dhso
12-07-2005, 09:05
اسراري ... عدم الاطلاع رجاءً
والعنوان الثاني :
طلاق الوطن وطلاق المنافي
خلدون جاويد
( ابتداءا اعتذر لقارئي العزيز اذا تفضل بالاطلاع على مالدي فهذه الخربشات انما لجيل غير جيلنا ولأثير غير اثيرنا- عسى الانترنيت يأخذ مواجعنا وفوجعنا الى عوالم غامضة تعنى ولو بالموت منا ) .
طلبت مني ’ بقوة هذه المرة ’ ان أترك البيت ’ وأبدأ البحث عن حجرة .
في 5/1/2002 نشجت وراء زجاجة النافذة ومن دون أن تتطلع اليّ ... قبل دقيقتين وقّعت على خط طلاقنا ’ وها هي تنبهني الى ضرورة الذهاب الى بيت الماء .... اللعنة ... تطلقني وتعتني بتفصيلاتي .
قبل هذا التاريخ وجدتُ حجرة .وقّعت على عقد الايجار ... عدنا انا وولدي .. ( 20 ) عاما ... كان هو المترجم مابيني وصاحب السكن الجديد ... ها هو يقود السيارة بدلا عني فقد كنت على ما أبدو لنفسي وله ’ عاجزا عن قيادة خطواتي ... كان هو ينشج بصمت وهو يقو د السيارة . في 8/12/2001 اعتذرت هي تلفونيا فقد اخبرها هو وبدموع مدرارة بان الحجرة حقيرة للغاية لا تليق بأبيه .
اعتذرت في اليوم التالي ايضا راجية التخلي عن هكذا حجرة ... رفضتُ الأعتذار وفي قريرتي رغبة بأظهارها ظالمة وانا المظلوم ’ ولكي امارس ماسوشيّتي ضد نفسي وطبعا لكيما أُشعرها بالتأنيب يوميا وباستمرار و مادمتُ ساكنا في هذه الحجرة . قلتُ من ضيقي بها : تعالي وشاهديها انها ليست كما تتخيّلين .
في 10 /12/2001 جاءت مع عدة التنظيف ... امرأة عجيبة تدفع بي الى ترك البيت وتأتي لتنظف حجرتي ... عجيب ...الف عجيب .
في الممرالعفن الرائحة ثلاث حجرات احداها لرجل مجذوم ’ والاخرى خاصة بالجن اذ لا يأتي صاحبها الاّ في أوقات متباعدة .
ظهر الرجل المجذوم صدفة ’ ونحن ننظف الحجرة ’ سألته بلغتة الدانماركية ’اين مكان غسل الصحون .. قال ببداهة :- في ذات التواليت .
شعرت بالقرف .
سمع ولدي وحبيبتي ( زوجتي ) بأمر تنظيف صحون الطعام ... لملما ادوات تنظيف الحجرة وانطلقا آخذيني معهم الى البيت .
سلمنا المفتاح لصاحب الحجرة تاركين له العربون .
قالت لي :
- عفوا ... اعتذر منك مرة اخرى
عدتُ الى حجرتي في بيتي في الطابق الثاني
صمت يسود البيت .... صمت يشوبه الغموض .!
**************
تداعيات
ظلت أسئلة عالقة في عمقي ... لمن انساب النشيج على اجهاض رجل ( اغلب اللواتي يجهضن ينتابهن البكاء ’ لكن بارادتهن جرى الاسقاط ) .. ولقد اسقطتني هي .. تمنيت لو اتتبع سير عمل التلافيف لكي ادرك الجمال الدامع الذي بكى ضدي ومن اجلي .
كانت وراء النافذة تنشج ... كنت شبه عصبي امشي ولا اتطلع لها ( ولماذا اتطلع ).
هيأتي في الممر هي هيأة شاب مكتهل لتوه او كهل فيه بقايا شباب ..... لقد ودعتني الى غير رجعة ... ومع ذلك بكت لي وعليّ... المدفون جدير برمال ودموع . ولكن من قال انها بكت ...ربما تصورتُ ذلك وهي وراء زجاجة النافذة تنتظرني ... خرجنا الى باحة امام مكتب الشؤون الاجتماعية ( الآمت ) وفي رأسي الطنين ... واصوات صراخنا مدافا باصوات الماضي وهلوسة من صداحات اخرى... دوي لحركة قطارات وباعة متجولين وصوت امي عندما كانت تناديني وانا الهو باللعب مع ابناء الحارة ..وأخيرا أنفاس ابراهيم ناجي ممتزجة بهمس أثيري يربت على التلافيف الباكية ...انه صوت السيدة الكوكب :- " انني اعطيتُ ما استبقيتُ شيّا "
" آه من قيدك أدمى ..... "
**************
تداعيات ايضا
انهالت على الجدار تلو الجدار بالتنظيف والمسح والتعقيم ’ وحتى السقف فقد شملته بقوة ذراعيها المرفوعين الممسكين بالفرشاة الطويلة .. غدا كل شئ لامعا وكذلك زجاج النافذة العريضة امام حديقة واجمة .. ساكتة .. بدت خضراء لكنها مهددة بشحوب أيام الشتاء ولونها الداكن او الاصفرار المريض او ملوّحا ببعض نتف الثلج المتساقط منذ أمس الأول ..أدارت مفتاح عمل التدفئة للتأكد من عمله.... أشارت كعادتها علينا بوضع الديكورات وتنفيذ الخطط وتهيأة الخنادق لحرب طويلة شاملة ضد زواجنا . ...
-هنا تضع السرير ... التلفاز سيكون امامك بالتحديد في هذا المكان ... سأجلب لك اغطية اضافية .... كيت وكيت اثر كيت وكيت ... كل شئ كان متموضعا في ذهنها من حيث السيناريو والاخراج وحتى مونتاج اللقطة الأخيرة ’ ماعليّ سوى ان انفذّ أي ان آتي لأسترخي في منفاي الذي ستشرف عليه ... حتى الطلاق هنا أُمومة . ماعليّ سوى ان ارسل ملابسي الوسخة اليها لتنظيفها كل اسبوع وتعيدها مع ولدي الكبير الذي هو الآخر قد راح يسهم في مهمة الانفصال ويتدخل في طقوس الأشياء والتفصيلات الضرورية التي لا أبدو انا ذاتي مهتما بها . اذن سآتي ’ سأنتقل الى هنا غدا ...
حملت جردل الماء مع المماسح والمعقمات ولملمت الأدوات ... فكل شئ جاهز ...وعندها ’ عندها جاءت ’ جاءت كلمة الرجل المجذوم جاري الجديد في أن التواليت هو مكان غسل الصحون فألقت كلمته بكامل المشروع ارضا ’ ’ عمّ الذعر وجه ولدي ووجهي الاحتيار وران عليها عبوس واجم .
- قلت لك ان هذا المكان لايليق بك ... لا يهم اننا نظّفناه ... كيف ستغسل ملعقتك في بيت الماء ... ماذا تقول؟ ولايوجد مطبخ بالمعنى الصحيح ...
تطلع لي ولدي بمحبة غامرة
-ياأبي ... لماذا الاصرار لماذا ؟
... طرقت لبرهة ونحن في الممر المواجه للحجرة ... حجرتي التي حجزتها بعربون محترم لن اسكن فيها ... حدقتُ في المكان رأيت أيامي المقبلة فيها... ماأكدرها واكلحها وما أمر العيش في دهليز العفونة والجذمنة والمكروبات .
رحت في لُحيظات اتطلع وبوحشة الى قبر ايامي من النافذة حيث حديقة مزهرة لا بالورد بل بأفاعي وعقارب وعناكب . كان الممر اشبه باندلاع ماء في لحظة غرق سفينة . قلت :
- هيا
فاذا بنا كالفارين من معسكر او سجن ... نحمل السجادة والمكنسة الكهربائية والمنظفات ... ولو ابصرنا احد ما من المحيطين على تلك الهيأة من البهدلة لأطلق فمه مثل صفارة الأنذار .
تداعيات اخرى
- لماذا ألقيت النسرينة فورا في النار ؟ قلت لنفسي
- ألقيتها للدفاع عن حقي . أجبت نفسي
أضفت قائلا في حوار التوازن الضروري مع الذات
- لأمارس غضبي على كل مامر من جفاء ونكد ولا حب ولا شوق ... لاتسكن الأرواح بيوتا لم يبنِ جدرانها الشوق .
-هل من سبب آخر ؟ قلت لنفسي
- نعم لكي أقطع الشك من اليقين في كوني أعيش مع هذه المرأة حياة قطيعية أم لا .
اشعربحرب قريتين جاهليتين في رأسي ... سيف يقرع سيفا ’ فكرة تدمي فكرة ’ أموات وأشلاء على قارعة الطريق والرأس ..نعم اعترف كوني ردَّ فعل لما مرّ من مناقب ’ واني رماد الحرائق ... لكن من صيّرني على هذه الحال من البهدلة واللاتعشق والفكاك ... انه بلا ادنى مواربة ’ البيت الذي يعج بالنقد .....والنكد ... والصياح والصراخ والتهديد .وارعاب الآخر وتهميش الآخر وثورة الآخر واخيرا ردود فعلي المنهارة في كسر الصحون في الليالي .. وملء ارضية المطبخ بالهشيم.وهنا اتذكر منظري الوحشي او الوحوشي في التحطيم العدمي وانزال محتويات الرفوف في لحظة واحدة على الارض بكل ما احتوت تلك الرفوف من فنون منقوشة على صحون ’ واشكال هندسية وتصميمات متجسدة بالعلب والأكياس واشكال المواد الجميلة في الاستعمال المنزلي .آخر مقتنيات الذوق و الذكاء البشري المتجسدة في الألكترونيات ’ تتحول كلها كلها في لحظة همجية الى الثورة العدمية .
وهل كل ذلك كان ضروريا ؟ ... نعم بلا أدنى شك ...
ان ذلك يعادل دورتي الدموية ويعطيها اوكسجينا لأختناق سرطاني محتمل . ثوروا تصحوا ... صحتي هنا ثورتي .. وقد قمت ( لا اندم على مافعلت هنا ) بهذا العمل ( البنّاء ) لثلاث مرات ’ وظلّت هي بعد ان يكفن الصمت البيت وينام الاطفال بعيون خائفة وقلوب واجفة ’ ظلّت هي تنظف المكان من الساعة الثانية عشر ليلا حتى الرابعة صباحا. حقا لقد كلفها ذلك مالاطاقة لها به وما عادت تحتمل هكذا وحش او تيس هو انا .
لا يهم هنا سؤآلي في محكمة العدل الوجدانية من هو السبب هي؟ أنا ؟ هم ؟ ... لاأعني هنا في مطبخياتي الساهدة ’ بأن يكون أحد ما هوالسبب هو المجرم . الجريمة هي النكد اليومي ’ هي ان تعامل امرأة زوجها بحدة وآمرية وسلطوية واستاذوية وبتنقيح دائم وان تراقبه وتتهمه وتشكك به ’ وتخطأه .. وان تبكي وتلوم وتنق بل تحيل الهواء العليل الى سُم ! او ان يتولى هو ذلك الدور المقيت . وهنا انصح المرأة التي تخطط الى تحطيم نفسها وزوجها وتضييع أولادها الى اتباع اعلاه من تسلكات !!!!!!!!
