PDA

View Full Version : حريات:تعرف على اخوتك في الانسانية ( المرشديون )


bahzani
30-12-2007, 14:33
تعرف على اخوتك في الانسانية ( المرشديون )

حريات
تهديكم اجمل التهاني بمناسبة العام الجديد وتقدم لكم دراسة موجزة عن اخوة لكم في الانسانية وهي من اعداد السيد معتز طوير .
نرجو لكم رحلة خصبة في رحاب معرفة الاخر انسانيا وحضاريا
لنفرش طريق حياتنا بالمحبة ولندفن الكراهية الى الابد
لندافع سوية عن حرية المعتقد
اخوتكم في حريات



إعادة الاعتبار لسلمان المرشد
وكشف المستور من تاريخ رجالات "الاستقلال "
إعداد و قراءة: معتز طوبر
ربما يمكننا القول بأننا ضحية المنطق الشفاهي المتوارث، المنطوق والغير مكتوب، ضحية الكلمة التي توؤل والتي لا يمكن القبض على منطوقها الصحيح, الكلمة التي تنقل بالتواتر دون النظر إلى أصلها أو منبعها ودون النظر الى الظرف النفسي التي قيلت فيه ودوافعه الفعلية، فالكلمة التي تصل بين ضفتي نهر، رخوة ومتلاشية ومتوهمة ولا تصل بكامل ثقلها، بكامل منطوقها، فالحرف الغير منقط يوؤل، والغير مفهوم يستبدل بغيره ليقلب الكلمة إلى عكسها.



وإذا كانت الحقيقة فعل إنساني ( فعل وجود ) أي إشارات مادية أو فيزيائية يفسرها الدماغ بإدراكها مباشرة وفق ما اتفق عليه من ترميز (دون تحليل أو تقويم )، فالمسموع بالتواتر يختلف عن المسموع مباشرة والمشاهد حيا يختلف عن الصورة وهكذا بالنسبة إلى حواسنا. لذلك استطيع ان أقول بأن هذا الكتاب ( شعاع قبل الفجر )الذي اطلعت عليه مؤخرا وقرأته بشغف المحروم من القراءة، هو صيغة ورقية مادية مكتوبة تختلف بسردها عن الكثير من الروايات التي سمعناها أو قرأناها في تاريخنا الثقافي بقسميه الكتابي والشفاهي . ولا نجد غرابة حقا في أن نُصدم من جراء هذا الكم الهائل من المعلومات والمراجع والسرديات التي تفند الافتراءات التي شيعت حول السيد " سلمان المرشد " والأكاذيب التي تناقلتها الألسن إلى الآن . وحقيقة أقول إذا كانت شهادة احمد نهاد السياف التي وقف فيها وقفة رجل عصامي مخلص لمبادئه الثورية والتي أفندت الاتهامات الموجهة ضد "سلمان المرشد" وشكلت آنئذ صدمة مفاجئة للسلطة الرسمية الديكتاتورية. فإن أوراقه الآن هي صدمة حقيقة لنا نحن كقراء وباحثين في التاريخ السوري وغيره، وتحيلنا الى مساءلات عن مدى مصداقية تاريخنا ومدى الموثوقية التي يمكن أن نضعها فيه . وتبطن احتمالا، ربما انه يجب علينا دائما البحث والتقصي والتدقيق بعلمية وموضوعية في التاريخ. وربما يجب ألا تأخذنا العاطفة مع الكتب الرسمية وشبه الرسمية . فالكتاب هنا ينسف - إذا صحت الكلمة - ما توارثناه من ثقافات مدرسية وشبه مدرسية
واحسب أن الكاتب والناقد باروت قد ُصدم بهذه الحقائق أيضا ( وأعتقد هنا انه كان ملهوفا أيضا وشغوفا في رصد كل الحقائق التي تتعلق بقضية سلمان المرشد ) وباروت الذي يمكن القول عنه بأنه أهم من كتب في النقد الادبي والشعري خصوصا ( الشعر يكتب اسمه – اتحاد الكتاب العرب 1981م-الحداثة،دراسة نقدية - الإمارات العربية - 1993.) ورصد تجارب هامة في ذلك. وبعدها كان هناك تحولا أساسيا في نشاطه الفكري نحو قضايا التنمية السياسية والانتاج الفكري وقضايا الدولة والمجتمع والعلمنة والتحول الديمقراطي وكان من الطبيعي ان يقوده هذا الاهتمام أيضا إلى دراسة تاريخ الأفكار والحركات السياسية في العالم العربي ضمن رؤية تنصب على مشروع استشراف المستقبل العربي . واحسب ان باروت قد احتاج في هذا الكتاب إلى وقت وجهد كبيرين للتنقيب في التاريخ السوري المعاصر المسكوت عنه والمستبعَد والمغيب . بنزعة فردية عهدناها في أعماله، في البحث والتقصي عن الحقائق بعيدا من الدراسات الأكاديمية السورية ذات الطابع الرسمي غالبا. وفي ظل ندرة وغياب الدراسات الجادة المتعلقة في النصف الثاني من القرن العشرين وتدني حرفيتها، ولا سيما في مجال التاريخ السوري الحديث، وذلك وكما يعرف جميع الدارسين لكثرة المحظورات والمقيدات لاعتبارات سياسية وطائفية وعرقية أو إثنية .
