bahzani2
12-06-2008, 00:04
تحسنَ الوضع الامني.. لكـــن
جملة مفيدة / زاوية يومية
يكتبها : عبد المنعم الاعسم
الوضع الامني في تحسن واضح، لكن بيننا من تغرّه الصورة فيبالغ في الحديث عن هذا التحسن حد القول ان عهد الانفلات الامني صار وراء ظهورنا، وان عصابات القاعدة وزمر الخارجين عن القانون وعوالم المليشيات انتهت الى غير رجعة، واننا نجني الآن الرُطب الذي انتظرناه (ولهذا مثال في خاتمة المقال) ما ينبغي التحذير من الاستطراد فيه والوقـــوف عنـــده، لكن من جهة صلة الامر بثقافة المبالغة تاركــــين صلتــــــه بالجوانب الاخرى الى وقفات لاحقة.
المبالغـــة غرســة عراقيـــة قديمــة، لـــــــها(هــــروش) في الثقافة الشعبية والسياسية، مثلما لها فروع في الممارسة والمواقف وحتى في الادب المكتوب، فكيف إذا دخلت البلاد دهليزا، طوال اربعة عقود من الزمن، كان العقل فيها على الرف والحاكم الطاغية يضع المبالغة والافراط والتطرف في قلب النهج الذي يدير به شؤون البلاد: مبالغة في القوة والاقتدار. مبالغة في القسوة حتى الابادة الجماعية. مبالغة في العداء حتى إعلان الحرب. مبالغة في السخاء حتى تحويل الثروة الوطنية الى هدايا لكل من هب ودب.
نعم، وثمة في جذورنا نزعة للافراط وازدراء الاعتدال، وطبقا للطبري فان الوليد بن عبد الملك، حين قرر بناء الجامع الاموي في دمشق طلب ان يأتيه كل رجل بلبنة واحدة، ففعلوا، إلا رجلا كان يأتيه باثنتين ، فسأله: ممن انت؟ قال : من العراق، فقال الوليد : تفرطون في كل شيء، حتى في الطاعة.
وإذ تظهر المبالغة كهوى لا يحتسب للواقع فانها تنأى عن المنطق في الكثير من الاحيان، وتظهر في الاقوال والادعاءات، فيما نقيضها الاعتدال يصاهر العقل ويفجر طاقاته، بل هو العقل ذاته حين يعاين الامور من جميع جوانبها وفي حالة حركتها وسكونها..يقول فيثاغورس، هنا، ان العقل هو الوقوف عند مقادير الاشياء قولا وفعلا، وقال مؤلف(السياسة والحيلة عن العرب) ان”صديق كل امير عقله وعدوه جهله” ونقل عن حكماء قولهم..” ان للعقل مفاصل كمفاصل الجسد، فرأسه وعينيه البراءة من الحسد، واذنه التفهم، ولسانه الصدق، وقلبه صحة النية، ويده الرحمة، وقدمه السلامة، وسلطانه العدل، ومركبه وسلاحه لين الكلام، وذخيرته اجتناب الذنوب” .
المبالغة قد تنتهي بصاحبها الى الكارثة لنتذكر صدام حسين يوم قذف الى الهواء كرة صغيرة من الفولاذ على انها واحدة من معدات سلاحه السري تبع ذلك بالقول انه سيهدم بها نصف اسرائيل، وعلق يفجيني بريماكوف في مذكراته على هذه المسرحية بالقول، ان صدام يعرف اثر رنين هذه المبالغة في آذان الملايين، لكنها -والقول لبريماكوف- “تبقى لعبة لم يمارسها غيره بمثل هذا الابداع” وحين سألته صحفية فرنسية عما إذا كان راضيا عن نسبة الاستفتاء على رئاسته، مئة بالمئة، قال، هل لديكم ما هو اعلى من هذه النسبة، ثم علقت في اللوموند قائلة ، ان صدام يصلح ان يكون آلهة للمبالغة.
وتنفُذ المبالغة الى الكذب من ابواب كثيرة وتلعب في ساحته بالرغم من ان الكذب يضاهي الجريمة لدى العراقيين، وقد جاء في امثالهم : فلان أكذب من طير الفاختة، في اشارة الى ان هذا الطير إذا ما نزل على أي نخلة، في غير اوان الرطب ، يصيح: “هذا أوان الرطب”.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
.. وكلام مفيد
ـــــــــــــــــــــــــــــ
“ إذا ازداد الغرور..نقص السرور”.
