bahzani2
12-07-2008, 09:21
التقارب والتلاقي ضرورة ملحة
هيئـة التحريـر
لا يختلف اثنان على أهمية وضرورات الوحدة بالنسبة للحالة الكردية الراهنة ، التي لا يزال التشتت يطبعها بألوان داكنة ، انعكست سلباً على إرادة جماهير شعبنا وعلاقتها بحركتها الوطنية الكردية التي لا بديل لها ، كقائدة لنضاله وملهمة لعزيمته وقاعدة لتحقيق آماله ، لكنها – أي الحركة – لم تتمكن لم تتمكن من أداء دورها النضالي المطلوب بشكل فاعل ، بسبب فشلها حتى الآن في تأمين وحدتها المنشودة ، والتي نقصد بها وحدة الصف الوطني الكردي في مواجهة الساسة الشوفينية المتنكرة للوجود التاريخي الكردي ، والمتجاهلة لشرعية الحركة الكردية في سورية بكل فصائلها، وهذا ما يجب أن يدفعنا للمزيـد من المراجعة ، وخاصة للحسـابات الحزبية الضيقة ، وتجاوز كل ما يعيق إرادة التلاقي والتقارب ، ويستدعي منا جميعاً إعادة تأهيل الهياكل التنظيمية الموجودة ، وذلك على أسس تربوية ونضالية سليمة تعتمد بالدرجة الأولى ، على نوعية عناصرها وتعميق معرفة أعضائها بمدة معاناة شعبنا الكردي، من تمادي السياسة الشوفينية التي تمثل التناقض الأساسي لشعبنا وحركتنا ، والذي يجب أن لا يتقدمه أي تناقض آخر ، فمن غير المعقول أن يحل محله التناقض الثانوي بين فصيل أو إطار وآخر ، ويصل إلى درجة القطعية والتناحـر ، وبعدها ندعـي أننا جميعاً أصحاب قضية واحدة ، هي القضية الكردية التي يفترض أنها تجمعنا وتقف وراء وجودنا كأحزاب وإطـارات ، كما تستدعي تلك المراجعة أن نبحث عن حقوقنا في مركـز القرار السياسي ... أي أن مطالبتنا بتلك الحقوق يجب أن تكون في دمشق كجهة قرار ومناقشة وتفهم لتلك الحقوق ، وقطع الطريق أمام المحاولات الشوفينية الرامية لتحويل أنظار شعبنا نحو أجزاء أخرى من كردستان ، لها ظروفها وقياداتها وحركاتها الخاصة التي تعبر في نضالها عن خصوصية هذا الجزء أو ذاك ...
ونعتقد أن هذا الموضوع له علاقة مباشرة بإمكانية تحقيق أي تقارب هنا في مجال الحركة الوطنية الكردية في سوريا، لأن وحدة الهدف يحقق وحدة التحرك ويسهل عملية التلاقي بين الأطراف المعنية بهذا الهدف ، في حين يعيق تشتت الاتهامات وتباين ذلك التقارب. لكن يبقى الأهم من هذا وذاك، رفع مستوى الشعور بالمسؤولية تجاه قضيتنا القومية الديمقراطية والاعتراف بجسامتها التي تثقل كاهل الحركة ، وضرورة إحساس جميع الأطراف بان مهمة التصدي لها من أجل حل عادل، هي أكبر من قدرة حزب واحد أو إطار واحد، وان واجب الإخلاص لهذه القضية لا يتطلب فقط النضال على انفراد من أجلها، بل ذلك وحدة نضال كل المعنيين بها، وحشد المزيد من الأصدقاء حولها، والعمل على إدراجها بين القضايا الوطنية الأساسية في البلاد ، لتجد طريقها نحو حل عادل ، ولن يتم ذلك بدون إيجاد مرجعية كردية موحدة .
وبناءً على ما تقدم ، فإن وحدة الصف الوطني الكردي ، باتت تطرح نفسها وضروراتها بإلحاح، وبات الإيمان بأهميتها والعمل من أجل تحقيقها ، يعتبران مقياساً لمصداقية أي طرف ، إذا أراد أن يستعيد ثقة المستاءين من أبناء وبنات شعبنا، ورسالة واضحة موجهة للشوفينية بأن شعبنا لن يستكين لسياستها العنصرية، وان حقوقه لا تقبل المساومة، ومدخـلاً طبيعياً لانخراط حركتنـا الموحـدة في النضال الديمقراطي العام في البلاد . لتشارك في بناء مجتمع متطور أساسه خدمة الوطن ، قائم على أسس ديمقراطية ، خال من التمييز بكل أشكاله ، تصان فيه حقوق الإنسان ، بما فيها حقوق الإنسان الكردي القومية .
التغيير لا يقبل التأجيل
لاشك أن الواقع السياسي القائم في البلاد ، كتركيبة وممارسة يثير امتعاض وتذمر كل ألوان الطيف السياسي والاجتماعي والاقتصادي بما في ذلك أواسط واسعة من جسم الحزب الحاكم وروافده وحلفائه ، لأنهم عدا الطواقم القيادية أيضاً متضررون من انغلاق الحياة السـياسية وتفشي الظواهر الفردية والفتوية ، على حساب القانون والحريات العامة وحتى على حسـاب مصلحة البـلاد وتقدمها ، أن استمرار هكذا وضع يعني استمرار الحالة الخاصة على حساب المصلحة العامة ، ولا يشير إلى أي تغيير نوعي باتجاه التحديث والتطوير، وهو بالتالي تحد واضح لإرادة الجماهير نحو حل قضاياها العالقة وتحقيق أمانيها المشروعة في غدٍ أفضل .
