bahzani2
27-05-2008, 17:39
قراءة في البيان الختامي الأخير لإعلان دمشق
الدكتور/ قصي غريب
ملاحظة:(( توقفت عن نشره في حينه لاعتبارات أخلاقية و إنسانية تضامناً مع معتقلي إعلان دمشق الذين نختلف معهم، ولكن تبقى ضرورة المصلحة الوطنية مقدمة على أي اعتبار، لهذا أنشره الآن)).
عندما ولد إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي في16 تشرين الأول من العام 2005 ، رحبنا به لعدة اعتبارات يأتي في مقدمتها :انه ولد في داخل سورية، وانطلق من مدينة دمشق فكان حدثاً لا سابق له في تاريخ المعارضة السورية، فللمرة الأولى منذ انقلاب 16 تشرين الثاني العام1970 ، استطاع تجمع من المعارضة أن يخرج من عالم العمل السري تحت الأرض إلى عالم العمل العلني فوق الأرض مما شكل ذلك خطوة جريئة من الخطوات تجاه انتزاع الحرية، واحترام حقوق الإنسان، إذ دعا لإقامة النظام الوطني الديمقراطي، وعلى قاعدة ائتلاف وطني ديمقراطي واسع.
وفي المقابل تحفظنا على مجموعة من فقرات ومفردات الإعلان كان منها: تناول الإسلام دين وثقافة الشعب السوري، والأمتين العربية والإسلامية باسلوب ملتبس، ومحاولة تعويم هوية سورية العربية، والإيحاء بأن سورية ذات الأكثرية العربية شبه المطلقة بلد أقليات مع أنها )) مجتمع فيه أقليات، وليس مجتمع أقليات((، وكذلك من عناوين القوى السياسية التي ظهرت عن طريق تسمياتها جاليات أجنبية في سورية، فضلاًً عن مفردات استفزازية غريبة على ثقافتنا الوطنية تثير الشكوك، وتدعو إلى الارتياب، مثل: (المكونات، والمنظومة، والأقليات، والمتحد) - أي أن سورية تتكون من أجزاء -وقد ظهر واضحاً منها إن الإعلان قد وقع تحت تأثير (نوح فيلدمان) كاتب قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية و( بول بريمر) الحاكم المدني الأمريكي للعراق بعد الاحتلال.
وعلى الرغم من ذلك ومن أجل الخلاص من النظام الشمولي السلطوي، و لاسيما بعد أن عرض إعلان دمشق الديمقراطية كأطروحة خلاص وإنقاذ من هنا كان التمسك به، والمراهنة عليه من قبل الكثير من قوى وأفراد المعارضة السورية على أمل أن تكون المحاولة الجادة و المسئولة تجاه التغيير المنشود الذي طال عقود، إلا أن الترحيب سرعان ما فت، والمراهنة خسرت، إذ بقي إعلان دمشق أسير الانطلاقة الأولى، ولم ينفذ إلى مساحات أرحب كما بشر ، وكما كان يعول عليه.
وفي محاولة أخرى للانطلاق من جديد عقد المجلس الوطني لإعلان دمشق دورته الأولى في1 كانون الأول من العام2007 ، وحسب زعمهم فقد تم انتخاب مكتب رئاسة للمجلس تألف من خمسة أعضاء، وأمانة عامة من سبعة عشر عضواً، ولكن كما ظهر بعيداً عن التوافقات المطلوبة في مثل هذه الأوضاع والتي كان يجب أن تحصل، إلا انه جرت عمليات) استحواذ، وإقصاء، واستبعاد) لقوى وأفراد مؤسسة للإعلان باسم الديمقراطية، وطابع الأغلبية المصطنع على حساب الضرورة، و المصلحة الوطنية، وكانت الغلبة في نهاية الأمر لاتجاه ما يسمى ب ) الليبراليين الجدد)، وهم الذين بدلوا الاتجاه، وانتقلوا كلمح البصر في ظل المتغيرات الدولية الجديدة، أي بعد سقوط جدار برلين، وانهيار النظم الاشتراكية في أوربا الشرقية، و تفكك الاتحاد السوفيتي، وانتهاج الولايات المتحدة الأمريكية سياسة الانفراد بالقرار والفعل عالمياً من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين على غير احتشام، فغيروا أيديولوجيتهم و دلالة ذلك من مقولتهم : ((الاشتراكية هي الحل ((إلى مقولة)) :الرأسمالية هي الحل))،ومن المنادى بـ ((دكتاتورية البروليتارية)) إلى المنادى بـ ((دكتاتورية الليبرالية))، ومن شعار ((يا عمال العالم اتحدوا ((إلى شعار ((دعه يمر، و دعه يعمل)) . لقد باتوا في المعسكر الآخر و قد أكد احدهم عبر إطلالة فضائية ، وبشكل مبتذل إن أفضل شيء لحماية نفسك الانتقال إلى المعسكر الآخر، والنوم فيه ــ ولكن ماذا يعطي شعبه ووطنه وأمته من يخسر نفسه ؟.
