ميرزا حسن دنايي
20-04-2008, 10:24
القضية الايزيدية ضحية الجميع ولاتحل الا بأيدي الجميع
بقلم: د. ميرزا حسن دنايي
إن مأساة الايزيدية لم تبدأ من الحملات الارهابية الاخيرة ضدهم، بل بدأت حينما استطاع الزمن ان يغير فكرة السلطة أو الدولة عن الايزيدية. فلو رجعنا الى التاريخ قليلاً سنجد أن السلطات والقوى الاقليمية المتعاقبة في العهد العثماني ومابعده كانت تنظر الى الايزيدية لغزاً وحصناً منيعاً يصعب التخلخل فيه ودمجه واستمالته من أجل تنفيذ مآربها. فمعظم كتب التاريخ تصف الانسان الايزيدي البسيط بالصلابة في الرأي وعدم الاستسلام وتصف جبل سنجار بانه معقل عاصٍ يصعب بسببه التغلب على الايزيديين واذعانهم رغم أنه جبل يتيم يفتقر فيه الى الماء والشجر -وهما اهم صفات استمرارية الحياة في اي مكان-. بل حتى السيدة (المس بل) التي رسمت تاريخ العراق الحديث في عهد الانتداب البريطاني كانت تشارك في هذا الرأي. وهذا يعني، أن الايزيديين حتى وأن كانوا مستضعفين، مسلوبي الحقوق منعزلين في قراهم وكهوفهم، كانوا قوة يعمل لها الف حساب.... !!
ولكن الدهور تبدلت، فقد قلبت الحركة التحررية الكردستانية ميزان المنطقة عامة والعراق بشكل خاص، وأصبح الايزيديون ورقة تتناولها السلطة العراقية والحركة الكردية كل بطريقتها. واصطف الايزيديون بين داعم للحركة الكردية اسوة ببقية ابناء جلدتهم، واخرين دون إرادتهم وقفوا متسترين تحت غطاء الدولة. وعملت الدولة العراقية الشمولية باجهزتها القمعية بالحفر في أساسات هذه الديانة من اجل اكتشاف نقاط الضعف وبت الخلخلة والتفرقة بين ابناءها. ودرست الجوانب الاجتماعية والدينية في هذا المجتمع، الذي يمتلك خصوصية غريبة وعميقة. حتى وكأن الغريب يعتبرها صفات قوم ودين منفصل، كما هو شأن اليهود. في حين أن العامل التاريخي والانثروبولوجي المشترك مع الاكراد المسلمين ينفي جانب الانعزال القومي عنهم.
ومع هذا هناك دلائل وشواهد كثيرة تثبت أن هذه "الرؤية" في النظر الى الخصوصية المتجذرة في نفسية الانسان الايزيدي والكردي المسلم معاً، وفي سلوكهما الاجتماعي المترادف، قد خلقت ولاتزال تخلق عقدة التجاذب والتنافر. حتى بات السياسي والشارع الكرديين، كلما تعرضنا الى حقوق الايزيدية، انتفضا من دوافع هذه العقدة النفسية لنتهم بالانفصالية أوباننا نخلق قومية جديدة للايزيدين. واخرون يتهمون هذا الطرف او ذاك بانهم يريدون تعريب الايزيدية، بمعنى الصاق التهمة الجاهزة "تحكي ع الريس" بمن يطالب بحقوق الايزيدية ومن يطالب بمراعاة هذه الخصوصية.
