بحزاني نت
12-07-2008, 08:04
د. كاظم حبيب
موضوعات للمناقشة
في الذكرى الخمسينية لثورة تموز/يوليو 1958 1
-1-
يستقبل الشعب العراقي في هذا اليوم الذكرى الخمسينية لانتفاضة وحدات من الجيش العراقي بقيادة حركة الضباط الأحرار وقائدها عبد الكريم قاسم لإنهاء نظام الحكم السياسي القائم وسعي الشعب لتحويلها إلى ثورة اجتماعية تنقل العراق من علاقات الإنتاج شبه الإقطاعية إلى علاقات الإنتاج الرأسمالية الحديثة وبناء المجتمع المدني الدستوري حيث تسود فيه مبادئ الحرية الفردية والديمقراطية وتأمين حياة آمنة ومستقرة وسعيدة للشعب بأسره.
ومنذ سنوات , وكلما اقتربنا من الذكرى السنوية , تظهر كتابات غير قليلة تقدم تحليلات متباينة عن طبيعة ثورة تموز 1914 وعن العوامل الكامنة وراء تلك الثورة وعن دورها في الحياة السياسية العراقية منذ وقوعها حتى الآن. ويبدو أن هناك وجهتي نظر تتصارعان, إحداهما تشير إلى أن الثورة لم تكن ضرورية وأنها المسؤولة عما جرى ويجري في العراق , والثانية تؤكد بان لم يكن ممكناً إيقاف الثورة. وإنها كانت نتاجاً لعملية موضوعية لا مرد لها. وسأحاول هنا أن أبدي بعض الأفكار والملاحظات في هذا الصدد.
-2-
لم تكن انتفاضة وحدات من الجيش العراقي عملية عفوية أو عبثية أو نتيجة غير متوقعة لما كان يجري في العراق حينذاك , بل كانت عملية موضوعية ونتيجة منطقية لما كان يعاني منه الشعب العراقي طوال عدة عقود. وهي تجسيد لتفاعل وتشابك عوامل موضوعية وذاتية نضجت وتبلورت خلال الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية وأحداث فلسطين , ثم تفاقم التناقض والصراع في ما بين الشعب العراقي والمصالح البريطانية في العراق وموقف الحكم من مصالح الشعب ومصالح الاحتكارات النفطية وفئات الإقطاعيين وكبار ملاكي الأراضي الزراعية والعقاريين. ولم تكن الوحدات العسكرية بقيادة حركة الضباط الأحرار واللجنة العليا لجبهة الاتحاد الوطني سوى الأداة التاريخية لقطف ثمار ما كان قد نضج فعلاً وما كان الشعب يسعى إليه. وقد تجلى ذلك في أعقاب وقوع الانتفاضة حين برز بوضوح عجز النظام عن الدفاع عن نفسه من جهة , واستعداد القوى السياسية المعارضة والشعب بكل فئاته الاجتماعية لا في قبول عملية التغيير التي أطلق شرارتها تنظيم الضباط الأحرار حسب , بل والمشاركة الفاعلة فيها وضمان انتصارها وحمايتها. من عاش هذه الفترة أو من قرأ تاريخ هذه الفترة والفترة التي سبقتها بإمعان , سيدرك الشروط الموضوعية والذاتية التي كانت قد نضجت فعلاً وقادت إلى انطلاق الانتفاضة العسكرية , ومن ثم السعي لتحويلها إلى ثورة اجتماعية. فقد سبقت ذلك أحداثاً كثيرة , ومنها:
* الحركات القومية السياسية والعشائرية في فترة 1932-1935 مثلاً؛
* انقلاب بكر صدقي العسكري في العام 1936 وانقلاب مايس/ايار 1941.
* النضالات السلمية للفترة الواقعة بين 1942-1947 التي استهدفت تكريس الحياة الدستورية والبرلمانية النزيهة , ولكن دون جدوى.
* وثبة كانون الثاني 1948 بالارتباط مع الرغبة في إلغاء معاهدة 1930 والسعي لفرض معاهدة بورتسموث المماثلة على العراق.
* الصدمة التي تلقاها الجيش والشعب في أحداث فلسطين في العام 1948.
* عمليات الإعدام التي لم يشهدها العراق الحديث إلا عند تنفيذها في قادة حركة مايس 1941 العسكريين الأربعة , وكذلك في قادة الحزب الشيوعي العراقي الخمسة في العام 1949.
* انتفاضة تشرين الثاني 1952.
* مجازر نظمتها الحكومة ضد سجناء سياسيين في سجني بغداد والكوت وراح ضحيتها الكثير من السجناء العزل.
* المراسيم الجائرة التي صدرت في العام 1955 , ومنها إسقاط الجنسية العراقية , ثم العدوان الثلاثي على مصر وموقف الحكومة العراقية السلبي من الدفاع عن مصر ومن انتفاضة 1956.