وفي نهاية الاجتماع - الذي يبدو انه دبّر بليل - أصدرت ))عشائر وطوائف إعلان دمشق(( ــ النهج والسلوك يوحي بذلك ــ بياناً ختامياً تشوبه الأهواء والمصالح الخاصة رددوا فيه أقاويل خاطئة وزائفة من دون تدبر أو استقصاء قائم على احترام الحقيقة و الموضوعية، فالبيان كان فيه الكثير من المغالطات التي تنم عن جهل بتاريخنا الوطني ، وبثقافة الديمقراطية الليبرالية التي يدعون إلى تبنيها، ولكن)) أن يدعي الديمقراطية امرؤ فهذا أمر سهل، وأن يتحمل مسئوليتها فهذا صعب (( فليس هناك ديمقراطية من دون ديمقراطيين حقيقيين.
من هنا نرى إننا مضطرون تحت نداء الواجب الوطني، والقومي، والشرعي إلى تصحيح ما جاء في البيان من مغالطات قامت على تصوير الحقائق على غير ما هو عليه، فطابعه يتسم بنوع من الخلط غير الدقيق والجهل مما يحتاج إلى قراءة من أجل التوصل إلى رؤية أقرب للوضوح فما جاء فيه لا يمكن التزام الصمت حوله لاسيما أننا في ضلالة هذا الزيف الغوغائي، والدجل السياسي، والردح السياسي، مقبلون على كارثة لذلك يدفعنا وفائنا لوطننا وحبنا لشعبنا؛ لأن نقول ما ينبغي أن يقال: فخشيتنا تدفعنا إلى نشر القراءة، فما عدنا نستطيع أن ننتظر. لقد غدا الرد ضرورة وطنية، فنحن في هذا الوضع العصيب الذي يشهد فيه الوطن تحديات خطرة بسبب سياسات النظام المستبد غير المسئولة، ومعه على الطريق نفسه نهج وسلوك لعناصر غير راشدة أو غير ذات أهلية لتكون الصوت المعبر عن آلام وآمال الشعب أحوج ما تكون فيه إلى الرؤية الواضحة، والمجابهة الصريحة، وفيما يأتي القراءة :
أولاً – جاء في البيان الختامي لإعلان دمشق: (( الاستمرار في التسلط الأمني، والاعتداء على حرية المواطنين وحقوقهم في ظل حالة الطوارئ، والأحكام العرفية، والمحاكم الاستثنائية، والقوانين الظالمة بما فيها القانون49 لعام1980 ، والإحصاء الاستثنائي لعام 1962)).
يجمع البيان في مظلومية واحدة، وباسلوب خلط غير دقيق و تعسفي بين ما يسمى القانون49 لعام1980 ، والإحصاء الاستثنائي لعام 1962، وهذا تشويه للحقائق، ويدخل في باب النفاق السياسي، فالموضة السائدة في العصر الأمريكي هي تضخيم، ولولات، وصراخ الأقليات مع أن القانون49 لعام1980 ، قانون تعسفي مستبد، في حين الإحصاء الاستثنائي لعام 1962 ، حق سيادي، وإجراء يتعلق بحماية الأمن الوطني، والسلامة الإقليمية، ولم يأت كمظهر للتعصب أو التحامل، وفيما يأتي الفرق بينهما :
1- القانون 49 لعام 1980:
في نهاية السبعينات، وبداية الثمانينات تزايد القمع وقهر النظام المستبد لأبناء الشعب العربي السوري، فاشتدت المواجهة بين المعارضة الشعبية، ومنهم : حركة الأخوان المسلمين وأجهزة النظام القمعية، فسالت دماء كثيرة يتحمل النظام الجزء الكبير من المسئولية عنها، وفي أتون هذه المواجهة أصدر النظام الشمولي السلطوي المستبد القانون 49 في 7 تموز العام1980 ، والذي نصت مادته الأولى على ما يأتي :(( يعد مجرماً ويعاقب بالإعدام كل منتسب لتنظيم جماعة الأخوان المسلمين)).
