محمود يعقوب
17-12-2007, 19:11
( تحت منبر الأ ستبداد العالي )
ما رواه الأصمعي وما رواه كاظم الحداد .
محمود يعقوب
-------------------------------------------------------
طالما الأستبداد لون قاتم من ألوان الظلم والقهر يصادر حقا من اعظم حقوق الأنسان وهو حريته، وفي حصونه يغيب العدل والأنصاف، وتهظم حقوق العباد، وتنتقص آدميتهم، ويتلذذ (الآمر الناهي) بتنفيذ أوامره، وتحقيق رغباته وأهوائه . وهو نظام يعطي لقيصر ما لقيصر ويعطي لقيصر ما لله. أي ان صيغته في نهاية المطاف التحكم بمصائر الناس وتخريب حياتهم وسلبهم فرص التمتع واليش الكريم في هذه الحياة.
اقول طالما ان الأستبداد كذلك، فأنه لا يرعوي من الأتيان بفواحش الأفعال وغرائب الأعمال، التي تذهل العقول وتوجف القلوب.
ولست بصدد قراءة مفهوم الأستبداد أو تاريخه.... بل لغرض تناول هامش فقط من هوامشه الخطرة. وهو ما يمكن أن أسميه بسياسة " حرق الأخضر مع اليابس" .
يأتي النظام المستبد ، احيانا، على سلسلة اعمال وافعال غريبة، غير مسوغة أو مقبولة ،ومفاجئة، في حق أناس ابرياء، كل ما فعلوه أنهم ارتكبوا بعض الهنات البسيطة، عن عمد أو دون عمد، والتي لاتشكل معالجتها عبئا على النظام.
أو يمكن التنبيه اليها واستخدام أساليب النصح والتنبيه، ولو افترضنا أن يذهب النظام أبعد من ذلك فبأمكانه اعتماد وسائل
التوبيخ،التي لا تخفى على هذه الانظمة المدعومة بأنواع من الذكاء الشيطاني الفطري او المكتسب من بطانة الحكم،وعدم لجوء النظام الى ايراد هؤلاء موارد المعارضين و(الخونة) التي يُُرمَون فيها.
ان انزال الاحكام والعقوبات الجائرة على المخالفات الهينة ،غير مسوغ مهما كان الطغيان ومهما بلغت عنجهيته ،وحسب تقديري ،ستكون ردود الافعال ازاءها اقوى واعمق اثراً من ردود الافعال ضد اساليبه القمعية بحق اعدائه ومناوئيه ،لان فيها تجاوزا ًحاداً بعيد الغور لانسانية الانسان .
وتاريخنا العربي ،القديم والمعاصر ،الذي استغرقته الدكتاتورية ، استغراقاً بشعاً، حافل بالامثلة الحية والشواهد الحاضرة على الكثير الذي لايحصى من تجاوزات النظم الاستبدادية ،التي تثير العجب والنقمة في النفوس والعقول .
امثلة من ظلم صارخ، وعنجهية بربرية، فوارسها الحكام الطغاة وأزلامهم -النسخ المكرورة عن الاصل- ضد اناس ابرياء جل مافعلوه هو تلك المخالفات البسيطة ...واقتيدوا الى المهالك على ايدي المسؤولين والعاملين من الطغاة الصغار .ولاعجب في ذلك ،كما يقول الشيخ الجليل (عبد الرحمن الكواكبي) في مؤلفه القيم (طبائع الاستبداد ...)من ان :
(المستبد يتجاوز الحد مالم يرَ حاجزأمن حديد ،فلو رأى على جنب المظلوم سيفأ لما اقدم على الظلم ...)
وأورد مثالا من تأريخنا القديم :
بعد ان اتخذ الحجّاج – قطّاف الرؤوس اليانعة –واسط مركزأ اداريأ له ،وضرب فيها قبته الخضراء، اصدر اوامره للعناية بجمال المدينة وزينتها ....وهنا يروي الاصمعي (رحمه الله) انه صادف ان دخل واسط احد الاعراب ،الذي لم يتورع بعد ان احسّ بضيق في مثانته من التبول في وسط المدينة ،فما كان من عيون الحجاج الشاخصة ،الاّ القاء القبض عليه متلبسا بالجرم المشهود!.. ورُمِيَ في السجن دون تردد ..