اعتمد محمد جمال باروت في تحقيقه لأوراق السياف، كما يقول على علاقات الثقة البحتة والتعاون والمبادرات الفردية لأشخاص قدموا له كل المساعدة اللازمة وفي حدود إمكانياتهم، واعتمد على الصحافة كمادة مساعدة في التوثيق وليس كمادة أساسية، سيما- وكما هو معروف ـ أن الحكومة السورية كانت تستخدم المال العام في تعبئة الرأي العام في الداخل والخارج لمصلحتها ومصالح ممثليها وخصوصا فيما يتعلق بقضية "سلمان المرشد " . وتم الاعتماد أيضا على جزء من الأرشيف الفرنسي الأستخباري بهدف المقارنة كما يقول باروت. إضافة إلى كثير من الكتب والمخطوطات لكتاب عرب وغربيين. وتأتي أهمية هذه المذكرات أكاديميا في التعبير عن تجربة الجيل الثاني في الحركة الوطنية السورية، والى كونها أيضا أضاءت تجربة شخصية ورسمية وديناميكية في فصل من أكثر الفصول طمسا وتهربا منه في التاريخ السوري الحديث وهو الفصل المعقد المتعلق بـ " قضية سلمان المرشد "
الكتاب يقع قي قسمين :
أولا: متن الكتاب وهي أوراق السياف والتي تركز بدورها على تجربة السياف مع ابراهيم هنانو في الفترة الممتدة من 1926 – 1934 م، بينما يبدأ المدى الزمني للقسم الثاني في حدود العام 1938 م ويقفز زمنيا وصولا إلى قضية سلمان المرشد وما بعدها. وهذه الأوراق كانت تربة خصبة لـ باروت لوضع هوامشه الإيضاحية .
ثانيا: المقدمة والهوامش الإيضاحية التي وضعها باروت، ولجأ فيها المحقق الى إضاءة السياق التاريخي والاجتماعي للوحدات السردية للمذكرات. و يمكن القول بأن هذا الكتاب هو كتابين في كتاب واحد، لما فاض فيه باروت في البحث والتقصي عن الحقائق بموضوعية ولا سيما المغيبَة منها لاعتبارات ذكرناها سابقا .. . لذا سيتناول عرضي لهذا الكتاب، القسم الثاني من أوراق السياف - مما تسمح فيه – حدود إمكانيات المقال الجغرافية والنفسية، دون تحليل او تعليق على سرديات باروت او مذكرات السياف. ورغبة لدي في نقل هذه المادة بناء على طلب بعض أصدقائي هنا في السعودية من كتاب وشعراء جمعتني بهم أماسي رائعة . إضافة إلى رغبة جامحة تعتريني أينما ذهبت وهي في إعطاء صورة صحيحة وصادقة كما عشتها (والتي تتطابق مع سردية السياف الى حد ما، وإن كانت بدرجة أقل) وسمعتها ورويت لي شفاهة من أقرب المقربين لي عن حقيقة الإمام سلمان المرشد الذي " فدى شعبه – عشيرته بتسليم نفسه إلى جلاديه " .