وقد أعطي للقانون أثراً رجعياً، وفي ضلالة هذا القانون التعسفي قامت الأجهزة الأمنية بإعدام وقتل أعداد من المنتمين إلى حركة الأخوان المسلمين، فضلاًًًًً عن قتل كثير من المعارضين والأبرياء باسم هذا القانون .
ومن نافلة القول: إن ما يسمى بالقانون 49 لعام 1980، غير شرعي من منظور الدستور السوري لعام 1973، والنافذ إلى الآن، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، فهو يخالف الفقرة1 من المادة25 من الدستور السوري، والتي تنص على إن: ))الحرية حق مقدس، وتكفل الدولة للمواطنين حريتهم الشخصية، وتحافظ على كرامتهم وأمنهم، وكذلك المادة30 التي تنص على إن: (( لا تسري أحكام القوانين إلا على ما يقع من تاريخ العمل بها، ولا يكون لها أثر رجعي، ويجوز في غير الأمور الجزائية النص على خلاف ذلك )).
كما أن القانون 49 لعام 1980 ، مخالف للمادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تنص على إن :(( لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويتمثل هذا الحق في حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل))، وكذلك يخالف الفقرتين 1-2 من المادة2 من الاتفاقية الدولية بشأن الحقوق المدنية والسياسية التي تنص الفقرة1 على إن: ))تتعهد كل دولة طرف في الاتفاقية الحالية باحترام وتأمين الحقوق المقررة في الاتفاقية الحالية لكافة الأفراد ضمن إقليمها والخاضعين لولايتها دون تمييز من أي نوع))، وتنص الفقرة 2 على إن : ((تتعهد كل دولة طرف في الاتفاقية الحالية عند غياب النص في إجراءاتها التشريعية القائمة أو غيرها من الإجراءات باتخاذ الخطوات اللازمة طبقاً لإجراءاتها الدستورية، ولنصوص الاتفاقية الحالية من أجل وضع الإجراءات التشريعية أو غيرها اللازمة لتحقيق الحقوق المقررة في الاتفاقية الحالية))، وكذلك لا يجوز أن يتحول القانون إلى أداة لقمع الحرية، وإنما يجب أن يكون وسيلة للتمتع بها، والدلالة على ذلك ما جاء في الفقرة 2 من المادة29 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تنص على إن : ((يخضع الفرد في ممارسة حقوقه وحرياته لتلك القيود التي يقررها القانون فقط لضمان الاعتراف بحقوق الغير، وحرياته، واحترامها، ولتحقيق المقتضيات العادلة للنظام العام، والمصلحة العامة، والأخلاق في مجتمع ديمقراطي)).
ومن هنا يظهر عدم مشروعية القانون49 لعام 1980 بناءً على الدستور السوري لعام 1973، النافذ إلى الآن، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والاتفاقية الدولية بشأن الحقوق المدنية والسياسية.
2- الإحصاء الاستثنائي لعام 1962:
يذكر المؤرخون أن العرب قد سكنوا منطقة الجزيرة قبل الأكراد بعكس ما تروج له بعض الأوساط الكردية المتطرفة، فالمكتشفات التاريخية تؤكد أنها لأقوام سامية آشورية، وآرامية، وعربية، وفي منطقة الجزيرة- محافظة الحسكة - الكثير من التلال والآثار التي تؤكد هذا التاريخ، فضلاًًً عن الوثائق والكتب .
وتؤكد المصادر التاريخية، والجغرافية، والديمغرافية: إن منطقة الجزيرة عربية أرضاً وشعباً، فالقبائل العربية فرضت سيطرتها على المنطقة منذ ما قبل الإسلام، فهي كانت ديار قبائل ربيعة، ومضر، وبكر، وتغلب، وإياد، وكان الكثير منهم قد اعتنق الديانة المسيحية.
