PDA

View Full Version : الدكتور قيس مغشغش السعدي : دعوة تضامن مع المندائيين واليزيديين


بحزاني نت
05-04-2005, 10:01
دعوة تضامن مع المندائيين واليزيديين

الدكتور قيس مغشغش السعدي

لقد قادت عملية المحاصصة التي أنتهجت في هيكلة العراق اليوم الى إبراز ذكر مسميات الشعب العراقي بكل قومياته وأديانه بشكل لم يكن معهودا. وقد يكون هذا النهج مطلوبا في مرحلة السيطرة ومسك زمام الأمور ونخوة الجميع إثر حطام زلزلة إسقاط النظام السابق، وزلزال الإحتلال الذي أطاح بالعراق. وربما أنه توجه مغذى من أجل إشغال العراقيين وسهولة إثارة النعرات لو أرادت الإدارة الأمريكية ذلك.
إلا أن شيوع ثقافة المحاصصة على جميع التوجهات، فهو ما ندرك خطورته وما لمسنا فعلا ً آثاره السلبية في تأخرإنعقاد إجتماعات الجمعية الوطنية و" إنتخاب" رئيس لها وما إطلع عليه القاصي والداني في ما دار وراء كواليس وكوابيس الإنعقاد، على الرغم من النجاح الذي سُجل للإنتخابات، بل سُجل للعراقيين الذين تحدوا المخاطر من أجل أن يسحبوا البساط من تحت الإرهاب ويوفروا فرصة ودعما ودفعا لقيادة العراق الى برالأمان والحنان.
أقول لقد أصبحنا اليوم أمام ثقافة المحاصصة التي تفرض الغـَلبة.. غلبة العدد، وربما غلبة التهديد.. والسعي في ذلك مبرر بنتيجة التهميش والحرمان الذي تعرضت له فئات أساسية من الشعب العراقي خلال عهود الحكومات السابقة، حتى أنه لم يعد يكفيها المحاصصة العددية رئاسيا.. وزاريا.. منصبيا.. ، بل ذهبت الى المحاصصة النوعية في ذلك المنصب الرئاسي أو الوزاري، وكأن وزير الدفاع ليس وزيرا بل وزيرا ونصف.. وهكذا في الداخلية والنفط والمالية .. ثم كأن وزير التعليم أوالدولة هو نصف وزير!
وإذا كنا بدأنا نلحظ ونلمس آثار هذا الأمر الخطير، فإن الخوض فيه قد يكدر الأكثريات في الشعب العراقي، ولسنا ممن يحب أن يُغضب. وأنـّا لنا أن نـُغضب؟ وكيف؟ إنما نحن من كـُتب عليه أن يـُذكِـّر! وأقصد بـ( النحن)، أبناء الأقليات الدينية في العراق الذين يراد لهم أن يبقوا مظلومين سواء في ظل الحكومات السابقة وإستمرارا فيما هو موجه في عراق اليوم.
إن ما يبررإثارة هذا الموضوع تغافل السيد رئيس الجمعية الوطنية المنتخب في كلمته( المعدة سلفا ً) أثناء إستعراضه فئات الشعب العراقي عدم ذكر المندائيين واليزيديين على عمق جذريهما الضارب في أرض العراق وتأريخه وحضاراته. ومع الإستدراك اللاحق، إلا ّ أنه إستدراك تذكير وليس إستدراك سهو. فالكلمة التي ألقيت كانت مُـعدة مسبقا ولا بد أنها قـُرأت أكثر من مرة، بل وتضمنت مسميات جديدة تماما كما في الكلدوآشور وهو مصطلح إدماجي حديث تماما للموافقة بين الكلدانية والآشورية، ولا إعتراض.