من هو أحمد نهاد السياف ؟
ان احمد نهاد السياف ( 1909 – 1992 م ) المولود في حلب هو أحد ابرز وجوه الجيل الثاني للحركة الوطنية الذي تميز بوعيه الوطني الراديكالي العصري والدستوري وتكون وعيه أساسا في مرحلة الانتقال من الاحتلال والتجزئة الى الاستقلال . خلافا لوعي الجيل الأول الذي تكونت بنيته الأساسية في المدارس النظامية العثمانية وشغل مراتب وظيفية في جهاز الدولة العثمانية. وانتسب السياف الى معهد الحقوق العربي بدمشق، لكنه قطع دراسته فيه لاضطراره للعمل الوظيفي لمساعدة عائلته، حيث عمل في معمل التبغ والتنباك التابع إلى شركة حصر التبغ والتنباك " الريجي " بحلب وتدرج بعدها في المراتب الوظيفية إلى أن غدا مديرا لإدارة الريجي في اللاذقية بتعيين من رئيس الوزراء سعد الله الجابري. ان احمد نهاد السياف المديني الحلبي، التلميذ المباشر لإبراهيم هنانو، هو صاحب هذه الأوراق وهذه الشهادة التي تعتبر اختراقا وصدمة للتاريخ السوري المعاصر، اختراقا للسردية الرسمية وشبه الرسمية التي طالما افترت على " سلمان المرشد " ونشرت الأقاويل الكاذبة عنه .
( في اللاذقية 1938 م ) :
السياف: يكتب عن مفاجئته عندما التقى " سلمان المرشد " أول مرة، " ... وكم كانت دهشتي عندما رأيته يختلف عن الصورة التي تكونت لدي، فصحت قائلا أهذا أنت سلمان* ؟ ! يا إلهي ما أكبر الفرق بين إنسان ماثل أمامي وآخر صورته الدعايات .. ورحت اشرح له الشكل الذي تخيلته وقد تمنطق بالخناجر والقنابل كفارس من فرسان الكهوف، وإذ به شاب وسيم الطلعة، أنيق الهندام .
إذ ذكرت له الصورة التي تخيلته عليها، ابتسم ابتسامة مرارة وقال: " ليس الذنب ذنبك يا سيدي، بل كل الذنب ذنبنا نحن، فإن الجرائد وقف على أبناء المدن وليس لنا ما يظهر حقيقتنا ويظهر وجهنا، وبقدر ما تنشره عنا صحائفهم تتكون لديكم صورة مقيتة كالتي ذكرتها ممسوخة مشوهة .. " ص 128
* يكتب محمد جمال باروت ص 218 " ولد سلمان المرشد في العام 1907 م في قرية جوبة برغال التي تقع في أعالي جبل الشعرا من القسم الشمالي من جبال العلويين في أسرة صغيرة تنتمي الى عشيرة العمامرة. وفي العام 1923م بُشّر إثر حالة انخطاف روحي بقرب ظهور المهدي المنتظر لـ " يملأ الأرض عدلا كما ملئت ظلما وجورا " هزت الدعوة التي أطلقها الصبي ولما يتجاوز السادسة عشرة من عمره العقيدة الخلاصية الهاجعة في العقل الباطن الانساني في منطقة جبل "الشعرا " التي كانت عشائرها الصغيرة تعج منذ سنوات بالفوضى والانقسامات الداخلية الحادة وانهيار زعامة المقدمين التقليدية في ضبط الأمن وحفظ النظام ما بينها. واندلعت الدعوة كالنار في الهشيم، وأعلنت قريتان هما شطحة وبلاّط رفض دفع الضرائب للحكومة، مما دفع ضابط الاستخبارات الفرنسي في "بابّنا " مركز قضاء صهيون الى خطفه ، وتسليمه إلى الحكومة في اللاذقية التي سجنته مع بعض أبرز مريديه لمدة ثلاثة شهور، ( weulersse , paysans de syrie et du proche – orient, gallimard , huitieme edition , 1946, pp . 275-276)