وما تزال الجزيرة- محافظة الحسكة - الآن ديار القبائل والعشائر العربية شمر، و الجبور، وطي، والعكيدات، والبقارة، والمعامرة، والعدوان، والشرابية، فضلاًًً عن الأسر العربية المسلمة والمسيحية، ويعيش بين ظهرانيهم بعض الأقليات الوافدة، ولكن ليست من ذات الثقل السكاني، مثل: الأخوة الأكراد، والأشوريين، والأرمن، والشيشان، واليزيدية. ولقد بلغت الوشائج بين الأكثرية العربية، وهذه الأقليات إلى مستوى صلة الرحم - تربطني صلة رحم مع الأرمن، والأكراد، والأشوريين، فعلى سبيل المثال لا الحصر جدتي أم أبي أرمنية مسيحية، وأنا افتخر بذلك، - فضلاًً عن الرابطة الوطنية، والعقيدة الإسلامية التي تجمع بينهم، والى اليوم ما يزال العرب يشكلون الأكثرية السكانية في منطقة الجزيرة - محافظة الحسكة-، وأن كان هناك ادعاءات باطلة من قبل بعض العناصر الكردية المتطرفة لتجاوز حقائق التاريخ، والجغرافية، والديمغرافية.
فتؤكد المصادر: أن أعداد غير قليلة من الأكراد نزحت من تركيا إلى منطقة الجزيرة - محافظة الحسكة - هرباً من الاضطهاد التركي الذي مورس ضدهم بعد فشل ثوراتهم و انتفاضاتهم أو بسبب حملات التهجير التي أتبعت ضدهم من قبل السلطات التركية، فموجات بشرية كردية من تركيا نزحت أثر ثورة سعيد بيران في العام 1925، وانتفاضة آرارات بقيادة إحسان نوري في العام 1930، وعصيان سيد رضا في العام 1937، وانتفاضة سعيد بيروكي في العام 1943، وبعد قيام الجمهورية العربية المتحدة بين سورية، ومصر في العام 1958، تسللت إلى سورية أعداد كبيرة من أكراد تركيا للاستفادة من قانون الإصلاح الزراعي الذي طبق آنذاك. وقد استفاد الكثير من هؤلاء الوافدون منه، وأثبتوا بطرق ووسائل شتى أنهم من الفلاحين السوريين مكتومي النفوس، وكان مما ساعدهم على ذلك حالات التزاوج ، والمصاهرة مع أبناء العشائر العربية ولا سيما منهم المخاتير الذين وقفوا إلى جانبهم وأيدوهم لهذا الاعتبار، فضلاًً عن روح التسامح، وعدم التعصب التي تسود بين أبناء المنطقة العرب.
ولكن هذه النزوحات الجماعية الكبيرة زادت من قلق وتوجس الحكومة السورية – كانت ديمقراطية– فيما بعد، فأصدرت القانون رقم 93 في23 آب من العام 1962 ، والذي تقرر بموجبه أجراء إحصاء سكاني في منطقة الجزيرة – محافظة الحسكة – حصراً، ولقد جاء في الأسباب الموجبة لهذا القانون: إن أعداد كثيرة من اللاجئين الأكراد تسللت إلى منطقة الجزيرة – محافظة الحسكة – بصورة غير مشروعة الأمر الذي بدأ يهدد الطبيعة العربية للمنطقة، وبناءً عليه، فلقد تم أجراء الإحصاء السكاني الذي أعلنت الحكومة السورية على أثره أن نحو 120 ألف كردي ليسوا من أصل سوري – بل كانوا أكراد يحملون وثائق تركية رسمية – ، ولكن على الرغم من ذلك أبقتهم الحكومة السورية كمقيمين بصورة غير رسمية، ولم يلجأ إلى إبعادهم أو نقلهم إلى مكان آخر، ولم يواجهوا تهديدات تمس حياتهم .
ومن نافلة القول: أن نسبة كبيرة ممن يعانون انعدام الجنسية في العالم هم من ضحايا النزوح، والهجرة، وكما هو معروف، فأن قضية الجنسية هي مسألة حساسة بصورة غير عادية، فهي تتعلق بصلب، وسيادة، و هوية البلد، فالدولة لها حق السيادة في تحديد من هم مواطنوها، ومن يتمتعون بهذه الصفة وفقاً للقانون، ووفقاً للقانون الدولي فأن الشخص الذي لا يحمل جنسية هو الذي لا تعده أي دولة مواطناً وفقاً لقانونها.
