PDA

View Full Version : حسين عيسو:نوروز- يوم الحرية


bahzani2
26-03-2008, 20:32
نوروز- يوم الحرية
نوروز يعني يوم الخلاص من العبودية والطغيان والانطلاق الى فضاء الحرية لدى جميع الشعوب التي تحتفل بهذه المناسبة مهما اختلفت تسمياتها عند الكرد أو غيرهم م وأسطورة كاوى الحداد "المخلص" تعود بنا الى "دوموزي = تيمو – زي = تموز" ذلك الإله الايزيدي السومري الذي عاد في عصور متأخرة باسم "خدر الياس أو خوجي خدر "الخالد" والذي سلمته الإلهة السومرية "انانا" الى العالم السفلي "الموت" كما في الأسطورة السومرية فداء لها كي تعود هي لتستمر مهمتها المقدسة في منح الخصوبة للطبيعة والحرية والحياة لكائناتها حين كان العقل البشري يحبو على مدارج بدايته الفكرية, إيمانا بأن الأنثى هي مصدر الحياة في هذا الكون وأن القدسية والخصب والحياة هبات من الطبيعة= الأنثى = الأم . ولما كان الذكر يومها مجرد رقم ضعيف لائذ أحضان الأنثى المقدسة معتمدا عليها فقد تم الفداء به كي تعود هي من عالم الموت الى مهمتها المقدسة في العطاء ولو عن طريق الفداء بالذكر قليل الفائدة مقارنة بالأنثى من أجل استمرار الحياة .ففي بداية اكتمال مدارك الإنسان ومعرفته لأهمية ما تقدمه الطبيعة للحياة تم تقديس الأرض على أنها الأنثى الأم الأولى التي انبثقت منها كل الأحياء فإنجاب الأطفال ونمو النبات وبدء الحياة من فعل الأم التي هي الأرض التي سميت في بلاد الرافدين "ماما" أو "مامي" من حيث أنها التي تقوم بفعل الخلق والإنتاج, فالخصب والإنتاج جرى تجسيده في الإلهة الأنثى "ان-آنا"السومرية =عشتار" البابلية فيما بعد وحين كان دوموزي السومري مجرد اله وعشيق لانانا السومرية اعتبر مع عشتار البابلية رمزا لا يمكن الاستغناء عنه عندما بدأت أطماع الإنسان ومحاولة كل مجموعة الاستيلاء على ما يملكه الآخر تبين أنه لا يمكن الاستغناء عن الرجل صاحب القوة فنرى أن عشتار تعمل المستحيل لإنقاذه من العالم السفلي حين ترى انه لا يمكن أن تستمر الحياة بدونه ,
وهنا نرى أن موت انانا أو دوموزي "نزولهما الى العالم السفلي" ثم خلاصهما وعودتهما الى الحياة تجسيدا للحرية والحياة الجديدة .
تقول الاسطورة عن خلاص انانا من العالم السفلي بعد تسليم دوموزي إليه: "كان عليه أن يدفع الثمن غاليا لعدم اكتراثه بزوجته وحداده عليها فحمّل مرغما الى عالم الأموات بديلا عن الإلهة الوحيدة التي تغلبت على الموت وقهرته منتصرة لبدء حياة جديدة" وهكذا نجد أن انانا السومرية التي تبعث بدوموزي الى العالم السفلي "الموت" لتنقذ نفسها تعود لتقوم بتخليصه منه لتبقى الى جانبه ثم تتوارى شيئا فشيئا خلفه فيما بعد حين تغلبت أهمية القوة البدنية على العاطفة والحنان ونجد مثيلا لذلك في الأسطورة الإغريقية اليونانية , فالإلهة الأنثى التي سميت "جيا" = الأرض تخلق لها الها ذكرا جديرا بها هو "أورانوس = السماء" الذي غطاها من جميع جوانبها لكونها بحاجة الى قرين ,"مازال العريس في الهند يهمس في أذن عروسه ليلة الزواج بكلمة "أنا السماء وأنت الأرض" كما في الأسطورة الإغريقية .