وأثارت دعوة المرشد الفزع في قلوب القادة الروحيين العلويين في طائفة القمرية او الكلازية والملاكين المسيحين في منطقته والفرنسيين ( خوري والانتداب الفرنسي ص 580 ) وتعود عناصر فزع القادة الروحيين العلويين الى ان المرشد قد أبطل تدريجيا الاعتقاد ب "الترائي " و" التمثيل الكوني لله " و " التقية " و " وراثية المشيخة " و " واختصاص بعض المشايخ بالأعياد " و ألغى اللباس الديني وأنكر قدسية عبد الرحمن بن ملجم، وأبطل الذبائح عند المقامات والزيارات وألغى الأعياد الموسمية غير الدينية, وقام بتشخيص الإمام القائم في كل دور بشريا. ويبدو أن أخطر مخاوف الفرنسيين من مضاعفات انتشار الدعوة قد انصبت على ما يصفه المؤرخ الروسي فلاديمير لوتسكي بأن المرشد " رأى تشكيل جماعات مسلحة لمقاومة الفرنسيين بهدف إجلائهم عن سورية " و دعوته جماعات عمر البيطار للتحالف معه لمقاومة الفرنسيين "( لوتسكي، الحرب الوطنية التحررية في سوريا 1925 – 1927م ترجمة محمد دياب مراجعة وتقديم مسعود ضاهر ، بيروت ، دار الفارابي ، 1978 ص 145 ) .. . وقد أفرجت عنه السلطات الفرنسية ووضعته تحت الرقابة الصارمة، وألزمته بإثبات حضوره كل خمسة عشر يوما في "بابّنا " ثم في الحفة مركز القضاء. والإقلاع عن الدعوة . لكن الإفراج عنه أدى بالقرى المندفعة خلف دعوته الى استقباله استقبال الفاتحين ( Oriento Moderno , no.4, 1924, p 277) .. وتطورت الدعوة لتحدث انقساما داخليا ما بين مؤيديها ومعارضيها في قرية العاليات جنوبي حمص " جرت فيها معركة بين الفلاحين والقوات الفرنسية سقط فيها 50 قتيلا من الفلاحين " ( لوتسكي ص 147 ) . ولدى المؤرخين السوريين لا نجد ذكرا لهذه الواقعة الا لدى محمد كرد علي ( خطط الشام، ج، دمشق، مطبعة الترقي، 1925 م ، ص233 ). أحالت سلطات الانتداب ما يقارب المائة إلى محكمة عسكرية ( المفيد ، العدد 238 ، 20 ايار / مايو 1925 ) . واعتبر سلمان المرشد مسؤولا عن الصدامات مع القوات الفرنسية، فتم التداول بشأن محاكمته على مستوى المفوض السامي ويفان ببيروت ( المفيد لعدد 233 ، 14 أيار / مايو 1925م ). حيث تقرر نفيه مع تسعة من ابرز مريديه الى بلدة الرقة في الشمال السوري, وفي الرقة نزل مع رفاقه ضيفا على آل العجيلي ثم بترتيب منهم ضيفا على أقربائهم من آل الشواخ الحبيب، وتزوج ابنة موظف البلدية محمد نظيف ( مقابلات أجراها الباحث مع الدكتور عبد السلام العجيلي والدكتور حسن الشواخ في صيف 2004 م في حلب ) . وفي 30 ايلول / سبتمبر 1927م انتهت مدة النفي وعاد المرشد الى قريته جوبة برغال، فاستقبلته المنطقة استقبال الفاتحين، ليغدو مركز الزعامة الجديدة في الجبل الأعلى وليتوسع عدد أتباع سلمان .. .