الدكتور/ قصي غريب
ملاحظة:(( توقفت عن نشره في حينه لاعتبارات أخلاقية و إنسانية تضامناً مع معتقلي إعلان دمشق الذين نختلف معهم، ولكن تبقى ضرورة المصلحة الوطنية مقدمة على أي اعتبار، لهذا أنشره الآن)).
عندما ولد إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي في16 تشرين الأول من العام 2005 ، رحبنا به لعدة اعتبارات يأتي في مقدمتها :انه ولد في داخل سورية، وانطلق من مدينة دمشق فكان حدثاً لا سابق له في تاريخ المعارضة السورية، فللمرة الأولى منذ انقلاب 16 تشرين الثاني العام1970 ، استطاع تجمع من المعارضة أن يخرج من عالم العمل السري تحت الأرض إلى عالم العمل العلني فوق الأرض مما شكل ذلك خطوة جريئة من الخطوات تجاه انتزاع الحرية، واحترام حقوق الإنسان، إذ دعا لإقامة النظام الوطني الديمقراطي، وعلى قاعدة ائتلاف وطني ديمقراطي واسع.
وفي المقابل تحفظنا على مجموعة من فقرات ومفردات الإعلان كان منها: تناول الإسلام دين وثقافة الشعب السوري، والأمتين العربية والإسلامية باسلوب ملتبس، ومحاولة تعويم هوية سورية العربية، والإيحاء بأن سورية ذات الأكثرية العربية شبه المطلقة بلد أقليات مع أنها )) مجتمع فيه أقليات، وليس مجتمع أقليات((، وكذلك من عناوين القوى السياسية التي ظهرت عن طريق تسمياتها جاليات أجنبية في سورية، فضلاًً عن مفردات استفزازية غريبة على ثقافتنا الوطنية تثير الشكوك، وتدعو إلى الارتياب، مثل: (المكونات، والمنظومة، والأقليات، والمتحد) - أي أن سورية تتكون من أجزاء -وقد ظهر واضحاً منها إن الإعلان قد وقع تحت تأثير (نوح فيلدمان) كاتب قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية و( بول بريمر) الحاكم المدني الأمريكي للعراق بعد الاحتلال.
وعلى الرغم من ذلك ومن أجل الخلاص من النظام الشمولي السلطوي، و لاسيما بعد أن عرض إعلان دمشق الديمقراطية كأطروحة خلاص وإنقاذ من هنا كان التمسك به، والمراهنة عليه من قبل الكثير من قوى وأفراد المعارضة السورية على أمل أن تكون المحاولة الجادة و المسئولة تجاه التغيير المنشود الذي طال عقود، إلا أن الترحيب سرعان ما فت، والمراهنة خسرت، إذ بقي إعلان دمشق أسير الانطلاقة الأولى، ولم ينفذ إلى مساحات أرحب كما بشر ، وكما كان يعول عليه.
وفي محاولة أخرى للانطلاق من جديد عقد المجلس الوطني لإعلان دمشق دورته الأولى في1 كانون الأول من العام2007 ، وحسب زعمهم فقد تم انتخاب مكتب رئاسة للمجلس تألف من خمسة أعضاء، وأمانة عامة من سبعة عشر عضواً، ولكن كما ظهر بعيداً عن التوافقات المطلوبة في مثل هذه الأوضاع والتي كان يجب أن تحصل، إلا انه جرت عمليات) استحواذ، وإقصاء، واستبعاد) لقوى وأفراد مؤسسة للإعلان باسم الديمقراطية، وطابع الأغلبية المصطنع على حساب الضرورة، و المصلحة الوطنية، وكانت الغلبة في نهاية الأمر لاتجاه ما يسمى ب ) الليبراليين الجدد)، وهم الذين بدلوا الاتجاه، وانتقلوا كلمح البصر في ظل المتغيرات الدولية الجديدة، أي بعد سقوط جدار برلين، وانهيار النظم الاشتراكية في أوربا الشرقية، و تفكك الاتحاد السوفيتي، وانتهاج الولايات المتحدة الأمريكية سياسة الانفراد بالقرار والفعل عالمياً من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين على غير احتشام، فغيروا أيديولوجيتهم و دلالة ذلك من مقولتهم : ((الاشتراكية هي الحل ((إلى مقولة)) :الرأسمالية هي الحل))،ومن المنادى بـ ((دكتاتورية البروليتارية)) إلى المنادى بـ ((دكتاتورية الليبرالية))، ومن شعار ((يا عمال العالم اتحدوا ((إلى شعار ((دعه يمر، و دعه يعمل)) . لقد باتوا في المعسكر الآخر و قد أكد احدهم عبر إطلالة فضائية ، وبشكل مبتذل إن أفضل شيء لحماية نفسك الانتقال إلى المعسكر الآخر، والنوم فيه ــ ولكن ماذا يعطي شعبه ووطنه وأمته من يخسر نفسه ؟.