هذه العقدة النفسية لسنا سببها ولا القيادة الكردية ولكنها واقع بل نتيجة تراكمات 72 حملة ابادة جماعية معظمها كانت بمخططات (الاعداء) وبعضها بتنفيذ (الاخوة في القومية) بدافع التعصب الديني الاعمى. وهذه العقدة اوهواجس (نزعة الانفصال الايزيدي) موجودة عند القياديين الكرد مثلما هي موجودة عند مشتري اللبن في دهوك الذي يتقزز من سماع اسم (لبن الهويرية). ومن جانب اخر فان عقدة الخوف من المستقبل موجودة في قلب كل انسان ايزيدي بدءاً باصحاب المناصب الوهمية، ونزولا برجال الدين مسلوبي الارادة، والى مساحي الجوخ ومتملقي هذه الايام، حتى نصل الى البسطاء من الشارع الايزيدي، لننتهي بالمجانين من امثالي. هذا الخوف الحقيقي الذي تثبته الايام كل لحظة، بل ويحسه حتى من اصبح يمتلك ثروة هائلة واملاك وعمارات وسيارات فخمة، فليس مستبعدا ابدا ان يحصل للايزيديين في عقر دارهم ماحصل لليهود العراقيين نهايات الخمسينات من حملات الفرهود، تسلبهم كل ماجمعوه في دقائق. وبعيدا عن المجاملات نعلم نحن كما تدرك قيادتنا الكردستانية تماماً أن ليس هناك رادع وليست هناك اية قوة تحمي الايزيدية من الاعتداء اذا ما حصل.
اما الجانب السياسي في هذه الاشكالية فهو أن الايزيدية ومنذ بروز الصراع الكردستاني-العراقي اصبحوا ساحة اختبار يعيشون الكر والفر من الجانبين. وقد تعمدت السلطة العراقية الى التعامل مع (نخبة متمثلة بالسلطة العشائرية او الدينية) بدون الرجوع الى المجتمع والشارع وذلك لضمان ابقاء التخلف العشائري في كردستان عامة وبين الايزيدية خاصة. واستمرت هذه السياسة متبعة لحين سقوط النظام. وحينما استلمت القيادة الكردستانية السلطة على ارض الواقع، تعاملت مع المجتمع الايزيدي من خلال هذه التركة الثقيلة، فاستلمت هذه الهيكلية الهشة لتتعامل معها من هذا المنظار (البعثي) بدون ان تكلف نفسها بترميم البيت واعادة تأهيل القوى والطاقات التي من شأنها بناء المجتمع بشكل افضل. لاننسى هنا ان النظام سقط قبل ان تزول غيوم الحرب والحساسيات الداخلية، فاستمرت سياسة النزاع من اجل ميل الجانب الايزيدي الى هذا الطرف او ذاك حتى داخل كردستان. وهذا الواقع الشاذ خلف وراءه وجوه شاذة تكيفت مع النزاعات الداخلية وعرفت كيف تستفيد من الصراع الكردي-الكردي. واصبح من الصعب الخروج بحلول جديدة بعد ان تقاسم الحزبان السلطة فاصبح الايزيدية ومناطقهم من "حصة" الحزب الديمقراطي. لأن المشكلة اصبحت اكثر تعقيداً من جانبين الاول ان الشخصيات التي وصلت الى ابواب قمة الهرم، وصلت اثناء الصراع الكردي الكردي مستفيدين من المعمعة، فيستحيل ان يقدموا رؤية جديدة. بل نجد أنهم مع ابسط انتقاد للواقع الايزيدي المزري كانوا يقدمون الكليشة القديمة (بأن هذا النوع من النقد يهدد أمن كردستان وأمن البارتي بشكل خاص). وأصبحوا بهذا حجر عثرة امام التقدم الايزيدي وأمام نمو علاقة طبيعية متكافئة بين الايزيدية وقيادة الحزب الديمقراطي. بل حتى المرة الوحيدة التي وصلت فيها اصوات المعارضة الى مسمع الرئيس بارزاني في مدينة بروكسل، قوبل المشروع باجهاض اطراف هنا وهنا حتى قبل التحضير له. ونحسب أن أي مشروع يخدم التواصل المباشر سوف يكون له نفس المصير.