وإذا كان التغيير ضروريـاً وينبغي أن يكون في كل مراحل الحياة ومستمراً دائماً ، فهذا اليوم أكثر إلحاحـاً سـواء لمتطلبات الوضع الداخـلي وبما آلت إليـه من اختناقات في كل مجالات الحياة العامـة ، أو لمواكبـة التطورات السريعة التي تعم العالم بأسره والتي تشمل الميادين السياسية والاقتصادية والتكنولوجية، ولكي يكون التغيير جدياً فيجب أن يكون شاملاً على أن يبدأ من تنظيم الحياة السياسية بقانون يساوي بين الأحزاب كافة وبما يتناسب مع حجمها وإمكاناتها السياسية والجماهيرية ، وفصل حزب البعث الحاكم عن المؤسسـات العسـكرية والمخابراتيـة ، وفصل التداخل العضوي بين مؤسسات الدولـة التي هي ملك الشعب لتـدار بكفاءاته ، وبين مؤسسات الحكم التي تتنافس عليها الأحزاب السياسية ديمقراطياً ولا ضير حينذاك أن يكون لأي حزب حصة الأسـد في ذلك ، وإن كان حزب البعث الحاكم نفسه ، ومن ثم الانتقال بعدها إلى الجوانب الأخرى بيسر وسـهولة ، حيث إطلاق سراح السجناء السياسيين فوراً وإطلاق الحريـات العامة مباشرة ورفع القوانين الاستثنائية وإلغاء حالة الطوارئ والأحكام العرفيـة وإعادة الاعتبـار للقانون والقضـاء والاعتراف الدستوري بالشعب الكردي في سوريا ومعالجة وضعه واعتباره القومية الثانية في البلاد له حق التمثيل النسبي في المؤسسات التشريعية والتنفيذية للبلاد ، والبدء بتشكيل (برلمان جديد) وفق انتخابات ديمقراطية نزيهة ليصار إلى تعديل دستور البلاد بما يتناسب مع الوضع الراهن للبلاد ، ومعالجة الوضع المالي والاقتصادي بالتركيز على التنمية في القطاعات الصناعية والصرفية والزراعية ...
لكن ما يحد من تفاؤل المتتبعين للأحداث عن ليس
هناك مبادرات جدية نحو التغيير المطلوب ، وان كل ما
يدور حوله الحديث والجدل عند مواقع القرار لا يتجاوز الشكلي والسطحي المتبع ، والذي لا يعدو عن كونه تنفيس للحالة المشحونة القائمة ، ذلك على حساب التحول الحقيقي والذي لا ينتج سوى المزيد من الاحتقانات الجماهيرية والمزيد من الضغط على الحالة الوطنية العامة التي قد تلحق أضراراً جمة على الصعيدين الشعبي والوطني
معاً .
أننا نرى بأن التغيير المطلوب بات ضرورياً ولا يقبل التأجيل بأي حال ، تغيير يلبي طموحات الجماهير وتوقها الجامح إلى حياة ديمقراطية حرة تجعلها سيدة نفسها وتعطيها المجال الأوسع في التعبير عن رأيها بحرية ولتأخذ سبيلها السوي لأداء واجباتها في بناء وطنها وشعورها الكامل بمسؤوليتها نحوه قبل التمتع بحقوقها كافة ، لأن في التغيير الديمقراطي السليم كل معاني التطور والتقدم وفيه يكمن الخير للجميع .
مفهوم المجتمع المدني
برز خلال العقد الأخير اهتمام استثنائي بمفهوم المجتمع المدني في العالم عموماً، ويصعب حصر الكتابات الغربية في هذا المجال ، ولكن يكفي التذكير بدعوات ( جون كين ) إلى إقامة مجتمع مدني عالمي وبروز دراسات وحركات تدعو إلى مجتمع مدني في أمريكا وأفريقيا ، ويبدو إن سعة الاهتمام الجاد قد أتى بعد انهيار العالم القديم ، وبعد التحول الحضاري الكبير الذي شهده العالم ، هذا التحول أدى إلى تنوع المشارب الفكرية ( من أقصى المادية إلى أقصى المثاليـة ومن المدرسة التعاونيـة الجماعية إلى المدرسة الليبرالية الفردية ) . إن المجتمع المدني وفق التصور النظري الجديد يعتبر ميداناً يجري فيه تقسيم العمل وإنتاج الثروة والتعاقد والتبادل بصورة مستقلة عن الميدان السياسي، إن المجتمع المدني هنا يسبق الدولة من الوجهة المنطقية والتاريخيـة ويتمحور حـول السوق وآلياتهـا الطبيعية ، والمجتمع المدني هو المجتمع الحديث ، مجتمع المصارف والاتحادات المالية والنقابات والكتل الاجتماعية المتضاربة . إن حق حماية الثروة والملكية والحياة ، هو حق مرهون لا بالفرد ذاتـه بل بالمجتمع السـياسي ، أي الدولة في كل هذه الآراء والنظريات التي برزت في ميدان الفكر السياسي نجد :
1- إن المجتمـع المدنـي بكل مكوناتـه هـو المنظمات الاجتماعية المستقلة عن الدولة والمحددة للدولـة ، بتعبير آخر إن المجتمع المدني هو الذي خلق الدولة الحديثة .
2- وكذلك فإن المجتمـع المدني هو ميدان تقسـيم العمل وإنتاج الثروة والتبادل المستقل عن المجال السياسي.
3- المجتمع المدني ميـدان للصراع وإن هذا الصراع هو الذي يولـد السـلام الاجتماعي أي حكم الدسـتور والبرلمان .
وعلى صعيد آخر فإن الأنظمة الدكتاتورية في العالم تتحدث كثيراً عن الحرية والديمقراطية بل تصنع ( ديمقراطيات ) بمقاسات جاهزة وعجيبة وتقول للعالم الآخر أنها النموذج. والغريب في الأمر أن معظم هذه النظم نشأت وترعرعت في ظل ظروف شاذة خارجة عن إرادة شعوبها ، وكانت دائماً
تقف على هرم هذه النظم تعاني من مركبات النقص والعقد والأمراض السايكولوجية ، ولما يعانون من طفولة بائسة وترعرعوا في بيئة ملوثة مختلفة . لقد كان ( غوبلز) وزير الدعاية لدى هتلر واحد من أولئك المصابين، لقد دفع الشعب الألماني خيرة شبابه إلى محرقة الموت نتيجة لطموحات هتلر وعقده النفسية. ودفعت شعوب كثيرة في مشرق الأرض ومغربها ثمناً باهظاً لسياسات الديكتاتوريات والشعب الكردي خصوصاً مثالاً حياً على ذلك .