وفي نهاية الاجتماع - الذي يبدو انه دبّر بليل - أصدرت ))عشائر وطوائف إعلان دمشق(( ــ النهج والسلوك يوحي بذلك ــ بياناً ختامياً تشوبه الأهواء والمصالح الخاصة رددوا فيه أقاويل خاطئة وزائفة من دون تدبر أو استقصاء قائم على احترام الحقيقة و الموضوعية، فالبيان كان فيه الكثير من المغالطات التي تنم عن جهل بتاريخنا الوطني ، وبثقافة الديمقراطية الليبرالية التي يدعون إلى تبنيها، ولكن)) أن يدعي الديمقراطية امرؤ فهذا أمر سهل، وأن يتحمل مسئوليتها فهذا صعب (( فليس هناك ديمقراطية من دون ديمقراطيين حقيقيين.
من هنا نرى إننا مضطرون تحت نداء الواجب الوطني، والقومي، والشرعي إلى تصحيح ما جاء في البيان من مغالطات قامت على تصوير الحقائق على غير ما هو عليه، فطابعه يتسم بنوع من الخلط غير الدقيق والجهل مما يحتاج إلى قراءة من أجل التوصل إلى رؤية أقرب للوضوح فما جاء فيه لا يمكن التزام الصمت حوله لاسيما أننا في ضلالة هذا الزيف الغوغائي، والدجل السياسي، والردح السياسي، مقبلون على كارثة لذلك يدفعنا وفائنا لوطننا وحبنا لشعبنا؛ لأن نقول ما ينبغي أن يقال: فخشيتنا تدفعنا إلى نشر القراءة، فما عدنا نستطيع أن ننتظر. لقد غدا الرد ضرورة وطنية، فنحن في هذا الوضع العصيب الذي يشهد فيه الوطن تحديات خطرة بسبب سياسات النظام المستبد غير المسئولة، ومعه على الطريق نفسه نهج وسلوك لعناصر غير راشدة أو غير ذات أهلية لتكون الصوت المعبر عن آلام وآمال الشعب أحوج ما تكون فيه إلى الرؤية الواضحة، والمجابهة الصريحة، وفيما يأتي القراءة :
أولاً – جاء في البيان الختامي لإعلان دمشق: (( الاستمرار في التسلط الأمني، والاعتداء على حرية المواطنين وحقوقهم في ظل حالة الطوارئ، والأحكام العرفية، والمحاكم الاستثنائية، والقوانين الظالمة بما فيها القانون49 لعام1980 ، والإحصاء الاستثنائي لعام 1962)).
يجمع البيان في مظلومية واحدة، وباسلوب خلط غير دقيق و تعسفي بين ما يسمى القانون49 لعام1980 ، والإحصاء الاستثنائي لعام 1962، وهذا تشويه للحقائق، ويدخل في باب النفاق السياسي، فالموضة السائدة في العصر الأمريكي هي تضخيم، ولولات، وصراخ الأقليات مع أن القانون49 لعام1980 ، قانون تعسفي مستبد، في حين الإحصاء الاستثنائي لعام 1962 ، حق سيادي، وإجراء يتعلق بحماية الأمن الوطني، والسلامة الإقليمية، ولم يأت كمظهر للتعصب أو التحامل، وفيما يأتي الفرق بينهما :
1- القانون 49 لعام 1980:
في نهاية السبعينات، وبداية الثمانينات تزايد القمع وقهر النظام المستبد لأبناء الشعب العربي السوري، فاشتدت المواجهة بين المعارضة الشعبية، ومنهم : حركة الأخوان المسلمين وأجهزة النظام القمعية، فسالت دماء كثيرة يتحمل النظام الجزء الكبير من المسئولية عنها، وفي أتون هذه المواجهة أصدر النظام الشمولي السلطوي المستبد القانون 49 في 7 تموز العام1980 ، والذي نصت مادته الأولى على ما يأتي :(( يعد مجرماً ويعاقب بالإعدام كل منتسب لتنظيم جماعة الأخوان المسلمين)).
