PDA

View Full Version : الاباء قصة قصيرة/ حجي خلات المرشاوي


bahzani
31-12-2007, 11:15
الاباء قصة قصيرة/ حجي خلات المرشاوي

كنا نجلس على قمة التل الكبير نترقب عودتهم اليومية. كنا نلعب احيانا ونلهو احيانا في محاولة لتمضية الوقت باية وسيلة. لانهم سيأتون بعد قليل حاملية عرق الكدح وتغضنات الزمن والابتسامة الممتزجة برائحة التراب. جلسنا وطال الانتظار وتسرب الملل الى نفوسنا الهشة فصارعنا الثواني البطيئة بالحديث دون ان ندرك حينها اننا كنا نحادث انفسنا اكثر من مخاطبتنا للاخرين. كان (صلاح) يحلم بابيه قادما وهو يحمل ملابسا زاهية تضفي على العيد القا وبهجة. وكان (دلدار) يتخيل اباه ممتطيا سيارة كبيرة تشق الهواء وتثير في الجو لجة تهز اركان القرية. اما (فرهاد) السمين فيتمنى ان يرى اباه محملا بانواع الحلوى واللحم والخضار. بينما كان (رشيد) يريد من ابيه زهرة وفراشة. وكان (خيري) يأمل ان يأتيه ابوه بدراجة خضراء كالربيع خفيفة كالقطا وقوية كسنديانة.

كنا نعلن عن احلامنا في وقت واحد ويحاول كل واحد منا ان يبز حلم غيره. فتختلط التخيلات المرتجلة بالاصوات وتمتزج الامنيات الطرية بالجلبة والزعيق فتكاد الامور تتطور الى ما يشبه العراك حتى يعلن احدنا عن وصولهم. فتخفت الاصوات وتتوسع الحدقات وتعلو وجوهنا الابتسامات. كنا نرمي احلامنا المستحيلة ورائنا في غمضة عين ونتراكض منتشين بفرحة اللقاء. غير عابئين بالاحجار التي كانت تعيق اقدامنا العارية. كنا نتسابق بكل قوانا حتى نكون اول الواصلين لنرتمي في احضانهم. كانوا يتلقوننا باياديهم المعروقة ثم يرفعوننا بخفتهم المعهودة ويضعوننا فوق اكتافهم ثم يسيرون مبتسمين مثلنا ومطمئنين بان كل شيء على ما يرام ما داموا قد شاهدونا في موعدنا الدائم. حالما كانوا يدخلون بنا الازقة الضيقة. كنا نفلت من فوق اكتافهم بقفزاتنا المتهورة حارصين على الدخول الى بيوتنا قبلهم كي نبشر الاهل بخبر الوصول. لكننا كنا نصاب بخيبة الامل الروتينية مثل كل مرة حين نكتشف ان امهاتنا يعلمن بالامر وقد احضرن كل ما يلزم لاستقبال رجالهن من الماء الساخن والملابس النظيفة والعشاء الدسم والابتسامة التي تغسل التعب وتخفف من اثار الجوع كنا نكثر من ضجيجنا كرد فعل اهوج على خسارتنا حلاوة البشارة. فتصرخ فينا امهاتنا لحث الاباء على طردنا كي ينالوا قسطا من الراحة. لكننا كنا نصر بعنادنا الصبياني على البقاء. فتعيد امهاتنا الكرة لكن ابائنا كانوا يضحكون غير عابئين بصراخهن. فكنا نعرف ان النتيجة ستكون لصالحنا. كنا نلتصق بابواب الحمامات المتواضعة نحادثهم ونقدم لهم تقريرا مفصلا بكل افعالنا وتحركاتنا خلال نهار كامل. كانت امهاتنا يحاولن مجددا ابعادنا عن الابواب ويطلبن من ابائنا تخويفنا دون ان ينلن غير ضحكات مجلجلة وكلمات مقتضبة تحاول ان تمسك العصا من المنتصف في حيادية محببة كانت تروق لنا ونحسبها انتصارا اخرا على امهاتنا الحانقات. لم نكن حينها ندرك ان ابائنا لم يروا فينا جانبنا الشقي لانهم كانوا يخرجون كل يوم قبل شروق الشمس ويأتون بعد غروبها. بعكس الامهات اللواتي كن يعانين من شيطنتنا ومشاكلنا طوال النهار. لم نكن حينها ايضا ندرك باننا لم نرى في ابائنا جانبهم المتعب والمثقل بالمشاكل والهموم بعكس امهاتنا اللواتي عرفن ازواجهن في جميع الاوقات. كانت صورة الاب القادم من عمله محملا بالحلوى واللعب هي الصورة الاقرب الى مخيلاتنا. بعد العشاء. كنا نجلس حولهم في حلقة غير منتظمة لنستمع الى حكاياتهم. كنا نندمج حالا في جو الحكاية وترتسم على وجوهنا التعابير المختلفة التي يمليها سير الاحداث. فنخاف ونندهش ونضحك او ربما نشعر بالحنق. كانت انعكاسات لهيب المواقد على وجوه ابائنا تشدنا اليهم اكثر وتمنحنا شعورا لذيذا بالحماية والامان وكانت اصواتهم الهادئة تزيد من الق الحكايات وتثري في مخيلاتنا وتسمو بها الى افاق جديدة وحينما تنتهي الحكاية. كنا نشعر بحزن شفاف ورغبة جامحة لسماع المزيد. لكن النعاس ككل مرة كان يغلبنا على امرنا فننام ممددين كيفما اتفق. فتضطر الامات الى حملنا ممتعضات حينا وشاكيات حينا اخر. كانت معضلة تبولنا اخر ما يجابه امهاتنا التعبات من فصول شقاوتنا حين كنا نكابر ونعاند اوامرهن بالوقوف باستقامة حتى تتم العملية دون ان تتسخ ملابسنا. ورغم محاولاتنا العابثة بتحمل ضغط السائل الساخن. كنا نرضخ اخيرا لارادتهن ونفعلها بعد جهد جهيد. وقبل ان يسيطر النوم علينا تماما. كنا نحن بقبلاتهن الحانيات على وجوهنا الباردة ليهدأ الليل وتسكن الارواح.