وعلى مهلها تتعاقب الايام البليدة ’ وعلى قدر سني الاطفال الذين يكبرون مع شيبنا الجسدي والروحي تكبر الآلام لتغدو جراحا ... واذا بنا بعد سنوات الواجب الأُسري ’ نتأمل بعضا بهذه العيون الأسيفة والرغبة بالانتقام والايذاء ... وابغض الحلال هنا هو من هذا القبيل او حصيد له .
في صباح اليوم التالي من عودتي من حجرة الجذام التي قمنا بتنظيفها هي وابني وانا ’ والتي لم اسكن فيها لحظةواحدة رغم تسديدي حوالي ستين دولارا كمقدمة فحسب .في اليوم التالي ’ خرجت من الباب الزرقاء المطلة على اربعة شوارع ’ في ضحى صاحٍ ودخيلة عتماء ’ سرت باقصى ماتقوى عليه قدم متعبة وظهر موجوع ’ قاصدا دار البلدية فهناك مشرفتي الاجتماعية التي ستفرح بكل مشاعر الخبث لما سيؤول اليه مصيري !! نكايةً بي ’ فهي لا تحبني ... وهل احبّت مشرفةٌ مشروفاً عليه في الدانمارك .. قلت
-استمارة طلاق رجاءً .. واخرى لسكن منفصل .
كمن يسترد قليلا من وهج كرامة موحلة ’قلت لحرمي المصون عندما عدت الى البيت بحزم أسيف
-لقد طلبت استمارة الطلاق ... في الايام القليلة القادمة سنفترق ...
في البيت تقع حجرتي عند نهاية السلّم ’ في الطابق الثاني ’ كنت وحيدا وكسيرا ومفجوعا .. وهي تعد أشياءها وحاجات اطفالها ليوم غد حيث الدراسة والعمل ... كنت اتقلب على السرير ’ ودفء الحجرة يتغلغل في كل مكان عدا البرد الكامن في الصدر ... كأنما هنا جرح في صدري ...
صوت السيدة الكوكب يشد من ازر ضياعي ... ينبعث صوتها " انا وانت ظلمنا الحب " ’ يمتزج بملايين الآهات في حجرة صفراء لاتراها عيني الاّ جريحة نازفة حمراء " وجينا عليه وجرحناه " " لحدِ ماذاب حوالينا " كنت اتقلب فأُقلّب ذاتي وافكاري على الجمر ... هل الذي يدور هو الواقع حقا ؟ ام هو مسرحية وتمثيل.. لكن اذا استحالت الأرادة على علاّتها مترددة كانت ام دونها الى فعل وتطبيق فلا اتهام مسرحي هنا ولاتشكيك بالأدوار ... كنتُ انادي عليّ ... فلان ... هل حقا تريد الطلاق ؟ الطلاق حرية اليس كذلك ؟ .. ظللت أتقلب بل ادور لأكثر من مرة في اسطوانة صفيح ... الضوء طقوسي .. الغناء تراتيلي .. شاحنة مرت على الطريق حيث الشوارع الأربعة امام باب بيتنا الداكن الزرقة .. تباعد صوت محركها ألأجش .. عادت الشوارع الأربعة لترتع في ذات السكون الليلي الندي الأنسام " وضاع الحب ضاع " .. "وقلبي ضاع " ... " ودل وقتِ لا انا بنساك ولا... " انا وانت ... انا وانت .. "
صوت البنتين التوأمين وهما تتحدثان مع امهما .....صمت .. صمت ... لايتناهى الى اذني أي همس ... " محدش منا كان عاوز يكون ارحم من الثاني ... ولا يضحي عن الثاني " " وضاع ... وضاع مابين .... وضاع ... " هنا بحة شجية .. ساحرة بل فتاكة في صوت المغنية الميلاء . على اية حال انا لست الوحيد المنزلق في لعبة الموت هذه ... حالات الطلاق في اوروبا والملاجئ طالت السماء ... الطلاق ضرورة ام استسهال ( استخراد وضع يعني ؟ سؤآل مجرد سؤآل ) . من الهين على الخاتون ان تقول لي جد حجرة ... بينما في العراق لم تستطع أي واحدة من الحبابات ان تفوه بحقها هذا ! هنا القانون معها ... القانون - مثلما يقول عبد الحسين عبد الرضا في مشهد المحاكمة من مسرحية درب الزلق " القانون في امريكا يعطيها البيت لها .. القانون في بامباي يعطيها البيت لها ...الخ " هناك في بلداننا ( الخرنكعيّة ) سلطة الأب الظالم والكافر بحق الانسانية هي السائدة .وهنا الذي ( يأكله العنز يطلعه الدباغ ) المشرفة الاجتماعية والقانون والمبالغ الاضافية للمطلقات والبيت بما فيه( لها ). أي كل شي يعطيها البيت لها فلماذا لا !!! والطلاق كما تقول الحجية ( كلمن ايروح على خر اذنه ) وبالجلفي الفصيح( اتخامه وركع بوب ) ( غاب القط العب يافار ) الطلاق ( ونسه ) أُنس... وانه يؤدي الى ان تغدو المرأة الشخصية الاولى في البيت ... انظر واجهات البيوت.. انظر مامكتوب عليها :هنا تسكن (1) ايفا لارسن (2) الكلب فيفي (3) الزوج خوخو الخرنوبي مثلا ... وللأجابة على هذا الاستغراب هو من البساطة تماما اذ ان تسلسل الكلب بالاهمية كونه ثابتا في سكنه اما الزوج فهو المتغير ... حلو مو؟
- ماما ... ( فتحت الباب الزرقاء ) .. ماما هل العب نصف ساعة اخرى ..
-لا ... لا .. ادخل لقد حلّ الظلام .. ادخل ...
كان ذلك هو ابننا ( انيس) ابننا الصغير ( 9 ) اعوام . .. توسل قليلا ’ رفضت .. عاد يلتمس ’ أكدت رفضها ’ أعاد رجاءاته .. زجرته هذه المرة ... اوصدت الباب بقوة ... " محدش منا .. كان عايز ... يكون أرحم من الثاني ... " " ولا يضحي عن الثاني " ...
اليوم أم امس .؟. رأسي درب الآلام والانفلاش ذاكرتي ... .. هل أقوى على تذكر ماقمت به قبل سويعات ؟ ... مهلا....لقد مسكت بأول الخيط . جمعت كل التصاوير التي التقطتها لها وهي في العام التاسع عشر من العمر وخصوصا تلك التي في مدينة الالعاب ... مااحلاها ... كنا قد تركنا الجامعة وجئنا لتناول وجبة الغذاء في مطعم يقدم الهامبركر في المدينة ذاتها وفي هواء فضي منساب كالضفيرة من قرص شمس هي " اجمل من سواها " تتعمق لذاذاتها في الأرواح والاعضاء كأنها " البرء في السقم " وفي سكون عاشق تسيل خطانا هناك كجندول في نهر الزمن الخالد " انا وانت اللي كنا زمان .. احب اثنين .... وكان اكبر خصام بينا يروح في يومين يدوب في يومين ... " خصامنا لنو بادي زاد ... وخله الخطوه بينا بلاد ... " " بلاد .... بلا..... د وفرقنا على طريقين ... وضاع الحب .. ضاع .. مابين .... .... .... " كنت ألتقط لها صورا فاتنة حالمة وساهمة في الزرقة والخضرة .. كل قطعة منها كانت فوتوغرافيا خالدة ومتحفا في ازمن الأزمان .... ماظننتها يوما تلك الصور تستحيل الى سحالى تزحف في قبو الروح ...سحالى ذاهلة تتلفت .
صمت ... في المطبخ .... في الصالة ... عدا خطواتي الهابطة بهدوء خائف ومخيف لملء طاسٍ بماء الجحيم .. والعودة بذلك الطاس الى طاولة زجاجية بالقرب من رأسي ... ... النغم خافت والعمر خافت ... الاّ ان الراس ضاج " انا وانت ظلمنا الحب بالغيرة ......وجبنا للظنون سيرة " ... رأس ضاج بالماضي ... تمتزج صوره ولوحاته بل جدارياته بالف طلاق لا بطلاق واحد ... في كل لحظة طلاق ! ... ولكل هاجس من المحبة كراهة متاخمة وواخزة ... جفاء فجفاف لالسبع سنين عجاف بل لسبع وعشرين ! زادها لعنة انها ملتبسة انتقامية ’ نكدية .... متعايشة .. يالسوء الطالع : متعايشة .. لا لشئ بل من اجل ان تنتقم . ويسمونه زواجا ويريدون الحفاظ عليه !
وواقعا .. واقعا ... قد بدأ التكلس منذ الشهر الأول من حياة زوجية ’ وأسباب اخرى أربأ بنفسي ان اذكرها ’ اكتنفت التجربة باللون الرمادي والكحلي ومن ثم بالأسود والقطراني والحندسي ’ ودخلنا في انفاق الشك والمحاكمات والتصورات والامتعاضات .
ظللت اتلوى على السرير ... تناولت كأسي لأكرعها مرة واحدة ... ذهبت الى النافذة لأفتحها قليلا ... اريد الهواء .... كانت الاغنية وهجا يسعدني بأن يبكيني ’ فانهمرت دموعي .. " واصبح كل يوم بينا يفوت اصعب من امبارح .... نسينا اننا عاشقين .. نسينا واحنه مش داريين "
آه لو يدخل أنيس الآن ويراني ... الأُغنية بحجم الكون " .. نسينا ازاي ... كده انسينا " لو رآى انيس اباه على حال من فيضان الدموع وطوفان الوجد وانكسار الخاطر وانهيار العمر لتحطم الطفل ....
تداعيات نيسان
صحيح .. لكن من جهة اخرى فكّر... فكر مليا ... وانظر .. رغم حبهم لك وشوقهم ’ فانهم الآن على مايرام ’ لا صراع في البيت ’ لا صراخ في الليالي لامناكدات ’ لارعب .. لافزع . انهم في افضل احوالهم بعد غيابك ... لابأس ان تأتي كل يوم . بل تستطيع ان تأتي كل يوم . من يمنعك .تعال من الصباح حتى ساعة متأخرة من الليل .. لا احد يمانع .. لكن عليك فقط بعدم المبيت ... عليك ايضا بعدم التدخل .. حجرتك صغيرة كئيبة رطبة .. خانقة .. موحشة كأنها زنزانة ؟ صحيح كل ماتقوله في هذا الصدد صحيح .. لكن اصمد .. اصمد شهرا شهرين وتحصل على سكن قريب منا .. ويأتي اليك الأطفال ... تشتاق ... تبكي ... نعم ..نعم ... أُقدر ذلك.. من قال لك اني لاأبكي .. للحاضر والذكريات ... لكل شئ مأساوي في هذا الوضع المرير .. يجب ان نصمد احتراما لأطفالنا وللأنفسنا ... لايجب ان نصل الى تخوم الجريمة ’ فلقد تجاوزنا حد النكد والكراهة والملل الزوجي والقرف . ... ماذا ننتظر .. ان نبصق في وجوه بعضنا امام نواظر الأطفال .. او ان يجن احدنا في ليلة من ليالي الصراخ فيقتل الآخر ... ابتعد ... ابتعد ... ياأخي ... اتركنا لحالنا ... "
كفكفت دموعها وسط الصالة ... وبكى ماجد ايوب ضيفنا وصديقنا العتيد .. الذي يزورنا من بلد لجوئه ( بريطانيا ) نهض بوجه أسيف للغاية .. ومعا غادرنا دارها ( داري القديم ) قبلت ولدي الصغير عند الباب ..وابنتيّ التوأمين ... لا ادري من أين واية قوة انطقت أنيس
-ماما .. نحن نريد بابا ان يكون معنا .