* إقامة الاتحاد الهاشمي بين العراق والأردن دون العودة إلى الشعبين لاستشارتهما وإجراء الاستفتاء الشعبي حول الاتحاد,
-3-
لقد جوبهت جميع تلك النضالات الشعبية بسياسات استبدادية جائرة والتصدي للمشاركين فيها بقسوة بالغة وزج الناس بالسجون والمعتقلات أو القتل العمد وأحكام قاسية و سواء أكان بالسجن والنفي أم التعذيب والإعدام بدلاً عن الالتزام بإرادة الشعب وتحقيق التغييرات المنشودة والتخلص من الحكومات الفاسدة , مما قاد إلى تشديد الصراع بين النخبة الحاكمة والمجتمع بأغلبه. لقد أخل نظام الحكم بالقانون الأساسي (الدستور) العراقي من جوانب عدة نشير إلى أبرزها:
1. عدم الفصل بين السلطات الثلاث عملياً رغم وجودها شكلياً, وعدم استقلال القضاء وفق ما أقره القانون الأساسي (الدستور).
2. التجاوز الفظ على القانون الأساسي من خلال تشويه مؤسسات الدولة الدستورية وتزييف الانتخابات النيابية وتخريب الحياة السياسية في البلاد.
3. التجاوز على مضمون الدستور بإصدار تشريعات (قوانين ومراسيم) ذات مضمون قمعي استبدادي ورجعي في آن واحد.
4. عدم الالتزام بقرارات الحكومة وتعهداتها أمام عصبة الأمم بشأن حقوق الشعب الكردي والقوميات الأخرى.
5. الاستبداد والعنف والقسوة في التعامل مع مطالب الشعب والحياة السياسية الديمقراطية من خلال إصدار أحكام ظالمة بالسجن والنفي والقتل والإعدام للمواطنين والمواطنات دون توفير فرصة الدفاع المشروع والنزيه عن النفس.
6. ضعف استخدام موارد العراق النفطية والمالية والموارد الخاصة في عملية التنمية , سواء أكان من جانب الدولة أم القطاع الخاص , والذي أدى إلى نمو البطالة والبطالة المقنعة في دوائر الدولة ووجود فئات واسعة من الفقراء والمعوزين بجوار تنامي ثروة الأغنياء.
7. مساهمة البلاط بشخص الوصي على العرش عبد الإله بن علي بن حسين في رسم وإقرار وممارسة تلك السياسات المناهضة لمصالح الشعب العراقي والتي حصدت كراهية الشعب ورفضه لها وللبلاط , رغم افتراض أن الملك مصون غير مسؤول وفقاً للقانون الأساسي.
-4-
قاد هذا الواقع إلى نشوء فجوة عميقة وواسعة يصعب ردمها بين الشعب وقوى المعارضة السياسية من جهة , ونظام الحكم والقوى الحاكمة وكبار ملاكي الأراضي الزراعية والعقاريين والبلاط الملكي من جهة أخرى , وإلى حصول تحرك جديد في صفوف الجيش , إضافة إلى التحرك الجديد في صفوف الشعب والمعارضة. فنشأت حاجة موضوعية لعملية التغيير ولم يعد هناك من يستطيع إيقاف سير العملية الموضوعية إرادياً , وإلا لما نجحت الانتفاضة ولما وجدت التأييد العارم من أوساط الشعب الواسعة.
-5-
لعب اللواء الركن عبد الكريم قاسم دوراً أساسياً ورئيسياً في إنجاح الانتفاضة العسكرية من خلال عدد من الإجراءات المهمة , ومنها:
* تشكيل تنظيم الضباط الأحرار وتوحيد المجاميع التي وجدت حينذاك أو التعاون والتنسيق مع بعضها الآخر.
* تشخيص مجموعة من المهمات الوطنية والاجتماعية والديمقراطية والخارجية التي كان الشعب يدعو لها ويؤيدها والتي ساهمت بتوفير أرضية مناسبة للاتفاق مع برنامج اللجنة العليا لجبهة الاتحاد الوطني التي تشكلت في العام 1957.
* الاتصال بالقوى والأحزاب السياسية المدنية للتعاون والتنسيق معها في تنفيذ الانتفاضة العسكرية , إذ أن صلة هذه الأحزاب كانت قوية وهي الضمانة لتعبئة فئات المجتمع إلى جانب الانتفاضة والتي تمثلت بقوى الجبهة.
* الاحتفاظ بسرية عالية في التحضير للانتفاضة واختيار اللحظة المناسبة لتنفيذ العملية وإنجاحها. وكان نجاح الانتفاضة وتحولها إلى مسيرة ثورية وثورة شعبية قد ارتبط بما اتخذته القيادة العسكرية والحكومة من سياسات وإجراءات في الأسابيع والأشهر الأولى. ولكنها لم تكن كافية لمواصلة المسيرة.
لقد كانت هذه المواقف والإجراءات ضمانة لنجاح الانتفاض وسر انتصارها.