أما الجانب الاخر من هذه المشكلة المعقدة فهو الواقع الذي خلقه النظام السابق من قوى اجتماعية مهزوزة مرتبطة فقط بالمال وبالجهة التي تدفع اكثر، فاستمر التمسك بهذه النخبة. بل ارتكبت القيادة الكردستانية خطأ تاريخيا فاضحاً في خلق طبقة (متعلمة) معتاشة على رواتب وهمية مبنية على بطالة مقنعة، مستغلة الحاجة والظروف الاقتصادية السيئة للخريجين. المخزي في هذا الموضوع طبعاً، أن الذين قدموا هذه المشورة المسمومة كوسيلة لكسب الايزيديين وتحطيم ارادتهم عبر رواتب وهمية، هم من يتهمون ويعولون على نظام صدام حسين بارتكابه جريمة عزل الفلاح الايزيدي عن ارضه وتعيينه فراشاً وعامل مدارس وموظف خدمات... والسؤال الطبيعي اذا كانت تلك جريمة صدام، فماذا نسمي هذه الجريمة اذن، حينما نسلب نصف مليون ايزيدي قراره وإرادته واستقلاليته في المطالبة بحقوقه المشروعة ؟!!
ولكن هذه الصورة المأساوية للواقع لا تستطيع أن تفقدنا الامل في التغيير، فما ضاع حق وراءه مطالب. ونعتقد ان نشاطات الجالية الايزيدية وبلورة لوبي ايزيدي في اوروبا استطاعت ان تطرح بديلاً جديداً للواقع وتؤثر من اجل تغيير مسار السلوكيات الخاطئة، بيد اننا لانستبعد المحاولات المضادة للوقوف بوجه اللوبي الايزيدي وافشال برنامجه. خاصة وان كردستان لم تعد ساحة للصراع الكردي الكردي، والمستفيدون من ذلك الصراع بدأوا بشد رحالهم للتوجه الى المهجر، لكي ينقلوا ساحة الصراع الى اوروبا، خاصة بوجود بعض المهزوزين العشائريين من اصحاب مايسمون بمالا ايزيديان تم شراء ذمتهم برواتب شهرية سرية تدفع لهم من جهات في اقليم كردستان، وذلك من اجل عرقلة العجلة وتركيز ذلك الصراع في نشاطات المهجر. غير ان الفرق بين ذلك الصراع على ارض الوطن وهذا الصراع في المهجر فرق شاسع. فلكل مكان ظروفه ورجالاته. وحتى بوجود ايه عراقيل ذاتية او موضوعية، فإن هناك الكثيرين منا من يؤمنون تماماً بأن (الايزيديون يستطيعون ان يقولوا (لا))، سواء كانوا في المهجر او في الوطن.
والمهم اليوم هو ان مسؤوليتنا جميعا هي في أن نشترك معا من اجل صياغة هذه ال(لا) بوجه هذا الغبن الاجتماعي والسياسي والديني، وبوجه هذه المواطنة من الدرجة الثالثة. واقصد بجميعا كافة الاطياف الايزيدية بدءاً بالهيئات الاستشارية والمجلس الروحاني والجمعيات والمؤسسات والشخصيات العشائرية والثقافية والدينية وقبلهم جميعا الشارع الايزيدي المغلوب على أمره. لاننا وبكل صراحة وبدون استثناء شاركنا جميعا في خلق هذه الحالة الشاذة من الذل والهوان في قولنا كلمة (نعم) قبل ان نفرض شروطنا ونعرف مستقبلنا فآلت الحال الى ماهي عليه الان.
