PDA

View Full Version : فخر الدين فياض:الاصولية اليابانية والاصولية العربية


bahzani2
27-01-2008, 21:45
الأصولية اليابانية والأصولية العربية !!

نحو \"فوكوزاوا\" عربي

فخر الدين فياض

كاتب وصحفي سوري

كثيراً ما يتساءل المرء عن \"السر الياباني\"، وكيف استطاعت هذه الدولة الآسيوية، إذا ما قورنت بالصين والهند، أن تدخل عصر الحضارة الغربية في وقت يبدو اليوم مبكراً جداً.

اليابانيون شعب قومي، فلاحي متأخر محكوم من قبل إمبراطور كان يُعدُّ ولقرون طويلة بمثابة إله على الأرض.

واليابان عبارة عن مجموعة من الجزر المتناثرة والمنغلقة على نفسها، يكاد الفقر والجدب يقضي عليها، بالإضافة إلى أنها تقع على خط الزلزال الناري، الذي يضرب بين الحين والحين، فلا يترك حجراً على حجر.. ولم تعرف اليابان فورة النفط ولا الغاز، ولا تتمتع بميزات المناخ الشرق الأوسطي، ولا تقع في منطقة إستراتيجية يهتم لها العالم القديم أو الجديد.. ومع ذلك استطاعت اليابان أن تنافس الولايات المتحدة وأوروبا وتتحول إلى أحد أهم الأرقام الصعبة في طريق الرأسمالية العالمية، وإلى منافس اقتصادي حقيقي لها.. بالطبع دون أن تتسلح في حربها الحضارية تلك بالخطابة والشعارات و\"المبادئ\" الخالدة.

كثيرة هي الإجابات التكنولوجية حول \"السر الياباني\"، ومعظمها ينصب على أنها استطاعت أن تعرف (الكود) الغربي وتطبقه عبر مئات أو آلاف الطلاب الذين أرسلتهم إلى أوروبا وجلبوا معهم ذاك (الكود)، وكأن المسألة تقنية.. ببساطة!!.

لكن أسرار التقنية والعلم، لم تعد أسرارا اليوم، ولم تكن يوما ما أسراراً، إنما هي (سلعة) معروضة في كل مكان، ومع ذلك ظلَّت المنطقة العربية والإسلامية بمعظمها غير قادرة على معرفة ذاك (الكود) والتحول بوساطته من بلدان استهلاكية إلى بلدان منتجة، ومن عشائر وطوائف وأعراق إلى أمم ودول حديثة.

ولكن لماذا اليابان استطاعت ذلك؟!.

الحكاية أن هناك سلالة حكمت اليابان منذ أواخر الستينيات من القرن التاسع عشر تدعى (الميجي).. رفعت هذه السلالة شعار (الانفتاح على الحضارة والتنوير) من أجل يابان عصرية، منتجة، معتمدة على ذاتها.

بالمقابل كان المفكر (فوكوزاوا يوكيشي) ينتقد اليابان المغلقة بمعتقداتها وبآلية تفكيرها وبنظرتها إلى الآخر، ويدعو إلى تغيير عام وشامل في الحياة اليابانية، أيضاً بدأت حركة الترجمة إلى اليابانية مثل المد الجارف.. لم يترك اليابانيون علماً أو فلسفة أو ثقافة أو أدباً في الغرب لم يقوموا بترجمته. بالإضافة إلى الدور العظيم الذي لعبته الصحافة الوليدة آنذاك في هذا التحول التاريخي الجبار.

ولكن ألم يعارض سلالة (الميجي) وفوكوزاوا والصحافة الوليدة أحد في اليابان؟!.

قلة هم الذين سمعوا بالأصولية اليابانية أو قرؤوا عنها أو فكروا بدراسة اليابان إبان تحولها العظيم.

لقد اندلع صراع ضارٍ آنذاك بين تيار يدعو إلى الانفتاح والتحديث وتيار يرفض هذا الانفتاح ويدعو إلى طرد (البرابرة والهمج) وحرق كتبهم.. أي الأجانب.

وحجج التيار الأصولي الياباني لا تختلف عن حجج الأصوليات العربية والإسلامية، فقد راح يعلن بأن اليابان سوف تفقد روحها، وتضيع شخصيتها القومية وسوف تتناثر عقائدها وثوابتها ومقدساتها في مهب الريح.. وأن هؤلاء الذين يدعون إلى الانفتاح ليسوا أكثر من (زنادقة ومهرطقين وعملاء للغرب..).

في النهاية انهزم التيار الأصولي في اليابان التي سارت بخطى ثابتة في ركب الحضارة، وأشرقت عالميا، واستطاعت تويوتا أن تنافس الفورد والمارسيدس ببساطة، بل تنتصر عليها ليس في الأسواق العالمية وحدها وإنما في الأسواق (القومية) لهذه الشركات أيضاً.

هل يعلمنا \"السر الياباني\" شيئاً؟!.

وهل نتساءل ، لماذا ونحن (خير أمة أخرجت إلى الناس) وحبانا الله بكل خيرات العالم من مناخ وثروات وتنوع، بالإضافة إلى مصادر الطاقة (النفط والغاز) فضلا عن حركة الاستشراق التي قدمت لنا علومها وفلسفاتها ودراساتها على طبق من فضة.. وما زلنا نعيش في واد والحضارة في واد آخر؟!!.

سيقول أحدهم: نحن اليوم ننتقل بالبوينغ والتويوتا والمرسيدس، ونتخاطب عبر البريد الإلكتروني والهاتف الخليوي.. أي أننا نستخدم أدوات التكنولوجيا جميعها.. وهو أمر صحيح، ولكن على ما يبدو لنكمل (جدالنا) حول من كان الأحق بالخلافة وما هو عقاب (الروافض) أو (النواصب).. وإن كان سيد قطب قد خرج على سيدنا ابن حنبل أو أن محمد بن عبد الوهاب قد طابق الشيخ (ابن تيمية) أم لا؟!!.

وبالطبع مع جدالاتنا هذه، نطلق هتافا بين الحين والآخر: تسقط الامبريالية، القضاء على أعداء الشعب والأمة!!..

في الحقيقة إن التيار العقلاني والمتفتح هُزم عندنا منذ المعتزلة وصولاً إلى ذبح فرج فودة وبراءة سيد القمني مما كتبه .. وانتصرت الأصولية داخل الوعي العربي والإسلامي.

الأصولية اليابانية هُزمت.. وانتصر اليابانيون.

الأصولية عندنا انتصرت وانهزمنا نحن العرب والمسلمين.. ولا أدري إن كان في (العمر مهلة) لسلالة (ميجي) إسلامية أو لـ(فوكوزاوا) عربي؟!.