لكن الشـعوب المكافحـة والحرة تختار طريقها نحـو الديمقراطية الحقة والوصول إلى القيم الحضارية ، ونحن الكرد أمة حية وشعب عريق، وكانت الديمقراطية اختيارنا الأول وأسلوبنا في الحياة السياسية ، وانتخابات البرلمان الكردستاني مؤشر على إننا وضعنا الخطوة الأولى الصحيحة والراسخة في بنائنا الاجتماعي ، ومما يتطلب منا أن نرسخ هذه المبادئ في الواقع على الأرض ، والبناء الديمقراطي يبدأ من الأسرة ثم المدرسة والمجتمع وبهذا يمكن إعداد جيل ديمقراطي في سلوكه وثقافته . إن الشعب الكردي في أجزائه الأربعة بدأ يطالب بالمجتمع المدني المبني على أسس ديمقراطية، ويمكن تحقيق ذلك وفق المعايير الآتية :
1- الاعتماد على التسامح كركن أساسي في تشييد المجتمع المدني .
2- توفيـر الحريات العامة بشـتى أصنافها وفي مقدمها الحريات السـياسية وحرية الرأي والنشر والعقيـدة والسكن دون رقيب .
3- احترام حقوق الإنسـان ووجهـات نظر وآراء الآخرين ومعتقداتهم السياسية والدينية أو المذهبية والفكرية .
4- الاهتمام بالمرأة الكردية التي هي عماد الحياة والجتمع المدني المنشود ، من خلال إشراكها في كل نشاطات ومظاهر الحياة .
5- احترام الأقليـات القومية الصغيرة والطوائف الدينيـة والمذهبية .
6- المساواة في الحقوق والواجبات وعدم ترجيح شخص على آخر .
7- حل النزاعات الداخلية بالطرق السلمية ونبذ أساليب العنف والتناحر التي لن تجدي نفعاً غير الخراب والدمار .
وعلى الذين يرفعون شعارات ورايات الدعوة نحو الديمقراطية والمجتمع المدني الالتزام بالتسامح وممارسة وتنفيذ تلك الشعارات على أرض الواقع والإخلاص للمبادئ واحترام حقوق الإنسان وحماية ممتلكات وأموال الآخرين، والعمـل من أجل توسيع سـاحة العمل السياسي للجميع ، وإبراز الدور الطبيعي لمؤسسات المجتمع المدني .
إن الصورة المثالية للديمقراطية الحقة لـم تتحقق إلى الآن ، وليس هناك في الرؤية القريبة ما يؤكد تحقيقها الأمر الذي يدفعنا جميعاً للتفكير فيها بكل مصداقية وجدية، وهي عملية تدريجية مرتبكة بجملة عوامل ومؤثرات من ثقافية وحضارية واجتماعية، وإن المجتمعات التي تمارس العملية الديمقراطية ومنها المجتمعات المتحدثة قد حققت تقدماً واسعاً نحو الديمقراطية الحقة وحكم الشعب بالشعب ولصالح الشعب .
القضية الكردية والمرحلة الراهنة
ا
لعبت الحركة الكردية في سوريا دوراً إيجابياً من ظهورها على الساحة الوطنية ، وأكدت من خلال الممارسة العلمية سلامة نهجها الذي تجلى في أكثر من مناسبة من حيث طرحها الموضوعي ومواقفها السياسية التي اتسمت في كل حين بالإتزان والواقعية والسياسية وعلى أكثر من صعيد ، واستطاعت أن تفشل كل المحاولات الرامية إلى النيل من صمودها أو حرفها عن مسارها .
لقد أعلنت الحركة الكردية على الدوام أنها جزء من الحركة الوطنية السياسية في البلاد . وأن تأمين الحقوق القوميـة للشعب الكردي في سوريا مرتبط بمسألة الديمقراطية ومن خلالها يمكن أن تحل مجمل القضايا التي تعاني منها البلاد. لذا كان الخطاب الكردي واضحاً وصريحاً في كافة الظروف والمراحـل ، وبالرغم من الصعوبـات والممارسات التي استهدفت إلغاء الوجود الكردي ومصادرة حقه كشعب يطمح إلى الحفاظ على هويته وثقافته والعيش بحرية وأمان ..
ولكي تستمر الحركة الوطنية الكردية في نهجا النضالي السليم وترتقي دوماً إلى المستوى الذي ينسجم وطموحات جماهيرها ، لابد لها من بذل المزيد من الجهود المدعومة بخطوات فعلية . خاصة وإن هناك طرق يمكن التحرك من خلالها عن طريق الحوار واللقاء بمختلف الشخصيات الوطنية والأحزاب السياسية لتوضيح المطاليب الكردية ونقل معاناة الشعب الكردي إلى كل عربي . لاسيما وإن هناك من يتفهم ويتقبل هذه القضية ويتعامل معها بإيجابية وذلك كبادرة أولى لبناء حوار ديمقراطي بناء حول هذه القضية الوطنية الهامة، وصولاً إلى تصور مشترك يساهم في إزالة العديد من العقبات والمواقف السلبية المبنية على تصورات بعيدة كل البعد عن الواقع والحقيقة .
ولكي تؤدي الحركة الكردية دورها المنوط بها بفعالية وكفاءة ، وتجني ثمرة نضالها على مدى عقود من الزمان وتأخذ مكانها على الساحة الوطنية فهي بحاجة اليوم إلى مزيد من الدعم والالتفاف من جماهيرها التي تعتبر العمود الفقري لها ، وإن حاجة الحركة لجماهيرها يبرز ويكمن في تفهم تلك الجماهير الحقيقة والتعبير عن مطاليبها بموضوعية وعقلانية بعيداً عن المواقف والشعارات البراقة والانعزالية التي لا تنسجم مع خصوصية الحركة .
أن الارتقاء بوعي الشارع الكردي إلى مستوى المسؤولية أمر في غاية الأهمية وذلك لخلق رؤية واضحة وصريحة حول حقيقة المطالب الكردية وسد المنافذ أمام كل من يحاول بين الحين والآخر تشويه هذه القضية العادلة والنبيلة .
إلا أنها استطاعت أن تتابع مسيرتها النضالية وأن تفوت الفرصة على كل من يحاول الإساءة إليها والتشويش عليها وأن تعمل في الوقت نفسه للحد من المحاولات التي استهدفت صهر الشعب الكردي ومحو شخصيته القومية . وأن تحافظ في الوقت نفسه على مواقفها المبدئية، وان تطرح مطاليبها القومية وأن تواجه كافة الظروف الحرجة والصعبة التي مرت بها بحكمة وعقلانية .