ولما كان للسومريين وبلاد الرافدين باع في علم الفلك فقد اكتشفوا وجود "كوكب الزهرة"البهي واعتبروه رمزا لإلهتهم "ان انا" التي تعني "سيدة السماء", وكما انتقل النوروز الى العديد من شعوب المنطقة انتقلت قبلها عبادة الأنثى الأم أيضا الى باقي الشعوب فتحولت انانا الى عشتار ثم الى عنات في بلاد كنعان ومع الفينيقيين انتقلت الى اليونان باسم أفروديت وفي روما سميت فينوس ولقبها البحري "ستيلا ماري" فكلمة البحر تعني في اللاتينية "ماري أو ماريا" وذلك بفضل أهل الساحل اللبناني الفينيقيين كما يقول فراس سواح.
ويشير عباس محمود العقاد الى أن اسم "مريم" كان يطلق على إلهات الخصب في المنطقة ولقب "البتول العذراء" هي من صفات كوكب الزهرة.
لست هنا بصدد سرد تاريخي لأسطورة تقديس الأنثى التي كانت تعتبر فيما مضى الأصل في خلق الحياة والحرية فهي مازالت كذلك وان أهملت فيما بعد الى أن وصلت الى مستوى الجارية وعورات لا تنتهي إلا بموتها ؟.
ولكني هنا أردت الحديث عن "نوروز" كيوم جديد للخلاص من الطغيان والظلام الى حيث النور والحرية , فالأسطورة التي تحكي عن كيف قضى كاوى الحداد على "الطاغية أزدهاك وافاعيه التي كانت تتغذى على دماء الشبان الكرد" ثم ايقاد النيران دليلا على خلاص شعبه من الظلم الى الحرية "نوروز" تأتي في نفس سياق اسطورة "دوموزي" والخلاص من العالم السفلي "عالم الموت" الذي كان معروفا بالعتمة والأفاعي والأرواح الشريرة فكل هذه الأساطير تدور حول الخلاص من الظلام وشرور الطغيان الى النور والحرية والخصب ونجدها مع الزمن قد أصبحت جزءا هاما من معتقدات أغلب شعوب المنطقة , فاله النور الآري "ميثرا" يدخل في حرب مع قوى الظلام ثم يستشهد موتا على الصليب ليعود الى الحياة يوم الحادي والعشرين من آذار فتعود بقيامته الحياة للأرض والطبيعة دليل الخلاص من العبودية والظلام وكذلك في الديانة الزرادشتية التي تعتقد بظهور مخلّص كل ألف عام, وفي المسيحية حيث السيد المسيح "فادي ومخلص" أيضا ثم المهدي المخلص في الإسلام كل ذلك آمنت به الشعوب بحثا عن العزاء عند اشتداد الظلم والطغيان إيمانا بأن القهر والاستبداد مؤقت لا يدوم وأن العدالة لابد آتية .
لذا أرى أن اعتبار يوم الحادي والعشرين من آذار حيث ينتهي الشتاء وينبثق الربيع لتبدأ الحياة من جديد "عيدا للأم" التي تطلق صرخة الألم لتهب الحرية والحياة لكائن جديد كما الطبيعة تمنح نسغ الحياة للنبات نفس اليوم الذي يتخلص فيه دوموزي من العالم السفلي ومخلوقاته الشريرة ويتخلص فيه كاوى من ازدهاك ليمنح الحرية والحياة للآخرين هو تكريم للأم هذا المخلوق المانح المقدس رمز العطاء والحب والحنان الذي لايحس به الانسان الا بعد أن يفقده الى الأبد.
منذ أعوام وحين أردت أن أتذكر شيئا عن أيام الطفولة والمدرسة كان حنان أمي التي مضت أعوام طويلة على وفاتها أول ما تذكرت لما كتبت عن قريتنا "خربة أو باب السلام" أنقل بعضا منها مع الاعتراف بأني لست بشاعر أقول : ........
