلف بين أتباع الدين الإسلامي أو الهندوس, رغم ما في الدين الهندوسي من مسالمة وتسامح, ولكن يبقى الدين قاعدة للتخلف والتعصب والعنف.




التغيرات المنشودة




المجتمعات في الدول العربية متخلفة وغير ناضجة للديمقراطية وغير قادرة على ممارستها, حيث يلعب الإسلام دوره في ذلك. والسؤال كيف يمكن تغيير هذه الحالة ابتداءً من الآن, هل يجري الحديث عن تغيير التربية والتعليم والثقافة, وهي مسائل مهمة, ولكن من يغير كل ذلك؟ ألا ترى إننا بحاجة إلى أرضية للتغيير بحيث تسمح للنخبة المثقفة أن تلعب دورها في عملية التغيير, لا أن يصادر السياسي دورها أو يحجمه أو يحتويه ويبعده عن التأثير المستقل في المجتمع؟ كما علينا أن نرى من يشارك في عملية التربية والتعليم, وهل في مقدور هؤلاء أن يلعبوا دوراً في عملية التغيير وفق المناهج التي تدرس في هذه الدول, وبشكل خاص المناهج الدينية والأمثل كثيرة, رغم أن بعضها أسوأ من غيرها, وحيث نجد منافسة بين الحكومات والمؤسسات الدينية وشيوخ الدين.




إن تجربة التغيير في أوروبا خلال القرون الأربعة المنصرمة مهمة جداً لكل شعوب العالم, وكذلك التغيير في الولايات المتحدة أو عموم الغرب, ولا بد من الاستفادة من خبرتهم النظرية والعملية في عملية التغيير. ولكن هذا إن بلداننا ستسير في ذات الأنساق التي سارع عليها الدول الغربية, أي لا يعني بأي حال استنساخ تلك التجارب, إذ أن لنا واقعنا الخاص وثقافتنا وتراثنا وتركتنا الثقيلة, إضافة إلى الدين الإسلامي الذي هو دين الأكثرية في مجتمعات الدول العربية ودور المؤسسة الدينية في الحياة العامة والدولة حتى الآن. لقد ارتكبت الأحزاب الماركسية والأحزاب اللبرالية في الدول العربية أخطاءً فادحة حين تصورت إمكانية استنساخ تجارب الدول الاشتراكية أو تجارب الدول الرأسمالية وتطبيقها في الدول العربية, ويخطئ من يفكر بهذا الشكل في الوقت الحاضر أيضاً. لا بد من أخذ الواقع الملموس وما تحدثت به بنظر الاعتبار في بناء المجتمع الديمقراطي في الدول العربية , رغم كونه لا يزال بعيداً.




نحن بحاجة إلى تغيير جذري لمجتمعاتنا الريعية الاستهلاكية, زراعية كانت أم نفطية, وتحويلها إلى مجتمعات منتجة, زراعية وصناعية, ومجتمعات مفكرة وواعية. وهذا التغيير لا يتم عفوياً بل عبر عملية نضال طويلة ضد العوائق التي تضعها قوى كثيرة أمام التغيير المنشود, سواء أكانت داخلية أم خارجية. ولست بحاجة إلى أن أشير إلى كل ذلك بالتفصيل, فأنت يا صديقي الكريم أدرى مني بذلك. كما أن هذا التغيير لا يعني عفوياً تغييراً في الفكر والوعي والممارسة, بل يخلق الأرضية الصالحة لتغيير طريقة التفكير والوعي الاجتماعي والموقف من الدين والإنسان والمرأة ... الخ. وهنا تتوفر مساحة مناسبة أمام المثقفين ليلعبوا دوراً أفضل. إن عملية التصنيع وتحديث وتصنيع الزراعة تستوجب بالضرورة نشوء طبقة عاملة واسعة ومتنوعة ابتداءً من عمال اليد إلى عمال الفكر والثقافة الذين يبيعون قوة عملهم, وهم أحرار في ذلك وليسوا مجبرين على العمل, رغم أنهم إن لم يعملوا يموتوا جوعاً, ولكن هناك فارق كبير بين الفلاح شبه القن, وليس القن تماماً كما كان في ظل الإقطاعيات الأوروبية, وبين العامل الحر الذي يعمل ساعات معينة في ضوء اتفاق على الأجر. هذا جانب واحد. ولكن الجوانب الأخرى تبرز في تغيير في الخدمات الصحية والتربوية والتعليمية والثقافية وفي الاحتكاك مع العالم الخارجي.