وإذا كان لها أن تسـتمر في نهجها وتواكب الأحـداث والتطورات وتفرض نفسها كحركة لها ثقلها السياسي، فهي بحاجة اليوم إلى دعم جماهيرها وفي طليعتها دور المثقف الكردي والذي من المفترض أن يحمل القسط الأكبر من المسؤولية تجاه شعبه وحركته ، كونهم يدركون قبل غيرهم معاناة شعبهم وأيضاً يشكلون سنداً ودعماً قومياً لحركتهم السياسية .
الوعي العربي عقبة أمام القضية الكردية
أن الوعي العربي لا يستطيع قراءة الحالة الكردية التي وصلت إليها اليوم بعد نضال طويل وتضحيات جسام، وبعد إنكار واضطهاد دام عقود من الزمن ، تمكنت السياسة من شق طريقها ضمن السياسة الدولية من خلال لعبها دوراً أولياً ومحورياً في عملية دمقرطة منطقة الشرق الأوسط ، التي ما تزال تعاني من الأنظمة الشمولية والشوفينية ، التي لم تعد تملك عوامل الاستمرارية اتجاه مطاليب الشعوب في تحقيق حياة آمنة ومتعددة وحرة .
إن الأكراد ورغم المخاطر القائمة هم في مرحلة نهوض قومي وصعود ديمقراطي ، وهم في موقع القوة تجاوزوا مرحلة الاستجداء ، لن ينفع في شيء عدم رؤية حصول الأكراد على إدارة إقليم كردستان ذاتياً ضمن العراق الفيدرالي، وهذا الإقليم يتوسط ويدافع عن القضية الكردية في سوريا وإيران وتركيا . إن العقلية الراسخة هي عدم قراءة التحولات التي طرأت على القضية الكردية كونها قضية شرعية لشعب تاريخي يعيش على أرضه وله الحق الطبيعي في تقرير مصيره، وإنما عدم تحمل رؤية واعتراف هذه الحقيقة وتشويهها على أنها مؤامرة استعمارية غربية – صهيونية تتوسل الأكراد للنيل من الأمة العربية الواحدة ذات الرسالة الخالدة .
لو كان العقل العربي متحرراً من رواسب الأيديولوجيات التي ترسخت على الاستعلاء والكراهية وعدم رؤية الآخر، لما كانت هذه الرواسب تصبح عائقاً أمام الاقتناع بحوار ذو أهمية استراتيجية عربياً وكردياً ، ومن المؤسف إن غياب هذه القناعة موجـودة في الوسط الثقافي العربي ونخبـة السـياسة وفي الوسـط الرسمي الذي أفرغ التفاعل بين الشعبين، خوفاً من الاعتراف الكامل بالحقيقة. لذا إن ما نراه بين الجهات السياسية العربية والكردية هو الحوار والمداولات من أجل أخذ نفسية الشعب المعبأ بعدم تقبل الآخر بعين الاعتبار، وهل المديح والاعتراف بالشعب الكردي من وراء الكواليس سيهيئ الشعب على أهمية العلاقـة الاستراتيجية والسياسية التي تربط الشعبين، لذا عندما نقرأ في أطروحات القوميين العروبيين نجد أنهم ينظرون إلى الأكراد في أحسن الأحوال ما هم إلا كمجموعة مواطنين عرب من أصول كردية مستعربين وهم الأخوة في العروبة، أما الإسلاميون العرب لا يرون الأكراد إلا كقوم من المسلمين لا فرق بينهم وبين إخوانهم في الدين، حتى الشيوعيون يطرحون المسألة حسب نظرية الصراع الطبقي ووحدة البروليتاريا العربية والكردية، بالإضافة إلى أغلب الليبراليين العرب اللذين لا يرون بدورهم الأكراد إلا كمواطنين لا فرق بينهم وبين مواطنيهم في دولة تعترف بحقوق المواطنة والعيش المشترك .
لذا قبل البدء بأي مشروع لابد من الإقرار بحقيقة وجود الشعب الكردي الذي يعيش على أرضع التاريخية كردستان ، ومن حقه الطبيعي تقرير مصيره، عندئذ يكون الحوار عصرياً ويصبح آلية أنسب لتذليل العقبات ومليء الفراغات التي تشكلت بين الشعبين من خلال ممارسات الدولة السلطوية التي هدفت إلى ضياع الهوية الكردية، بعدها يصبح الحوار العربي– الكردي ناجحاً وينتج عنه نتائج إيجابية تؤدي إلى ظهور قواسم مشتركة من خلال تجاوز آثار تلك العقلية المتسلطة ، ويكون ذلك من مصلحة الشعب العربي للخروج من القوقعة التي وضع نفسه فيها ، وبالتالي يشكل عقبة أمام التوصل إلى صيغة ديمقراطية عصرية يتحقق بها المصالح المشتركة على قدم المساواة، بالإضافة إلى تجاوز الأزمات المختلفة بتبني الخيارات الديمقراطية وسبل الحوار البناء وخلق جو التفاهم والتعايش السلمي .
إن مسؤولية تحول هذه الأمور إلى واقع عملي يقع على عاتق المثقفين والنخب السياسية من الطرفين، رغم أن هناك من يناضل في هذا الاتجاه ويستحق الاحترام والتقدير ، إلا أن هذا النضال يبقى محصوراً بين فئة ضئيلة دون أن يصل ويتفاعل بين القاعدة الجماهيرية، وبذلك تبقى هذه الحوارات بعيدة عن البيت العربي والكردي ولا تصل إلى آذان كل مواطن يتحمل مسؤولية تجاوز هذا الانقطاع، وهذه الحالة الاغترابية عن بعضهما مهما يكن هناك نوعاً من التلاؤم في بعض المناطق المختلفة أن نتوصل إلى قناعة بأن عملية التغيير والتحول الديمقراطي لن تتحقق بالهيمنة الشوفينية ولا بسيادة الفكر الشمولي الذي ألحق الضرار بالشعوب ، وخاصة خلق الكثير من الشروخ والفجوات بين الشعب الكردي والعربي ، وعلى الرغم من تلك الروابط والآمال مازالت قائمة في تجاوز هذا الواقع من خلال النضال المشترك بين التيارات السياسية ومنظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان والشخصيات المستقلة اللذين يساهمون في ترسيخ الحياة الجديدة وبناء علاقات صحيحة مفعمة بثقافة ديمقراطية .