ولهذا يتحتم علينا شئنا أم ابينا، ان نتحاور مرة اخرى والف مرة اخرى من اجل صياغة (لا) تبني وتضمن مستقبلنا بدون ان نكون عالة على احد وبدون ان نكون توابع وذيول لهذا وذاك. وهذه الدعوة ليست جديدة، ولا ندعي اننا فقط من يرفع شعارها. فقد مرت سنتان ونصف على الانتخابات الاخيرة، حين اطلقنا هذه الدعوة بكل صراحة فوضعتنا بعض القيادات الكردية انذاك بموضع الاعداء والخيانة، دون ان تفهم مانريد، فقد كان هناك من يفكر لها ويقدم لها التفسيرات والتأويلات جاهزة لاصدار احكامها المسبقة علينا. وتم اتهامنا بالتسرع، فوجدنا ان المتأنين تأخروا كثيرا بل لن يصلوا ابدا. فخلال هذه الفترة كلها لم يتغير اي شئ للافضل ولم يحصل الايزيديون على اية حقوق بل حصلت كوارث يندى لها جبين البشرية بسبب اهمال مشاكلنا وتهميش دورنا ومطالبنا واحتياجاتنا وترك مشاعر الاحتقان تنخر في عظام اهلنا في العراق. بداية من حادثة الشيخان –التي راح ضحيتها شابان لايزالان مسجونان بينما المجرمون الحقيقيون طليقين، ومرورا بموضوع دعاء والترويج الكردي المتقصد من اجل تشويه سمعة الايزيدية وبشكل خاص في سليمانية واربيل –علماً ان في كردستان تموت كل يوم دعاء دون أن تحرك المنظمات النسوية الكارتونية وعضوات البرلمان الكردستاني المتخمات باللحم والشحم ساكنا- ومرورا بالقتل الجماعي الوحشي لعمال بعشيقة في الموصل و وبعدها كارثة تلعزير التي كان سببها الوحيد ترك المنطقة بدون حماية ومنع تسليح الايزيدية اسوة بالاخرين وانتهاءا بالبيوت التي لم يتم تعميرها لحد كتابة هذه المقالة...
فحتى (لا) التي قلناها لم تجدي نفعا، ولم تعطي اشارة أن هناك المئات ان لم اقل الالاف من المجانين سوف يقولون (لا)، فلم يتحرك ساكن بوجود (نعم) معدومة الشروط والضمانات قدمت على طبق من الذهب من قبل بعض المتراكضين... فوصلنا الى طريق مسدودة. وبات البديل الايزيدي حتمياً وهذا البديل لا يأتي الا من خلال الاجماع والاتفاق. ولهذا ومن اجل ان لاتتكرر حوادث مثل الشيخان وكرعزير ومن اجل ان لايستمر الذل والهوان والمواطنة من الدرجة الثالثة علينا أن نكررهذه الدعوة اليوم، ونقول دعونا جميعا نتفق على كلمة (لا) بصياغة جديدة وبزي جديد، او نتفق على كلمة (نعم) بشروط تضمن بقاءنا لاتهجيرنا ولافناءنا... ولنترك لمن يريد التحليل... حرية التأويل!!!
بقلم: د. ميرزا حسن دنايي
إن مأساة الايزيدية لم تبدأ من الحملات الارهابية الاخيرة ضدهم، بل بدأت حينما استطاع الزمن ان يغير فكرة السلطة أو الدولة عن الايزيدية. فلو رجعنا الى التاريخ قليلاً سنجد أن السلطات والقوى الاقليمية المتعاقبة في العهد العثماني ومابعده كانت تنظر الى الايزيدية لغزاً وحصناً منيعاً يصعب التخلخل فيه ودمجه واستمالته من أجل تنفيذ مآربها. فمعظم كتب التاريخ تصف الانسان الايزيدي البسيط بالصلابة في الرأي وعدم الاستسلام وتصف جبل سنجار بانه معقل عاصٍ يصعب بسببه التغلب على الايزيديين واذعانهم رغم أنه جبل يتيم يفتقر فيه الى الماء والشجر -وهما اهم صفات استمرارية الحياة في اي مكان-. بل حتى السيدة (المس بل) التي رسمت تاريخ العراق الحديث في عهد الانتداب البريطاني كانت تشارك في هذا الرأي. وهذا يعني، أن الايزيديين حتى وأن كانوا مستضعفين، مسلوبي الحقوق منعزلين في قراهم وكهوفهم، كانوا قوة يعمل لها الف حساب.... !!
ولكن الدهور تبدلت، فقد قلبت الحركة التحررية الكردستانية ميزان المنطقة عامة والعراق بشكل خاص، وأصبح الايزيديون ورقة تتناولها السلطة العراقية والحركة الكردية كل بطريقتها. واصطف الايزيديون بين داعم للحركة الكردية اسوة ببقية ابناء جلدتهم، واخرين دون إرادتهم وقفوا متسترين تحت غطاء الدولة. وعملت الدولة العراقية الشمولية باجهزتها القمعية بالحفر في أساسات هذه الديانة من اجل اكتشاف نقاط الضعف وبت الخلخلة والتفرقة بين ابناءها. ودرست الجوانب الاجتماعية والدينية في هذا المجتمع، الذي يمتلك خصوصية غريبة وعميقة. حتى وكأن الغريب يعتبرها صفات قوم ودين منفصل، كما هو شأن اليهود. في حين أن العامل التاريخي والانثروبولوجي المشترك مع الاكراد المسلمين ينفي جانب الانعزال القومي عنهم.