ص 222: وكان قد فرض المرشد في إطار إجراءاته التنظيمية الخاصة بعشيرته سلطة على شركة حصر التبغ والتنباك الفرنسية، التي كانت سيدة الجبل دون منازع، وكان بموجبها يتقاضى رسما عن المحصول غير المحول الى الشركة، وكان قد احدث ما سماه بـ " صندوق العشيرة "، وعين مديرا له الشيخ درويش ناصر، ثم ألحق ممتلكاته المسجلة باسمه به مقابل مخصص له. كانت سلطة الشركة الحصرية في الجبل الأعلى تحت سيطرة سلمان ورحمته، ومن هنا كان موظفو الشركة يفرون من مهمة التكليف في مناطقه، وهو ما كان يعود بريع أفضل على الفلاحين بقدر ما حرم المرشد سماسرة المدينة الذين تفوضهم الشركة بجني المحصول لحصري مقابل اتفاق مالي مقطوع من ريعهم . قارن مع: ( نور المضئ المرشد، لمحة خاطفة عن الحركة المرشدية ، ص 34 ) .

وكان قد ساد المنطقة في الساحل هدوء واطمئنان إلى أن افسد زعماء المدينة خطة الحكومة الايجابية مع سلمان بما أثاروه في صحفهم من هجوم عليه ومطالبتهم بمحاكمته مع جماعته بشكل أعاده إلى الانكفاء وتسليح رجاله وإقامة الخنادق والاستحكامات. فظهور سلمان بهذا الزخم القوي ( تفسير هاشم عثمان – المحاكمات السياسية في سوريا ، بيروت: دار الريس 2004م ) حرّك ضغائن زعماء المدينة، لأنهم لم يقبلوا أن ينافسهم على الزعامة "فلاح فقير" بلا حسب أو نسب، هذا من جهة، ومن جهة أخرى لأن وجوده في الجبل حدّ من تسلطهم وقلل من اعتبارهم بنظر فلاحيهم، فلم يعد بمقدورهم أن يتطاولوا على الفلاحين ويستغلونهم ويأكلوا تعبهم ، ويستولوا على أملاكهم بنفوذهم كما كانوا يفعلون إبان العهد التركي . وكانوا كلما سنحت لهم الفرصة يمطرون الحكومة المركزية بعشرات الكتب والعرائض التي تطالب بمحاكمة سلمان المرشد وإعدامه .
وبعد أن تم الاتفاق على أخذ سلمان المرشد بالغدر والحيلة والخديعة بإرسال "السياف " إليه لينقل له رغبة المحافظ عادل العظمة في تناول طعام الغداء عنده مع اللجنة التي تشكلت لحل الخلاف. في الوقت نفسه الذي كان فيه المحافظ يحرك قوى الدرك سرا لتطويق سلمان وضربه بصورة مفاجئة. و (يكتب باروت ص 275 ): يشير هاشم عثمان الى ان سلمان قد قبل " بكل شروط الحكومة، بما في ذلك سحب السلاح من رجاله، ولم يرفض للحكومة طلبا. ومثل ذلك يشهد قائد الدرك محمد علي عزمت... وان السياف قد شهد أيضا بأن سلمان لم يشترك قط في أي هجوم على مخافر الدرك، وذلك خلافا للاتهام الموجه ضد سلمان . أما لجهة توزيع السلاح فإن السلطة القائمة في اللاذقية قامت بتسليح خصوم سلمان، وجعلت منهم عصابات مسلحة وحرّضتهم على التحرش بأتباع سلمان ومقاومتهم والاعتداء عليهم . ( هاشم عثمان المحاكمات السياسية في سورية ، ص 140 ) .