..............

في الصباح. كنا نستيقظ باحثين عن ابائنا دون جدوى. فقد طلعت الشمس وفاتنا مثل كل المرات مشهد مغادرة ابائنا الى عملهم. نتناول فطورنا المعتاد من الخبز واللبن والشاي ثم نحمل كتبنا المرزومة بخيط مبروم ونسير نحو مدرستنا منزعجين وغير مكترثين بنصائح امهاتنا بالسير على جانب الطريق.اثناء اصطفافنا الصباحي. خرج مدير مدرستنا لاول مرة عن الصورة التي رسخت في اذهاننا عنه كرجل مهاب يقف دائما في منتصف الساحة ويلقي في صرامة الاستاذ وحدة الاب الغاضب علينا المواعظ والتوجيهات. بدى المدير مهزوزا و مرتبكا وهو يتكلم كلاما لم نفهمه او نعبأ به. لكن ما ادهشنا حقا هو صوته المرتجف وحركات جسمه المرتعشة. تكلم عما يسمى بالحرب واوصانا بالحذر والاقتصاد في الطعام والمصاريف. وطلب منا ان نحث اهلنا على خزن المواد الغذائية. فهمنا بغريزتنا وليس بعقولنا ان هناك شر قادم لا محالة. تحدث كثيرا وفهمنا قليلا لكن الامر انتهى نهاية سعيدة حين طلب منا الانصراف. انطلقنا مهللن عابثين. نتدافع ونتراكض طوال الطريق. محاولين قدر الامكان اسقاط بعضنا البعض حتى وصلنا محلتنا. حين دخلنا الى بيوتنا تفاجأنا بامهاتنا جالسات مع بعضهن البعض يتحدثن بنغمة خافتة. خرجنا غير ابهين وحملنا كرتنا لنلعب ونلهو ونعيش طفولتنا الخالية من المسؤولية والتفكير. لكن الامر لم يدم على ذلك الحال. فقد شعرنا بتغير ما في طبائع ابائنا وانتبهنا الى العيون الساهمة والوجوه الخائفة وحركات الايدي المتوترة. بعد فترة صرنا نسمع هدير الطائرات تمر من فوق سطوح منازلنا فيشوش دوي الانفجارات تتابع العابنا فنتوقف ونحن نلمح بشق الانفس الادخنة السوداء ترتفع من بعيد حيث تجثم المدينة الكبيرة. ما عاد الاباء يتواجدون في القرية واصبح الزي العسكري الغريب جزءا عاديا في جسد القرية. كانت المرة الاولى التي تعرفنا فيها على الحذاء العسكري الضخم حين جاء (ابو صلاح) في اجازته. صرنا نعرف ما هي الاجازة وعدم التعرض والنموذج الذي يسمح لحامله بالنزول. تضايقنا من فكرة ان يتحرك اباؤنا وفق ورقة صغيرة تافهة. لاول مرة في حياتنا صرنا نخاف من وجوه ابائنا حين كانوا يأتون من وحداتهم حيث كنا نلمس الجفاء في اطباعهم وخشونة التعامل معنا. وفي يوم لا ينساه تاريخ القرية المتواضع. خرجنا في جنازة مهيبة لتشييع والد (بختيار) الى مثواه الاخير. تتالت الاحداث تباعا وتوالت الاخبار المحزنة كالسيل. فقد (ابو حمو) واستشهد (ابو سلام) اما (ابو فلاح) فلم يقاتل ببطولة واصبح اسيرا لدى العدو. كنا نسمع ونرى لكننا لم نكن نفهم. كانت احداث الحرب اكبر من قدرة عقولنا على التفسير. تغيرت القرية بين عشية وضحاها. فصار الشيوخ يسمعون بيانات الحرب بدلا من اغاني (ام كلثوم