ومع هذا هناك دلائل وشواهد كثيرة تثبت أن هذه "الرؤية" في النظر الى الخصوصية المتجذرة في نفسية الانسان الايزيدي والكردي المسلم معاً، وفي سلوكهما الاجتماعي المترادف، قد خلقت ولاتزال تخلق عقدة التجاذب والتنافر. حتى بات السياسي والشارع الكرديين، كلما تعرضنا الى حقوق الايزيدية، انتفضا من دوافع هذه العقدة النفسية لنتهم بالانفصالية أوباننا نخلق قومية جديدة للايزيدين. واخرون يتهمون هذا الطرف او ذاك بانهم يريدون تعريب الايزيدية، بمعنى الصاق التهمة الجاهزة "تحكي ع الريس" بمن يطالب بحقوق الايزيدية ومن يطالب بمراعاة هذه الخصوصية.
هذه العقدة النفسية لسنا سببها ولا القيادة الكردية ولكنها واقع بل نتيجة تراكمات 72 حملة ابادة جماعية معظمها كانت بمخططات (الاعداء) وبعضها بتنفيذ (الاخوة في القومية) بدافع التعصب الديني الاعمى. وهذه العقدة اوهواجس (نزعة الانفصال الايزيدي) موجودة عند القياديين الكرد مثلما هي موجودة عند مشتري اللبن في دهوك الذي يتقزز من سماع اسم (لبن الهويرية). ومن جانب اخر فان عقدة الخوف من المستقبل موجودة في قلب كل انسان ايزيدي بدءاً باصحاب المناصب الوهمية، ونزولا برجال الدين مسلوبي الارادة، والى مساحي الجوخ ومتملقي هذه الايام، حتى نصل الى البسطاء من الشارع الايزيدي، لننتهي بالمجانين من امثالي. هذا الخوف الحقيقي الذي تثبته الايام كل لحظة، بل ويحسه حتى من اصبح يمتلك ثروة هائلة واملاك وعمارات وسيارات فخمة، فليس مستبعدا ابدا ان يحصل للايزيديين في عقر دارهم ماحصل لليهود العراقيين نهايات الخمسينات من حملات الفرهود، تسلبهم كل ماجمعوه في دقائق. وبعيدا عن المجاملات نعلم نحن كما تدرك قيادتنا الكردستانية تماماً أن ليس هناك رادع وليست هناك اية قوة تحمي الايزيدية من الاعتداء اذا ما حصل.