وقد أعطي للقانون أثراً رجعياً، وفي ضلالة هذا القانون التعسفي قامت الأجهزة الأمنية بإعدام وقتل أعداد من المنتمين إلى حركة الأخوان المسلمين، فضلاًًًًً عن قتل كثير من المعارضين والأبرياء باسم هذا القانون .
ومن نافلة القول: إن ما يسمى بالقانون 49 لعام 1980، غير شرعي من منظور الدستور السوري لعام 1973، والنافذ إلى الآن، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، فهو يخالف الفقرة1 من المادة25 من الدستور السوري، والتي تنص على إن: ))الحرية حق مقدس، وتكفل الدولة للمواطنين حريتهم الشخصية، وتحافظ على كرامتهم وأمنهم، وكذلك المادة30 التي تنص على إن: (( لا تسري أحكام القوانين إلا على ما يقع من تاريخ العمل بها، ولا يكون لها أثر رجعي، ويجوز في غير الأمور الجزائية النص على خلاف ذلك )).
كما أن القانون 49 لعام 1980 ، مخالف للمادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تنص على إن :(( لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويتمثل هذا الحق في حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل))، وكذلك يخالف الفقرتين 1-2 من المادة2 من الاتفاقية الدولية بشأن الحقوق المدنية والسياسية التي تنص الفقرة1 على إن: ))تتعهد كل دولة طرف في الاتفاقية الحالية باحترام وتأمين الحقوق المقررة في الاتفاقية الحالية لكافة الأفراد ضمن إقليمها والخاضعين لولايتها دون تمييز من أي نوع))، وتنص الفقرة 2 على إن : ((تتعهد كل دولة طرف في الاتفاقية الحالية عند غياب النص في إجراءاتها التشريعية القائمة أو غيرها من الإجراءات باتخاذ الخطوات اللازمة طبقاً لإجراءاتها الدستورية، ولنصوص الاتفاقية الحالية من أجل وضع الإجراءات التشريعية أو غيرها اللازمة لتحقيق الحقوق المقررة في الاتفاقية الحالية))، وكذلك لا يجوز أن يتحول القانون إلى أداة لقمع الحرية، وإنما يجب أن يكون وسيلة للتمتع بها، والدلالة على ذلك ما جاء في الفقرة 2 من المادة29 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تنص على إن : ((يخضع الفرد في ممارسة حقوقه وحرياته لتلك القيود التي يقررها القانون فقط لضمان الاعتراف بحقوق الغير، وحرياته، واحترامها، ولتحقيق المقتضيات العادلة للنظام العام، والمصلحة العامة، والأخلاق في مجتمع ديمقراطي)).
ومن هنا يظهر عدم مشروعية القانون49 لعام 1980 بناءً على الدستور السوري لعام 1973، النافذ إلى الآن، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والاتفاقية الدولية بشأن الحقوق المدنية والسياسية.
2- الإحصاء الاستثنائي لعام 1962:
يذكر المؤرخون أن العرب قد سكنوا منطقة الجزيرة قبل الأكراد بعكس ما تروج له بعض الأوساط الكردية المتطرفة، فالمكتشفات التاريخية تؤكد أنها لأقوام سامية آشورية، وآرامية، وعربية، وفي منطقة الجزيرة- محافظة الحسكة - الكثير من التلال والآثار التي تؤكد هذا التاريخ، فضلاًًً عن الوثائق والكتب .
وتؤكد المصادر التاريخية، والجغرافية، والديمغرافية: إن منطقة الجزيرة عربية أرضاً وشعباً، فالقبائل العربية فرضت سيطرتها على المنطقة منذ ما قبل الإسلام، فهي كانت ديار قبائل ربيعة، ومضر، وبكر، وتغلب، وإياد، وكان الكثير منهم قد اعتنق الديانة المسيحية.
