PDA

View Full Version : هوشنك بروكا:احتكار الله إيزيدياً


bahzani
16-01-2008, 13:13
احتكار الله إيزيدياً

هوشنك بروكا

1/3

الله، في كلّ الدين، هو "مفهوم عالٍ"، وبمعنىً دينيٍّ أدق، هو "وجودٌ سامٍ"، يعلو على كل الوجودات الأخرى. هو، وفقاً لكل الحسابات الدينية(ضرباً وتقسيماً، وجمعاً وطرحاً)، "وجودٌ" متفوقٌ، ممتازٌ، فوق بشريٌّ، فوق عاديٌ، وفوق طبيعي.

ولو سألت أي عابد ديني(أياً كانت جهته أو طريقته في البحث عن الله)، سؤالاً بسيطاً، "من هو الله، وماهي صفاته؟"، فسوف يكون الجواب، في بعضه المباشر، تقريباً، كالآتي:

الله، غير محدود، عالٍ في كل صفاته؛ كبير في كل أفعاله؛ مستغرقٌ في كل الزمان ومنتشرٌ في كل المكان؛ ممتدٌ في السماء إلى مالا نهاية؛ حيٌ أزليٌّ قيوم؛ دائم الوجود لا ينضب؛ كليُّ القدرة ومطلقُ الكمال؛ يعمل ما يشاء، متى وأنى شاء، وسوى ذلك من الصفات المطلقات، والميزات اللامحدودة، التي من شأنها أن "تؤسطر" وجود الله، وترفّعه إلى مصاف الموجود "الغائب الحاضر"، "البعيد القريب"، الجميل المتوقع، والكبير المرتجى، والكثير الحلم، والمقصود المفترض، أبداً.

إذن، الغالب في الدين وخطابه(بغض النظر عن التفاصيل التي فيها تكمن الشياطين)، يحاول جاهداً، عبر ألفباء العبادة وشكلياتها وروتينياتها، تربية العابد بما يمكن أن أسميها ب"أخلاق الله"، و"عاداته"، و "تقاليده".

والعبادات(عبادة الله وما حوله)، في كل الدين، هي في المنتهى، محاولة دينية، للدخول إلى المفترض من "ثقافة الله"، أو بعضها، وهي، بالتالي، "رحلة إيمانية" للعبور من ثقافة "التحت"(تحت الله)، أي الثقافة الأنسية الزائلة، إلى "الفوق"، أي "فوق الله" العالي، وثقافته العالية، الباقية، الأزلية.

ولولا إيمان العابد، ب"علو" تلك الثقافة الإلهية الفوق عادية، واعتقاده الكثير ب"خلاصيتها"، بإعتبارها "ثقافةً حلاً"، للحياتين(الحياة الدنيا، والحياة العليا أو الآخرة)، فضلاً عن خوفه الدفين من عقاب "الإنحراف عن ثقافة الأصل الإلهية"، لما أضاع الإنسان الديني العابد، ساعةً واحدة من وقته، في ممارسة العبادات والإيمانيات والطقسانيات ومشتقاتها، ولما ادخر جهداً في ضرب الأخماس بأسداسها، في كل حياته، خارجاً على كل الله وعلى كل ثقافته.


دون أدنى أيّ شك، فإن للكل، على مستوى "ما للفرد وما عليه"، كامل الحق في عبادة ما ومن يشاء، أنى وأين يشاء. فلا يوجد دين "أحسن" من دينٍ آخر، كما لا يوجد إلهٌ "أجود" من إله. وذلك لسببين بسيطين:

أولاً، لأن كل عابد ديني، أو معتقدٍ بأيّ دينٍ كان، يرى في دينه "خير دين"، وفي إلهه "خيرُ إله". وعليه، فإن كل إنسان ديني أو متدين، يرى في الله الذي يعبده كل الله. ف"كل دينٍ بإلهه معجبٌ".

ثانياً، على مستوى القراءة الحيادية، فإنّ تاريخ الأديان، من أكثرها بدائيةً إلى أكثرها ارتقاءً، هو عبارة عن تراكم من الظهورات الإلهية، من تجليات الحقائق القدسية، ليس ثمة انقطاع لإستمرارية الظهورات الإلهية بدءاً من أكثرها إبتدائيةً كتجلي القدسي في شيءٍ ما، حجر أو شجر، وانتهاءً بالتجلي الأعلى الذي يتمثل لدى المسيحي في تجلي الله في يسوع المسيح، فهو دائماً نفس الفعل الخفي: تجلي شيء "مختلف تماماً"، أي حقيقة لا تنتسب إلى عالمنا، في أشياء تشكل جزءاً لا يتجزأ من عالمنا "الطبيعي"، "الدنيوي"(ميرسيا إلياد: المقدس والدنيوي، ت. نهاد خياطة، العربي للطباعة والنشر، دمشق، 1987 ص13).


فعلى مستوى العبادة والإيمان ب"تجلي" القدسي والإلهي في الظهورات الدنيوية، الفعل هو واحد، وكذا الوظيفة تبقى هي نفسها، فيما الأبطال "الإلهيين" أو "المؤلَهين"، يتغيرون ويتحولون من دينٍ إلى آخر، ومن أسطورة إلى أخرى.

فمثلاً لا فرق، من حيث المبدأ، بين التجلي القدسي أو بعضٍ من الله، في "الحجر الأسود" لدى المسلمين، وفي "الصليب" لدى المسيحيين، وفي "الشمس" و"البرات" لدى الإيزيديين، وفي "الصليب المعقوف" و"عين الشمس" لدى الميثرائيين، وفي "طائر الجنة الأزلي" لدى الزرادشتيين، وفي "الشمس" لدى الكاكائيين، وفي "ذو الفقار" والنار لدى العلويين...إلخ.