نطارد الطيور في السهول – ونأكل الخبز من التنور – أجسادنا تحرقها شمس النهار- وفي الشتاء الزمهرير والمدرسة- فأمنا تصحو مع الطيور, لتشعل النيران وتوقد البابور – فتدفئ حجرتنا الصغيرة ونملأ بطوننا ذخيرة- لنهرع للمدرسة في البرد والثلوج – اعارك الوحول في الدروب – مجرجرا حذائي المثقوب - وغالبا ما يبدأ العراك مع الصغار الآخرين حين الاياب - وأمنا تنتظر عودتنا بالشوق والحنان و...........!.
أمي التي توفيت ونحن مشتتون في الدروب وضع لها الفنان بشار العيسى"أخي" رسما أهداه لي يستطيع أي انسان أن يستشف من هذا الرسم مدى انسجام الضعف الواضح مع القوة الهائلة الخوف مع الجرأة , المستكينة أمام سيطرة أبينا وهيمنته لكنها تتحول الى لبوه عندما يقترب الخطر من "أطفالها" كما بقيت تسمينا الى آخر يوم في حياتها , علمتنا دروسنا وهي الانسانة الأمية لم تكن لتنام الا بعد ان يحفظ كل منا دروسه كانت متدينة جدا وكان بشار شيوعيا والدعاية المنتشرة في ريفنا البائس ان هؤلاء غير مؤمنين ولكنها في صلواتها كانت تدعو لهم وتقول أعرفهم غير مؤمنين لكني أدعو لهم لأن ابني منهم .هذه كانت جزءا من الصفات التي تميزت بها هذه الأم الانسانة المقدسة بالنسبة لي وهي صفة كل أمّ في الشرق عامة والكرد بخاصة وقد أبّنها بشار حين سمع وفاتها وهو منفيّ بكلمات عنونها "الملكة تودع للرحيل" أورد بعضها بدون اطالة :
"بيني وبينك سيدتي المتوجة نهر من الحنين
بيني وبينك خجل صامت ,كأنني كنت أخاف أن أخاف ألا أودعك
فاعذريني ان غبت أكثر مما استأذنت منك ومن الأحبة......,
لم أعد ,وبقي الحلم ,وتاهت الهجرة.
منذ أن غادرت "جازية" ,توقف انبعاث تلك الأطياب والأنفاس العطرة التي كانت تنقلني من وقت لآخر...
تشل ذاكرتي بالتذكار وتسيح المكان بالزمان,تقطع المسافات الى أيام خلت ومواقف وفصول ليس عندي مكانها ولا أزمانها ,عبق أمكنة,براري ومساكن تترامى عليها أوراق الكركور,يفوح منها عطر البابونج,تتعالى تنهيدة المروند ,لمن يعرفها امرأة تشبه رائحة خبز التنور في كرمه,حجر البازلت في طراوة ملمسه وشدة عناده,"جازية" من رحيق الزهر ونسغ الأعشاب,شفاف الضوء وشغب المجرة الأبدي على الليل.....".
لن أتكلم كثيرا عن الدماء التي سالت في نوروز هذا العام أيضا فقد كانت واضحة مثل مشاعل نوروز, هل أن السبب كان شح الأمطار ربيع هذا العام فأّهرقت دماء الشبان الكرد مرة أخرى كما جرت العادة في منطقتنا التعيسة لتروي الأرض فيزيد الخصب وينمو شجر الحرية , أو أن أفاعي ازدهاك مازالت حية ترزق ولم ترتوي بعد من دماء الشبان الكرد .
وأخيرا أتمنى مع الكاتب السوري غسان مفلح أن يتحول نوروز العام القادم كما باقي الأعياد السورية الى عيد "بدون دماء" لكل السوريين بكرده وعربه وآثورييه وتنير الشموع كل بيت تعبيرا عن روح المواطنية والتآخي والعيش الحر الكريم ! .
كل نوروز ووطننا سوريا والبشرية كلها بخير وحرية ..!.
حسين عيسو