-6-
لقد أخل عبد الكريم قاسم بعدد من المسائل التي ألحقت الضرر الكبير بالثورة ومسيرتها واتجاهات تطورها , ومنها بشكل خاص:
1. انفراده مع عبد السلام محمد عارف في اختيار ساعة الصفر وإبلاغ وحداتهما بموعد العملية دون إبلاغ بقية قيادة حركة الضباط الأحرار بالموعد للمساهمة بها. خلق هذا الموقف مشكلات وحساسيات كثيرة رافقت مسيرة الثورة ولعبت دورها السلبي لاحقاً في صفوف الضباط الأحرار وفي زعزعة الثقة والتضامن بين حركة الضباط وبدء المنافسة في ما بينهم والتآمر على بعضهم. ويفترض أن نشير هنا إلى التمايز الذي حصل في أعقاب نجاح الانتفاضة العسكرية في توزيع المناصب الوزارية والمواقع الأساسية في الدولة والقوات المسلحة بين جماعة معينة من الضباط وإبعاد جماعة أخرى من أعضاء حركة الضباط الأحرار عن مواقع المسؤولية السياسية المهمة. وكان الأفضل والأصوب هو انسحاب كل العسكريين إلى ثكناتهم.
2. تراجع قاسم عن الوعد الذي قطعه على نفسه ومع اللجنة العليا لجبهة الاتحاد الوطني في تسليم السلطة بعد فترة انتقالية وجيزة إلى المدنيين وعودة القوات المسلحة إلى معسكراتها استفادة من تجربة 1936.
3. عدم تنفيذ الالتزام بوضع وإقرار دستور البلاد الجديد والبدء بإقامة المؤسسات الدستورية والحياة الحزبية الشرعية.
4. الاعتماد على قرارات وسياسات فردية دون أن يسمح لمؤسسات الدولة القائمة والحكومة وأجهزتها في أن تلعب دورها الطبيعي في دراستها وإقرارها أو رفضها , مما ساعد على نشوء الفوضى والعفوية والصراعات وما نشأ عنها من نزاعات دموية.
5. تخلى قاسم فعلياً عن مهمة إجراء تغيير مدروس ومنظم وديمقراطي في أجهزة الدولة لتتماشى هذه الأجهزة مع التغيرات التي حصلت في المهمات والأهداف واتجاه تطور البلاد , وبالتالي أبقى على نقطة الاحتكاك بين مصالح المجتمع ومصالح أجهزة الدولة التي برزت عملياً في رفض أو عرقلة وتعطيل تنفيذ قرارات رئيس الحكومة والقوانين الصادرة عن مجلس الوزراء ومجلس السيادة.
-7-
عبَّر نجاح حركة الضباط الأحرار في الاستيلاء على السلطة في بغداد في الرابع عشر من تموز من عام 1958 عن دور وأهمية التكامل والتفاعل الإيجابي المثمر بين نضوج الظروف الموضوعية لعملية التغيير السياسي والاجتماعي , وبين الاستعداد الواعي للقوى المنتفضة وتنسيقها وتناغمها النسبي مع حركة الجماهير الشعبية الواسعة المعارضة للسلطة الملكية - الإقطاعية وللهيمنة الأجنبية غير المباشرة حينذاك. كما عبَّر في الوقت نفسه عن أهمية التحالفات السياسية- الاجتماعية التي كانت قد نشأت قبل ذاك في إطار جبهة الاتحاد الوطني في توفير المستلزمات الضرورية لنجاح مثل تلك الانتفاضة , وخاصة دورها في نشر الوعي السياسي وفضح سياسات نظام الحكم وتأمين التفاف أوساط واسعة من الشعب حول الحركة وقيادتها السياسية , رغم التباينات التي كانت قائمة في ما بين تلك الأحزاب والقوى على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية , أو التباين بينها وبين القيادة العسكرية للحركة. ومنذ الوهلة الأولى لانتصار الحركة المسلحة سعت الجماهير الشعبية الواسعة إلى التدخل الفعلي لحسم الموقف لصالح الانتفاضة وإلى فرض وجودها وثقلها السياسي على القيادة السياسية الجديدة وإلى محاولة تحويل تلك الانتفاضة العسكرية المسلحة إلى ثورة شعبية تتبنى مضامين سياسية واجتماعية واقتصادية عميقة تستجيب لطبيعة المرحلة ومضمون المهمات الداخلية والعربية والدولية التي ناضل من أجلها الشعب, وكان من الممكن تحقيقها, إذ إنها كانت تعبر بشكل عام عن المصالح الأساسية والحيوية للقوى الاجتماعية والسياسية المساهمة في العملية الثورية.
-8-
وقد لعب التباين في طبيعة القوى العسكرية المشاركة في الانتفاضة وفي إسنادها بعد وقوعها إلى حصول حالات قتل وسحل ثلاثة من قادة الحكم الملكي (الوصي على العرش ونوري السعيد وولده صباح) مع قتل الملك وآخرين. وقد أساء هذا العمل الوحشي إلى مجمل العملية السلمية التي تميزت بها الانتفاضة العسكرية. وكان لهذا الفعل أثره السلبي على الموقف من الثورة محلياً وعربياً ودولياً. وقد جاء هذا الفعل كرد فعل انتقامي غير مشروع لضحايا النظام والتعبير الصارخ عن حقد وكراهية متراكمة ضد النخبة الحاكمة والبلاط الملكي. وتستوجب الشفافية والصراحة أن نشير إلى ثلاث ملاحظات مهمة , وهي:
* أن هذا العمل غير سياسي وغير أخلاقي وانتقامي وغير مبرر بأي حال ومهما كانت الأسباب.