فانهمر شلال دموع على وجنتيها وهي تحتضن طفلها ...
غادرتْ ظلالي العجفاء تحت نسمة سريعة من شمس ومطر ’ تبعني ماجد ايوب في الباحة الامامية للدار واخبرني بان انيس قد ادمع القلب والعين بكلمته " نحن نريد بابا " .... جلسنا في سيارتي الخاصة ... قدتها بعيدا .. بعيدا ... كانت حبات المطر على زجاجة السيارة الأمامية تخبطها الماسحة جانبا ... وكنت بكفي امسح دمعاتي جانبا واحكي لصديقي عن سنوات النكد والجحيم .
غادرنا المنطقة السكنية التي عشتُ فيها مع عائلتي ذات يوم !
- تعلم ياأبا سعد كم من مطلق ومطلقة هنا في الدانمارك ؟... العدد في تزايد وبعضه سري ...
- سري .. كيف يعني ؟
- يعني التعايش مابين امراة ورجل من اجل الاطفال فحسب اما هما فلا علاقة بينهما !
- والى متى ؟
-الى ان يكبر الاطفال .. هكذا هو الافتراض .. الاّ ان ذلك يفشل . لانه يسبب ازمات نفسية ونفور حاد وعدم تحمل .. والمرأة هنا متحررة اقتصاديا لايزعجها سوى قيد رجل اختارته قبل سنين ... سنين غير دانماركية .. ها هي تقدم له الاكل والشرب وتغسل ملابسه وتطبخ وتفخ وتتبضع وهو حضرته على ذات البوزات العراقية ... لسان حالها يقول( شنو هل لذة من هل فقر ) اما اذا وفق الله الخانم واشتغلت وحصلت على مبلغ شهري محترم 0 ( أي اكثر من راتب المساعدة الاجتماعية ) فالامر يتطور نحو الأسوء ... يعني ( سلم لي عل قرعان ).. يعني باختصار : لايزال يرن في اذني صوت اجمل انسانة في حياتي تعرفت عليها منذ 1969 وعشت معها الحلوة والمرة ’ يرن ذلك الصوت الحبيب في اذني قائلا ( اطلع .. روح دوّر على غرفة ... اقرا اعلانات في الجرائد ) .
*********
تداعيات نيسان ايضا
كانت اأغنية منسابة ودافئة وانا اقود سيارتي على موتورواي هيلاغوذ-كوبنهاغن ..." " انا ألبي بيسألني .. ايه غيّر احوالو ... ويقولي بئه يعني ماخطرتش على بالو... امّال غلاوة حبك فين ... وفين حنان البو عليّ " خمس سنين من التعارف وسبعة وعشرين اخرى من الزواج بعبق ايامها الحالم ومطلق الجنون من لياليها ’ غدت جوفاء ترباء ’ ماوراء نوافذها سوى اليتم الأبوي ...."... " وفين حلاوة قربك فين ... وفين الوداد والحنية ... وانت على بالي وخيالك ميفارق عيني ...آه ياناسيني " ." والمكوث هناك بعيدا في حجرة كالزنزانة ’ منزوية وسط غابة لا ادخلها الا وهي ظلماء ولا انسل منها الاّ والكون ماطر " " امال غلاوة حبك فين ... وفين حنان البو عليّ.. وفين حلاوة قربك فين ... " آه انه الحار البارد .والجحيم السيبيري ... هذه هي الحبكة المعاشة بموت رجل وامرأة ... قررا اطلاق الرصاص على بعضهما بالموت الضروري... موت خارجي لا داخلي متباعد لا متقارب اصفر لا احمر ’ صامت لا ضاج بالصراخ وهشيم القناني والأواني ...
انا هنا شاحب وهيمان وكل مادار هو باختياري وبالدارجة العراقية ( انا بيدي جرحت ايدي ... سموني جريح الئيد) . ورغم انتكاستي وكابوسيّتي ’ فحالي هذه افضل من ذلك الأنهيار اليومي الشنيع وانا اجلس لسنوات وحيدا في حجرة المطبخ على كرسي اسود مركون جانبا كأنه منبر حسيني مسروق ومباع في حانة القتلة ... وجودي الغاضب وانا مقتعد اياه بعبوس مرة وجبروت مرة اخرى خلد في ذاكرتي مرآى الأطفال ’ وجوها مذعورة ومندسة تحت اغطية السرير ... أي كما كنت انا في طفولتي ... لقد أعيد المشهد الكليم عليّ وعلى أولادي ..
البيت على قدم واحدة ... الرعب يدب في الأرجاء .. من يبدأ فيجرح فضيلة الصمت المجاني ... يبدأ ليجد من يتلقاه بمهاوشة ...اي بأختصار انتقدني انتقدك ’ نقح لي أنقح لك وانقحك... العين بالعين ’ والسن بالسن والطلقة بالطلقة . القنبلة النتروجينية بالقنبلة ألاكثر نترجةً منها . نترجني أَنَتْرِجَك والحسن ! .....الوضع هندي باكستاني وكشميري ايضا ...
متى يهجم الضبع كيما يتصدى له النمر ....من يخرج رأسه من وراء صخرة كي يتصدى له القناص ...
كانت الدنيا مسلخا عائليا ومذبحا وديا ... كانت حياتي انا بالذات مابين 1999و 2002عبارة عن كلبنة وقردنة وعهرنة .....اذ لم
نجلس معا في السنين الاخيرة للحيظات . لم نضع كرسيين الى جانب بعض ’ كلا لقد أخطأت .. لا منذ السنين الأخيرة فحسب بل منذ بدء الخليقة " وهو العمر فيه كم يوم ... وانا بعدك عليّ طال .. ياناسيني وانت على بالي ’ وخيالك ما يفارق عيني ...ريحني واعطف على حالي .. وارحمني من كثر ظنوني " نبتسم لكل الناس ... لكل النمال الهابة والدابة ... ... لانبدي لبعضنا الاّ وجها كالحا حزينا ... وليت للبراق عينا فترى كيف تمسك بالهاتف وتطلق صوتها الرنان بالضحك والمرح والنكات والشقشقيات .. ولديها هنا أُم وأخ متأهل ’ وأُخت لديها عائلة كبيرة تزورنا بين فترة واخرى وتتصل بنا عفوا بها تلفونيا كل يوم واخت اخرى متزوجة حديثا .. وعالم فسيح من احبة واهل واقارب .. اما الاقارب الذين في بلدان ضياعنا فحدث ولا حرج ... عشيرة .تتزايد وتتكاثر وتزدهي وتطمئن كل ليلة وكل يوم على بعضها باعذب الألفاظ وأرق المشاعر وانا يالسوء طالعي اتحرق لكلمة حلوة ولو من فم كلب ...( لا ما ما ولا دادا ) ...
كنا نريد ان ننتقم من حب في غير مكانه ! .. او من عاطفة غير جديرين بها .. او انا ربما - او ربما وواقع الحال معا - غير جدير بوجه امرأة ولا عطف امرأة ولا سماح امرأة ... فأنا محض سقط متاع . ظللت كمن يقبل ذا الجدار وذا الجدارا ... أنه ماضيي الرخيص الذي غدا غاليا ... في وجه حواء لم اطق لسنوات ان اتطلع ... ها هي قد غدت عندما ابتعدت آلهة من بعلبك وكريت وقرطبة .... ولا يعقل انها لاتحبني الأ ان رفضها لي يتكرر في كل مرة ... وفي الصالة الخالية من الجيل الصاعد خلوت بها صدفة لازهق روحي على راحتيها فاذا بها تقول بحزم
- ثق اني لا اريد رؤية وجهك ...
قهقرني هذا الكلام مسافة كرتين ارضيتين ! الى الوراء ... صعدت هي الى الطابق الثاني . ارتديت معطفي وغادرت البيت بخذلان ....غدا فمي ساخنا كأني اكلت فلفلة او انه افراز الفم باغتني بالحنظل ’ دوي الاغنية يرافقني لااراديا : "يمسهر النوم في عنيّ سهّرت افكاري وياك .... الصبر ده مش بئديّه .؟... والشوق ماخذني ببحر هواك ... اقول لروحي انا ذنبي ايه ... يقول لي قلبي صبرك عليه ... مصيرُ بكره يعطف علينه ...ويبقه نعرف هجرنه ليه ... " " يمسهّر النوم بعنيّ ... الشوق ماخذني ببحر هواك ... " غادرت الباب الزرقاء ذلك اللون الذي احبه وامقته في آن سائرا بين البيوت وكانني اسير بين جثث الاهل والأخوة والأصدقاء والاحبة ... كسير وكسيح ... معوّج ومخذول ... وفي رأسي عواصف من الأغاني لابي هوس الخيباني ... واهم تلك الملاحن البيتهوفينية هي : " ابو زركه طلع من بين البيوت .....يعاتبني ويبوك العقل بسكوت .... جيبولي حبيبي كبل لا اموت ... " " واخرج من بين البيوت لعلني ... احدث عنك النفس في الليل خاليا ....." ابن الملوّح ...
وبدأت اناجي بنات نعش ’ والبدر في اكتماله ’و الهلال في مهده ... واحنو بخشوع للآلهة السومرية والبابلية والجاهلية ... واتدروش وأُوحد وأُمجد واحوقل وابسمل وارشرش العطر وانشر البخور ’ واشرب السبع مايات ’ واتفنن بمزج السم مابين الدواء والمشروب !’ واقاوم ضوء النهار بالنوم المخدّر ’ والصحو بالسكر ’ والوعي بالثولان . او التغابي . ... وفي نهاية المطاف اجلس او اتمجلس الى جانب ولدي الذي يقود السيارة باتجاه الجبال الخضراء وممراتها حيث سكون الطبيعة وبحيراتها النائية ’ واعناب بساتين الشاعر الانجليزي كيتس التي تسقط غائبة عن الوعي .
يأخذني الى اللازورد النائي ’ الى بعيد البعيد ’ فانهار امام حسن الطبيعة وهنا لا بد من التأكيد بأن الجمال يُبكي ’ هنا أنهار امام مفاتن ممرات الغابة ’ وهفيف اوصال الشجر وافق السماء المتصل من الجهة الاخرى بماء البحيرة .. يهب النسيم فتعزف روح المكان بكل اغصانه وفراشاته وطيوره وزهوره واشباحه الغامضة وساحراته وحورياته .أنهار هناك ولا اتمالك نفسي فأمسح بمقولة شولوخوف بالوحل " الرجال يبكون لكن شريطة ان لايراهم احد" . ولكن امام ولدي هذه المرة ؟ يالضعفي وعهري .
يظل الشاب الصغير مرتعشا في اعماقه الحائرة الصمت امام أُبوة كسيرة ’ ضعيفة الشخصية ’واهية’ ممسوخة ومشروخة ’ وأي ابن يتمنى لنفسه هكذا اب.