هيئـة التحريـر
لا يختلف اثنان على أهمية وضرورات الوحدة بالنسبة للحالة الكردية الراهنة ، التي لا يزال التشتت يطبعها بألوان داكنة ، انعكست سلباً على إرادة جماهير شعبنا وعلاقتها بحركتها الوطنية الكردية التي لا بديل لها ، كقائدة لنضاله وملهمة لعزيمته وقاعدة لتحقيق آماله ، لكنها – أي الحركة – لم تتمكن لم تتمكن من أداء دورها النضالي المطلوب بشكل فاعل ، بسبب فشلها حتى الآن في تأمين وحدتها المنشودة ، والتي نقصد بها وحدة الصف الوطني الكردي في مواجهة الساسة الشوفينية المتنكرة للوجود التاريخي الكردي ، والمتجاهلة لشرعية الحركة الكردية في سورية بكل فصائلها، وهذا ما يجب أن يدفعنا للمزيـد من المراجعة ، وخاصة للحسـابات الحزبية الضيقة ، وتجاوز كل ما يعيق إرادة التلاقي والتقارب ، ويستدعي منا جميعاً إعادة تأهيل الهياكل التنظيمية الموجودة ، وذلك على أسس تربوية ونضالية سليمة تعتمد بالدرجة الأولى ، على نوعية عناصرها وتعميق معرفة أعضائها بمدة معاناة شعبنا الكردي، من تمادي السياسة الشوفينية التي تمثل التناقض الأساسي لشعبنا وحركتنا ، والذي يجب أن لا يتقدمه أي تناقض آخر ، فمن غير المعقول أن يحل محله التناقض الثانوي بين فصيل أو إطار وآخر ، ويصل إلى درجة القطعية والتناحـر ، وبعدها ندعـي أننا جميعاً أصحاب قضية واحدة ، هي القضية الكردية التي يفترض أنها تجمعنا وتقف وراء وجودنا كأحزاب وإطـارات ، كما تستدعي تلك المراجعة أن نبحث عن حقوقنا في مركـز القرار السياسي ... أي أن مطالبتنا بتلك الحقوق يجب أن تكون في دمشق كجهة قرار ومناقشة وتفهم لتلك الحقوق ، وقطع الطريق أمام المحاولات الشوفينية الرامية لتحويل أنظار شعبنا نحو أجزاء أخرى من كردستان ، لها ظروفها وقياداتها وحركاتها الخاصة التي تعبر في نضالها عن خصوصية هذا الجزء أو ذاك ...
ونعتقد أن هذا الموضوع له علاقة مباشرة بإمكانية تحقيق أي تقارب هنا في مجال الحركة الوطنية الكردية في سوريا، لأن وحدة الهدف يحقق وحدة التحرك ويسهل عملية التلاقي بين الأطراف المعنية بهذا الهدف ، في حين يعيق تشتت الاتهامات وتباين ذلك التقارب. لكن يبقى الأهم من هذا وذاك، رفع مستوى الشعور بالمسؤولية تجاه قضيتنا القومية الديمقراطية والاعتراف بجسامتها التي تثقل كاهل الحركة ، وضرورة إحساس جميع الأطراف بان مهمة التصدي لها من أجل حل عادل، هي أكبر من قدرة حزب واحد أو إطار واحد، وان واجب الإخلاص لهذه القضية لا يتطلب فقط النضال على انفراد من أجلها، بل ذلك وحدة نضال كل المعنيين بها، وحشد المزيد من الأصدقاء حولها، والعمل على إدراجها بين القضايا الوطنية الأساسية في البلاد ، لتجد طريقها نحو حل عادل ، ولن يتم ذلك بدون إيجاد مرجعية كردية موحدة .
وبناءً على ما تقدم ، فإن وحدة الصف الوطني الكردي ، باتت تطرح نفسها وضروراتها بإلحاح، وبات الإيمان بأهميتها والعمل من أجل تحقيقها ، يعتبران مقياساً لمصداقية أي طرف ، إذا أراد أن يستعيد ثقة المستاءين من أبناء وبنات شعبنا، ورسالة واضحة موجهة للشوفينية بأن شعبنا لن يستكين لسياستها العنصرية، وان حقوقه لا تقبل المساومة، ومدخـلاً طبيعياً لانخراط حركتنـا الموحـدة في النضال الديمقراطي العام في البلاد . لتشارك في بناء مجتمع متطور أساسه خدمة الوطن ، قائم على أسس ديمقراطية ، خال من التمييز بكل أشكاله ، تصان فيه حقوق الإنسان ، بما فيها حقوق الإنسان الكردي القومية .
التغيير لا يقبل التأجيل
لاشك أن الواقع السياسي القائم في البلاد ، كتركيبة وممارسة يثير امتعاض وتذمر كل ألوان الطيف السياسي والاجتماعي والاقتصادي بما في ذلك أواسط واسعة من جسم الحزب الحاكم وروافده وحلفائه ، لأنهم عدا الطواقم القيادية أيضاً متضررون من انغلاق الحياة السـياسية وتفشي الظواهر الفردية والفتوية ، على حساب القانون والحريات العامة وحتى على حسـاب مصلحة البـلاد وتقدمها ، أن استمرار هكذا وضع يعني استمرار الحالة الخاصة على حساب المصلحة العامة ، ولا يشير إلى أي تغيير نوعي باتجاه التحديث والتطوير، وهو بالتالي تحد واضح لإرادة الجماهير نحو حل قضاياها العالقة وتحقيق أمانيها المشروعة في غدٍ أفضل .