حكمة مدرسية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
malasam2@hotmail.com
جملة مفيدة / زاوية يومية
يكتبها : عبد المنعم الاعسم
الوضع الامني في تحسن واضح، لكن بيننا من تغرّه الصورة فيبالغ في الحديث عن هذا التحسن حد القول ان عهد الانفلات الامني صار وراء ظهورنا، وان عصابات القاعدة وزمر الخارجين عن القانون وعوالم المليشيات انتهت الى غير رجعة، واننا نجني الآن الرُطب الذي انتظرناه (ولهذا مثال في خاتمة المقال) ما ينبغي التحذير من الاستطراد فيه والوقـــوف عنـــده، لكن من جهة صلة الامر بثقافة المبالغة تاركــــين صلتــــــه بالجوانب الاخرى الى وقفات لاحقة.
المبالغـــة غرســة عراقيـــة قديمــة، لـــــــها(هــــروش) في الثقافة الشعبية والسياسية، مثلما لها فروع في الممارسة والمواقف وحتى في الادب المكتوب، فكيف إذا دخلت البلاد دهليزا، طوال اربعة عقود من الزمن، كان العقل فيها على الرف والحاكم الطاغية يضع المبالغة والافراط والتطرف في قلب النهج الذي يدير به شؤون البلاد: مبالغة في القوة والاقتدار. مبالغة في القسوة حتى الابادة الجماعية. مبالغة في العداء حتى إعلان الحرب. مبالغة في السخاء حتى تحويل الثروة الوطنية الى هدايا لكل من هب ودب.
نعم، وثمة في جذورنا نزعة للافراط وازدراء الاعتدال، وطبقا للطبري فان الوليد بن عبد الملك، حين قرر بناء الجامع الاموي في دمشق طلب ان يأتيه كل رجل بلبنة واحدة، ففعلوا، إلا رجلا كان يأتيه باثنتين ، فسأله: ممن انت؟ قال : من العراق، فقال الوليد : تفرطون في كل شيء، حتى في الطاعة.
وإذ تظهر المبالغة كهوى لا يحتسب للواقع فانها تنأى عن المنطق في الكثير من الاحيان، وتظهر في الاقوال والادعاءات، فيما نقيضها الاعتدال يصاهر العقل ويفجر طاقاته، بل هو العقل ذاته حين يعاين الامور من جميع جوانبها وفي حالة حركتها وسكونها..يقول فيثاغورس، هنا، ان العقل هو الوقوف عند مقادير الاشياء قولا وفعلا، وقال مؤلف(السياسة والحيلة عن العرب) ان”صديق كل امير عقله وعدوه جهله” ونقل عن حكماء قولهم..” ان للعقل مفاصل كمفاصل الجسد، فرأسه وعينيه البراءة من الحسد، واذنه التفهم، ولسانه الصدق، وقلبه صحة النية، ويده الرحمة، وقدمه السلامة، وسلطانه العدل، ومركبه وسلاحه لين الكلام، وذخيرته اجتناب الذنوب” .
المبالغة قد تنتهي بصاحبها الى الكارثة لنتذكر صدام حسين يوم قذف الى الهواء كرة صغيرة من الفولاذ على انها واحدة من معدات سلاحه السري تبع ذلك بالقول انه سيهدم بها نصف اسرائيل، وعلق يفجيني بريماكوف في مذكراته على هذه المسرحية بالقول، ان صدام يعرف اثر رنين هذه المبالغة في آذان الملايين، لكنها -والقول لبريماكوف- “تبقى لعبة لم يمارسها غيره بمثل هذا الابداع” وحين سألته صحفية فرنسية عما إذا كان راضيا عن نسبة الاستفتاء على رئاسته، مئة بالمئة، قال، هل لديكم ما هو اعلى من هذه النسبة، ثم علقت في اللوموند قائلة ، ان صدام يصلح ان يكون آلهة للمبالغة.
وتنفُذ المبالغة الى الكذب من ابواب كثيرة وتلعب في ساحته بالرغم من ان الكذب يضاهي الجريمة لدى العراقيين، وقد جاء في امثالهم : فلان أكذب من طير الفاختة، في اشارة الى ان هذا الطير إذا ما نزل على أي نخلة، في غير اوان الرطب ، يصيح: “هذا أوان الرطب”.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
.. وكلام مفيد
ـــــــــــــــــــــــــــــ
“ إذا ازداد الغرور..نقص السرور”.
حكمة مدرسية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
malasam2@hotmail.com