* إن هذا العمل لم يكن مقرراً من جانب قائد حركة الضباط الأحرار , بل جاء بمبادرة من بعض الضباط , كما أنه لم يكن مقرراً من جانب اللجنة العليا لجبهة الاتحاد الوطني.
* ولكن لا بد من الإشارة بصراحة ووضوح إلى أن تاريخ العراق الطويل مليءٌ , مع السف الشديد , بالكثير من هذه الأفعال الشائنة التي كان الحكام يشجعون عليها , وهي لا تعبر عن مستوى حضاري إنساني , بل عن فعل انتقامي مرفوض ومدان.
-9-
وبعد أن بدأت الحركة الشعبية تفرض جملة من شعاراتها على السلطة السياسية وتتجلى في مجموعة من القرارات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية على المستويات الداخلية والعربية والإقليمية والدولية, بدأت الخلافات في الرؤية والأهداف والمواقف تظهر على سطح الأحداث وتجد تعبيرها الصارخ والمضر لا في الشارع السياسي حسب, بل وعلى صعيد السلطة السياسية وفي القوات المسلحة حيث احتدمت الخلافات بين مختلف الأجنحة العسكرية والمدنية, وخاصة الحزبية منها. وعندها أبتعد العمل السياسي عن الحلول الديمقراطية والسلمية والتحري عن سبل للمساومة وعن أرضية أو قواسم مشتركة, وأتجه تفكير وعمل الجميع نحو الإقصاء والحسم باستخدام أساليب القمع أو التآمر والتحضير لانقلابات عسكرية لمعالجة المشكلات التي تفاقمت بين الأحزاب والقوى السياسية المحلية. وهنا لعبت القوى العربية والإقليمية والدولية, وخاصة الدول القومية العربية ودول الخليج العربية ودول الجوار غير العربية وشركات النفط الاحتكارية الدولية , دورا كبيرا وأساسيا لا في تأجيجها وقطع الطريق عن معالجتها سلميا وديمقراطيا حسب , بل وفي مدّ بعض القوى المتصارعة بالمزيد من الدعم والتأييد المادي والسياسي والإعلامي وبالأسلحة لتشديد نهجها الانقسامي داخل صفوف الشعب والقوات المسلحة.
-10-
لقد كانت أوضاع العراق السياسية والاقتصادية والاجتماعية حينذاك تتطلب من قيادة الدولة الجديدة معالجة ست مشكلات أو مهمات أساسية , وهي:
أ. التحول صوب المجتمع المدني وتسليم السلطة للمدنيين من أجل وضع دستور ديمقراطي دائم للبلاد وعودة القوات المسلحة إلى ثكناتها بدلاً من مواصلة الحكم.
ب. إطلاق الحريات الديمقراطية بما فيها حرية التنظيم الحزبي والمهني وحرية الصحافة والتعبير والتجمع والتظاهر والإضراب وفق قوانين جديدة , إضافة إلى إنهاء نشاط ووجود أجهزة الأمن أو التحقيقات الجنائية والكف عن الاعتقال الكيفي وتأمين تنظيم الحياة المدنية... الخ. وكانت هذه الوجهة تستوجب الالتزام بوضع واستفتاء الشعب على دستور ديمقراطي جديد يستند إلى أسس وقواعد المجتمع المدني الديمقراطي والعلماني والحياة البرلمانية الحرة وتسليم السلطة إلى المدنيين ممن يحوز منهم على تأييد أصوات غالبية الناخبين.
ج.معالجة القضية الكردية على أساس الاعتراف بحق تقرير المصير للشعب الكردي ومنحه حق إقامة الحكم الذاتي أو الفيدرالية في إطار الجمهورية العراقية والاستجابة لمطالب القوميات الأخرى الثقافية والإدارية المشروعة.
د.حل المشكلة الزراعية باتجاه تصفية العلاقات الإنتاجية شبه الإقطاعية في الريف وتأمين مستلزمات التطور الرأسمالي في الزراعة.
هـ. توفير مستلزمات التنمية الاقتصادية والاجتماعية للتخلص من التخلف والتبعية وضمان السيطرة التدريجية على موارد البلاد الأولية وخاصة النفط الخام وموارده المالية, في خدمة التنمية, ومنها التنمية الصناعية, وزيادة التشغيل وتقليص عدد العاطلين عن العمل, وتحسين مستوى حياة ومعيشة الشعب, وضمان تطور معجل للقطاعين الخاص والعام والقطاع المختلط في المشاركة في هذه العملية.
و.إقامة علاقات تعاون وتنسيق وتضامن واسعة وشاملة مع الأقطار العربية ومع بقية بلدان منطقة الشرق الأوسط, وخاصة دول الجوار.
ز. إقامة علاقات تعاون متعدد الجوانب وممارسة سياسة الحياد الإيجابي في السياسة الدولية وفي العلاقة مع الدول الكبرى, إضافة إلى التخلص من سياسة الأحلاف العسكرية والوجود العسكري الأجنبي في البلاد وإلغاء المعاهدات المقيدة لحرية البلاد وسيادته.