دعوني في هذا الصدد أن أذكر بحالة معينة نشأت في أعقاب احتلال بريطانيا للعراق في أعقاب الحرب العالمية الأولى, حين بدأت بريطانيا, شاءت ذلك أم أبت, تفتح نوافذ مهمة جداً على العالم الأوروبي, على الحضارة الغربية حينذاك أمام المجتمع العراقي, هذا المجتمع الذي عاش منغلقاً مع الدولة العثمانية على نفسه وكان غارقاً في ظلمات التخلف والجهل والمرض. فماذا حصل؟ لا شك في أنه كان هناك اتجاه وطني يريد التحرر من السيطرة الأجنبية, ولكن لم يكن هذا هو جوهر القضية, بل كان جوهر القضية هو انطلاق الحركة من القوى الدينية في النجف وفي مناطق أخرى خشية دخول النور الحضاري الجديد إلى العراق, خشية التغيير في مواقعها الاجتماعية في المجتمع, خشيتها على مؤسساتها ومصالحها, خشيتها من التغيير الاقتصادي والحكومي وما يمكن أن يأتي به من جديد ومن هواء عذب يكتسح تلك القوى المتخلفة, وهو ما يواجهنا اليوم أيضاً من الكثير بل والكثير جداً من أصحاب العمائم والأحزاب الإسلامية السياسية في العراق, سنية كانت أم شيعية, أيضاً.




علينا أن نتابع التحولات التي حصلت في أوروبا لا لنسير خلفها أو مثلها, ولكن دور العلاقات الرأسمالية, سواء أكانت تجارية, أم صناعية في تحريك عملية التنوير الديني والفصل بين السلطات وكذلك الفصل التدريجي والطويل بين الدين والدولة. ولكن علينا أن نعترف من تتبع تاريخ الشعوب أن النقلة النوعية الفعلية قد حصلت مع الثورة الصناعية في أوروبا. من المهم هنا أن نتابع صديقي الراحل الأستاذ إبراهيم كبة حين دّرس وكتب في التاريخ الاقتصادي وتاريخ الفكر الاقتصادي. كاشفني يوماً حين زارني في غرفتي في الجامعة المستنصرية, وكان معي صديقي الراحل والشهيد الدكتور صباح الدرة, إذ قال: حين أدرس الصراع في أوروبا وأبحث في دور الدين المسيحي ودور هذا الدين المسيحي في أوروبا, فأنا لا أقصده وحده, بل أعني به بشكل غير مباشر أيضا الدين الإسلامي وبقية الأديان, ولكن ليس في المقدور في هذا البلد البحث بصراحة في هذا المجال. أحد أخطاء الأحزاب العلمانية في أعقاب الحرب العالمية الثانية, وليس الجماعات الديمقراطية والتقدمية في العشرينات والثلاثينات التي خاضت صراعاً ضد الفكر المتخلف والديني المشوه ومن أجل حرية المرأة وقضايا السفور ...الخ, حين ابتعدت الأحزاب السياسية العلمانية والديمقراطية عن خوض الصراع الفكري مع القوى والمؤسسة الدينية التي كانت تسيطر بحدود غير قليلة على عقل وتفكير الناس وعلى وعيه. ولو كنا قد بدأنا بهذه العملية المعقدة والصعبة في تلك الفترة مقترنة بالنضال في سبيل تغيير علاقات الإنتاج, لكنا اليوم في موقع أخر غير الموقع الذي نحن فيه الآن. ولكن علينا أن لا ننسى بأن وعي الأحزاب هو من وعي المجتمع, رغم أن بعضها يسعى للارتقاء بوعيه عن وعي المجتمع ويسعى إلى دفعها إلى مواقعه.