ويتابع باروت ص 276 : " على الرغم من ان المحكمة كانت سياسية مئة بالمئة وبرسم اتهام المرشد بـ " الخيانة العظمى " بموجب قانون " حماية الاستقلال " فإنها لم تتمكن من إثبات تلك التهمة والتي لم تؤيد بالأدلة القانونية، وبرأته منها لتحكم عليه بالإعدام جنائيا لقتله زوجته والتسبب بمقتل آخرين ( قتل سلمان زوجته أم فاتح كي لا تقع في أيدي رجال الدرك ، ولما كان الانتحار محرما دينيا بحيث لا تستطيع أم فاتح أن تُقدم على الانتحار ، لم يكن هناك مفر من أن يقتلها سلمان ، فبحقها مئات الدعاوى التي أثارها عليها زعماء المدينة ، وهو فضّل أن يقتلها ويحاكم على ذلك ، ولا يسلمها لذئاب الدرك الذين كان إقطاعيو اللاذقية قد أوعزوا صدورهم حقدا على سلمان ... "من مراسلة الباحث مع نور المضيء المرشد " ) بل ان رئيس المجلس العدلي فؤاد محاسن نفسه نقض الاتهام بالقيام بثورة وعصيان ضد نظام الحكم ووصف مشكلة شباط / فبراير 1945 م بأنها " علقة صغيرة ". وحين سألت المحكمة سلمان ان كان يطلب الشفقة وقف قبل ان يعلق رئيس المجلس ختم المحكمة " وأعلن شكره لهيئة المجلس لأنها برأته من تهمة الخيانة العظمى " ورفض طلب تخفيف الحكم وقال بأنه وقد برأته المحمكة من تهمة الخيانة العظمى فانه لا يطلب الشفقة ولا يبالي بالإعدام. ( النذير ، 12 كانون الاول / ديسمبر 1946 م ) وقبل تنفيذ حكم الإعدام غادر رئيس الوزارء سعد الله الجابري دمشق إلى القاهرة، حاملا الأموال اللازمة ( 75000 ل س ) لتوزيعها على صحفيي مصر لإسكاتهم عن تناول قضية سلمان بالنقد والتحليل. وتاركا وزير الداخلية آنذاك صبري العسلي يتنعم بمنظر" سلمان " الذي توجه إليه قائلا: " هذا جزاء من آمن بعهود شرفكم ! " (( هنا يسرد السياف ص 144: " عندما انتصب سعد الله الجابري وقال بصوت يحمل الكثير من الألم والمرارة: أنا بصفتي رئيس وزراء وبصفتي سعد الله الجابري أقسم بشرفي أن أصدر عفوا عن سلمان وزوجة سلمان وأبناء سلمان، وكل ما يمت بصلة الى سلمان .... " وبعد أن وفى سلمان بجميع عهوده مع الحكومة، نكث الجميع بعهوده معه . " )) . ومن هنا تضمنت وصية المرشد وفق أرشيف هاشم عثمان " لف جسمه بالعلم السوري المفدى " مع تأكيده على ان جميع ما تقدم بحقه من الدعاوى الحقوقية هي باطلة وكان قد علق في بداية المحكمة على القضايا المسندة اليه: " أنا لا يهمني الشنق ولا الإعدام بل يهمني التهمة المنسوبة إلي بأني عدو الاستقلال " ( النذير ، 28 تشرين الاول / اكتوبر 1946 ) .
ص 277: ربما يجد عدم تهيب المرشد من الإعدام جذوره ليس في قضية الموقف فحسب بل وفي صلب فهمه الخلاصي للمذهبية "الغيبية " التي يعتبرها الدارسون إحدى المذهبيات العلوية الأربع، بينما تعتبر نفسها مستقلة عن تلك المذهبيات، وأن شيوخها مستقلون تاريخيا عن العلويين وإن عاشوا بينهم وهم آل البنا، وفي هذه العقيدة " الغيبية " كما ستفصلها أكثر الدعوة المرشدية التي انطلقت بعد إعدام المرشد يعتبر الموت انتقالا خلاصيا الى حياة أخرى اسمى من الحياة على الأرض وخلاصا من شرورها ومن هنا يقيم المرشديون " حفلة " لميتهم تغنى فيها أشعار تصف الحياة الحقيقة كما تم تعليمها من قبل الإمام . وترى الرواية المرشدية ( ص 280 ) التي تعكس مفهوم المرشدين عن أنفسهم وفيما بينهم، " أن سلمان لم يدع الناس أن يتخذوه ربا، بل هو إمام وزعيم نقدسه ونحبه كثيرا، فهو أسسنا وبشّر بقيام المهدي، ونادى بقرب وفاء الله لوعده، وحضّر أتباعه لهذا الوعد " .