وإذا كان التغيير ضروريـاً وينبغي أن يكون في كل مراحل الحياة ومستمراً دائماً ، فهذا اليوم أكثر إلحاحـاً سـواء لمتطلبات الوضع الداخـلي وبما آلت إليـه من اختناقات في كل مجالات الحياة العامـة ، أو لمواكبـة التطورات السريعة التي تعم العالم بأسره والتي تشمل الميادين السياسية والاقتصادية والتكنولوجية، ولكي يكون التغيير جدياً فيجب أن يكون شاملاً على أن يبدأ من تنظيم الحياة السياسية بقانون يساوي بين الأحزاب كافة وبما يتناسب مع حجمها وإمكاناتها السياسية والجماهيرية ، وفصل حزب البعث الحاكم عن المؤسسـات العسـكرية والمخابراتيـة ، وفصل التداخل العضوي بين مؤسسات الدولـة التي هي ملك الشعب لتـدار بكفاءاته ، وبين مؤسسات الحكم التي تتنافس عليها الأحزاب السياسية ديمقراطياً ولا ضير حينذاك أن يكون لأي حزب حصة الأسـد في ذلك ، وإن كان حزب البعث الحاكم نفسه ، ومن ثم الانتقال بعدها إلى الجوانب الأخرى بيسر وسـهولة ، حيث إطلاق سراح السجناء السياسيين فوراً وإطلاق الحريـات العامة مباشرة ورفع القوانين الاستثنائية وإلغاء حالة الطوارئ والأحكام العرفيـة وإعادة الاعتبـار للقانون والقضـاء والاعتراف الدستوري بالشعب الكردي في سوريا ومعالجة وضعه واعتباره القومية الثانية في البلاد له حق التمثيل النسبي في المؤسسات التشريعية والتنفيذية للبلاد ، والبدء بتشكيل (برلمان جديد) وفق انتخابات ديمقراطية نزيهة ليصار إلى تعديل دستور البلاد بما يتناسب مع الوضع الراهن للبلاد ، ومعالجة الوضع المالي والاقتصادي بالتركيز على التنمية في القطاعات الصناعية والصرفية والزراعية ...
لكن ما يحد من تفاؤل المتتبعين للأحداث عن ليس
هناك مبادرات جدية نحو التغيير المطلوب ، وان كل ما
يدور حوله الحديث والجدل عند مواقع القرار لا يتجاوز الشكلي والسطحي المتبع ، والذي لا يعدو عن كونه تنفيس للحالة المشحونة القائمة ، ذلك على حساب التحول الحقيقي والذي لا ينتج سوى المزيد من الاحتقانات الجماهيرية والمزيد من الضغط على الحالة الوطنية العامة التي قد تلحق أضراراً جمة على الصعيدين الشعبي والوطني
معاً .
أننا نرى بأن التغيير المطلوب بات ضرورياً ولا يقبل التأجيل بأي حال ، تغيير يلبي طموحات الجماهير وتوقها الجامح إلى حياة ديمقراطية حرة تجعلها سيدة نفسها وتعطيها المجال الأوسع في التعبير عن رأيها بحرية ولتأخذ سبيلها السوي لأداء واجباتها في بناء وطنها وشعورها الكامل بمسؤوليتها نحوه قبل التمتع بحقوقها كافة ، لأن في التغيير الديمقراطي السليم كل معاني التطور والتقدم وفيه يكمن الخير للجميع .
مفهوم المجتمع المدني
برز خلال العقد الأخير اهتمام استثنائي بمفهوم المجتمع المدني في العالم عموماً، ويصعب حصر الكتابات الغربية في هذا المجال ، ولكن يكفي التذكير بدعوات ( جون كين ) إلى إقامة مجتمع مدني عالمي وبروز دراسات وحركات تدعو إلى مجتمع مدني في أمريكا وأفريقيا ، ويبدو إن سعة الاهتمام الجاد قد أتى بعد انهيار العالم القديم ، وبعد التحول الحضاري الكبير الذي شهده العالم ، هذا التحول أدى إلى تنوع المشارب الفكرية ( من أقصى المادية إلى أقصى المثاليـة ومن المدرسة التعاونيـة الجماعية إلى المدرسة الليبرالية الفردية ) . إن المجتمع المدني وفق التصور النظري الجديد يعتبر ميداناً يجري فيه تقسيم العمل وإنتاج الثروة والتعاقد والتبادل بصورة مستقلة عن الميدان السياسي، إن المجتمع المدني هنا يسبق الدولة من الوجهة المنطقية والتاريخيـة ويتمحور حـول السوق وآلياتهـا الطبيعية ، والمجتمع المدني هو المجتمع الحديث ، مجتمع المصارف والاتحادات المالية والنقابات والكتل الاجتماعية المتضاربة . إن حق حماية الثروة والملكية والحياة ، هو حق مرهون لا بالفرد ذاتـه بل بالمجتمع السـياسي ، أي الدولة في كل هذه الآراء والنظريات التي برزت في ميدان الفكر السياسي نجد :
1- إن المجتمـع المدنـي بكل مكوناتـه هـو المنظمات الاجتماعية المستقلة عن الدولة والمحددة للدولـة ، بتعبير آخر إن المجتمع المدني هو الذي خلق الدولة الحديثة .
2- وكذلك فإن المجتمـع المدني هو ميدان تقسـيم العمل وإنتاج الثروة والتبادل المستقل عن المجال السياسي.
3- المجتمع المدني ميـدان للصراع وإن هذا الصراع هو الذي يولـد السـلام الاجتماعي أي حكم الدسـتور والبرلمان .
وعلى صعيد آخر فإن الأنظمة الدكتاتورية في العالم تتحدث كثيراً عن الحرية والديمقراطية بل تصنع ( ديمقراطيات ) بمقاسات جاهزة وعجيبة وتقول للعالم الآخر أنها النموذج. والغريب في الأمر أن معظم هذه النظم نشأت وترعرعت في ظل ظروف شاذة خارجة عن إرادة شعوبها ، وكانت دائماً
تقف على هرم هذه النظم تعاني من مركبات النقص والعقد والأمراض السايكولوجية ، ولما يعانون من طفولة بائسة وترعرعوا في بيئة ملوثة مختلفة . لقد كان ( غوبلز) وزير الدعاية لدى هتلر واحد من أولئك المصابين، لقد دفع الشعب الألماني خيرة شبابه إلى محرقة الموت نتيجة لطموحات هتلر وعقده النفسية. ودفعت شعوب كثيرة في مشرق الأرض ومغربها ثمناً باهظاً لسياسات الديكتاتوريات والشعب الكردي خصوصاً مثالاً حياً على ذلك .