سمفونية النمل
العناكب والنمال ..." نعم .. تفضلوا .. اهلا بضيوفي الثقال الظل .. والشكل... هلموا ’ الى حواف المغسلة حيث حبيبات السكر ’ والطاولة حيث فتات ناعمة من الخبز .." النمال في عمل دؤوب كأنه مهرجان ... سعدوا بلقيتهم ولقطاتهم ’ لكن المنظر دائم وداهم وبشع .. كيف السبيل الى التخلص من النمل ... نمل وديع ناعم رشيق اسود ... لكنه ليس شديد العتمة ... كنت اراه سطحيا أي دونما التعرف على تفصيلات جسده ووجهه واعطافه . وتمنيت لو عندي مكبرة ..او( مناظر كحف بُطُل ) .
العناكب تعبر من الارض الى الشرشف ’ الى غطائي اوتمرق بالقرب من ساعدي وانا اكتب ... يقشعر بدني ’ انهض لاجلب المناديل الورقية ... ابللها بالماء والاحق كل واحدة واسحقها بالضغط عليها .
هل اخاف من العناكب ايضا ؟ لا .. لا أخاف ولكن اشمئز حد الاحساس بالخوف ... وظللت اتأمل سقف الحجرة كل ليلة وكل يوم .. وخصوصا قبل النوم بنصف ساعة كأني امارس واجبا .. أي لا أنام الأ وقد قمت بالحراسة المشددة او الدورية ... تعبت بل صرت مثل مريض يتناول الدواء في الوقت المحدد ولا يجب ان ينسى ويخض القنينة قبل الاستعمال .
أُوه ....لقد وهنت .. أُفا ثلاثاً .
في الامس نسيت كاسا فارغة على الطاولة لكن عندما عدتُ مساءاًوجدتُ قلعة سوداء من محاربين وسلالم وفؤوس ورؤوس ومجانيق وخيول وطبول ...حرب طروادة ... كل ذلك من اجل مايعلق على جدرانها من بقايا حبيبات سكر لمشروب الفانتا . في ليلة من الليالي ’ شربت نملا أسود .. او .. اسمر ؟.. لايهم ..اثناء نهوضي وانا في حالة من الدوخان والذوبان وتحت ضغط المنوم او المنوّمين اللذين اتناولهما ... جننتُ لما فعلت بدون واعية . وبدأت اشعر بالرغبة بالقيء ...عيع ..
ازاء ذلك وحلا لقوس الازمات تناولت كأس لبن ابيض هذه المرة ! وعدت لكي انام حتى الظهيرة بل حتى الرابعة مساءً . في صباح آخر يوم من نيسان الماضي كان حبيبي ولدي زاهر يحاول انقاذي من نمال اللحود .. فراح يبحث لي بل للنمال عن دواء قاتل ... آهٍ منا ’ نحن القتلة.. !
نمال نمال نمال ... قرف . واشمئزاز ... ياالهي .. انقذني من حجرة بحجم الزنزانة ...رطبة .. تقوم على ارض حديقة بليلة طيلة العام .. حديقة خلفية تدب فيها ملايين من الكائنات الصغيرة ... ومتى الفرج يارب ..., لقد بدات بكل ضعف ارفع يدي كعبد ... الى المطلق ... لقد حولتني نملة من سيد ورب بيت كالأسد الهصور الى عبد متضرع للتخلص من حجرة ..... انا ضعيف ووصولي .
لا التفت الى جانبي حتى ارى واحدة تمرق بازدهاء على الطاولة الزجاجية ’ ولا اتابع خبرا في التلفاز حتى اشعر بدغدغة ... انظر الى قدمي أرى فاتنة سوداء ... كل هؤلاء الفواتن قد حوللني الى قاتل .. من عاشق الى قاتل .
والله أُقسم بالله .. لقد رأيت بعضا منهن في الثلاجة ’ مثلما تخيلتهن بحجم الدجاج وهن يقفن فوق ماسحة زجاج سيارتي . او ان عاملة البريد ستصرخ عندما اقف امامها لأبعث برسالة ما ’ تصرخ لأنها رأت على ياقتي عنكبوت بحجم عقرب !. حدثني كمال السيد رحمه الله من قبيل الطرافة والنكتة عن ان البرد في موسكو يصل الى الاربعين تحت الصفر في بعض الشتاءات ..فتهرب الصراصير لتختبئ في الثلاجة .. .. تذكرت (كريكوري) كافكا الحشرة او الحيوان الذي ألقته عائلته في برميل القمامة ’ لا بل تذكرت افاعي الفردوس. وموت كليوباتره . وعرجت بالأفكار على كتاب كنت قرأته في شبابي للكاتب الروسي دستوييفسكي ألا وهو الانسان الصرصار . أي باختصار رايت نفسي منشغلا بالصرصرة والنملنة والعنكبة ( من العنكبوت لُغيّه )والحيونة و.. و .. بأختصار لقد تحيونت حياتي ونسيت همومي الأساسية ... رحت أحُك وانا امشي في الطريق متخيلا اكثر ما هو في الواقع .
افعى
افعى صغيرة بطول ذراع وبسمك حبل ... كانت تدب في ساعة متاخرة من الليل ... ومن اقصى زاوية في الحجرة ... تتطلع للصمت وتتخايل الهدوء الحنون .. تلزلز عيناها لمرآى الكتلة اللحمية النائمة .. تشاهد النمال السوداء الباحثة عن احتمال وجود بقايا طعام أو لزوجة في كؤوس على طاولة .. نثير من قشور فستق ’ او آثار سلطة .. قنينة او أُخرى متروكة على حافة المغسلة .
كانت تدب .. وتدب غير حافلة بما ترى ... ترقى من هناك ... ترقى وترتقي .. من قدم السرير الخلفي ’ وكما في كل ليلة ... تنساب على الغطاء وتصعد عاليا عاليا حتى تصل الكتف من الغطاء الازرق او المورد بألوان زرقاء ’ وهناك على حافته تقف لتطل على وجه الرجل وهو مستلب في غفوة ... ورأسه في مغطس الوسادة الفاقع اللون ... هناك على ضوء قمر شاحب تتطلع عيناها الىبؤس الوجه البشري ... وتظل هناك جامدة العين على ماترى... وربما لا ترى بقدر ماتحس ... دفء الانفاس رتابتها ... تهدجات الشخير .... هناك تظل لوقت يطول او يقصر .... هناك تستحيل هي والغطاء والرأس البشري الى لوحة جامدة في الازمان ... متكررة كل غروب منطفئة كل فجر .... تتهدج بحركات جسدها الساهد من حيث اتت ... سوداء زنجية ... من أثيوبيا من وطن جدته .من ادغال الروح القديمة ... افعى ترعاه ....تبارك انفاسها سحنته ... تبكي هل تبكي لما دار ... للمنتآى... للمنفى ....للطلاق ... لفراق الأوطان ... لطفلة مباعة من اثيوبيا الى الحجاز ... ومقادة الى بغداد .. وميتة فيها حيث خلّفت بعد سني عمرها الستين عددا من الاولاد والبنات ... امرأة سوداء ’ تناسخت الى جسد افعى ... املود جميل ..رشيق ... انها امرأة ماتت في 1959وظلت روحها هائمة مشوقة الى الأحفاد .. تائهة في الكون لا تعثر على الحفيد الواحد منهم الأ وهو منكسر ’ مندحر ’ محطم ... سر ظهورها الخسران والبؤس ’ وغيابها النجاح والسعادة . ان روحها تائهة في الزمن اما المكان واللامكان فكلاهما عرشها ...وهي لاتأتي الا عندما يحل الليل حيثما تطل على الوجه البشري في غفوته .. كأنها تقول له في كل مرة " لعل الموت ينسينا .... بغير الموت لاننسى " في الأوطان ارواحنا .. وهاأنت خسرت الوطن .... والمرأة هي الاخرى وطن .. وها انت خسرت المرأة .. وربحت البعد عن الأبناء ...اي ربحت الرماد فقط ... لا تبتأس انا معك ...... روحي معك .. نعم قد تندحر مرة ومرات لكن لن تتحطم ..
ها هو يتقلب فتنساب على حركة غطائه مثل لاعب على الأمواج ... وما ان يستقر ’ حتى تستقر هي ايضا مطلة على رمال ملامحه الصفراء الصحراوية ...كأنها تقف على حافة فندق ( كورارا ) في فندق قرية تيميمون امام صحراء لا متناهية مسكونة بآلاف الكيلو مترات من الصمت ..
ومن ياترى تحرك على ارض الحجرة ( حجرة الحشرات والحيوانات ) عدا النمال .. والعناكب ... والافعى السوداء....؟ هل هي الصراصير الحمراء ... والجرذان ؟ والدجاج والارانب والماعز ... .....................
هل حل الصباح ؟. متى ؟ متى يحل الصباح؟
رن ... قرب رأسي ... جرس التلفون على غير عادته .... صباح السبت حيث يكون الناس قد سهروا ليلة امس في عطلة نهاية الاسبوع ....ولا احتمال ان يتصل بي احد من العمل .... رفعت آلة الهاتف باستغراب ... كانت احدى البنتين ... تخاطبني باسلوبها البنّاتي العذب ....
-بابا ... احنه حكينه مع ماما ... طيلة الليل واحنه قاعدين نحكي ... وهيّ هسّه تريد تقول لك شي .. هذي ماما
-ألو ... صباح الخير
- صباح النور!
-البارحة .. آني... و....والبنات ...... ( صمت ) ....
- أِي ... شبيكم ؟ ....
- ( صمت )
- ألو .. ألو ..
- أقول يعني ...( .. تهدجات في صوت شبه باكِ )...... أرجع للبيت ... وخلص
- صحيح ؟ ... هاي امين طلعت عين الشمس ...
- طلعت او ماطلعت .. المهم ارجع وخلص ... الاولاد مشتاقيلك ....
... ونهضت من مخدر عملية جراحية استغرقت أربعة اشهر !!!!!!!! دمائي نهر جارِ ’ وصداعي لا برأسي فقط بل في عموم جسدي .... وكغزال مولود حديثا .. رحت اتطوح يسرة ويمنة آخذا طريقي مابين هذه الكتل الحشراتية والحيوانية التي تتكاثر وتتناسل حتى تغدو بحجم البيت والشارع والمحالة والمدينة والدولة وعموم البلدان بل وتصعد كصعود الغجر للسماء بطنين حشرات وعواء وثغاء وزعيق يشق طبلة الاذن ...لاينقطع بل انه متصل من المهد الى اللحد ..... رحت الى هواء الشوارع ’ تخط قدماي حريقا على ارصفتها .. اهرع بلا هدف واتوه بلا مستقر كأنني مجنون وماانا بمجنون . معي وفي بُرديّ ’ يشد من أزري شاعري العظيم محمد اقبال الذي جن على طريقته .."لم تقوَ صحراء الطبيعة كلها ... لما جننت على احتواء جنوني " وعدا الوجد والتيهان فقد كنت احلم بالعودة والعودة ولاشئ غير العودة .. ( اعدني يااله الشرق والصحراء والنخل ... الى غيلان ألثمه الى أهلي ) ..الجريح والكسيح بدر شاكر ....
وهرعت عائدا مثل فهد جريح ! .... أمامي فضاء آخر أزرق وربما ليس هو بأزرق ...لكن هكذا ظننته في صباحات عمري ....
******************
كوبنهاغن في 16/6/2002
عدت وخرجت مضطرا من البيت للبحث عن حجرة في تاريخ لاحق !....
