bahzani2
10-06-2008, 23:52
المثقف بين أحلام التغيير وعزلة الهامش
جمال الموساوي
moussaouij@hotmail.com (moussaouij@hotmail.com)
حاز كتاب "الررؤية الفجائعية في الرواية العربية نهاية القرن" للناقد الأدبي المغربي محمد معتصم ، في طبعته الصادرة عن دار أزمنة بالأردن سنة 2004،على جائزة المغرب للكتاب في صنف الدراسات الفنية والأدبية في دورة 2005، اعتبارا لجدة الموضوع من جهة ولجدية اشتغال الباحث علية من جهة أخرى، ومن جهة ثالثة لراهنية القضايا التي أثارها خاصة ما يتعلق منها بأحلام المثقفين العرب في بناء مجتمعات حديثة تسودها قيم التسامح والمساواة مع التشبث بتلك القيم التي تشكل هوية الإنسان العربي، وهو تشبث مشوب بالقلق، والخوف من الذوبان في إعصار التحول الذي يشهده العالم المعاصر.
في العرض الذي نقدمه هنا سنحاول الإحاطة ما أمكن بما يثيرههذا الكتاب الذي يشكل إضافة نوعية للمكتبة النقدية العربية
هل جسد الأدب العربي خلال القرن الماضي الصدمات التي توالت على العالم العربي؟ وهل استطاع أن يفي بعكسه لواقع مرير مطبوع بشتى أنواع المآسي وألوان الخيبات؟
لقد تعاقبت الحروب والهزائم، وارتفعت الأصوات بشعار تلو شعار تعلن مطالب وتندد بهزائم وخيانات، لكنها عادة ما تنتهي الى الخرس دون أن يحدث أي شيء. المجتمعات العربية تتكيف مع واقعها الجديد وتخلد الى نفسها في انتظار خيبة جديدة. وانعكس هذا الوضع على الكثير من مجالات الحياة في البلاد العربية : ما من مواقف صلبة على الأرض، ثمة فقط مواقف لأناس يقيمون في الخطاب لايغادرونه الى الممارسة، ولذلك لا أثر لهم في حياة الناس، وفي همومهم وفي مآسيهم الحقيقية، ولعل لهذا السبب، صار المثقفون والمبدعون أكثر عزلة وأقل حضورا في أذهان الناس ووجدانهم.
لكن مع ذلك فإذا توخينا بعض الموضوعية فسنتساءل عما هو مطلوب من هؤلاء المثقفين الكتاب والمبدعين. ما هو دورهم بالتحديد في مجتمعات يرين عليها كل ما ذكرناه من الفواجع والمآسي والهزائم ـ إنه سؤال، كما نتصوره، مؤلم جدا، بيد أنه أساسي مادام يشكل طريقا الى البحث في وعن دور الأدب والإبداع الأدبي تحديدا في الحياة، خاصة مع دخول العالم الى عصر آخر يشهد اجتياحا معلومياتيا لم يسبق له مثيل في تاريخ البشرية. عصر يبدو شرهاً ومستعداً لابتلاعِ القيم التي فَضلتْ عن صراعات التطور في العالم بما في ذلك الأدب. فأي دور إذن يمكن أن يلعبه هذا الأخير في قلب هذه الانهيارات التي أسفرت عنها سيرورة التقدم. الانهيارات التي لم تترك من الكائن ذي الأحاسيس غير بقايا وشظايا. وهل يمكن أن يكون الأدب وسيلة فعالة تساعد هذا الكائن على المقاومة وعلى البقاء؟
ينقلنا الناقد الأدبي المغربي محمد معتصم إلى عمق هذه الأسئلة المؤلمة. الأسئلة التي قد يطرحها المشتغل بالأدب بينه وبين نفسه وهو يستشرفُ مأساته ومأساة المجتمع الذي يعيش فيه ويستنفد فيه عمره، ويحاول معتصم في كتاب «الرؤية الفجائعية: الأدب العربي في نهاية القرن وبداية الألفية الثالثة»*، أن يقدم أجوبة لهذه الأسئلة انطلاقا من مجموعة من الأعمال الروائية العربية تنتمي إلى مختلف الأقطار العربية وصادرة عن كتاب من أجيالٍ متباينة. ولعل اختيار نماذج إبداعية بهذه الطريقة مقصود في حد ذاته لتبيان أن ما اصطلح عليه بالرؤية الفجائعية تشكل مشتركاً عربياً «يتوارثَهُ» الإبداع في العالم العربي وينقلها جيلٌ لآخر، تماما كما تُنقل الجيناتُ الوراثية ، وهذا واضح من قول الكاتب «يلاحظ أيضا أن جيل السبعينيات صعد الصورة الى حد باتت الأجيال بعده تنظر إليه كمسيح صغير مصلوب نداء لآلام الأجيال السابقة عليه والأجيال اللاحقة» لتترسخ كـ «موقف فكري وإبداعي من مرحلة زمانية كان فيها النهوض كحمل كاذب زاد من ثقل الشعور باليأس في الذات/الذوات العربية » ص 14 وهي مرحلة مستمرة على كل حال.
يعمل محمد معتصم على تتبع هذا الموقف لدى ثلة من الروائيين العرب، راصدا كيف اختار كل واحدٍ تصريف هذا الموقفَ؛ ذلك أنه بالرغم من كون الرؤية الفجائعية حاضرة في كل هؤلاء إلا أن الحدث الروائي الذي اصطفاه كل واحد منهم لتجسيدها مختلف.