لقد جاء هذا التغافل من رئيس الجمعية الوطنية العراقية التي إنتخبت لتمثل الشعب العراقي بكل مكوناته، وهوتغافل لو لم يكن مكتوبا لقلنا سهوا، رغم أنه كفانا سهوا. فكيف يـُذكـّر من تسند اليه مسؤولية بمعرفة العراق؟ وهل يـُعقل أن يذكـّرون بجغرافية العراق ومناخ العراق وتأريخ العراق لكي يذكـّرون بمكوناته وأبناء شعبه، أم ماذا؟
إن إعتماد تعداد مكونات الشعب العراقي بالكلدوآشور والتركمان والأكراد والعرب وذكر أديانه وطوائفه شيعة وسنة ومسيحيين "أحيانا " يقتضي الإشارة الصريحة الى المندائيين واليزيديين، وإلا ّفليكتفى في كل حديث بالإشارة الى الشعب العراقي وحسب، وذلك أكبر وأوحد. إنه من العيب أن يـُحسس الآخرون بالتنكير وأنهم أقليات تغافل. نعم، ربما هم أقليات عدد، لكنهم ليسوا أقليات تأريخ أو أقليات حضارة أو أقليات وجود مؤسس في العراق، بل ليسوا هم أقليات توحيد وإيمان بالله الواحد الأحد إن لم يكونوا قد سبقوا الجميع وكان بهم في ذاك فخرا للعراق على كل البلدان والأمم.
لقد سئمنا التذكير بوجودنا، أيها الأخوة، ونحن لا نطالب بذلك لولا يتم تعداد الآخرين بأكثريتهم. أو يـُعقل أنـا نطالب بذكر وجودنا؟ أتدركون ماذا يعني ذلك في نفوس من يُحسسون بأنهم أقليات؟ إنه يعني إنتظار الصابئي المندائي واليزيدي متى يذكر هذا "المسؤول" أو ذاك إسمه ضمن من يعدد من فئات الشعب العراقي. فإن لم يذكره، تعتصره الغصة ويجدون أنه متجاوز لهم وغير حريص، بل وربما قاصدا لهذا التجاوز. وإلا ّ فأبسط حقوق إحترام أبناء " الأقليات" ذكرهم قبل ذكر الأكثرية التي هي موجودة أصلا بحكم أكثريتها وما تحققه تلك الأكثرية يوم غدت هي المعيار. ألا يمكن أن يصار الى ذكر بحسب الوجود التاريخي فيحفظ حق للجميع او يصار الى ذكر بحسب الحروف الهجائية إن لم نسع لثقافة التغليب.
لقد عانت الأقليات أكثر مما عانت بعض الأكثريات خلال العهود السابقة رغم أن جميعهم أبناء شعب واحد ووطن واحد. وإني والله أذكر حينما كنا نعمل في الخدمة العامة لمجالس طائفة الصابئة المندائيين كيف كنا نتوسط من أجل أن تـُذاع لنا برقية في مناسبة تذكر إسم الصابئة المندائيين لتزيد من إعتزازهم من خلال ذكر الآخرين لهم في وطنهم، ولتبعد عنهم إضطرار الهجرة عن وطن كان وظل كيانهم في كيانه، حتى إضطر من كان في مثل هذا السعي لأن يغادر ويعيش الإغتراب! واليوم، وإن غدت وسائل الإعلام العراقية مشكورة تتابع وتـُعلـِم عن جميع نشاطات الشعب العراقي ومنهم المندائيين، فإنا نريد من جميع المسؤولين أن يطلعوا على معاناة الأقليات وحصرا المندائيين واليزيديين، وأن يقروا بأنهم من أول فئات الشعب التي تستحق الرعاية، وأضعف الإيمان فيها الذكر الصريح والإشارة المرافقة كلما عـُددت مكونات الشعب العراقي على أن يمتد هذا الذكر الى إحقاق حقوقهم في كل ساح الوجود الحياتي. وأن لا يستمر إستئثار الأكثريات بحصولها على أكبر عدد من المقاعد في الجمعية الوطنية العراقية حتى أغفلت منح ولو فرصة واحدة لكل" أقلية" طالما تختص هذه الأقلية بخصوصية يمكن أن تـُذكـّر حينما يتطلب التذكير. ولم يسع الأخ الأكبر عددا بأن يجد للأقل عددا نصيبا في أن يُمثـّل فيكبر العراق بكل الشمول والتنوع. بل، والعتب شديد، أن حتى حينما شغرت بعض فرص العضوية في الجمعية الوطنية بسبب عدم حصول بعض القوائم على العدد المؤهل لممثل واحد، لم تمنح فرصة للأقليات العراقية، إنما أضيفت هذه الفرص لذوي العدد الأكثر فكان التوجه إكثار الأكثرية.