والقبانجي) وادمنت العجائز على الذهاب الى المزارات الدينية والقاء ادعيتهم طوال الوقت في رجاءات خائبة لتأمين السلامة لابنائهن. تجهمت وجوه امهاتنا اثر غياب ازواجهن الطويل. وبدون تعبات من ثقل المسؤوليات وخائفات من المستقبل الغامض. وتغيرنا نحن ايضا دون ان نشعر. وصرنا نلعب بالسيوف الخشبية والبنادق الوهمية بعدما كنا نطارد الفراشات والعصافير في بساتين الزيتون. انقلب حال القرية رأسا على عقب. فابو (خيري) الغني امسى معدما يتصدق عليه الجيران بينما اصبح (ابو وسام) يلعب بالنقود لعبا من عمليات التهريب والصفقات المشبوهة. اندهشنا ولم نفهم لكننا كنا نرى بغريزتنا ان القرية وكانما افرغت من روحها الحقيقية وارثها الاصيل وحقنت قسرا بقيم جديدة وغريبة. صرنا نسمع ما كنا نتصوره امرا جللا بمنتهى البرود واللامبالاة ونتناقل اخبار القرية بالكثير من المرح الباطل والمتعة السادية ونعلم الجميع ان ام فلان تبيع جسدها لتعيل ابنائها وان زوج (علانة) يضرب زوجته ويرفض ان يجامعها وان وان وان... وكأنما مارد شهواتنا الشاذة كان ينتظر تلك الفرصة السانحة ليخرج من قمقمه الجبار. كثرت دعاوى الطلاق والمشاكل التي تنجم عنها وباتت القرية جسدا سقيما يأكل اعضاؤه بعضها البعض. اختفى اغلب معلمينا واصبح التعليم يقع على عاتق المعلمات حديثات التخرج. وصار هم مدرستنا الاكبر الخروج في مظاهرات ومسيرات ورفع الشعارات البراقة. اصبحنا نرى مشاهد الجثث المتعفنة والدماء المتجمدة وسرف الدبابات وسبطانات المدافع على شاشات تلفزيوناتنا المهترئة. وكبرنا. كبرنا بسرعة غريبة. سبقنا اجسادنا بعقولنا وفقدنا براءتنا قبل اوانها. كانت نفوسنا تتآكل تحت وقع ما نشعر به من مرارة وحزن ونحن نكابد من صدماتنا المتكررة برؤة احد ابائنا وهو يقطع مرغما اجازته الدورية ويذهب دامع العينين وشاربا حتى الثمالة وليس في عينه ادنى براقة امل بالعودة مرة اخرى. لقد تخدشت اللوحة التي رسمناها في مخليتنا البضة. تبدلت نظرتنا للامور وتبدلت مشاعرنا. مات فينا ذلك الشعور النقي الشفاف وخبئ احساسنا بالكثير من الاشياء الجميلة وصرنا نشعر بغربة فظيعة عن انفسنا وعن محلتنا وبيئتنا. وانفرط سريعا عقدنا كمجموعة اطفال عاشت سوية لسنين طويلة. صرنا نتعارك لاتفه الاسباب بالسكاكين والحراب والمسدسات. كنا نفقد ابائنا الواحد تلو الاخر وكان كل شيء جميل في الحياة ينزلق من بين ايادينا ككرات الزئبق. انغلقت الدنيا على نفسها وانضغطت افاق حياتنا حد التلاشي وانسدت كل الابواب والسب. حاولنا جاهدين استعادة بعضنا من انسانيتنا. حاولنا استرداد ما خسرناه. حاولنا تعويض ما فقدناه لكن التيار كان عاتيا جبارا يجرف كل شيء امامه. فاخفضنا رؤوسنا مهزومين واسلمنا انفسنا لسيله.