PDA

View Full Version : لماذا التشكيك بشخصية الشيخ عدي بن مسافر


عالية بايزيد اسماعيل
19-07-2005, 13:36
لماذا التشكيك بشخصية الشيخ عدي بن مسافر
عالية بايزيد إسماعيل

يلاحظ في الآونة الأخيرة ظهور موجة تيار تحمل أفكارا دينية جديدة تجتاح الأوساط المختلفة بهدف الإصلاح الديني أو تجديد مفهوم (الايزدياتي) بلغت من الدرجة إلى حد استهداف الرموز الدينية والتشكيك بها وما لاقت هذه الأفكار من هوىً في نفوس الغالبية العامة وهم معذورين في ذلك لان الناس أعداء ما يجهلون حسب ما تقول الحكمة الشهيرة,و أصبحت تتناقل بسرعة والناس من حيث يدرون أو لا يدرون يتداولونها .
فنحن نطالع مقالات منها الرصينة ذات محتوى منطقي جيد , وبالمقابل هناك مقالات أخرى اقل ما يقال عنها أنها ساذجة لا يعلم إلا الله وحده مصدرها يحيطها الحيرة والإرباك ولا تخدم الحقيقة لأنها تنطلق من قناعات مسبقة متجاهلة مصادر الماضي التاريخية وبدون تحديد الهدف منها ,ومن هذه الكتابات التشكيك بنسب وشخصية الشيخ عدي بن مسافر مؤسس أو مجدد الديانة اليزيدية وواضع أسس نظامها الديني وتهميش دوره إلى حد الإلغاء ,ولو تركنا جانبا دوره وأهميته في النصوص الدينية وبحثنا في المصادر التاريخية فان الشيخ عدي هو :عدي بن مسافر بن إسماعيل بن موسى بن مروان بن الحسن بن مروان (ابن خلكان ,وفيات الاعيان ص 417) الأموي لقباً,الهكاري مسكناً ,ولد في بلاد الشام بموضع يعرف بشوف الأكراد بضيعة تسمى بيت فار (ابن المستوفي تاريخ اربل ص116) وان كلا من ابن خلكان وابن المستوفي عاصرا الشيخ عدي في حياته , الاان هناك اختلاط بينه وبين حفيد أخيه عدي بن أبو البركات صخر بن صخر بن مسافر الملقب بعدي الكردي سببت العديد من الاشكالات لدى اغلب الباحثين في شخصية الشيخ عدي بن مسافر ,فقد جاء في جواهر القلائد ص110 وفي وفيات الأعيان ص316 ج1,وفي تاريخ الموصل لياسين العمري ص299 ح1 ,ومباحث عراقية ليعقوب سركيس ,أن الشيخ أبو البركات صخر بن صخر بن مسافر هاجر مع عمه الشيخ عدي إلى لالش وكان صغير السن وصاحب عمه وكان زاهداً متصوفاً حتى قال عنه عمه (أبو البركات يخلفني )وكان مرجعاً للكثير من المشايخ في زعامة الطريقة العدوية ,أما ابنه شرف الدين عدي الهكاري التيراهي الكردي المولد الذي ولد في منطقة لالش بعد عشرة أيام من موت عمه الشيخ عدي بن مسافر فنشأ وتعلم فيها وتكلم بلسان أهلها الكردية واكتسب عاداتهم حتى عده البعض كردياً لذلك أطلق عليه لقب عدي الكردي .
فالشيخ عدي بن مسافر هو اشهر شيوخ عصره صاحب الكرامات الواضحة ,اظهر الكثير من المعجزات وقد نال بالمجاهدة مرتبة يصعب بلوغها تعذر على الكثير من المشايخ وقد شهد له الشيخ عبد القادر الكيلاني وقال عنه (لو كانت النبوة تنال بالمجاهدة لنالها الشيخ عدي بن مسافر ) وقد اتخذ من جبال هكار في لالش ومغاراتها مكانا لصومعته الصوفية ,وتبعه خلق كثير واصبحوا من مريديه لهيبته وتقواه .(اللخمي ,بهجة الأسرار ص152).
وفي العقيدة اليزيدية فان النصوص الدينية والأقوال والأدعية الدينية تمجد الشيخ عدي بن مسافر إلى حد التقديس لأنه يشكل رمزا مقدسا في الثالوث المقدس :الله ,طاووس ملك ,شيخ عدي (آدي).وان زيارة قبره في المناسبات والأعياد الدينية وخاصة في عيد الجماعية تعد من ابرز المظاهر الدينية .
وتأتى أهمية الشيخ عدي من كونه موسس العقيدة اليزيدية وواضع أسسها ونظامها الديني وهو الذي أوجد مرتبة الشيوخ في النظام الديني بعد أن كانت مالفة من مرتبتين هما البيرة والمريدين وجعل هذه المراتب متوارثة وحرم الزواج فيما بينها حفاظا على نقاء كل سلالة من الاختلاط,كما حصر الوظائف الدينية في عائلات الشيخ والبير .وتتكون أسرة الشيوخ من ثلاث سلالات وهي :ألادانية والقاتانية والشمسانية .والتي يطلق عليهم لقب (مالا ئاديا)أو البيت العدوي وهناك قول (مالا ئاديا كولى دارينه) دليلا على إن أصولهم واحدة يرجعون فيها إلى الشيخ عدي (آدي) .