والعنوان الثاني :
طلاق الوطن وطلاق المنافي
خلدون جاويد
( ابتداءا اعتذر لقارئي العزيز اذا تفضل بالاطلاع على مالدي فهذه الخربشات انما لجيل غير جيلنا ولأثير غير اثيرنا- عسى الانترنيت يأخذ مواجعنا وفوجعنا الى عوالم غامضة تعنى ولو بالموت منا ) .
طلبت مني ’ بقوة هذه المرة ’ ان أترك البيت ’ وأبدأ البحث عن حجرة .
في 5/1/2002 نشجت وراء زجاجة النافذة ومن دون أن تتطلع اليّ ... قبل دقيقتين وقّعت على خط طلاقنا ’ وها هي تنبهني الى ضرورة الذهاب الى بيت الماء .... اللعنة ... تطلقني وتعتني بتفصيلاتي .
قبل هذا التاريخ وجدتُ حجرة .وقّعت على عقد الايجار ... عدنا انا وولدي .. ( 20 ) عاما ... كان هو المترجم مابيني وصاحب السكن الجديد ... ها هو يقود السيارة بدلا عني فقد كنت على ما أبدو لنفسي وله ’ عاجزا عن قيادة خطواتي ... كان هو ينشج بصمت وهو يقو د السيارة . في 8/12/2001 اعتذرت هي تلفونيا فقد اخبرها هو وبدموع مدرارة بان الحجرة حقيرة للغاية لا تليق بأبيه .
اعتذرت في اليوم التالي ايضا راجية التخلي عن هكذا حجرة ... رفضتُ الأعتذار وفي قريرتي رغبة بأظهارها ظالمة وانا المظلوم ’ ولكي امارس ماسوشيّتي ضد نفسي وطبعا لكيما أُشعرها بالتأنيب يوميا وباستمرار و مادمتُ ساكنا في هذه الحجرة . قلتُ من ضيقي بها : تعالي وشاهديها انها ليست كما تتخيّلين .
في 10 /12/2001 جاءت مع عدة التنظيف ... امرأة عجيبة تدفع بي الى ترك البيت وتأتي لتنظف حجرتي ... عجيب ...الف عجيب .
في الممرالعفن الرائحة ثلاث حجرات احداها لرجل مجذوم ’ والاخرى خاصة بالجن اذ لا يأتي صاحبها الاّ في أوقات متباعدة .
ظهر الرجل المجذوم صدفة ’ ونحن ننظف الحجرة ’ سألته بلغتة الدانماركية ’اين مكان غسل الصحون .. قال ببداهة :- في ذات التواليت .
شعرت بالقرف .
سمع ولدي وحبيبتي ( زوجتي ) بأمر تنظيف صحون الطعام ... لملما ادوات تنظيف الحجرة وانطلقا آخذيني معهم الى البيت .
سلمنا المفتاح لصاحب الحجرة تاركين له العربون .
قالت لي :
- عفوا ... اعتذر منك مرة اخرى
عدتُ الى حجرتي في بيتي في الطابق الثاني
صمت يسود البيت .... صمت يشوبه الغموض .!
**************
تداعيات
ظلت أسئلة عالقة في عمقي ... لمن انساب النشيج على اجهاض رجل ( اغلب اللواتي يجهضن ينتابهن البكاء ’ لكن بارادتهن جرى الاسقاط ) .. ولقد اسقطتني هي .. تمنيت لو اتتبع سير عمل التلافيف لكي ادرك الجمال الدامع الذي بكى ضدي ومن اجلي .
كانت وراء النافذة تنشج ... كنت شبه عصبي امشي ولا اتطلع لها ( ولماذا اتطلع ).
هيأتي في الممر هي هيأة شاب مكتهل لتوه او كهل فيه بقايا شباب ..... لقد ودعتني الى غير رجعة ... ومع ذلك بكت لي وعليّ... المدفون جدير برمال ودموع . ولكن من قال انها بكت ...ربما تصورتُ ذلك وهي وراء زجاجة النافذة تنتظرني ... خرجنا الى باحة امام مكتب الشؤون الاجتماعية ( الآمت ) وفي رأسي الطنين ... واصوات صراخنا مدافا باصوات الماضي وهلوسة من صداحات اخرى... دوي لحركة قطارات وباعة متجولين وصوت امي عندما كانت تناديني وانا الهو باللعب مع ابناء الحارة ..وأخيرا أنفاس ابراهيم ناجي ممتزجة بهمس أثيري يربت على التلافيف الباكية ...انه صوت السيدة الكوكب :- " انني اعطيتُ ما استبقيتُ شيّا "
" آه من قيدك أدمى ..... "
**************
تداعيات ايضا
انهالت على الجدار تلو الجدار بالتنظيف والمسح والتعقيم ’ وحتى السقف فقد شملته بقوة ذراعيها المرفوعين الممسكين بالفرشاة الطويلة .. غدا كل شئ لامعا وكذلك زجاج النافذة العريضة امام حديقة واجمة .. ساكتة .. بدت خضراء لكنها مهددة بشحوب أيام الشتاء ولونها الداكن او الاصفرار المريض او ملوّحا ببعض نتف الثلج المتساقط منذ أمس الأول ..أدارت مفتاح عمل التدفئة للتأكد من عمله.... أشارت كعادتها علينا بوضع الديكورات وتنفيذ الخطط وتهيأة الخنادق لحرب طويلة شاملة ضد زواجنا . ...
-هنا تضع السرير ... التلفاز سيكون امامك بالتحديد في هذا المكان ... سأجلب لك اغطية اضافية .... كيت وكيت اثر كيت وكيت ... كل شئ كان متموضعا في ذهنها من حيث السيناريو والاخراج وحتى مونتاج اللقطة الأخيرة ’ ماعليّ سوى ان انفذّ أي ان آتي لأسترخي في منفاي الذي ستشرف عليه ... حتى الطلاق هنا أُمومة . ماعليّ سوى ان ارسل ملابسي الوسخة اليها لتنظيفها كل اسبوع وتعيدها مع ولدي الكبير الذي هو الآخر قد راح يسهم في مهمة الانفصال ويتدخل في طقوس الأشياء والتفصيلات الضرورية التي لا أبدو انا ذاتي مهتما بها . اذن سآتي ’ سأنتقل الى هنا غدا ...
حملت جردل الماء مع المماسح والمعقمات ولملمت الأدوات ... فكل شئ جاهز ...وعندها ’ عندها جاءت ’ جاءت كلمة الرجل المجذوم جاري الجديد في أن التواليت هو مكان غسل الصحون فألقت كلمته بكامل المشروع ارضا ’ ’ عمّ الذعر وجه ولدي ووجهي الاحتيار وران عليها عبوس واجم .
- قلت لك ان هذا المكان لايليق بك ... لا يهم اننا نظّفناه ... كيف ستغسل ملعقتك في بيت الماء ... ماذا تقول؟ ولايوجد مطبخ بالمعنى الصحيح ...
تطلع لي ولدي بمحبة غامرة
-ياأبي ... لماذا الاصرار لماذا ؟
... طرقت لبرهة ونحن في الممر المواجه للحجرة ... حجرتي التي حجزتها بعربون محترم لن اسكن فيها ... حدقتُ في المكان رأيت أيامي المقبلة فيها... ماأكدرها واكلحها وما أمر العيش في دهليز العفونة والجذمنة والمكروبات .
رحت في لُحيظات اتطلع وبوحشة الى قبر ايامي من النافذة حيث حديقة مزهرة لا بالورد بل بأفاعي وعقارب وعناكب . كان الممر اشبه باندلاع ماء في لحظة غرق سفينة . قلت :
- هيا
فاذا بنا كالفارين من معسكر او سجن ... نحمل السجادة والمكنسة الكهربائية والمنظفات ... ولو ابصرنا احد ما من المحيطين على تلك الهيأة من البهدلة لأطلق فمه مثل صفارة الأنذار .
تداعيات اخرى
- لماذا ألقيت النسرينة فورا في النار ؟ قلت لنفسي
- ألقيتها للدفاع عن حقي . أجبت نفسي
أضفت قائلا في حوار التوازن الضروري مع الذات
- لأمارس غضبي على كل مامر من جفاء ونكد ولا حب ولا شوق ... لاتسكن الأرواح بيوتا لم يبنِ جدرانها الشوق .
-هل من سبب آخر ؟ قلت لنفسي
- نعم لكي أقطع الشك من اليقين في كوني أعيش مع هذه المرأة حياة قطيعية أم لا .
اشعربحرب قريتين جاهليتين في رأسي ... سيف يقرع سيفا ’ فكرة تدمي فكرة ’ أموات وأشلاء على قارعة الطريق والرأس ..نعم اعترف كوني ردَّ فعل لما مرّ من مناقب ’ واني رماد الحرائق ... لكن من صيّرني على هذه الحال من البهدلة واللاتعشق والفكاك ... انه بلا ادنى مواربة ’ البيت الذي يعج بالنقد .....والنكد ... والصياح والصراخ والتهديد .وارعاب الآخر وتهميش الآخر وثورة الآخر واخيرا ردود فعلي المنهارة في كسر الصحون في الليالي .. وملء ارضية المطبخ بالهشيم.وهنا اتذكر منظري الوحشي او الوحوشي في التحطيم العدمي وانزال محتويات الرفوف في لحظة واحدة على الارض بكل ما احتوت تلك الرفوف من فنون منقوشة على صحون ’ واشكال هندسية وتصميمات متجسدة بالعلب والأكياس واشكال المواد الجميلة في الاستعمال المنزلي .آخر مقتنيات الذوق و الذكاء البشري المتجسدة في الألكترونيات ’ تتحول كلها كلها في لحظة همجية الى الثورة العدمية .
وهل كل ذلك كان ضروريا ؟ ... نعم بلا أدنى شك ...
ان ذلك يعادل دورتي الدموية ويعطيها اوكسجينا لأختناق سرطاني محتمل . ثوروا تصحوا ... صحتي هنا ثورتي .. وقد قمت ( لا اندم على مافعلت هنا ) بهذا العمل ( البنّاء ) لثلاث مرات ’ وظلّت هي بعد ان يكفن الصمت البيت وينام الاطفال بعيون خائفة وقلوب واجفة ’ ظلّت هي تنظف المكان من الساعة الثانية عشر ليلا حتى الرابعة صباحا. حقا لقد كلفها ذلك مالاطاقة لها به وما عادت تحتمل هكذا وحش او تيس هو انا .
لا يهم هنا سؤآلي في محكمة العدل الوجدانية من هو السبب هي؟ أنا ؟ هم ؟ ... لاأعني هنا في مطبخياتي الساهدة ’ بأن يكون أحد ما هوالسبب هو المجرم . الجريمة هي النكد اليومي ’ هي ان تعامل امرأة زوجها بحدة وآمرية وسلطوية واستاذوية وبتنقيح دائم وان تراقبه وتتهمه وتشكك به ’ وتخطأه .. وان تبكي وتلوم وتنق بل تحيل الهواء العليل الى سُم ! او ان يتولى هو ذلك الدور المقيت . وهنا انصح المرأة التي تخطط الى تحطيم نفسها وزوجها وتضييع أولادها الى اتباع اعلاه من تسلكات !!!!!!!!