هل المشكلة في حكامنا أم في مجتمعاتنا؟




أتفق جزئياً مع الأستاذ الجميل في قوله: "إن الحياة الديمقراطية لا كما يصفها حكامنا ومثقفونا إنها مجرد عملية سياسية وصناديق اقتراع يطلقون عليها بـ ( إجراءات دمقرطة الحياة السياسية في حياة المجتمع اليومية ) ، بل هي نظام حياة وتربية وأسلوب تفكير وتعامل لا يمكن أن يؤسس إلا بوسائل تربوية تؤهلها النخب المثقفة لا أن تشّرع بقوانين وتعليمات من أية سلطات .. انها أعراف وتقاليد في كل مرافق الحياة وكل مفاصل المجتمع". (مقتطف من الحلقة الثانية).




أرى بأن الفكرة الأولى صحيحة تماماً, في حين أختلف مع الفكرتين التاليتين, أي أني أرى:




1 . الديمقراطية ليست مجرد عملية سياسية وانتخابات ..الخ, بل هي عملية سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وحقوقية في آن واحد, إنها عملية سيرورة وصيرورة جديدة ومعقدة وطويلة الأم في آن واحد.




2 . إن نظام حياة وتربية وأسلوب تفكير وتعامل لا يأتي كل ذلك وغيره إلا عبر تغيير القديم, تماماً كما حصل في أوروبا, إذ أن القرون الوسطى كان لها نظام حياة وتربية وسلوك وتعامل يختلف تماماً عما جاء بعد ذلك وتشكل تدريجاً عبر العلاقات الإنتاجية الجديدة وعبر دور التنوير والمثقفين وغير ذلك.




3 . وأن الجديد لا يمكن أن يكرس ويتعزز إلا عبر الدستور والقوانين والحياة المؤسسية الدستورية. أي يمكن القول في بعض الأحيان أن القوانين تترافق مع أو حتى تسبق أحياناً عملية تغيير نظام حياة الإنسان والمجتمع. فإلغاء نظام القنانة في روسيا في العام 1861 أعطى بيد الفلاح قوة نضالية لتغيير الحالة التي سادت هناك, وكذا الدستور الأمريكي الذي منح القوة القانونية بيد الإنسان الأسود, وكذا القوانين التالية, أن يكافح ضد التمييز العنصري في الولايات المتحدة الأمريكية, ولكن التمييز استمر طويلاً بعد ذلك والذي استوجب نضالاً وصاعاً مديداً ودءوباً. القوانين لا تكّون الإنسان, ولكنها تساعد حين ترتبط بعوامل أخرى على تحقيق المنشود.




لقد أنجز العراقيون مع الإنجليز القانون الأساسي (الدستور العراقي) في العام 1925, وكان دستوراً في جوهره ديمقراطياً ينظم الحياة البرلمانية والانتخابات ودور السلطات الثلاث والحياة السياسية والتعددية والعلاقة بين الدولة والمجتمع. ولكن هذا القانون الأساسي وجد في ظل مجتمع نعرف طبيعته البدوية والعشائرية والريفية ونعرف طبيعة النخبة الحاكمة القادمة من ثقافة تركية متخلفة, في حين كان القانون الأساسي أكثر تقدماً من المجتمع. ولم يكن وعي الحكام من جهة ووعي المجتمع من جهة أخرى, عدا نخبة من المثقفين, يرتقي إلى مستوى تنفيذ القانون الأساسي. فشوه هذا القانون من قبل الحكام ومن قبل المجتمع وأسيء استخدامه وصدرت قوانين مخالفة لنصوصه. وهنا أرى أن قول الأستاذ الجميل سليماً, إذ لم ترتبط العملية القانونية بعملية سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية مترابطة عضوياً يمكنها أن تقود إلى تغيير طبيعة السلطة والمجتمع في آن واحد. وقد تسببت سياسات الحكام حينذاك إلى حصول انتفاضات وثورات وما أعقبها من تغيرات دراماتيكية فقدنا الكثير مما كان إيجابياً في حينها. ولكن السبب الأساس يبقى في الواقع الذي كان قائماً وفي الوعي الاجتماعي المتخلف وبدور الدين في ذلك. ومن هنا يمكن القول بأن المشكلة تكمن في الحكام وفي الواقع الاجتماعي القائم , إذ أن الحكام من هذا المجتمع.




5/11/2007 كاظم حبيب