يروي الاسمعي انه بعد موت الحجاج وفتح زنازينه ،التي قيل انها ضمّت اكثر من خمس وثلاثين الف معتقل من الرجال والنساء ..كان بينهم هذا الاعرابي –ذو الطالع النحس – والذي لم يكد يصدق ان ينعم بحريته بعد ان بقي يرسف في القيود سنوات طوالا .وعندما وقف على ابواب واسط بثيابه الخلقة وراح يتنسم نسائم الحرية انشأ يقول:
ولمّا خرجنا من مدينة واسط
خَرَينا وبُلنا لانخاف عقابا
انها واحدة من عجائب الدنيا حقا ، ان يجد هذا الانسان نفسه مع الثوار والمارقين والقتلة ..في زنزانة واحدة ،وتحت حكم واحد .وكأن بعرانهم وخيولهم وبغالهم التي تعج بها احياء المدينة ،والتي تسرح وتمرح حتى في فناءات قصورهم لاتتبول ولا تتبرز !..
وفي العصر العربي الحديث، تجاوزت مواهب الاحفاد مناقب الاجداد في الظلم والاستبداد .يروي صديقي في العمل(كاظم الحداد) الذي اعتقل في مديرية الامن العامة اربع سنوات متتالية ، ابان حقبة التسعينيات .انه كان يغط في نومه حين تنبه الى نزيل جديد في الزنزانة يدسّ نفسه بقربه مع ديك هندي كبير !.. يقول كاظم :القيت اليه ببطانية وعدتّ الى نومي ،وفي الصباح كان اول شيء عرفته ان اسمه (فرحان )
وقد سُجِلَت قضيته في ملفات الامن العامة بعنوان (قضية الديك الهندي)،التي بدأت يوم قَدِم (فرحان) من مدينة الثورة الى مدينة المنصور في بغداد ،ليشارك في مصارعة الديّكة مساءً ،في ذات المساء الذي كان تلفزيون بغداد يستعرض فيه صوراً (للاستاذ عدي) وهو يطعم نمورهُ لحوماً .وشاء سوء الحظ ان يفوز ديك (فرحان ) ، الذي حصل على مبلغ كبير هو جائزة الرهان ،ولم يكن فرحان مصدقاً ان كل هذا المال له وحده ،وسرعان ما احتضن الديك والدنانير ودلف الى مطعمٍ فخم ٍ .
وبعد ان ملأ بطنه ،اوصى بطبق كباب راح يطعمه الى ديكهِ الهندي فوق منضدة الطعام امتنانا وعرفانا له .ولم تتم فرحته ،اذ فاجأه ثلاثة اشخاص واقتادوه الى مكان مجهول . ويبدو ان هؤلاء الموتورين قد ربطوا بغباء وحمق بين اطعام فرحان ديكه الهندي وبين ما يعرض من شاشة التلفزيون لنمور (الاستاذ) وأعتبروا ذلك تهكم يراد به النيل من شخصية(الاستاذ) .
(فرحان)حكمته المحكمة بالسجن لسته شهور في مديرية الامن. وفي اول زيارة لاخوته له ،دفع اليهم بالديك وأوصاهم الاهتمام به .وخلال هذه الشهور الستة كانت ترد الينا اخبار الديك تباعا ،وكيف انه اصبح سيد المراهنات وقطبها الأول ،وعاد يوفر للعائلة المسكينة مبالغ لابأس بها ،والاغرب من ذلك كله انه صار يعرف في حلبات المصارعة كلها بأسم(ديك الاستاذ) ؟َ!. ]
(توق اخير :ان اعظم الناس غبنا ً،من باع اخرته بدنيا غيره)
من نصيحة أعرابي لسليمان بن عبد الملك
ما رواه الأصمعي وما رواه كاظم الحداد .