وعلى مهلها تتعاقب الايام البليدة ’ وعلى قدر سني الاطفال الذين يكبرون مع شيبنا الجسدي والروحي تكبر الآلام لتغدو جراحا ... واذا بنا بعد سنوات الواجب الأُسري ’ نتأمل بعضا بهذه العيون الأسيفة والرغبة بالانتقام والايذاء ... وابغض الحلال هنا هو من هذا القبيل او حصيد له .
في صباح اليوم التالي من عودتي من حجرة الجذام التي قمنا بتنظيفها هي وابني وانا ’ والتي لم اسكن فيها لحظةواحدة رغم تسديدي حوالي ستين دولارا كمقدمة فحسب .في اليوم التالي ’ خرجت من الباب الزرقاء المطلة على اربعة شوارع ’ في ضحى صاحٍ ودخيلة عتماء ’ سرت باقصى ماتقوى عليه قدم متعبة وظهر موجوع ’ قاصدا دار البلدية فهناك مشرفتي الاجتماعية التي ستفرح بكل مشاعر الخبث لما سيؤول اليه مصيري !! نكايةً بي ’ فهي لا تحبني ... وهل احبّت مشرفةٌ مشروفاً عليه في الدانمارك .. قلت
-استمارة طلاق رجاءً .. واخرى لسكن منفصل .
كمن يسترد قليلا من وهج كرامة موحلة ’قلت لحرمي المصون عندما عدت الى البيت بحزم أسيف
-لقد طلبت استمارة الطلاق ... في الايام القليلة القادمة سنفترق ...
في البيت تقع حجرتي عند نهاية السلّم ’ في الطابق الثاني ’ كنت وحيدا وكسيرا ومفجوعا .. وهي تعد أشياءها وحاجات اطفالها ليوم غد حيث الدراسة والعمل ... كنت اتقلب على السرير ’ ودفء الحجرة يتغلغل في كل مكان عدا البرد الكامن في الصدر ... كأنما هنا جرح في صدري ...
صوت السيدة الكوكب يشد من ازر ضياعي ... ينبعث صوتها " انا وانت ظلمنا الحب " ’ يمتزج بملايين الآهات في حجرة صفراء لاتراها عيني الاّ جريحة نازفة حمراء " وجينا عليه وجرحناه " " لحدِ ماذاب حوالينا " كنت اتقلب فأُقلّب ذاتي وافكاري على الجمر ... هل الذي يدور هو الواقع حقا ؟ ام هو مسرحية وتمثيل.. لكن اذا استحالت الأرادة على علاّتها مترددة كانت ام دونها الى فعل وتطبيق فلا اتهام مسرحي هنا ولاتشكيك بالأدوار ... كنتُ انادي عليّ ... فلان ... هل حقا تريد الطلاق ؟ الطلاق حرية اليس كذلك ؟ .. ظللت أتقلب بل ادور لأكثر من مرة في اسطوانة صفيح ... الضوء طقوسي .. الغناء تراتيلي .. شاحنة مرت على الطريق حيث الشوارع الأربعة امام باب بيتنا الداكن الزرقة .. تباعد صوت محركها ألأجش .. عادت الشوارع الأربعة لترتع في ذات السكون الليلي الندي الأنسام " وضاع الحب ضاع " .. "وقلبي ضاع " ... " ودل وقتِ لا انا بنساك ولا... " انا وانت ... انا وانت .. "
صوت البنتين التوأمين وهما تتحدثان مع امهما .....صمت .. صمت ... لايتناهى الى اذني أي همس ... " محدش منا كان عاوز يكون ارحم من الثاني ... ولا يضحي عن الثاني " " وضاع ... وضاع مابين .... وضاع ... " هنا بحة شجية .. ساحرة بل فتاكة في صوت المغنية الميلاء . على اية حال انا لست الوحيد المنزلق في لعبة الموت هذه ... حالات الطلاق في اوروبا والملاجئ طالت السماء ... الطلاق ضرورة ام استسهال ( استخراد وضع يعني ؟ سؤآل مجرد سؤآل ) . من الهين على الخاتون ان تقول لي جد حجرة ... بينما في العراق لم تستطع أي واحدة من الحبابات ان تفوه بحقها هذا ! هنا القانون معها ... القانون - مثلما يقول عبد الحسين عبد الرضا في مشهد المحاكمة من مسرحية درب الزلق " القانون في امريكا يعطيها البيت لها .. القانون في بامباي يعطيها البيت لها ...الخ " هناك في بلداننا ( الخرنكعيّة ) سلطة الأب الظالم والكافر بحق الانسانية هي السائدة .وهنا الذي ( يأكله العنز يطلعه الدباغ ) المشرفة الاجتماعية والقانون والمبالغ الاضافية للمطلقات والبيت بما فيه( لها ). أي كل شي يعطيها البيت لها فلماذا لا !!! والطلاق كما تقول الحجية ( كلمن ايروح على خر اذنه ) وبالجلفي الفصيح( اتخامه وركع بوب ) ( غاب القط العب يافار ) الطلاق ( ونسه ) أُنس... وانه يؤدي الى ان تغدو المرأة الشخصية الاولى في البيت ... انظر واجهات البيوت.. انظر مامكتوب عليها :هنا تسكن (1) ايفا لارسن (2) الكلب فيفي (3) الزوج خوخو الخرنوبي مثلا ... وللأجابة على هذا الاستغراب هو من البساطة تماما اذ ان تسلسل الكلب بالاهمية كونه ثابتا في سكنه اما الزوج فهو المتغير ... حلو مو؟
- ماما ... ( فتحت الباب الزرقاء ) .. ماما هل العب نصف ساعة اخرى ..
-لا ... لا .. ادخل لقد حلّ الظلام .. ادخل ...
كان ذلك هو ابننا ( انيس) ابننا الصغير ( 9 ) اعوام . .. توسل قليلا ’ رفضت .. عاد يلتمس ’ أكدت رفضها ’ أعاد رجاءاته .. زجرته هذه المرة ... اوصدت الباب بقوة ... " محدش منا .. كان عايز ... يكون أرحم من الثاني ... " " ولا يضحي عن الثاني " ...
اليوم أم امس .؟. رأسي درب الآلام والانفلاش ذاكرتي ... .. هل أقوى على تذكر ماقمت به قبل سويعات ؟ ... مهلا....لقد مسكت بأول الخيط . جمعت كل التصاوير التي التقطتها لها وهي في العام التاسع عشر من العمر وخصوصا تلك التي في مدينة الالعاب ... مااحلاها ... كنا قد تركنا الجامعة وجئنا لتناول وجبة الغذاء في مطعم يقدم الهامبركر في المدينة ذاتها وفي هواء فضي منساب كالضفيرة من قرص شمس هي " اجمل من سواها " تتعمق لذاذاتها في الأرواح والاعضاء كأنها " البرء في السقم " وفي سكون عاشق تسيل خطانا هناك كجندول في نهر الزمن الخالد " انا وانت اللي كنا زمان .. احب اثنين .... وكان اكبر خصام بينا يروح في يومين يدوب في يومين ... " خصامنا لنو بادي زاد ... وخله الخطوه بينا بلاد ... " " بلاد .... بلا..... د وفرقنا على طريقين ... وضاع الحب .. ضاع .. مابين .... .... .... " كنت ألتقط لها صورا فاتنة حالمة وساهمة في الزرقة والخضرة .. كل قطعة منها كانت فوتوغرافيا خالدة ومتحفا في ازمن الأزمان .... ماظننتها يوما تلك الصور تستحيل الى سحالى تزحف في قبو الروح ...سحالى ذاهلة تتلفت .
صمت ... في المطبخ .... في الصالة ... عدا خطواتي الهابطة بهدوء خائف ومخيف لملء طاسٍ بماء الجحيم .. والعودة بذلك الطاس الى طاولة زجاجية بالقرب من رأسي ... ... النغم خافت والعمر خافت ... الاّ ان الراس ضاج " انا وانت ظلمنا الحب بالغيرة ......وجبنا للظنون سيرة " ... رأس ضاج بالماضي ... تمتزج صوره ولوحاته بل جدارياته بالف طلاق لا بطلاق واحد ... في كل لحظة طلاق ! ... ولكل هاجس من المحبة كراهة متاخمة وواخزة ... جفاء فجفاف لالسبع سنين عجاف بل لسبع وعشرين ! زادها لعنة انها ملتبسة انتقامية ’ نكدية .... متعايشة .. يالسوء الطالع : متعايشة .. لا لشئ بل من اجل ان تنتقم . ويسمونه زواجا ويريدون الحفاظ عليه !
وواقعا .. واقعا ... قد بدأ التكلس منذ الشهر الأول من حياة زوجية ’ وأسباب اخرى أربأ بنفسي ان اذكرها ’ اكتنفت التجربة باللون الرمادي والكحلي ومن ثم بالأسود والقطراني والحندسي ’ ودخلنا في انفاق الشك والمحاكمات والتصورات والامتعاضات .
ظللت اتلوى على السرير ... تناولت كأسي لأكرعها مرة واحدة ... ذهبت الى النافذة لأفتحها قليلا ... اريد الهواء .... كانت الاغنية وهجا يسعدني بأن يبكيني ’ فانهمرت دموعي .. " واصبح كل يوم بينا يفوت اصعب من امبارح .... نسينا اننا عاشقين .. نسينا واحنه مش داريين "
آه لو يدخل أنيس الآن ويراني ... الأُغنية بحجم الكون " .. نسينا ازاي ... كده انسينا " لو رآى انيس اباه على حال من فيضان الدموع وطوفان الوجد وانكسار الخاطر وانهيار العمر لتحطم الطفل ....
تداعيات نيسان
صحيح .. لكن من جهة اخرى فكّر... فكر مليا ... وانظر .. رغم حبهم لك وشوقهم ’ فانهم الآن على مايرام ’ لا صراع في البيت ’ لا صراخ في الليالي لامناكدات ’ لارعب .. لافزع . انهم في افضل احوالهم بعد غيابك ... لابأس ان تأتي كل يوم . بل تستطيع ان تأتي كل يوم . من يمنعك .تعال من الصباح حتى ساعة متأخرة من الليل .. لا احد يمانع .. لكن عليك فقط بعدم المبيت ... عليك ايضا بعدم التدخل .. حجرتك صغيرة كئيبة رطبة .. خانقة .. موحشة كأنها زنزانة ؟ صحيح كل ماتقوله في هذا الصدد صحيح .. لكن اصمد .. اصمد شهرا شهرين وتحصل على سكن قريب منا .. ويأتي اليك الأطفال ... تشتاق ... تبكي ... نعم ..نعم ... أُقدر ذلك.. من قال لك اني لاأبكي .. للحاضر والذكريات ... لكل شئ مأساوي في هذا الوضع المرير .. يجب ان نصمد احتراما لأطفالنا وللأنفسنا ... لايجب ان نصل الى تخوم الجريمة ’ فلقد تجاوزنا حد النكد والكراهة والملل الزوجي والقرف . ... ماذا ننتظر .. ان نبصق في وجوه بعضنا امام نواظر الأطفال .. او ان يجن احدنا في ليلة من ليالي الصراخ فيقتل الآخر ... ابتعد ... ابتعد ... ياأخي ... اتركنا لحالنا ... "
كفكفت دموعها وسط الصالة ... وبكى ماجد ايوب ضيفنا وصديقنا العتيد .. الذي يزورنا من بلد لجوئه ( بريطانيا ) نهض بوجه أسيف للغاية .. ومعا غادرنا دارها ( داري القديم ) قبلت ولدي الصغير عند الباب ..وابنتيّ التوأمين ... لا ادري من أين واية قوة انطقت أنيس
-ماما .. نحن نريد بابا ان يكون معنا .
