PDA

View Full Version : هادي الربيعي:أوراق من سيرة آدم 5


bahzani2
13-07-2008, 16:54
أوراق من سيرة آدم

(5)

فصل في حكاية ظل المنارة وعجاج الطبل

هادي الربيعي





تأثير الخديعة قد يكون احيانا ابلغ من جرح الكرامة ، ذلك ما احسّهُ تماماً وانا أحاول الكتابة عن العم خضر، ما زلت اتذكر ذلك المحل الذي ارسلني اليه والذي يقع مباشرة تحت مئذنة احد الجوامع وهو يعطيني عشرة فلوس لأشتري له في المنارة وعجاج الطبل و(الفي) هو الظل كما تعرفون ، ربما كنت في السابعة من العمر في ذلك الحين وقد توجهت الى السيد مهدي صاحب المحل وقلت له عمي خضر يسلم عليك ويريد بخمسة فلوس في المنارة وبخمسة فلوس عجاج الطبل ، ضحك السيد مهدي طويلا وهو يهمس لي عمك يضحك عليك فلا يوجد في منارة ولا عجاج طبل ولكن قل له السيد يقول (خلصّنه) وعدت الى البيت وانا في ذروة غضبي ولا استطيع ان انسى حتى اليوم في المنارة وعجاج الطبل وقد نمت بذرة كراهية غريبة لعمي بسبب هذه الخديعة ما زال تأثيرها حتى اليوم رغم ان العم خضر رحل عن هذا العالم منذ امدٍ بعيد . ولم يكن امر العم خضر يعني كثيراً لدى الجدة سكنة فهي تعرف ان الخمرة لا تفارق شفتيه ليل نهار ، كما انها لا تستفيد منه في غزواتها على الأخوة بين الحين والآخر، بل ان الكثير من الغزوات استهدفته هو بالذات لأنه لم يكن يقوم بواجب رعايتها وواجب الرعاية هنا هو ان يضع بين يديها مبلغاً من المال بين الحين والآخر تضيفه الى محتويات صرَُّتها السوداء التي تحتفظ بها دائماً في الجانب الأيمن من جيب ثوبها الأسود وحين يدخل العم خضر الى بيت الجدة فانها تستعيذ بالرحمن لأن رائحة رائحة عرق هبهب تهب مثل عاصفة ٍ في البيت وكم حاول العم خضر ازالة هذه الرائحة غير ان جميع المُعطِّرات التي استخدمها كانت عاجزةً في الوقوف أمام هذه الرائحة التي كانت تخترق حتى جدران البيت وربما تجاوزت ذلك فاخترقت حتى جدران البيوت المجاورة وكانت الجدة تعتبر العم خضر نجساً فاذا حاول تناول الطعام عندها فانها تقدم له الطعام على مضض في أطباق معدة له فقط فهي غير ( معلولة ) بمعنى انها غير نظيفة ولا تهتم بغسلها لأنها معدة اساساً لرجل نجس فما الحاجة الى تطهير اناء يأكل فيه رجل نجس؟؟

حين يمشي العم خضر فإن جانبه الأيسر يتقدم على جانبه الأيمن دائماً ويده اليسرى تتقدم على يده اليمنى ومع ذلك فأنه يمشي لمسافات طويلة وبسرعة غريبة ولا يمكن لآحد ان يلحق به وكل من يسيرون معه يتخلفون وراءه بمسافة بعيدة وكان يلتفت الى الوراء بين الحين والآخر ليعرف مدى المسافة التي تفصله عمّن وراءه وهو يبتسم ولو شارك العم خضر في أي سباق ماراثون للمسافات الطويلة فانني واثقٌ انه لابد ان يحصل على احدى المراتب العليا إن لم يكن الأول وهذا ما أؤمن به تماماً وكان الرجل مجاهداً من اجل لقمة العيش من طرازٍ فريد فتراه يعمل كل شيء من اجل أي شيء ، وقد القى باولاده الى الشوارع من اجل العمل ايضا فما كان يحصل عليه لم يكن يكفيه خاصة وان الله قد ابتلاه بشرب العرق بشكل دائم وصل به الى الإدمان وأي عرق كان يشربه ؟، انه عرق هبهب وما ادراك ما عرق هبهب وصناعة هذا العرق تعتمد على التمور الرخيصة الفاسدة التي تزكم رائحُها الأنوف ، وتُعصَرًُ هذه التمور من خلال نشرها على الأرض اولا حيث يتوافد عدد من الرجال الحفاة باقدامهم القذرة ليدوسوا على هذه التمور كمرحلة اولا ومن ثمن تؤخذ عصارة هذا التمر لصناعة عرق هبهب وربع قنينة من هذا العرق كافية لطرح اكبر فيل هندي على الأ رض دون حراك وعشاق هذا العرق الخطير كثيرون وفي مقدمتهم العم خضر وحين تحدق في قنينة عرق هبهب فانك ترىكائنات غريبة عجيبة وهي تسبح داخل القنينة بحيوية بالغة وقد يسخر المدمنون على هذا العرق من افخر المشروبات الكحولية في العالم وقد يستبدلون افخر قنينة من هذه المشروبات بقنينة عرق هبهب السحري العجيب وكان بعض المدمنين ينامون في الشوارع ليلاً لأنهم لا يستطيعون الوصول الى بيوتهم لشدة تأثير هذا العرق عليهم ومن المعتاد ان ينسوا ملامح الطريق الى بيوتهم فيختصرون الطريق وينامون على الأرض غير شاعرين بأي شيء فعرق هبهب درع حديدي ضد البرد والحر وكل عوارض الطبيعة القاسية وحدث ذات مرة ان مصوِّرَين احدهما عصمت والآخر سهيل حدث انهما اضاعا الطريق الى البيت فظلاّ يسيران على غير هدى حتى دخلا معسكرا للجيش وعندها سحب العسكري المكلف ب%