فالهزيمة متنوعة والخراب متعدد والمأساة متشعبة وإن أدت جميعها في النهاية الى ذات الإحساس بالاحباط واليأس والضياع. فهناك هزيمة الوطن<span
جمال الموساوي
moussaouij@hotmail.com (moussaouij@hotmail.com)
حاز كتاب "الررؤية الفجائعية في الرواية العربية نهاية القرن" للناقد الأدبي المغربي محمد معتصم ، في طبعته الصادرة عن دار أزمنة بالأردن سنة 2004،على جائزة المغرب للكتاب في صنف الدراسات الفنية والأدبية في دورة 2005، اعتبارا لجدة الموضوع من جهة ولجدية اشتغال الباحث علية من جهة أخرى، ومن جهة ثالثة لراهنية القضايا التي أثارها خاصة ما يتعلق منها بأحلام المثقفين العرب في بناء مجتمعات حديثة تسودها قيم التسامح والمساواة مع التشبث بتلك القيم التي تشكل هوية الإنسان العربي، وهو تشبث مشوب بالقلق، والخوف من الذوبان في إعصار التحول الذي يشهده العالم المعاصر.
في العرض الذي نقدمه هنا سنحاول الإحاطة ما أمكن بما يثيرههذا الكتاب الذي يشكل إضافة نوعية للمكتبة النقدية العربية
هل جسد الأدب العربي خلال القرن الماضي الصدمات التي توالت على العالم العربي؟ وهل استطاع أن يفي بعكسه لواقع مرير مطبوع بشتى أنواع المآسي وألوان الخيبات؟
لقد تعاقبت الحروب والهزائم، وارتفعت الأصوات بشعار تلو شعار تعلن مطالب وتندد بهزائم وخيانات، لكنها عادة ما تنتهي الى الخرس دون أن يحدث أي شيء. المجتمعات العربية تتكيف مع واقعها الجديد وتخلد الى نفسها في انتظار خيبة جديدة. وانعكس هذا الوضع على الكثير من مجالات الحياة في البلاد العربية : ما من مواقف صلبة على الأرض، ثمة فقط مواقف لأناس يقيمون في الخطاب لايغادرونه الى الممارسة، ولذلك لا أثر لهم في حياة الناس، وفي همومهم وفي مآسيهم الحقيقية، ولعل لهذا السبب، صار المثقفون والمبدعون أكثر عزلة وأقل حضورا في أذهان الناس ووجدانهم.
لكن مع ذلك فإذا توخينا بعض الموضوعية فسنتساءل عما هو مطلوب من هؤلاء المثقفين الكتاب والمبدعين. ما هو دورهم بالتحديد في مجتمعات يرين عليها كل ما ذكرناه من الفواجع والمآسي والهزائم ـ إنه سؤال، كما نتصوره، مؤلم جدا، بيد أنه أساسي مادام يشكل طريقا الى البحث في وعن دور الأدب والإبداع الأدبي تحديدا في الحياة، خاصة مع دخول العالم الى عصر آخر يشهد اجتياحا معلومياتيا لم يسبق له مثيل في تاريخ البشرية. عصر يبدو شرهاً ومستعداً لابتلاعِ القيم التي فَضلتْ عن صراعات التطور في العالم بما في ذلك الأدب. فأي دور إذن يمكن أن يلعبه هذا الأخير في قلب هذه الانهيارات التي أسفرت عنها سيرورة التقدم. الانهيارات التي لم تترك من الكائن ذي الأحاسيس غير بقايا وشظايا. وهل يمكن أن يكون الأدب وسيلة فعالة تساعد هذا الكائن على المقاومة وعلى البقاء؟
ينقلنا الناقد الأدبي المغربي محمد معتصم إلى عمق هذه الأسئلة المؤلمة. الأسئلة التي قد يطرحها المشتغل بالأدب بينه وبين نفسه وهو يستشرفُ مأساته ومأساة المجتمع الذي يعيش فيه ويستنفد فيه عمره، ويحاول معتصم في كتاب «الرؤية الفجائعية: الأدب العربي في نهاية القرن وبداية الألفية الثالثة»*، أن يقدم أجوبة لهذه الأسئلة انطلاقا من مجموعة من الأعمال الروائية العربية تنتمي إلى مختلف الأقطار العربية وصادرة عن كتاب من أجيالٍ متباينة. ولعل اختيار نماذج إبداعية بهذه الطريقة مقصود في حد ذاته لتبيان أن ما اصطلح عليه بالرؤية الفجائعية تشكل مشتركاً عربياً «يتوارثَهُ» الإبداع في العالم العربي وينقلها جيلٌ لآخر، تماما كما تُنقل الجيناتُ الوراثية ، وهذا واضح من قول الكاتب «يلاحظ أيضا أن جيل السبعينيات صعد الصورة الى حد باتت الأجيال بعده تنظر إليه كمسيح صغير مصلوب نداء لآلام الأجيال السابقة عليه والأجيال اللاحقة» لتترسخ كـ «موقف فكري وإبداعي من مرحلة زمانية كان فيها النهوض كحمل كاذب زاد من ثقل الشعور باليأس في الذات/الذوات العربية » ص 14 وهي مرحلة مستمرة على كل حال.
يعمل محمد معتصم على تتبع هذا الموقف لدى ثلة من الروائيين العرب، راصدا كيف اختار كل واحدٍ تصريف هذا الموقفَ؛ ذلك أنه بالرغم من كون الرؤية الفجائعية حاضرة في كل هؤلاء إلا أن الحدث الروائي الذي اصطفاه كل واحد منهم لتجسيدها مختلف.
فالهزيمة متنوعة والخراب متعدد والمأساة متشعبة وإن أدت جميعها في النهاية الى ذات الإحساس بالاحباط واليأس والضياع. فهناك هزيمة الوطن<span