فانهمر شلال دموع على وجنتيها وهي تحتضن طفلها ...
غادرتْ ظلالي العجفاء تحت نسمة سريعة من شمس ومطر ’ تبعني ماجد ايوب في الباحة الامامية للدار واخبرني بان انيس قد ادمع القلب والعين بكلمته " نحن نريد بابا " .... جلسنا في سيارتي الخاصة ... قدتها بعيدا .. بعيدا ... كانت حبات المطر على زجاجة السيارة الأمامية تخبطها الماسحة جانبا ... وكنت بكفي امسح دمعاتي جانبا واحكي لصديقي عن سنوات النكد والجحيم .
غادرنا المنطقة السكنية التي عشتُ فيها مع عائلتي ذات يوم !
- تعلم ياأبا سعد كم من مطلق ومطلقة هنا في الدانمارك ؟... العدد في تزايد وبعضه سري ...
- سري .. كيف يعني ؟
- يعني التعايش مابين امراة ورجل من اجل الاطفال فحسب اما هما فلا علاقة بينهما !
- والى متى ؟
-الى ان يكبر الاطفال .. هكذا هو الافتراض .. الاّ ان ذلك يفشل . لانه يسبب ازمات نفسية ونفور حاد وعدم تحمل .. والمرأة هنا متحررة اقتصاديا لايزعجها سوى قيد رجل اختارته قبل سنين ... سنين غير دانماركية .. ها هي تقدم له الاكل والشرب وتغسل ملابسه وتطبخ وتفخ وتتبضع وهو حضرته على ذات البوزات العراقية ... لسان حالها يقول( شنو هل لذة من هل فقر ) اما اذا وفق الله الخانم واشتغلت وحصلت على مبلغ شهري محترم 0 ( أي اكثر من راتب المساعدة الاجتماعية ) فالامر يتطور نحو الأسوء ... يعني ( سلم لي عل قرعان ).. يعني باختصار : لايزال يرن في اذني صوت اجمل انسانة في حياتي تعرفت عليها منذ 1969 وعشت معها الحلوة والمرة ’ يرن ذلك الصوت الحبيب في اذني قائلا ( اطلع .. روح دوّر على غرفة ... اقرا اعلانات في الجرائد ) .
*********
تداعيات نيسان ايضا
كانت اأغنية منسابة ودافئة وانا اقود سيارتي على موتورواي هيلاغوذ-كوبنهاغن ..." " انا ألبي بيسألني .. ايه غيّر احوالو ... ويقولي بئه يعني ماخطرتش على بالو... امّال غلاوة حبك فين ... وفين حنان البو عليّ " خمس سنين من التعارف وسبعة وعشرين اخرى من الزواج بعبق ايامها الحالم ومطلق الجنون من لياليها ’ غدت جوفاء ترباء ’ ماوراء نوافذها سوى اليتم الأبوي ...."... " وفين حلاوة قربك فين ... وفين الوداد والحنية ... وانت على بالي وخيالك ميفارق عيني ...آه ياناسيني " ." والمكوث هناك بعيدا في حجرة كالزنزانة ’ منزوية وسط غابة لا ادخلها الا وهي ظلماء ولا انسل منها الاّ والكون ماطر " " امال غلاوة حبك فين ... وفين حنان البو عليّ.. وفين حلاوة قربك فين ... " آه انه الحار البارد .والجحيم السيبيري ... هذه هي الحبكة المعاشة بموت رجل وامرأة ... قررا اطلاق الرصاص على بعضهما بالموت الضروري... موت خارجي لا داخلي متباعد لا متقارب اصفر لا احمر ’ صامت لا ضاج بالصراخ وهشيم القناني والأواني ...
انا هنا شاحب وهيمان وكل مادار هو باختياري وبالدارجة العراقية ( انا بيدي جرحت ايدي ... سموني جريح الئيد) . ورغم انتكاستي وكابوسيّتي ’ فحالي هذه افضل من ذلك الأنهيار اليومي الشنيع وانا اجلس لسنوات وحيدا في حجرة المطبخ على كرسي اسود مركون جانبا كأنه منبر حسيني مسروق ومباع في حانة القتلة ... وجودي الغاضب وانا مقتعد اياه بعبوس مرة وجبروت مرة اخرى خلد في ذاكرتي مرآى الأطفال ’ وجوها مذعورة ومندسة تحت اغطية السرير ... أي كما كنت انا في طفولتي ... لقد أعيد المشهد الكليم عليّ وعلى أولادي ..
البيت على قدم واحدة ... الرعب يدب في الأرجاء .. من يبدأ فيجرح فضيلة الصمت المجاني ... يبدأ ليجد من يتلقاه بمهاوشة ...اي بأختصار انتقدني انتقدك ’ نقح لي أنقح لك وانقحك... العين بالعين ’ والسن بالسن والطلقة بالطلقة . القنبلة النتروجينية بالقنبلة ألاكثر نترجةً منها . نترجني أَنَتْرِجَك والحسن ! .....الوضع هندي باكستاني وكشميري ايضا ...
متى يهجم الضبع كيما يتصدى له النمر ....من يخرج رأسه من وراء صخرة كي يتصدى له القناص ...
كانت الدنيا مسلخا عائليا ومذبحا وديا ... كانت حياتي انا بالذات مابين 1999و 2002عبارة عن كلبنة وقردنة وعهرنة .....اذ لم
نجلس معا في السنين الاخيرة للحيظات . لم نضع كرسيين الى جانب بعض ’ كلا لقد أخطأت .. لا منذ السنين الأخيرة فحسب بل منذ بدء الخليقة " وهو العمر فيه كم يوم ... وانا بعدك عليّ طال .. ياناسيني وانت على بالي ’ وخيالك ما يفارق عيني ...ريحني واعطف على حالي .. وارحمني من كثر ظنوني " نبتسم لكل الناس ... لكل النمال الهابة والدابة ... ... لانبدي لبعضنا الاّ وجها كالحا حزينا ... وليت للبراق عينا فترى كيف تمسك بالهاتف وتطلق صوتها الرنان بالضحك والمرح والنكات والشقشقيات .. ولديها هنا أُم وأخ متأهل ’ وأُخت لديها عائلة كبيرة تزورنا بين فترة واخرى وتتصل بنا عفوا بها تلفونيا كل يوم واخت اخرى متزوجة حديثا .. وعالم فسيح من احبة واهل واقارب .. اما الاقارب الذين في بلدان ضياعنا فحدث ولا حرج ... عشيرة .تتزايد وتتكاثر وتزدهي وتطمئن كل ليلة وكل يوم على بعضها باعذب الألفاظ وأرق المشاعر وانا يالسوء طالعي اتحرق لكلمة حلوة ولو من فم كلب ...( لا ما ما ولا دادا ) ...
كنا نريد ان ننتقم من حب في غير مكانه ! .. او من عاطفة غير جديرين بها .. او انا ربما - او ربما وواقع الحال معا - غير جدير بوجه امرأة ولا عطف امرأة ولا سماح امرأة ... فأنا محض سقط متاع . ظللت كمن يقبل ذا الجدار وذا الجدارا ... أنه ماضيي الرخيص الذي غدا غاليا ... في وجه حواء لم اطق لسنوات ان اتطلع ... ها هي قد غدت عندما ابتعدت آلهة من بعلبك وكريت وقرطبة .... ولا يعقل انها لاتحبني الأ ان رفضها لي يتكرر في كل مرة ... وفي الصالة الخالية من الجيل الصاعد خلوت بها صدفة لازهق روحي على راحتيها فاذا بها تقول بحزم
- ثق اني لا اريد رؤية وجهك ...
قهقرني هذا الكلام مسافة كرتين ارضيتين ! الى الوراء ... صعدت هي الى الطابق الثاني . ارتديت معطفي وغادرت البيت بخذلان ....غدا فمي ساخنا كأني اكلت فلفلة او انه افراز الفم باغتني بالحنظل ’ دوي الاغنية يرافقني لااراديا : "يمسهر النوم في عنيّ سهّرت افكاري وياك .... الصبر ده مش بئديّه .؟... والشوق ماخذني ببحر هواك ... اقول لروحي انا ذنبي ايه ... يقول لي قلبي صبرك عليه ... مصيرُ بكره يعطف علينه ...ويبقه نعرف هجرنه ليه ... " " يمسهّر النوم بعنيّ ... الشوق ماخذني ببحر هواك ... " غادرت الباب الزرقاء ذلك اللون الذي احبه وامقته في آن سائرا بين البيوت وكانني اسير بين جثث الاهل والأخوة والأصدقاء والاحبة ... كسير وكسيح ... معوّج ومخذول ... وفي رأسي عواصف من الأغاني لابي هوس الخيباني ... واهم تلك الملاحن البيتهوفينية هي : " ابو زركه طلع من بين البيوت .....يعاتبني ويبوك العقل بسكوت .... جيبولي حبيبي كبل لا اموت ... " " واخرج من بين البيوت لعلني ... احدث عنك النفس في الليل خاليا ....." ابن الملوّح ...
وبدأت اناجي بنات نعش ’ والبدر في اكتماله ’و الهلال في مهده ... واحنو بخشوع للآلهة السومرية والبابلية والجاهلية ... واتدروش وأُوحد وأُمجد واحوقل وابسمل وارشرش العطر وانشر البخور ’ واشرب السبع مايات ’ واتفنن بمزج السم مابين الدواء والمشروب !’ واقاوم ضوء النهار بالنوم المخدّر ’ والصحو بالسكر ’ والوعي بالثولان . او التغابي . ... وفي نهاية المطاف اجلس او اتمجلس الى جانب ولدي الذي يقود السيارة باتجاه الجبال الخضراء وممراتها حيث سكون الطبيعة وبحيراتها النائية ’ واعناب بساتين الشاعر الانجليزي كيتس التي تسقط غائبة عن الوعي .
يأخذني الى اللازورد النائي ’ الى بعيد البعيد ’ فانهار امام حسن الطبيعة وهنا لا بد من التأكيد بأن الجمال يُبكي ’ هنا أنهار امام مفاتن ممرات الغابة ’ وهفيف اوصال الشجر وافق السماء المتصل من الجهة الاخرى بماء البحيرة .. يهب النسيم فتعزف روح المكان بكل اغصانه وفراشاته وطيوره وزهوره واشباحه الغامضة وساحراته وحورياته .أنهار هناك ولا اتمالك نفسي فأمسح بمقولة شولوخوف بالوحل " الرجال يبكون لكن شريطة ان لايراهم احد" . ولكن امام ولدي هذه المرة ؟ يالضعفي وعهري .
يظل الشاب الصغير مرتعشا في اعماقه الحائرة الصمت امام أُبوة كسيرة ’ ضعيفة الشخصية ’واهية’ ممسوخة ومشروخة ’ وأي ابن يتمنى لنفسه هكذا اب.