وما تزال الجزيرة- محافظة الحسكة - الآن ديار القبائل والعشائر العربية شمر، و الجبور، وطي، والعكيدات، والبقارة، والمعامرة، والعدوان، والشرابية، فضلاًًً عن الأسر العربية المسلمة والمسيحية، ويعيش بين ظهرانيهم بعض الأقليات الوافدة، ولكن ليست من ذات الثقل السكاني، مثل: الأخوة الأكراد، والأشوريين، والأرمن، والشيشان، واليزيدية. ولقد بلغت الوشائج بين الأكثرية العربية، وهذه الأقليات إلى مستوى صلة الرحم - تربطني صلة رحم مع الأرمن، والأكراد، والأشوريين، فعلى سبيل المثال لا الحصر جدتي أم أبي أرمنية مسيحية، وأنا افتخر بذلك، - فضلاًً عن الرابطة الوطنية، والعقيدة الإسلامية التي تجمع بينهم، والى اليوم ما يزال العرب يشكلون الأكثرية السكانية في منطقة الجزيرة - محافظة الحسكة-، وأن كان هناك ادعاءات باطلة من قبل بعض العناصر الكردية المتطرفة لتجاوز حقائق التاريخ، والجغرافية، والديمغرافية.
فتؤكد المصادر: أن أعداد غير قليلة من الأكراد نزحت من تركيا إلى منطقة الجزيرة - محافظة الحسكة - هرباً من الاضطهاد التركي الذي مورس ضدهم بعد فشل ثوراتهم و انتفاضاتهم أو بسبب حملات التهجير التي أتبعت ضدهم من قبل السلطات التركية، فموجات بشرية كردية من تركيا نزحت أثر ثورة سعيد بيران في العام 1925، وانتفاضة آرارات بقيادة إحسان نوري في العام 1930، وعصيان سيد رضا في العام 1937، وانتفاضة سعيد بيروكي في العام 1943، وبعد قيام الجمهورية العربية المتحدة بين سورية، ومصر في العام 1958، تسللت إلى سورية أعداد كبيرة من أكراد تركيا للاستفادة من قانون الإصلاح الزراعي الذي طبق آنذاك. وقد استفاد الكثير من هؤلاء الوافدون منه، وأثبتوا بطرق ووسائل شتى أنهم من الفلاحين السوريين مكتومي النفوس، وكان مما ساعدهم على ذلك حالات التزاوج ، والمصاهرة مع أبناء العشائر العربية ولا سيما منهم المخاتير الذين وقفوا إلى جانبهم وأيدوهم لهذا الاعتبار، فضلاًً عن روح التسامح، وعدم التعصب التي تسود بين أبناء المنطقة العرب.
ولكن هذه النزوحات الجماعية الكبيرة زادت من قلق وتوجس الحكومة السورية – كانت ديمقراطية– فيما بعد، فأصدرت القانون رقم 93 في23 آب من العام 1962 ، والذي تقرر بموجبه أجراء إحصاء سكاني في منطقة الجزيرة – محافظة الحسكة – حصراً، ولقد جاء في الأسباب الموجبة لهذا القانون: إن أعداد كثيرة من اللاجئين الأكراد تسللت إلى منطقة الجزيرة – محافظة الحسكة – بصورة غير مشروعة الأمر الذي بدأ يهدد الطبيعة العربية للمنطقة، وبناءً عليه، فلقد تم أجراء الإحصاء السكاني الذي أعلنت الحكومة السورية على أثره أن نحو 120 ألف كردي ليسوا من أصل سوري – بل كانوا أكراد يحملون وثائق تركية رسمية – ، ولكن على الرغم من ذلك أبقتهم الحكومة السورية كمقيمين بصورة غير رسمية، ولم يلجأ إلى إبعادهم أو نقلهم إلى مكان آخر، ولم يواجهوا تهديدات تمس حياتهم .
ومن نافلة القول: أن نسبة كبيرة ممن يعانون انعدام الجنسية في العالم هم من ضحايا النزوح، والهجرة، وكما هو معروف، فأن قضية الجنسية هي مسألة حساسة بصورة غير عادية، فهي تتعلق بصلب، وسيادة، و هوية البلد، فالدولة لها حق السيادة في تحديد من هم مواطنوها، ومن يتمتعون بهذه الصفة وفقاً للقانون، ووفقاً للقانون الدولي فأن الشخص الذي لا يحمل جنسية هو الذي لا تعده أي دولة مواطناً وفقاً لقانونها.