وقد تجاذبت تسمية ألادانية العديد من الآراء والاجتهادات ففي حين يفسرها البعض بأنها مشتقة من (آديان) مؤسس العائلة اليزيدية والتي حورت الكلمة فيما بعد إلى عادي أو آدي ,بينما آخرون يرجع اصلها إلى المنطقة الجغرافية الواقعة بين عقره وزاخو والتي تضم الشيخان ودهوك أو ما تعرف بمنطقة (بادينان) ,وفئة ثالثة تذهب في تحليل اشتقاق الآدانية الى حد الغرابة في التفسير حين يرجع التسمية إلى (الشيخ آدي)الذي يرجع إلى ما قبل الألف الثالث ق.م الذي هو اله المطر وهو أحد الآلهة الثلاثة الذين يشكلون الديانة اليزيدية آنذاك في المعتقد البابلي القديم وان محبة الآشوريون للشيخ آدي أدى بهم إلى أن يصوروه في نقوشهم الحجرية لذا توجد معبده في قلب لالش(د.خليل جندي مجلة لالش العدد5).ومهما قيلت من تفاسير في تسمية ألادانية والتي كلها تنطلق من اجتهادات شخصية فان ألادانية اصلها عربية وترجع نسبة إلى الشيخ عدي أو عادي أو آدي مع إن هناك رأي يرجعها إلى العدنانية ,وكذلك القاتانية نسبة إلى القحطانية والشمسانية إلى عبد شمس والدخول في التفاصيل يبعدنا عن الموضوع ويمكن الرجوع إلى تاريخ آداب اللغة العربية لجرجي زيدان المجلد الأول لمعرفة أنواع القبائل واشهر بطونها التي كانت موجودة في تلك الفترة والتي منها استمدت أسماء سلالات شيوخ البيت العدوي .
وان لجوء الشيخ عدي من الشام إلى لالش كانت له أسبابه ودوافعه فقد كان يعلم إن هذه المنطقة هي الأرضية الخصبة لنشر دعوته فيها (أوليا جلبي سياحتنامة ص449) أما البدليسي في (الشرفنامة )الذي هو تاريخ الأكراد فيقول أن بلغ من تأثير الأمويين على الأكراد وتعلقهم بهم ما حمل بعض الأكراد أن ينتسب إلى الأمويين فذهبت قبيلة الهكارية إلى انهم من أولاد مروان بن الحكم وهذا ما حملهم إلى أن يلتفوا حوله .أما جورج حبيب في( اليزيدية بقايا دين قديم) فيقول :لقد ظل هذا الدين على شكله القديم حتى ادخل عليه الشيخ عدي نظام الطبقات عناصر قومية عربية كشيوخ الأسرة القاتانية والادانية واسرة القوالين في بعشيقة وبحزانى الذين يتكلمون العربية القديمة القريبة من اللهجة السورية بلكنة خاصة بهم ,أما القلقشندي فقد ذكر اتباع الشيخ عدي بأنهم طائفة من العرب من بني أمية اعتصموا بهذه الجبال وأقاموا بين الأكراد وانخرطوا في سلوكهم .
ومهما قيل من أسباب في استقرار الشيخ عدي في لالش ونشر دعوته فيها فان الأسباب في حينها كانت ملائمة ,فهذه المنطقة من كردستان معظم سكانها من الأكراد والزرادشتيين والآشوريين والعرب الناقمين من السلطة العباسية الذين وجدوا في الشيخ عدي ضالتهم وآمنوا به وبطريقته الصوفية ولاشيء يستهوي العامة مثل الدين للتغلب على أهوائهم وعقولهم .
هذه هي حقيقة الشيخ عدي وهذا هو كما وردنا من أخبار المؤرخين المعاصرين له ,وما مدون في النصوص والأدعية الدينية ,إلا انه يبدو أن لدى البعض من كتابنا وباحثينا مشكلة في كيفية التخلص من الأوهام المسيطرة على عقولهم وهذا يتطلب أن نمنح العقل مجالا للتحرر من قيوده بدليل أن قيوده ما تزال غارقة في مستنقع الجهل والخرافات , وعلينا الانطلاق من المصادر التاريخية بعيدا عن التعصب كي لا نبتعد عن حقيقتنا وان لا نبحث في الماضي من زاوية الرفض أو القبول بل علينا أن نقبلها كما هي حتى ولو كانت متناقضة مع قناعاتنا دون الانطلاق من قناعات مسبقة ووضع حد للمغالطات التي تشوه عقيدتنا عن عمد أو غير عمد .