على الصعيد الفرداني، كما أسلفت، لكلٍّ حقه الكامل، في أن يعبد من يشاء، وأن يعتقد بما ومن يشاء. ف"من شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر"(الكهف29:18).

فالعبادة(عبادة الله أو دونه، عبادة السماء أو الشجر أو الحجر)، كما أرها، هي في المنتهى، حقٌ شخصيٌ، "مقدسٌ" ومُصان، ليس لأحدٍ أي حقٍ، في ممارسة الحجب، تحت أية حجةٍ كانت، على إلهِ أيٍّ آخرٍ، مهما كان.


وأنا، إذ أدرس الدين وأحفر فيه، فإني لا أدعو بأيّ حالٍ من الأحوال، إلى "تسطيح"، أو "تحقير"، أو "تبخيس" الدين، ك"عبادة بريئة"، بقدر ما إني أحاول تعرية "الخطاب الديني" المؤسِس ل"إلهٍ غير عاقلٍ"، و"متخلف"، و"رجعيٍّ"، إذ يحاول "فوقه المسؤول"، عبر ويلِ وثبور وِتهديدِ ووعيدِ "عصاه السماوية"، زج أتباعه "التحتيين" الغلابة، في "ثقافةٍ رجعيةٍ"، يمكن وصفها في أقل تقديرٍ، بأنها ثقافةٌ "مضت"، أو ثقافةً كانت، فباتت "خارج الإنسان"، و"خارج التاريخ"، و"خارج المكان" راهناً.


فالعابد البسيط، دينياً، يرى في الله و"ثقافته" منقذاً أبدياً، وحلاً بلا منتهى، لكلّ دنياه وكلّ آخرته. من هنا، هو يحاول طيلة دينه، أن يقوم ويقعد في جهة الله، عله يعيش ب"جانبه"، أو قريباً من رحمة أياديه. ف"جانب الله"، هو المرمى، أو المقصد الأخير في "أجندة" كلّ صلاة، أو دعاءٍ، أو صومٍ، أو زكاةٍ، أو طقسٍ، أو أي فعل دينيٍّ آخر.


ولكن الملاحظ في الغالب من الدين(أو ربما كله)، هو أن القائمين على شئونه، يستخدمون "ثقافته"(التي هي من ثقافة الله)، ك"شماعةٍ" تحت الطلب، للعبور بها إلى فوقهم الخاص(لا بل والخصوصي جداً)، بدلاً من فوق الله، وفوق ثقافته "المفترضة".


في كل الأديان، كلها بلا استثناء(سماويةً كانت أم وضعية، كتابيةً ام شفوية)، هناك فاعلون مستفيدون و"مفعولون بهم" أو "مركوبون عليهم"(على دينهم وسذاجتهم وألمهم، وبراءتهم).

والدين الإيزيدي، كدين "شفوي"، مثله مثل أيّ دينٍ قائم على الماورئيات والنصوص الميثية المؤسطرة وتاريخ الله القديم، فيه الغث وفيه الثمين، فيه الحي وفيه الميت، فيه "الله المناسب" وفيه "الله الغير مناسب"، فيه من التاريخ الماضي وفيه من التاريخ الحاضر والتاريخ المستقبل.


ركوب الدين، إذن، من جهة البعض "الديني"(أو المتظاهر بالدين) لابتغاء "فوقياتهم" الخاصة، عبر أجندةٍ خاصة جداً، هي حالةٌ مشتركة بين الغالبية الساحقة من المجتمعات الدينية، و"ثقافة" آلهتها.

فالكلّ الديني الرئيس، عقائدياً، هو في هوى الوصول إلى "نعيم" الفوق، سوى.

امتطاء الديني و"المقدس"، للعبور بهما إلى الدنيوي و"المدنس"، تكاد تكون حالةً عامةً، سائدةً، في كلّ الأديان، مع تفاوت نسبي من دينٍ إلى آخر، ومن ثقافةٍ "إلهيةٍ" إلى أخرى، ومن زمكانٍ إلى آخر.

فالدين، على امتداد كل الله، كان ولا يزال، على مستوى الغايات التي تُبرر بوسائلها، مطيةً لبلوغ "إله محدود"، ومصالح محدودة، مزروعة في أجندة محددة، ومرسومة سلفاً.


ولكن إيزيدياً، كيف يُمتطى "الديني" المجهول، للوصول إلى الدنيوي المعلوم؟

كيف يُركب "المقدس" وأخوانه وأخواته، للعبور إلى الزائل "المدنّس" ومشتقاته؟

كيف يُستخدم الدين، ك"حصانٍ إلهيٍّ"، للهروب إلى الدنيا وأمجادها، ودرجاتها، ونياشينها، وانقلاباتها؟

كيف يتم "تنويم" التحتيين السذج، آخروياً، و"تؤكل الحلاوة بعقولهم المعطّلة"، كي يتمتع "الفوقيون المختارون" بلذائذ الدنيا، و"بحبوحاتها"، ونعمها؟

كيف يُختزل الطريق إلى الله و"عاداته"، في نفقٍ مظلمٍ، يؤدي إلى السياسة وعاداتها، ومناطحاتها، وكراهياتها؟

كيف يُختصر "الله الواحد" إلى الشيخ الواحد، والواعظ الواحد، والجيب الواحد؟



hoshengbroka@hotmail.com (hoshengbroka@hotmail.com)