لكن الشـعوب المكافحـة والحرة تختار طريقها نحـو الديمقراطية الحقة والوصول إلى القيم الحضارية ، ونحن الكرد أمة حية وشعب عريق، وكانت الديمقراطية اختيارنا الأول وأسلوبنا في الحياة السياسية ، وانتخابات البرلمان الكردستاني مؤشر على إننا وضعنا الخطوة الأولى الصحيحة والراسخة في بنائنا الاجتماعي ، ومما يتطلب منا أن نرسخ هذه المبادئ في الواقع على الأرض ، والبناء الديمقراطي يبدأ من الأسرة ثم المدرسة والمجتمع وبهذا يمكن إعداد جيل ديمقراطي في سلوكه وثقافته . إن الشعب الكردي في أجزائه الأربعة بدأ يطالب بالمجتمع المدني المبني على أسس ديمقراطية، ويمكن تحقيق ذلك وفق المعايير الآتية :
1- الاعتماد على التسامح كركن أساسي في تشييد المجتمع المدني .
2- توفيـر الحريات العامة بشـتى أصنافها وفي مقدمها الحريات السـياسية وحرية الرأي والنشر والعقيـدة والسكن دون رقيب .
3- احترام حقوق الإنسـان ووجهـات نظر وآراء الآخرين ومعتقداتهم السياسية والدينية أو المذهبية والفكرية .
4- الاهتمام بالمرأة الكردية التي هي عماد الحياة والجتمع المدني المنشود ، من خلال إشراكها في كل نشاطات ومظاهر الحياة .
5- احترام الأقليـات القومية الصغيرة والطوائف الدينيـة والمذهبية .
6- المساواة في الحقوق والواجبات وعدم ترجيح شخص على آخر .
7- حل النزاعات الداخلية بالطرق السلمية ونبذ أساليب العنف والتناحر التي لن تجدي نفعاً غير الخراب والدمار .
وعلى الذين يرفعون شعارات ورايات الدعوة نحو الديمقراطية والمجتمع المدني الالتزام بالتسامح وممارسة وتنفيذ تلك الشعارات على أرض الواقع والإخلاص للمبادئ واحترام حقوق الإنسان وحماية ممتلكات وأموال الآخرين، والعمـل من أجل توسيع سـاحة العمل السياسي للجميع ، وإبراز الدور الطبيعي لمؤسسات المجتمع المدني .
إن الصورة المثالية للديمقراطية الحقة لـم تتحقق إلى الآن ، وليس هناك في الرؤية القريبة ما يؤكد تحقيقها الأمر الذي يدفعنا جميعاً للتفكير فيها بكل مصداقية وجدية، وهي عملية تدريجية مرتبكة بجملة عوامل ومؤثرات من ثقافية وحضارية واجتماعية، وإن المجتمعات التي تمارس العملية الديمقراطية ومنها المجتمعات المتحدثة قد حققت تقدماً واسعاً نحو الديمقراطية الحقة وحكم الشعب بالشعب ولصالح الشعب .
القضية الكردية والمرحلة الراهنة
ا
لعبت الحركة الكردية في سوريا دوراً إيجابياً من ظهورها على الساحة الوطنية ، وأكدت من خلال الممارسة العلمية سلامة نهجها الذي تجلى في أكثر من مناسبة من حيث طرحها الموضوعي ومواقفها السياسية التي اتسمت في كل حين بالإتزان والواقعية والسياسية وعلى أكثر من صعيد ، واستطاعت أن تفشل كل المحاولات الرامية إلى النيل من صمودها أو حرفها عن مسارها .
لقد أعلنت الحركة الكردية على الدوام أنها جزء من الحركة الوطنية السياسية في البلاد . وأن تأمين الحقوق القوميـة للشعب الكردي في سوريا مرتبط بمسألة الديمقراطية ومن خلالها يمكن أن تحل مجمل القضايا التي تعاني منها البلاد. لذا كان الخطاب الكردي واضحاً وصريحاً في كافة الظروف والمراحـل ، وبالرغم من الصعوبـات والممارسات التي استهدفت إلغاء الوجود الكردي ومصادرة حقه كشعب يطمح إلى الحفاظ على هويته وثقافته والعيش بحرية وأمان ..
ولكي تستمر الحركة الوطنية الكردية في نهجا النضالي السليم وترتقي دوماً إلى المستوى الذي ينسجم وطموحات جماهيرها ، لابد لها من بذل المزيد من الجهود المدعومة بخطوات فعلية . خاصة وإن هناك طرق يمكن التحرك من خلالها عن طريق الحوار واللقاء بمختلف الشخصيات الوطنية والأحزاب السياسية لتوضيح المطاليب الكردية ونقل معاناة الشعب الكردي إلى كل عربي . لاسيما وإن هناك من يتفهم ويتقبل هذه القضية ويتعامل معها بإيجابية وذلك كبادرة أولى لبناء حوار ديمقراطي بناء حول هذه القضية الوطنية الهامة، وصولاً إلى تصور مشترك يساهم في إزالة العديد من العقبات والمواقف السلبية المبنية على تصورات بعيدة كل البعد عن الواقع والحقيقة .
ولكي تؤدي الحركة الكردية دورها المنوط بها بفعالية وكفاءة ، وتجني ثمرة نضالها على مدى عقود من الزمان وتأخذ مكانها على الساحة الوطنية فهي بحاجة اليوم إلى مزيد من الدعم والالتفاف من جماهيرها التي تعتبر العمود الفقري لها ، وإن حاجة الحركة لجماهيرها يبرز ويكمن في تفهم تلك الجماهير الحقيقة والتعبير عن مطاليبها بموضوعية وعقلانية بعيداً عن المواقف والشعارات البراقة والانعزالية التي لا تنسجم مع خصوصية الحركة .
أن الارتقاء بوعي الشارع الكردي إلى مستوى المسؤولية أمر في غاية الأهمية وذلك لخلق رؤية واضحة وصريحة حول حقيقة المطالب الكردية وسد المنافذ أمام كل من يحاول بين الحين والآخر تشويه هذه القضية العادلة والنبيلة .
إلا أنها استطاعت أن تتابع مسيرتها النضالية وأن تفوت الفرصة على كل من يحاول الإساءة إليها والتشويش عليها وأن تعمل في الوقت نفسه للحد من المحاولات التي استهدفت صهر الشعب الكردي ومحو شخصيته القومية . وأن تحافظ في الوقت نفسه على مواقفها المبدئية، وان تطرح مطاليبها القومية وأن تواجه كافة الظروف الحرجة والصعبة التي مرت بها بحكمة وعقلانية .