اما الجانب السياسي في هذه الاشكالية فهو أن الايزيدية ومنذ بروز الصراع الكردستاني-العراقي اصبحوا ساحة اختبار يعيشون الكر والفر من الجانبين. وقد تعمدت السلطة العراقية الى التعامل مع (نخبة متمثلة بالسلطة العشائرية او الدينية) بدون الرجوع الى المجتمع والشارع وذلك لضمان ابقاء التخلف العشائري في كردستان عامة وبين الايزيدية خاصة. واستمرت هذه السياسة متبعة لحين سقوط النظام. وحينما استلمت القيادة الكردستانية السلطة على ارض الواقع، تعاملت مع المجتمع الايزيدي من خلال هذه التركة الثقيلة، فاستلمت هذه الهيكلية الهشة لتتعامل معها من هذا المنظار (البعثي) بدون ان تكلف نفسها بترميم البيت واعادة تأهيل القوى والطاقات التي من شأنها بناء المجتمع بشكل افضل. لاننسى هنا ان النظام سقط قبل ان تزول غيوم الحرب والحساسيات الداخلية، فاستمرت سياسة النزاع من اجل ميل الجانب الايزيدي الى هذا الطرف او ذاك حتى داخل كردستان. وهذا الواقع الشاذ خلف وراءه وجوه شاذة تكيفت مع النزاعات الداخلية وعرفت كيف تستفيد من الصراع الكردي-الكردي. واصبح من الصعب الخروج بحلول جديدة بعد ان تقاسم الحزبان السلطة فاصبح الايزيدية ومناطقهم من "حصة" الحزب الديمقراطي. لأن المشكلة اصبحت اكثر تعقيداً من جانبين الاول ان الشخصيات التي وصلت الى ابواب قمة الهرم، وصلت اثناء الصراع الكردي الكردي مستفيدين من المعمعة، فيستحيل ان يقدموا رؤية جديدة. بل نجد أنهم مع ابسط انتقاد للواقع الايزيدي المزري كانوا يقدمون الكليشة القديمة (بأن هذا النوع من النقد يهدد أمن كردستان وأمن البارتي بشكل خاص). وأصبحوا بهذا حجر عثرة امام التقدم الايزيدي وأمام نمو علاقة طبيعية متكافئة بين الايزيدية وقيادة الحزب الديمقراطي. بل حتى المرة الوحيدة التي وصلت فيها اصوات المعارضة الى مسمع الرئيس بارزاني في مدينة بروكسل، قوبل المشروع باجهاض اطراف هنا وهنا حتى قبل التحضير له. ونحسب أن أي مشروع يخدم التواصل المباشر سوف يكون له نفس المصير.
أما الجانب الاخر من هذه المشكلة المعقدة فهو الواقع الذي خلقه النظام السابق من قوى اجتماعية مهزوزة مرتبطة فقط بالمال وبالجهة التي تدفع اكثر، فاستمر التمسك بهذه النخبة. بل ارتكبت القيادة الكردستانية خطأ تاريخيا فاضحاً في خلق طبقة (متعلمة) معتاشة على رواتب وهمية مبنية على بطالة مقنعة، مستغلة الحاجة والظروف الاقتصادية السيئة للخريجين. المخزي في هذا الموضوع طبعاً، أن الذين قدموا هذه المشورة المسمومة كوسيلة لكسب الايزيديين وتحطيم ارادتهم عبر رواتب وهمية، هم من يتهمون ويعولون على نظام صدام حسين بارتكابه جريمة عزل الفلاح الايزيدي عن ارضه وتعيينه فراشاً وعامل مدارس وموظف خدمات... والسؤال الطبيعي اذا كانت تلك جريمة صدام، فماذا نسمي هذه الجريمة اذن، حينما نسلب نصف مليون ايزيدي قراره وإرادته واستقلاليته في المطالبة بحقوقه المشروعة ؟!!
ولكن هذه الصورة المأساوية للواقع لا تستطيع أن تفقدنا الامل في التغيير، فما ضاع حق وراءه مطالب. ونعتقد ان نشاطات الجالية الايزيدية وبلورة لوبي ايزيدي في اوروبا استطاعت ان تطرح بديلاً جديداً للواقع وتؤثر من اجل تغيير مسار السلوكيات الخاطئة، بيد اننا لانستبعد المحاولات المضادة للوقوف بوجه اللوبي الايزيدي وافشال برنامجه. خاصة وان كردستان لم تعد ساحة للصراع الكردي الكردي، والمستفيدون من ذلك الصراع بدأوا بشد رحالهم للتوجه الى المهجر، لكي ينقلوا ساحة الصراع الى اوروبا، خاصة بوجود بعض المهزوزين العشائريين من اصحاب مايسمون بمالا ايزيديان تم شراء ذمتهم برواتب شهرية سرية تدفع لهم من جهات في اقليم كردستان، وذلك من اجل عرقلة العجلة وتركيز ذلك الصراع في نشاطات المهجر. غير ان الفرق بين ذلك الصراع على ارض الوطن وهذا الصراع في المهجر فرق شاسع. فلكل مكان ظروفه ورجالاته. وحتى بوجود ايه عراقيل ذاتية او موضوعية، فإن هناك الكثيرين منا من يؤمنون تماماً بأن (الايزيديون يستطيعون ان يقولوا (لا))، سواء كانوا في المهجر او في الوطن.