والمقصود مرشديا " الإمام القائم الذي يقيمه الله ليمثل رضوانه للناس حياة وعملا، ويتشخص في كل دور بشريا " . ( نور المضيء المرشد، لمحة خاطفة عن الحركة المرشدية ) . ويرى نور المضيء المرشد أن " حملة التشويه التي قامت بها وحركتها الحكومة قد أدت إلى توتير طائفي بغيض غير مسبوق، انطلى على العامة الذين أطلقوا، تحت تأثير حملة التشويه اسم رب العلويين على سلمان، في حين ان سلمان لم يدع أحدا الى اتخاذه ربا، بل بشّر بقرب ظهور المهدي أو القائم الذي يمثل رضوان الله قولا وعملا . إن "سلمان " يمثل زعيما وإماما لعشيرته التي وحدها تحت رايته، وهي عشيرة بني غسان وليس زعيما أو إماما للعلويين " . ويعتبر نور المضيء المرشد في المراسلة المطولة " أن حملة التشويه والافتراء هذه هي من أسوأ ما تضمنته الحملة على سلمان، وخلقت ندوبا مفجعة انتصر عليها المرشديون وتجاوزوها في إطار عقيدتهم الاسلامية التي رسّخها ساجي باحترام جميع المذاهب والاديان، ورفض التكفير بأي شكل كان، فالله هو الدّّيان وليس البشر، كما أن الدخول في الدعوة أو الخروج منها، كان وما زال أمرا تحكمه حرية الفرد التامة كما تم مع كثيرين من دون أي تبعات . ونفي أي سلطة دينية بعد غياب إمام المرشديين ساجي بن سلمان المرشد " ( مراسلة خطية مطولة تمت بين الباحث وبين نور المضيء المرشد في صيف 2004 م ) .
ص 277 : " بالنسبة الى المرشديين يحتل سلمان المرشد لديهم مكانة " زعيم وإمام يحبونه ويقدسونه " بينما " القائم الموعود " هو مجيب الذي أعطى مرشديا المعرفة الجديدة عن الله .. وعُرف المرشديون بهذا الاسم بدءا من إطلاقه الدعوة في 25 آب / أغسطس 1951 ، حيث قام عبد الحق شحادة قائد الشرطة العسكرية في عهد أديب الشيشكلي بقتله في 27 تشرين الثاني / نوفمبر 1952 م في قرية الصَير في الغاب، ووفق معطيات عبد الغني عياش فإن " هذا قد تم بناء على أوامر الشيشكلي نفسه " ( الباحث – مكالمة مع عبد الغني عياش تمت في صيف 2004 م ) ويعتبر يوم 25 آب / أغسطس من كل عام العيد الديني الوحيد لدى المرشديين واسمه " عيد الفرح بالله " ويستمر من 25 الى 27 آب / أغسطس . وأما " معلم الدين وإمامه " بعد مجيب فهو مرشديا ساجي المرشد الذي " أشار مجيب الى أنه الإمام ومعلم الدين بعده، بعد أن بشّر أتباعه بمقتله فرحا بعودته الى الملكوت " . .. واعتبر " معلم المعرفة الجديدة " التي أتى بها مجيب. وبعد غيبته في العام 1998 م لم يوص لأحد بعده وبالتالي لم يعد هناك أئمة للمرشديين أو أية سلطة دينية في مذهبهم . ويقتصر تسيير الطقس الديني المتعلق بالصلاة لكل من بلغ الرابعة عشرة ذكرا كان ام أنثى على ما يسمى ب " الملقّن " الذي يتم اختياره لا مركزيا من قبل المرشديين في محلة معينة يتواجدون فيها، مقابل أجر رمزي، ويقومون بعزله لا مركزيا في حال انحرافه " .

إذا يمكن القول إن الكتاب يشكل رواية تاريخية تكشف المخبوء والمستور، والمسكوت عنه و تبين علاقة السلطة – كعملاء - المؤلفة من رئيس الجمهورية شكري القوتلي والوزراء سعد الله الجابري وأزلامهم بالدول الاستعمارية فرنسا وبريطانيا. ووفاء كل من بريطانيا وفرنسا لعملائها وموافقتها على حكم الإعدام لأن أفكار سلمان التنويرية والحرة يمكن ان تلاقي تربة خصبة للنمو والانتشار، سيما وان سلمان وكما هو معروف، قد قام بشق الطرقات لوصل الجبل مع المدينة وقام بفتح المدارس لتعليم أبناء عشيرته وتخليصهم من جور وظلم إقطاعي المدينة … .