-
موضوعات للمناقشة
في الذكرى الخمسينية لثورة تموز/يوليو 1958 1
-1-
يستقبل الشعب العراقي في هذا اليوم الذكرى الخمسينية لانتفاضة وحدات من الجيش العراقي بقيادة حركة الضباط الأحرار وقائدها عبد الكريم قاسم لإنهاء نظام الحكم السياسي القائم وسعي الشعب لتحويلها إلى ثورة اجتماعية تنقل العراق من علاقات الإنتاج شبه الإقطاعية إلى علاقات الإنتاج الرأسمالية الحديثة وبناء المجتمع المدني الدستوري حيث تسود فيه مبادئ الحرية الفردية والديمقراطية وتأمين حياة آمنة ومستقرة وسعيدة للشعب بأسره.
ومنذ سنوات , وكلما اقتربنا من الذكرى السنوية , تظهر كتابات غير قليلة تقدم تحليلات متباينة عن طبيعة ثورة تموز 1914 وعن العوامل الكامنة وراء تلك الثورة وعن دورها في الحياة السياسية العراقية منذ وقوعها حتى الآن. ويبدو أن هناك وجهتي نظر تتصارعان, إحداهما تشير إلى أن الثورة لم تكن ضرورية وأنها المسؤولة عما جرى ويجري في العراق , والثانية تؤكد بان لم يكن ممكناً إيقاف الثورة. وإنها كانت نتاجاً لعملية موضوعية لا مرد لها. وسأحاول هنا أن أبدي بعض الأفكار والملاحظات في هذا الصدد.
-2-
لم تكن انتفاضة وحدات من الجيش العراقي عملية عفوية أو عبثية أو نتيجة غير متوقعة لما كان يجري في العراق حينذاك , بل كانت عملية موضوعية ونتيجة منطقية لما كان يعاني منه الشعب العراقي طوال عدة عقود. وهي تجسيد لتفاعل وتشابك عوامل موضوعية وذاتية نضجت وتبلورت خلال الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية وأحداث فلسطين , ثم تفاقم التناقض والصراع في ما بين الشعب العراقي والمصالح البريطانية في العراق وموقف الحكم من مصالح الشعب ومصالح الاحتكارات النفطية وفئات الإقطاعيين وكبار ملاكي الأراضي الزراعية والعقاريين. ولم تكن الوحدات العسكرية بقيادة حركة الضباط الأحرار واللجنة العليا لجبهة الاتحاد الوطني سوى الأداة التاريخية لقطف ثمار ما كان قد نضج فعلاً وما كان الشعب يسعى إليه. وقد تجلى ذلك في أعقاب وقوع الانتفاضة حين برز بوضوح عجز النظام عن الدفاع عن نفسه من جهة , واستعداد القوى السياسية المعارضة والشعب بكل فئاته الاجتماعية لا في قبول عملية التغيير التي أطلق شرارتها تنظيم الضباط الأحرار حسب , بل والمشاركة الفاعلة فيها وضمان انتصارها وحمايتها. من عاش هذه الفترة أو من قرأ تاريخ هذه الفترة والفترة التي سبقتها بإمعان , سيدرك الشروط الموضوعية والذاتية التي كانت قد نضجت فعلاً وقادت إلى انطلاق الانتفاضة العسكرية , ومن ثم السعي لتحويلها إلى ثورة اجتماعية. فقد سبقت ذلك أحداثاً كثيرة , ومنها:
* الحركات القومية السياسية والعشائرية في فترة 1932-1935 مثلاً؛
* انقلاب بكر صدقي العسكري في العام 1936 وانقلاب مايس/ايار 1941.
* النضالات السلمية للفترة الواقعة بين 1942-1947 التي استهدفت تكريس الحياة الدستورية والبرلمانية النزيهة , ولكن دون جدوى.
* وثبة كانون الثاني 1948 بالارتباط مع الرغبة في إلغاء معاهدة 1930 والسعي لفرض معاهدة بورتسموث المماثلة على العراق.
* الصدمة التي تلقاها الجيش والشعب في أحداث فلسطين في العام 1948.
* عمليات الإعدام التي لم يشهدها العراق الحديث إلا عند تنفيذها في قادة حركة مايس 1941 العسكريين الأربعة , وكذلك في قادة الحزب الشيوعي العراقي الخمسة في العام 1949.
* انتفاضة تشرين الثاني 1952.
* مجازر نظمتها الحكومة ضد سجناء سياسيين في سجني بغداد والكوت وراح ضحيتها الكثير من السجناء العزل.
* المراسيم الجائرة التي صدرت في العام 1955 , ومنها إسقاط الجنسية العراقية , ثم العدوان الثلاثي على مصر وموقف الحكومة العراقية السلبي من الدفاع عن مصر ومن انتفاضة 1956.