إنه لمن الحق والإنصاف أن يساهم جميع الخيرين من أبناء شعبنا العراقي الذين تهمهم كينونة العراق مع الأقليات في رفع هاجس الخوف والخشية من نفوسهم. نعم، إنهم يعيشون هاجس الخشية من أن لا يذكر إسمهم في دستور العراق الدائم! أيـُعقل مثل هذا الأمر؟ بلى، فقد تلمس المندائيون ذلك وإشارته عقد مؤتمرهم في منديهم ببغداد في بداية شهر نيسان الجاري مقصدا لإثارة وتوجيه الأنظار. وإنه لمن الإجحاف أن تتحاصص الأكثريات على مناصب وسيادة العراق ويحتار المندائيون متوجسين .. مبتهلين .. متضرعين.. مصلين.. أن يكون لهم من يمثلهم في لجنة صياغة الدستور وأن يذكر إسمهم- بكل ما هو حقهم- في هذا " الدستور". يـُذكر إسمهم وهم الذين ظلوا يقدمون التضحيات لوطنهم حتى في مقتل أحد مرشحيهم ضمن إحدى قوائم الإنتخابات العراقية وحتى مقتل عدد من إبنائهم في مركز المنصور الإنتخابي ببغداد.
إن دستورا لا يذكرالصابئة المندائيين واليزيديين ذكرا صريحا ولا يضمن حقوقهم شأن الحقوق الشرعية والدستورية لجميع فئات الشعب العراقي سوف يكون دستورا تسلطيا مجحفا في هذا الجانب ولن يكون دستورا عراقيا بل دستور غلبة الأكثرية . وإذ نقول حاشى أن يحصل ذلك فإن الأمل ما زال معقودا وبدون خشية.
إنه ليعز على الأقليات أن تقدم براهين وجودها لكل نظام حكم يحكم العراق. وإنه، والله، ليعز على المندائيين أن يحملوا في كل مرة وعلى مدى قرون عديدة توحيدهم على رؤوسهم إشهارا بأنهم أول من آمن بالله ذكرا صريحا في أقدم ديانة عرفتها بلاد ما بين النهرين.. وأن يقدموا شرف مواطنتهم وإخلاصهم الذي لا تشوبه شائبة، بإعتراف الجميع.. وأن يـُذكـّروا بقدرات أبنائهم وإسهاماتهم في الخدمة العامة دونما جزاء غير جزاء الوجود والبر بأنهم من طين هذا العراق ومن زارعي نخله والمتطهرين بدجلته وفراته مذ خلقا والى...، وكان هذا يكفيهم لولا أن الحق يصيح: إذن أين حقهم؟ ليس منــّة بل إستحقاق أكيد.
هو الشعور التام بأنه كلما تم التباهى بالعراق وحضاراته يزهو المندائيون بما لهم في ذلك من نصيب، فإن كانت الآثار المادية دلالة على عِظم حضارات العراق فإن الإشارة الى الآثار الإنسانية المتمثلة ببقاء سلالة السومريين موصولة بالمندائيين يكون إكبار للعراق وشعب العراق في المحافظة على هذا الإرث. وكلما أشيد بالأدب البابلي يعود المندائيون لقراءة أدبهم الذي هو صفة الإرث من ذاك. بل مَن مِـن العراقيين لا يقول: " أكو.. ماكو"، فهل ينسى العراقيون أن المندائيين يرثون هذه اللفظة في لغتهم الوارثة للغة الأكدية أم اللغات السامية شأن مئات المفردات التي مازالت سائدة في اللغة الشائعة في لهجة العراقيين وبخاصة في جنوبه.
هو العراق وطننا ومحط أنظارنا. لقد غَيب النظام السابق ما يزيد عن 50% من الصابئة المندائيين عن وطنهم فتوزعوا في بلدان الشتات التي سوف لن يكون لعيشهم فيها وجود. وإن هم بهذا العدد القليل مؤشر ندرة ظل العراق يحتفظ بها، فإنا لندعو ونأمل نصرة جميع أبناء شعبنا أن لا تضيع حكومة العراق المقبلة هذه الطائفة بديانتها التوحيدية العريقة. وأن عيون من هم في بلدان الشتات على ما سيُحق للمندائيين كي تعود الطيور الى أهوارها، فلا تكتمل ولا تزهو حياة الهور إلا ّ بالبني والخضيري. drabsha@yahoo.com