ومحاكمة سلمان كما تبين الأوراق كانت من بدايتها صوريه بدءا من دفع الأموال الطائلة للصحافة في الداخل والخارج للتعتيم على مجرى المحاكمة والحكم. وانتهاء بأمر شكري القوتلي رئيس المحكمة بوجوب إعدام سلمان بأي تهمة كانت, (وذلك بعد أن برأته المحكمة من تهمة الخيانة). كما اعترف القاضي بذلك لاحقا وبناء على شهادة قائد حملة الدرك محمد علي عزمت واحمد نهاد السياف ، وذلك بنفي تهمة الخيانة الموجهة ضد سلمان .
ويبين الكتاب مواقف سلمان الوطنية من دوره في انضمام الساحل السوري إلى الوطن الأم ووقوفه ضد القائمة الانفصالية التي كان يتزعمها الكنج و من أعضائها البارزين بدوي الجبل .
وموقفه في البرلمان عندما قصفت مدينة دمشق بالمدفعية عندما صرح ببيان تلاه أمين سر المجلس " إني أضع نفسي وعشائري وأموالي تحت تصرف الأمة والحكومة وأعلن أنه إذا كان هناك خلاف بيني وبين الحكومة فأنا وطني قبل كل شيء، وعلى استعداد تام للقيام بكل ما يتطلبه الوطن وبكل ما توجبه سيادة البلاد ."( الجريدة الرسمية ، العدد 38 ، 23 آب 1945 م ). إلى وقوفه في وجه البعثات التبشرية واعتزازه بمعتقده الإسلامي الصحيح. ووقوفه بوجه محتكري تجارة الدخان كالشركات الامبريالية البريطانية وغيرها. وذلك بمنع بيع الدخان لهم حتى يرفعوا أسعاره ويتوقفوا عن استغلال الفلاحين وأبناء الجبل بالاتفاق مع إقطاعي المدينة .

ان قراءتي لهذا الكتاب لا تغني عن قراءة الكتاب نفسه، فالكتاب يشير الى أحداث وأسماء كثيرة لها علاقتها بالمخابرات الأجنبية الفرنسية والبريطانية واليهودية وبشكل توثيقي بإحالتها إلى تواريخها ومراجعها. فهذه الأحداث والأسماء - وبعكس الروايات الرسمية وشبه الرسمية التي جعلت منهم أبطالا وشخصيات تاريخية يفتخر بهم أبناء الوطن - كانت على علاقة بمنظمات صهيونية بمقابل مادي كبير كشكري القوتلي وسعد الله الجابري واحسان الجابري الذي كان متهما بإقامة علاقة عاطفية مع فتاة يهودية تولت سرقة شيفرة الاتصال الخاصة ما بين الجابري وبين مفتي فلسطين الحاج أمين الحسيني .
وهو - أي الكتاب – يشكل وثيقة هامة للدارسين في الرجوع الى التاريخ السوري الحديث، بعيدا من الرواية الرسمية التي غالبا ما تكتب وتوثق بأوامر سلطوية مادية وغيرها، دون رغبتها في توخي الحقيقة. الحقيقة التي يمكن القول عنها بأنها طاقة، والطاقة مصونة بحسب القانون الفيزيائي الذي يقول بإن : "الطاقة لا تفنى ولا تخلق من عدم وإنما تتحول من شكل إلى آخر" . والطاقة هنا كانت أوراق مخبأة في شكل كتابي خرج على الملأ كـ "شعاع قبل الفجر".

الكتاب :" شعاع قبل الفجر "
تقديم وتحقيق: الكاتب والناقد محمد جمال باروت لـ " مذكرات احمد نهاد السياف "
إصدار خاص - 2005

معتز طوبر شاعر سوري وملخص الكتاب .


--
منظمة حريات وحقوق للدفاع عن حرية المعتقد وحقوق الأقليات الدينية والقومية ( حريات )
freedoms.rights@gmail.com (freedoms.rights@gmail.com)