* إقامة الاتحاد الهاشمي بين العراق والأردن دون العودة إلى الشعبين لاستشارتهما وإجراء الاستفتاء الشعبي حول الاتحاد,
-3-
لقد جوبهت جميع تلك النضالات الشعبية بسياسات استبدادية جائرة والتصدي للمشاركين فيها بقسوة بالغة وزج الناس بالسجون والمعتقلات أو القتل العمد وأحكام قاسية و سواء أكان بالسجن والنفي أم التعذيب والإعدام بدلاً عن الالتزام بإرادة الشعب وتحقيق التغييرات المنشودة والتخلص من الحكومات الفاسدة , مما قاد إلى تشديد الصراع بين النخبة الحاكمة والمجتمع بأغلبه. لقد أخل نظام الحكم بالقانون الأساسي (الدستور) العراقي من جوانب عدة نشير إلى أبرزها:
1. عدم الفصل بين السلطات الثلاث عملياً رغم وجودها شكلياً, وعدم استقلال القضاء وفق ما أقره القانون الأساسي (الدستور).
2. التجاوز الفظ على القانون الأساسي من خلال تشويه مؤسسات الدولة الدستورية وتزييف الانتخابات النيابية وتخريب الحياة السياسية في البلاد.
3. التجاوز على مضمون الدستور بإصدار تشريعات (قوانين ومراسيم) ذات مضمون قمعي استبدادي ورجعي في آن واحد.
4. عدم الالتزام بقرارات الحكومة وتعهداتها أمام عصبة الأمم بشأن حقوق الشعب الكردي والقوميات الأخرى.
5. الاستبداد والعنف والقسوة في التعامل مع مطالب الشعب والحياة السياسية الديمقراطية من خلال إصدار أحكام ظالمة بالسجن والنفي والقتل والإعدام للمواطنين والمواطنات دون توفير فرصة الدفاع المشروع والنزيه عن النفس.
6. ضعف استخدام موارد العراق النفطية والمالية والموارد الخاصة في عملية التنمية , سواء أكان من جانب الدولة أم القطاع الخاص , والذي أدى إلى نمو البطالة والبطالة المقنعة في دوائر الدولة ووجود فئات واسعة من الفقراء والمعوزين بجوار تنامي ثروة الأغنياء.
7. مساهمة البلاط بشخص الوصي على العرش عبد الإله بن علي بن حسين في رسم وإقرار وممارسة تلك السياسات المناهضة لمصالح الشعب العراقي والتي حصدت كراهية الشعب ورفضه لها وللبلاط , رغم افتراض أن الملك مصون غير مسؤول وفقاً للقانون الأساسي.
-4-
قاد هذا الواقع إلى نشوء فجوة عميقة وواسعة يصعب ردمها بين الشعب وقوى المعارضة السياسية من جهة , ونظام الحكم والقوى الحاكمة وكبار ملاكي الأراضي الزراعية والعقاريين والبلاط الملكي من جهة أخرى , وإلى حصول تحرك جديد في صفوف الجيش , إضافة إلى التحرك الجديد في صفوف الشعب والمعارضة. فنشأت حاجة موضوعية لعملية التغيير ولم يعد هناك من يستطيع إيقاف سير العملية الموضوعية إرادياً , وإلا لما نجحت الانتفاضة ولما وجدت التأييد العارم من أوساط الشعب الواسعة.
-5-
لعب اللواء الركن عبد الكريم قاسم دوراً أساسياً ورئيسياً في إنجاح الانتفاضة العسكرية من خلال عدد من الإجراءات المهمة , ومنها:
* تشكيل تنظيم الضباط الأحرار وتوحيد المجاميع التي وجدت حينذاك أو التعاون والتنسيق مع بعضها الآخر.
* تشخيص مجموعة من المهمات الوطنية والاجتماعية والديمقراطية والخارجية التي كان الشعب يدعو لها ويؤيدها والتي ساهمت بتوفير أرضية مناسبة للاتفاق مع برنامج اللجنة العليا لجبهة الاتحاد الوطني التي تشكلت في العام 1957.
* الاتصال بالقوى والأحزاب السياسية المدنية للتعاون والتنسيق معها في تنفيذ الانتفاضة العسكرية , إذ أن صلة هذه الأحزاب كانت قوية وهي الضمانة لتعبئة فئات المجتمع إلى جانب الانتفاضة والتي تمثلت بقوى الجبهة.
* الاحتفاظ بسرية عالية في التحضير للانتفاضة واختيار اللحظة المناسبة لتنفيذ العملية وإنجاحها. وكان نجاح الانتفاضة وتحولها إلى مسيرة ثورية وثورة شعبية قد ارتبط بما اتخذته القيادة العسكرية والحكومة من سياسات وإجراءات في الأسابيع والأشهر الأولى. ولكنها لم تكن كافية لمواصلة المسيرة.
لقد كانت هذه المواقف والإجراءات ضمانة لنجاح الانتفاض وسر انتصارها.