محمود يعقوب
-------------------------------------------------------
طالما الأستبداد لون قاتم من ألوان الظلم والقهر يصادر حقا من اعظم حقوق الأنسان وهو حريته، وفي حصونه يغيب العدل والأنصاف، وتهظم حقوق العباد، وتنتقص آدميتهم، ويتلذذ (الآمر الناهي) بتنفيذ أوامره، وتحقيق رغباته وأهوائه . وهو نظام يعطي لقيصر ما لقيصر ويعطي لقيصر ما لله. أي ان صيغته في نهاية المطاف التحكم بمصائر الناس وتخريب حياتهم وسلبهم فرص التمتع واليش الكريم في هذه الحياة.
اقول طالما ان الأستبداد كذلك، فأنه لا يرعوي من الأتيان بفواحش الأفعال وغرائب الأعمال، التي تذهل العقول وتوجف القلوب.
ولست بصدد قراءة مفهوم الأستبداد أو تاريخه.... بل لغرض تناول هامش فقط من هوامشه الخطرة. وهو ما يمكن أن أسميه بسياسة " حرق الأخضر مع اليابس" .
يأتي النظام المستبد ، احيانا، على سلسلة اعمال وافعال غريبة، غير مسوغة أو مقبولة ،ومفاجئة، في حق أناس ابرياء، كل ما فعلوه أنهم ارتكبوا بعض الهنات البسيطة، عن عمد أو دون عمد، والتي لاتشكل معالجتها عبئا على النظام.
أو يمكن التنبيه اليها واستخدام أساليب النصح والتنبيه، ولو افترضنا أن يذهب النظام أبعد من ذلك فبأمكانه اعتماد وسائل
التوبيخ،التي لا تخفى على هذه الانظمة المدعومة بأنواع من الذكاء الشيطاني الفطري او المكتسب من بطانة الحكم،وعدم لجوء النظام الى ايراد هؤلاء موارد المعارضين و(الخونة) التي يُُرمَون فيها.
ان انزال الاحكام والعقوبات الجائرة على المخالفات الهينة ،غير مسوغ مهما كان الطغيان ومهما بلغت عنجهيته ،وحسب تقديري ،ستكون ردود الافعال ازاءها اقوى واعمق اثراً من ردود الافعال ضد اساليبه القمعية بحق اعدائه ومناوئيه ،لان فيها تجاوزا ًحاداً بعيد الغور لانسانية الانسان .
وتاريخنا العربي ،القديم والمعاصر ،الذي استغرقته الدكتاتورية ، استغراقاً بشعاً، حافل بالامثلة الحية والشواهد الحاضرة على الكثير الذي لايحصى من تجاوزات النظم الاستبدادية ،التي تثير العجب والنقمة في النفوس والعقول .
امثلة من ظلم صارخ، وعنجهية بربرية، فوارسها الحكام الطغاة وأزلامهم -النسخ المكرورة عن الاصل- ضد اناس ابرياء جل مافعلوه هو تلك المخالفات البسيطة ...واقتيدوا الى المهالك على ايدي المسؤولين والعاملين من الطغاة الصغار .ولاعجب في ذلك ،كما يقول الشيخ الجليل (عبد الرحمن الكواكبي) في مؤلفه القيم (طبائع الاستبداد ...)من ان :
(المستبد يتجاوز الحد مالم يرَ حاجزأمن حديد ،فلو رأى على جنب المظلوم سيفأ لما اقدم على الظلم ...)
وأورد مثالا من تأريخنا القديم :
بعد ان اتخذ الحجّاج – قطّاف الرؤوس اليانعة –واسط مركزأ اداريأ له ،وضرب فيها قبته الخضراء، اصدر اوامره للعناية بجمال المدينة وزينتها ....وهنا يروي الاصمعي (رحمه الله) انه صادف ان دخل واسط احد الاعراب ،الذي لم يتورع بعد ان احسّ بضيق في مثانته من التبول في وسط المدينة ،فما كان من عيون الحجاج الشاخصة ،الاّ القاء القبض عليه متلبسا بالجرم المشهود!.. ورُمِيَ في السجن دون تردد ..