وإذا كان لها أن تسـتمر في نهجها وتواكب الأحـداث والتطورات وتفرض نفسها كحركة لها ثقلها السياسي، فهي بحاجة اليوم إلى دعم جماهيرها وفي طليعتها دور المثقف الكردي والذي من المفترض أن يحمل القسط الأكبر من المسؤولية تجاه شعبه وحركته ، كونهم يدركون قبل غيرهم معاناة شعبهم وأيضاً يشكلون سنداً ودعماً قومياً لحركتهم السياسية .
الوعي العربي عقبة أمام القضية الكردية
أن الوعي العربي لا يستطيع قراءة الحالة الكردية التي وصلت إليها اليوم بعد نضال طويل وتضحيات جسام، وبعد إنكار واضطهاد دام عقود من الزمن ، تمكنت السياسة من شق طريقها ضمن السياسة الدولية من خلال لعبها دوراً أولياً ومحورياً في عملية دمقرطة منطقة الشرق الأوسط ، التي ما تزال تعاني من الأنظمة الشمولية والشوفينية ، التي لم تعد تملك عوامل الاستمرارية اتجاه مطاليب الشعوب في تحقيق حياة آمنة ومتعددة وحرة .
إن الأكراد ورغم المخاطر القائمة هم في مرحلة نهوض قومي وصعود ديمقراطي ، وهم في موقع القوة تجاوزوا مرحلة الاستجداء ، لن ينفع في شيء عدم رؤية حصول الأكراد على إدارة إقليم كردستان ذاتياً ضمن العراق الفيدرالي، وهذا الإقليم يتوسط ويدافع عن القضية الكردية في سوريا وإيران وتركيا . إن العقلية الراسخة هي عدم قراءة التحولات التي طرأت على القضية الكردية كونها قضية شرعية لشعب تاريخي يعيش على أرضه وله الحق الطبيعي في تقرير مصيره، وإنما عدم تحمل رؤية واعتراف هذه الحقيقة وتشويهها على أنها مؤامرة استعمارية غربية – صهيونية تتوسل الأكراد للنيل من الأمة العربية الواحدة ذات الرسالة الخالدة .
لو كان العقل العربي متحرراً من رواسب الأيديولوجيات التي ترسخت على الاستعلاء والكراهية وعدم رؤية الآخر، لما كانت هذه الرواسب تصبح عائقاً أمام الاقتناع بحوار ذو أهمية استراتيجية عربياً وكردياً ، ومن المؤسف إن غياب هذه القناعة موجـودة في الوسط الثقافي العربي ونخبـة السـياسة وفي الوسـط الرسمي الذي أفرغ التفاعل بين الشعبين، خوفاً من الاعتراف الكامل بالحقيقة. لذا إن ما نراه بين الجهات السياسية العربية والكردية هو الحوار والمداولات من أجل أخذ نفسية الشعب المعبأ بعدم تقبل الآخر بعين الاعتبار، وهل المديح والاعتراف بالشعب الكردي من وراء الكواليس سيهيئ الشعب على أهمية العلاقـة الاستراتيجية والسياسية التي تربط الشعبين، لذا عندما نقرأ في أطروحات القوميين العروبيين نجد أنهم ينظرون إلى الأكراد في أحسن الأحوال ما هم إلا كمجموعة مواطنين عرب من أصول كردية مستعربين وهم الأخوة في العروبة، أما الإسلاميون العرب لا يرون الأكراد إلا كقوم من المسلمين لا فرق بينهم وبين إخوانهم في الدين، حتى الشيوعيون يطرحون المسألة حسب نظرية الصراع الطبقي ووحدة البروليتاريا العربية والكردية، بالإضافة إلى أغلب الليبراليين العرب اللذين لا يرون بدورهم الأكراد إلا كمواطنين لا فرق بينهم وبين مواطنيهم في دولة تعترف بحقوق المواطنة والعيش المشترك .
لذا قبل البدء بأي مشروع لابد من الإقرار بحقيقة وجود الشعب الكردي الذي يعيش على أرضع التاريخية كردستان ، ومن حقه الطبيعي تقرير مصيره، عندئذ يكون الحوار عصرياً ويصبح آلية أنسب لتذليل العقبات ومليء الفراغات التي تشكلت بين الشعبين من خلال ممارسات الدولة السلطوية التي هدفت إلى ضياع الهوية الكردية، بعدها يصبح الحوار العربي– الكردي ناجحاً وينتج عنه نتائج إيجابية تؤدي إلى ظهور قواسم مشتركة من خلال تجاوز آثار تلك العقلية المتسلطة ، ويكون ذلك من مصلحة الشعب العربي للخروج من القوقعة التي وضع نفسه فيها ، وبالتالي يشكل عقبة أمام التوصل إلى صيغة ديمقراطية عصرية يتحقق بها المصالح المشتركة على قدم المساواة، بالإضافة إلى تجاوز الأزمات المختلفة بتبني الخيارات الديمقراطية وسبل الحوار البناء وخلق جو التفاهم والتعايش السلمي .
إن مسؤولية تحول هذه الأمور إلى واقع عملي يقع على عاتق المثقفين والنخب السياسية من الطرفين، رغم أن هناك من يناضل في هذا الاتجاه ويستحق الاحترام والتقدير ، إلا أن هذا النضال يبقى محصوراً بين فئة ضئيلة دون أن يصل ويتفاعل بين القاعدة الجماهيرية، وبذلك تبقى هذه الحوارات بعيدة عن البيت العربي والكردي ولا تصل إلى آذان كل مواطن يتحمل مسؤولية تجاوز هذا الانقطاع، وهذه الحالة الاغترابية عن بعضهما مهما يكن هناك نوعاً من التلاؤم في بعض المناطق المختلفة أن نتوصل إلى قناعة بأن عملية التغيير والتحول الديمقراطي لن تتحقق بالهيمنة الشوفينية ولا بسيادة الفكر الشمولي الذي ألحق الضرار بالشعوب ، وخاصة خلق الكثير من الشروخ والفجوات بين الشعب الكردي والعربي ، وعلى الرغم من تلك الروابط والآمال مازالت قائمة في تجاوز هذا الواقع من خلال النضال المشترك بين التيارات السياسية ومنظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان والشخصيات المستقلة اللذين يساهمون في ترسيخ الحياة الجديدة وبناء علاقات صحيحة مفعمة بثقافة ديمقراطية .