-6-
لقد أخل عبد الكريم قاسم بعدد من المسائل التي ألحقت الضرر الكبير بالثورة ومسيرتها واتجاهات تطورها , ومنها بشكل خاص:
1. انفراده مع عبد السلام محمد عارف في اختيار ساعة الصفر وإبلاغ وحداتهما بموعد العملية دون إبلاغ بقية قيادة حركة الضباط الأحرار بالموعد للمساهمة بها. خلق هذا الموقف مشكلات وحساسيات كثيرة رافقت مسيرة الثورة ولعبت دورها السلبي لاحقاً في صفوف الضباط الأحرار وفي زعزعة الثقة والتضامن بين حركة الضباط وبدء المنافسة في ما بينهم والتآمر على بعضهم. ويفترض أن نشير هنا إلى التمايز الذي حصل في أعقاب نجاح الانتفاضة العسكرية في توزيع المناصب الوزارية والمواقع الأساسية في الدولة والقوات المسلحة بين جماعة معينة من الضباط وإبعاد جماعة أخرى من أعضاء حركة الضباط الأحرار عن مواقع المسؤولية السياسية المهمة. وكان الأفضل والأصوب هو انسحاب كل العسكريين إلى ثكناتهم.
2. تراجع قاسم عن الوعد الذي قطعه على نفسه ومع اللجنة العليا لجبهة الاتحاد الوطني في تسليم السلطة بعد فترة انتقالية وجيزة إلى المدنيين وعودة القوات المسلحة إلى معسكراتها استفادة من تجربة 1936.
3. عدم تنفيذ الالتزام بوضع وإقرار دستور البلاد الجديد والبدء بإقامة المؤسسات الدستورية والحياة الحزبية الشرعية.
4. الاعتماد على قرارات وسياسات فردية دون أن يسمح لمؤسسات الدولة القائمة والحكومة وأجهزتها في أن تلعب دورها الطبيعي في دراستها وإقرارها أو رفضها , مما ساعد على نشوء الفوضى والعفوية والصراعات وما نشأ عنها من نزاعات دموية.
5. تخلى قاسم فعلياً عن مهمة إجراء تغيير مدروس ومنظم وديمقراطي في أجهزة الدولة لتتماشى هذه الأجهزة مع التغيرات التي حصلت في المهمات والأهداف واتجاه تطور البلاد , وبالتالي أبقى على نقطة الاحتكاك بين مصالح المجتمع ومصالح أجهزة الدولة التي برزت عملياً في رفض أو عرقلة وتعطيل تنفيذ قرارات رئيس الحكومة والقوانين الصادرة عن مجلس الوزراء ومجلس السيادة.
-7-
عبَّر نجاح حركة الضباط الأحرار في الاستيلاء على السلطة في بغداد في الرابع عشر من تموز من عام 1958 عن دور وأهمية التكامل والتفاعل الإيجابي المثمر بين نضوج الظروف الموضوعية لعملية التغيير السياسي والاجتماعي , وبين الاستعداد الواعي للقوى المنتفضة وتنسيقها وتناغمها النسبي مع حركة الجماهير الشعبية الواسعة المعارضة للسلطة الملكية - الإقطاعية وللهيمنة الأجنبية غير المباشرة حينذاك. كما عبَّر في الوقت نفسه عن أهمية التحالفات السياسية- الاجتماعية التي كانت قد نشأت قبل ذاك في إطار جبهة الاتحاد الوطني في توفير المستلزمات الضرورية لنجاح مثل تلك الانتفاضة , وخاصة دورها في نشر الوعي السياسي وفضح سياسات نظام الحكم وتأمين التفاف أوساط واسعة من الشعب حول الحركة وقيادتها السياسية , رغم التباينات التي كانت قائمة في ما بين تلك الأحزاب والقوى على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية , أو التباين بينها وبين القيادة العسكرية للحركة. ومنذ الوهلة الأولى لانتصار الحركة المسلحة سعت الجماهير الشعبية الواسعة إلى التدخل الفعلي لحسم الموقف لصالح الانتفاضة وإلى فرض وجودها وثقلها السياسي على القيادة السياسية الجديدة وإلى محاولة تحويل تلك الانتفاضة العسكرية المسلحة إلى ثورة شعبية تتبنى مضامين سياسية واجتماعية واقتصادية عميقة تستجيب لطبيعة المرحلة ومضمون المهمات الداخلية والعربية والدولية التي ناضل من أجلها الشعب, وكان من الممكن تحقيقها, إذ إنها كانت تعبر بشكل عام عن المصالح الأساسية والحيوية للقوى الاجتماعية والسياسية المساهمة في العملية الثورية.
-8-
وقد لعب التباين في طبيعة القوى العسكرية المشاركة في الانتفاضة وفي إسنادها بعد وقوعها إلى حصول حالات قتل وسحل ثلاثة من قادة الحكم الملكي (الوصي على العرش ونوري السعيد وولده صباح) مع قتل الملك وآخرين. وقد أساء هذا العمل الوحشي إلى مجمل العملية السلمية التي تميزت بها الانتفاضة العسكرية. وكان لهذا الفعل أثره السلبي على الموقف من الثورة محلياً وعربياً ودولياً. وقد جاء هذا الفعل كرد فعل انتقامي غير مشروع لضحايا النظام والتعبير الصارخ عن حقد وكراهية متراكمة ضد النخبة الحاكمة والبلاط الملكي. وتستوجب الشفافية والصراحة أن نشير إلى ثلاث ملاحظات مهمة , وهي:
* أن هذا العمل غير سياسي وغير أخلاقي وانتقامي وغير مبرر بأي حال ومهما كانت الأسباب.