والمهم اليوم هو ان مسؤوليتنا جميعا هي في أن نشترك معا من اجل صياغة هذه ال(لا) بوجه هذا الغبن الاجتماعي والسياسي والديني، وبوجه هذه المواطنة من الدرجة الثالثة. واقصد بجميعا كافة الاطياف الايزيدية بدءاً بالهيئات الاستشارية والمجلس الروحاني والجمعيات والمؤسسات والشخصيات العشائرية والثقافية والدينية وقبلهم جميعا الشارع الايزيدي المغلوب على أمره. لاننا وبكل صراحة وبدون استثناء شاركنا جميعا في خلق هذه الحالة الشاذة من الذل والهوان في قولنا كلمة (نعم) قبل ان نفرض شروطنا ونعرف مستقبلنا فآلت الحال الى ماهي عليه الان.
ولهذا يتحتم علينا شئنا أم ابينا، ان نتحاور مرة اخرى والف مرة اخرى من اجل صياغة (لا) تبني وتضمن مستقبلنا بدون ان نكون عالة على احد وبدون ان نكون توابع وذيول لهذا وذاك. وهذه الدعوة ليست جديدة، ولا ندعي اننا فقط من يرفع شعارها. فقد مرت سنتان ونصف على الانتخابات الاخيرة، حين اطلقنا هذه الدعوة بكل صراحة فوضعتنا بعض القيادات الكردية انذاك بموضع الاعداء والخيانة، دون ان تفهم مانريد، فقد كان هناك من يفكر لها ويقدم لها التفسيرات والتأويلات جاهزة لاصدار احكامها المسبقة علينا. وتم اتهامنا بالتسرع، فوجدنا ان المتأنين تأخروا كثيرا بل لن يصلوا ابدا. فخلال هذه الفترة كلها لم يتغير اي شئ للافضل ولم يحصل الايزيديون على اية حقوق بل حصلت كوارث يندى لها جبين البشرية بسبب اهمال مشاكلنا وتهميش دورنا ومطالبنا واحتياجاتنا وترك مشاعر الاحتقان تنخر في عظام اهلنا في العراق. بداية من حادثة الشيخان –التي راح ضحيتها شابان لايزالان مسجونان بينما المجرمون الحقيقيون طليقين، ومرورا بموضوع دعاء والترويج الكردي المتقصد من اجل تشويه سمعة الايزيدية وبشكل خاص في سليمانية واربيل –علماً ان في كردستان تموت كل يوم دعاء دون أن تحرك المنظمات النسوية الكارتونية وعضوات البرلمان الكردستاني المتخمات باللحم والشحم ساكنا- ومرورا بالقتل الجماعي الوحشي لعمال بعشيقة في الموصل و وبعدها كارثة تلعزير التي كان سببها الوحيد ترك المنطقة بدون حماية ومنع تسليح الايزيدية اسوة بالاخرين وانتهاءا بالبيوت التي لم يتم تعميرها لحد كتابة هذه المقالة...
فحتى (لا) التي قلناها لم تجدي نفعا، ولم تعطي اشارة أن هناك المئات ان لم اقل الالاف من المجانين سوف يقولون (لا)، فلم يتحرك ساكن بوجود (نعم) معدومة الشروط والضمانات قدمت على طبق من الذهب من قبل بعض المتراكضين... فوصلنا الى طريق مسدودة. وبات البديل الايزيدي حتمياً وهذا البديل لا يأتي الا من خلال الاجماع والاتفاق. ولهذا ومن اجل ان لاتتكرر حوادث مثل الشيخان وكرعزير ومن اجل ان لايستمر الذل والهوان والمواطنة من الدرجة الثالثة علينا أن نكررهذه الدعوة اليوم، ونقول دعونا جميعا نتفق على كلمة (لا) بصياغة جديدة وبزي جديد، او نتفق على كلمة (نعم) بشروط تضمن بقاءنا لاتهجيرنا ولافناءنا... ولنترك لمن يريد التحليل... حرية التأويل!!!