يروي الاسمعي انه بعد موت الحجاج وفتح زنازينه ،التي قيل انها ضمّت اكثر من خمس وثلاثين الف معتقل من الرجال والنساء ..كان بينهم هذا الاعرابي –ذو الطالع النحس – والذي لم يكد يصدق ان ينعم بحريته بعد ان بقي يرسف في القيود سنوات طوالا .وعندما وقف على ابواب واسط بثيابه الخلقة وراح يتنسم نسائم الحرية انشأ يقول:
ولمّا خرجنا من مدينة واسط
خَرَينا وبُلنا لانخاف عقابا
انها واحدة من عجائب الدنيا حقا ، ان يجد هذا الانسان نفسه مع الثوار والمارقين والقتلة ..في زنزانة واحدة ،وتحت حكم واحد .وكأن بعرانهم وخيولهم وبغالهم التي تعج بها احياء المدينة ،والتي تسرح وتمرح حتى في فناءات قصورهم لاتتبول ولا تتبرز !..
وفي العصر العربي الحديث، تجاوزت مواهب الاحفاد مناقب الاجداد في الظلم والاستبداد .يروي صديقي في العمل(كاظم الحداد) الذي اعتقل في مديرية الامن العامة اربع سنوات متتالية ، ابان حقبة التسعينيات .انه كان يغط في نومه حين تنبه الى نزيل جديد في الزنزانة يدسّ نفسه بقربه مع ديك هندي كبير !.. يقول كاظم :القيت اليه ببطانية وعدتّ الى نومي ،وفي الصباح كان اول شيء عرفته ان اسمه (فرحان )
وقد سُجِلَت قضيته في ملفات الامن العامة بعنوان (قضية الديك الهندي)،التي بدأت يوم قَدِم (فرحان) من مدينة الثورة الى مدينة المنصور في بغداد ،ليشارك في مصارعة الديّكة مساءً ،في ذات المساء الذي كان تلفزيون بغداد يستعرض فيه صوراً (للاستاذ عدي) وهو يطعم نمورهُ لحوماً .وشاء سوء الحظ ان يفوز ديك (فرحان ) ، الذي حصل على مبلغ كبير هو جائزة الرهان ،ولم يكن فرحان مصدقاً ان كل هذا المال له وحده ،وسرعان ما احتضن الديك والدنانير ودلف الى مطعمٍ فخم ٍ .
وبعد ان ملأ بطنه ،اوصى بطبق كباب راح يطعمه الى ديكهِ الهندي فوق منضدة الطعام امتنانا وعرفانا له .ولم تتم فرحته ،اذ فاجأه ثلاثة اشخاص واقتادوه الى مكان مجهول . ويبدو ان هؤلاء الموتورين قد ربطوا بغباء وحمق بين اطعام فرحان ديكه الهندي وبين ما يعرض من شاشة التلفزيون لنمور (الاستاذ) وأعتبروا ذلك تهكم يراد به النيل من شخصية(الاستاذ) .
(فرحان)حكمته المحكمة بالسجن لسته شهور في مديرية الامن. وفي اول زيارة لاخوته له ،دفع اليهم بالديك وأوصاهم الاهتمام به .وخلال هذه الشهور الستة كانت ترد الينا اخبار الديك تباعا ،وكيف انه اصبح سيد المراهنات وقطبها الأول ،وعاد يوفر للعائلة المسكينة مبالغ لابأس بها ،والاغرب من ذلك كله انه صار يعرف في حلبات المصارعة كلها بأسم(ديك الاستاذ) ؟َ!. ]
(توق اخير :ان اعظم الناس غبنا ً،من باع اخرته بدنيا غيره)
من نصيحة أعرابي لسليمان بن عبد الملك