سمفونية النمل
العناكب والنمال ..." نعم .. تفضلوا .. اهلا بضيوفي الثقال الظل .. والشكل... هلموا ’ الى حواف المغسلة حيث حبيبات السكر ’ والطاولة حيث فتات ناعمة من الخبز .." النمال في عمل دؤوب كأنه مهرجان ... سعدوا بلقيتهم ولقطاتهم ’ لكن المنظر دائم وداهم وبشع .. كيف السبيل الى التخلص من النمل ... نمل وديع ناعم رشيق اسود ... لكنه ليس شديد العتمة ... كنت اراه سطحيا أي دونما التعرف على تفصيلات جسده ووجهه واعطافه . وتمنيت لو عندي مكبرة ..او( مناظر كحف بُطُل ) .
العناكب تعبر من الارض الى الشرشف ’ الى غطائي اوتمرق بالقرب من ساعدي وانا اكتب ... يقشعر بدني ’ انهض لاجلب المناديل الورقية ... ابللها بالماء والاحق كل واحدة واسحقها بالضغط عليها .
هل اخاف من العناكب ايضا ؟ لا .. لا أخاف ولكن اشمئز حد الاحساس بالخوف ... وظللت اتأمل سقف الحجرة كل ليلة وكل يوم .. وخصوصا قبل النوم بنصف ساعة كأني امارس واجبا .. أي لا أنام الأ وقد قمت بالحراسة المشددة او الدورية ... تعبت بل صرت مثل مريض يتناول الدواء في الوقت المحدد ولا يجب ان ينسى ويخض القنينة قبل الاستعمال .
أُوه ....لقد وهنت .. أُفا ثلاثاً .
في الامس نسيت كاسا فارغة على الطاولة لكن عندما عدتُ مساءاًوجدتُ قلعة سوداء من محاربين وسلالم وفؤوس ورؤوس ومجانيق وخيول وطبول ...حرب طروادة ... كل ذلك من اجل مايعلق على جدرانها من بقايا حبيبات سكر لمشروب الفانتا . في ليلة من الليالي ’ شربت نملا أسود .. او .. اسمر ؟.. لايهم ..اثناء نهوضي وانا في حالة من الدوخان والذوبان وتحت ضغط المنوم او المنوّمين اللذين اتناولهما ... جننتُ لما فعلت بدون واعية . وبدأت اشعر بالرغبة بالقيء ...عيع ..
ازاء ذلك وحلا لقوس الازمات تناولت كأس لبن ابيض هذه المرة ! وعدت لكي انام حتى الظهيرة بل حتى الرابعة مساءً . في صباح آخر يوم من نيسان الماضي كان حبيبي ولدي زاهر يحاول انقاذي من نمال اللحود .. فراح يبحث لي بل للنمال عن دواء قاتل ... آهٍ منا ’ نحن القتلة.. !
نمال نمال نمال ... قرف . واشمئزاز ... ياالهي .. انقذني من حجرة بحجم الزنزانة ...رطبة .. تقوم على ارض حديقة بليلة طيلة العام .. حديقة خلفية تدب فيها ملايين من الكائنات الصغيرة ... ومتى الفرج يارب ..., لقد بدات بكل ضعف ارفع يدي كعبد ... الى المطلق ... لقد حولتني نملة من سيد ورب بيت كالأسد الهصور الى عبد متضرع للتخلص من حجرة ..... انا ضعيف ووصولي .
لا التفت الى جانبي حتى ارى واحدة تمرق بازدهاء على الطاولة الزجاجية ’ ولا اتابع خبرا في التلفاز حتى اشعر بدغدغة ... انظر الى قدمي أرى فاتنة سوداء ... كل هؤلاء الفواتن قد حوللني الى قاتل .. من عاشق الى قاتل .
والله أُقسم بالله .. لقد رأيت بعضا منهن في الثلاجة ’ مثلما تخيلتهن بحجم الدجاج وهن يقفن فوق ماسحة زجاج سيارتي . او ان عاملة البريد ستصرخ عندما اقف امامها لأبعث برسالة ما ’ تصرخ لأنها رأت على ياقتي عنكبوت بحجم عقرب !. حدثني كمال السيد رحمه الله من قبيل الطرافة والنكتة عن ان البرد في موسكو يصل الى الاربعين تحت الصفر في بعض الشتاءات ..فتهرب الصراصير لتختبئ في الثلاجة .. .. تذكرت (كريكوري) كافكا الحشرة او الحيوان الذي ألقته عائلته في برميل القمامة ’ لا بل تذكرت افاعي الفردوس. وموت كليوباتره . وعرجت بالأفكار على كتاب كنت قرأته في شبابي للكاتب الروسي دستوييفسكي ألا وهو الانسان الصرصار . أي باختصار رايت نفسي منشغلا بالصرصرة والنملنة والعنكبة ( من العنكبوت لُغيّه )والحيونة و.. و .. بأختصار لقد تحيونت حياتي ونسيت همومي الأساسية ... رحت أحُك وانا امشي في الطريق متخيلا اكثر ما هو في الواقع .
افعى
افعى صغيرة بطول ذراع وبسمك حبل ... كانت تدب في ساعة متاخرة من الليل ... ومن اقصى زاوية في الحجرة ... تتطلع للصمت وتتخايل الهدوء الحنون .. تلزلز عيناها لمرآى الكتلة اللحمية النائمة .. تشاهد النمال السوداء الباحثة عن احتمال وجود بقايا طعام أو لزوجة في كؤوس على طاولة .. نثير من قشور فستق ’ او آثار سلطة .. قنينة او أُخرى متروكة على حافة المغسلة .
كانت تدب .. وتدب غير حافلة بما ترى ... ترقى من هناك ... ترقى وترتقي .. من قدم السرير الخلفي ’ وكما في كل ليلة ... تنساب على الغطاء وتصعد عاليا عاليا حتى تصل الكتف من الغطاء الازرق او المورد بألوان زرقاء ’ وهناك على حافته تقف لتطل على وجه الرجل وهو مستلب في غفوة ... ورأسه في مغطس الوسادة الفاقع اللون ... هناك على ضوء قمر شاحب تتطلع عيناها الىبؤس الوجه البشري ... وتظل هناك جامدة العين على ماترى... وربما لا ترى بقدر ماتحس ... دفء الانفاس رتابتها ... تهدجات الشخير .... هناك تظل لوقت يطول او يقصر .... هناك تستحيل هي والغطاء والرأس البشري الى لوحة جامدة في الازمان ... متكررة كل غروب منطفئة كل فجر .... تتهدج بحركات جسدها الساهد من حيث اتت ... سوداء زنجية ... من أثيوبيا من وطن جدته .من ادغال الروح القديمة ... افعى ترعاه ....تبارك انفاسها سحنته ... تبكي هل تبكي لما دار ... للمنتآى... للمنفى ....للطلاق ... لفراق الأوطان ... لطفلة مباعة من اثيوبيا الى الحجاز ... ومقادة الى بغداد .. وميتة فيها حيث خلّفت بعد سني عمرها الستين عددا من الاولاد والبنات ... امرأة سوداء ’ تناسخت الى جسد افعى ... املود جميل ..رشيق ... انها امرأة ماتت في 1959وظلت روحها هائمة مشوقة الى الأحفاد .. تائهة في الكون لا تعثر على الحفيد الواحد منهم الأ وهو منكسر ’ مندحر ’ محطم ... سر ظهورها الخسران والبؤس ’ وغيابها النجاح والسعادة . ان روحها تائهة في الزمن اما المكان واللامكان فكلاهما عرشها ...وهي لاتأتي الا عندما يحل الليل حيثما تطل على الوجه البشري في غفوته .. كأنها تقول له في كل مرة " لعل الموت ينسينا .... بغير الموت لاننسى " في الأوطان ارواحنا .. وهاأنت خسرت الوطن .... والمرأة هي الاخرى وطن .. وها انت خسرت المرأة .. وربحت البعد عن الأبناء ...اي ربحت الرماد فقط ... لا تبتأس انا معك ...... روحي معك .. نعم قد تندحر مرة ومرات لكن لن تتحطم ..
ها هو يتقلب فتنساب على حركة غطائه مثل لاعب على الأمواج ... وما ان يستقر ’ حتى تستقر هي ايضا مطلة على رمال ملامحه الصفراء الصحراوية ...كأنها تقف على حافة فندق ( كورارا ) في فندق قرية تيميمون امام صحراء لا متناهية مسكونة بآلاف الكيلو مترات من الصمت ..
ومن ياترى تحرك على ارض الحجرة ( حجرة الحشرات والحيوانات ) عدا النمال .. والعناكب ... والافعى السوداء....؟ هل هي الصراصير الحمراء ... والجرذان ؟ والدجاج والارانب والماعز ... .....................
هل حل الصباح ؟. متى ؟ متى يحل الصباح؟
رن ... قرب رأسي ... جرس التلفون على غير عادته .... صباح السبت حيث يكون الناس قد سهروا ليلة امس في عطلة نهاية الاسبوع ....ولا احتمال ان يتصل بي احد من العمل .... رفعت آلة الهاتف باستغراب ... كانت احدى البنتين ... تخاطبني باسلوبها البنّاتي العذب ....
-بابا ... احنه حكينه مع ماما ... طيلة الليل واحنه قاعدين نحكي ... وهيّ هسّه تريد تقول لك شي .. هذي ماما
-ألو ... صباح الخير
- صباح النور!
-البارحة .. آني... و....والبنات ...... ( صمت ) ....
- أِي ... شبيكم ؟ ....
- ( صمت )
- ألو .. ألو ..
- أقول يعني ...( .. تهدجات في صوت شبه باكِ )...... أرجع للبيت ... وخلص
- صحيح ؟ ... هاي امين طلعت عين الشمس ...
- طلعت او ماطلعت .. المهم ارجع وخلص ... الاولاد مشتاقيلك ....
... ونهضت من مخدر عملية جراحية استغرقت أربعة اشهر !!!!!!!! دمائي نهر جارِ ’ وصداعي لا برأسي فقط بل في عموم جسدي .... وكغزال مولود حديثا .. رحت اتطوح يسرة ويمنة آخذا طريقي مابين هذه الكتل الحشراتية والحيوانية التي تتكاثر وتتناسل حتى تغدو بحجم البيت والشارع والمحالة والمدينة والدولة وعموم البلدان بل وتصعد كصعود الغجر للسماء بطنين حشرات وعواء وثغاء وزعيق يشق طبلة الاذن ...لاينقطع بل انه متصل من المهد الى اللحد ..... رحت الى هواء الشوارع ’ تخط قدماي حريقا على ارصفتها .. اهرع بلا هدف واتوه بلا مستقر كأنني مجنون وماانا بمجنون . معي وفي بُرديّ ’ يشد من أزري شاعري العظيم محمد اقبال الذي جن على طريقته .."لم تقوَ صحراء الطبيعة كلها ... لما جننت على احتواء جنوني " وعدا الوجد والتيهان فقد كنت احلم بالعودة والعودة ولاشئ غير العودة .. ( اعدني يااله الشرق والصحراء والنخل ... الى غيلان ألثمه الى أهلي ) ..الجريح والكسيح بدر شاكر ....
وهرعت عائدا مثل فهد جريح ! .... أمامي فضاء آخر أزرق وربما ليس هو بأزرق ...لكن هكذا ظننته في صباحات عمري ....
******************
كوبنهاغن في 16/6/2002
عدت وخرجت مضطرا من البيت للبحث عن حجرة في تاريخ لاحق !....