* إن هذا العمل لم يكن مقرراً من جانب قائد حركة الضباط الأحرار , بل جاء بمبادرة من بعض الضباط , كما أنه لم يكن مقرراً من جانب اللجنة العليا لجبهة الاتحاد الوطني.
* ولكن لا بد من الإشارة بصراحة ووضوح إلى أن تاريخ العراق الطويل مليءٌ , مع السف الشديد , بالكثير من هذه الأفعال الشائنة التي كان الحكام يشجعون عليها , وهي لا تعبر عن مستوى حضاري إنساني , بل عن فعل انتقامي مرفوض ومدان.
-9-
وبعد أن بدأت الحركة الشعبية تفرض جملة من شعاراتها على السلطة السياسية وتتجلى في مجموعة من القرارات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية على المستويات الداخلية والعربية والإقليمية والدولية, بدأت الخلافات في الرؤية والأهداف والمواقف تظهر على سطح الأحداث وتجد تعبيرها الصارخ والمضر لا في الشارع السياسي حسب, بل وعلى صعيد السلطة السياسية وفي القوات المسلحة حيث احتدمت الخلافات بين مختلف الأجنحة العسكرية والمدنية, وخاصة الحزبية منها. وعندها أبتعد العمل السياسي عن الحلول الديمقراطية والسلمية والتحري عن سبل للمساومة وعن أرضية أو قواسم مشتركة, وأتجه تفكير وعمل الجميع نحو الإقصاء والحسم باستخدام أساليب القمع أو التآمر والتحضير لانقلابات عسكرية لمعالجة المشكلات التي تفاقمت بين الأحزاب والقوى السياسية المحلية. وهنا لعبت القوى العربية والإقليمية والدولية, وخاصة الدول القومية العربية ودول الخليج العربية ودول الجوار غير العربية وشركات النفط الاحتكارية الدولية , دورا كبيرا وأساسيا لا في تأجيجها وقطع الطريق عن معالجتها سلميا وديمقراطيا حسب , بل وفي مدّ بعض القوى المتصارعة بالمزيد من الدعم والتأييد المادي والسياسي والإعلامي وبالأسلحة لتشديد نهجها الانقسامي داخل صفوف الشعب والقوات المسلحة.
-10-
لقد كانت أوضاع العراق السياسية والاقتصادية والاجتماعية حينذاك تتطلب من قيادة الدولة الجديدة معالجة ست مشكلات أو مهمات أساسية , وهي:
أ. التحول صوب المجتمع المدني وتسليم السلطة للمدنيين من أجل وضع دستور ديمقراطي دائم للبلاد وعودة القوات المسلحة إلى ثكناتها بدلاً من مواصلة الحكم.
ب. إطلاق الحريات الديمقراطية بما فيها حرية التنظيم الحزبي والمهني وحرية الصحافة والتعبير والتجمع والتظاهر والإضراب وفق قوانين جديدة , إضافة إلى إنهاء نشاط ووجود أجهزة الأمن أو التحقيقات الجنائية والكف عن الاعتقال الكيفي وتأمين تنظيم الحياة المدنية... الخ. وكانت هذه الوجهة تستوجب الالتزام بوضع واستفتاء الشعب على دستور ديمقراطي جديد يستند إلى أسس وقواعد المجتمع المدني الديمقراطي والعلماني والحياة البرلمانية الحرة وتسليم السلطة إلى المدنيين ممن يحوز منهم على تأييد أصوات غالبية الناخبين.
ج.معالجة القضية الكردية على أساس الاعتراف بحق تقرير المصير للشعب الكردي ومنحه حق إقامة الحكم الذاتي أو الفيدرالية في إطار الجمهورية العراقية والاستجابة لمطالب القوميات الأخرى الثقافية والإدارية المشروعة.
د.حل المشكلة الزراعية باتجاه تصفية العلاقات الإنتاجية شبه الإقطاعية في الريف وتأمين مستلزمات التطور الرأسمالي في الزراعة.
هـ. توفير مستلزمات التنمية الاقتصادية والاجتماعية للتخلص من التخلف والتبعية وضمان السيطرة التدريجية على موارد البلاد الأولية وخاصة النفط الخام وموارده المالية, في خدمة التنمية, ومنها التنمية الصناعية, وزيادة التشغيل وتقليص عدد العاطلين عن العمل, وتحسين مستوى حياة ومعيشة الشعب, وضمان تطور معجل للقطاعين الخاص والعام والقطاع المختلط في المشاركة في هذه العملية.
و.إقامة علاقات تعاون وتنسيق وتضامن واسعة وشاملة مع الأقطار العربية ومع بقية بلدان منطقة الشرق الأوسط, وخاصة دول الجوار.
ز. إقامة علاقات تعاون متعدد الجوانب وممارسة سياسة الحياد الإيجابي في السياسة الدولية وفي العلاقة مع الدول الكبرى, إضافة إلى التخلص من سياسة الأحلاف العسكرية والوجود العسكري الأجنبي في البلاد وإلغاء المعاهدات المقيدة لحرية البلاد وسيادته.
-