PDA

View Full Version : د. محمد صابر عبيد:قراءة في قصيدة ((بداوة اللون)) للشاعر علي الشرقاوي


bahzani2
14-07-2008, 09:47
بلاغة التكثيف وشعرية الزهد اللغوي
قراءة في قصيدة ((بداوة اللون)) للشاعر علي الشرقاوي



د. محمد صابر عبيد
كاتب وأكاديمي عراقي
نشرت في مجلة "عمّان" العدد 155، أيار 2008

تترسم لغة الشعر في إطار إنتاجها التشكيلي والبنيوي خطاً تعبيرياً خاصاً يتمخض عن فرادة أسلوبية قد لا تتحقق في أيّ طراز إبداعي آخر، وذلك لأن شعرية التعبير في القصيدة لا تتحقق أسلوبياً من دون الأخذ بنظر الاعتبار هذه الخصيصة التعبيرية، التي تأخذ حيزاً ضيقاً من بياض الورقة لكنها تنفتح على مساحة قراءة لا حدود لها في بياض التأويل.

إذ تكتنز فيها الدوال اكتنازاً خصباً وتلتئم على شبكة من القيم والمعاني والإشارات والعلامات والرموز تتداخل فيما بينها على نحو حيوي متوالد، وتحتشد في طبقات وبؤر ومستويات ومساقات تحتاج إلى حفر قرائي يقوده عقل مبدع مدرّب على التأويل وخبير بالحساسية الشعرية اللسانية للغة الشعر، يكون بوسعه التأمل العميق والنظر المركز واختراق طبقات الدال لكشف تموجاته الداخلية ذات القدرة الهائلة على إنتاج الدلالات.

إن اللغة الشعرية التي تشكّل بنيتها على هذا الأساس استناداً إلى هذه الرؤية تتجه صوب بناء بلاغة تكثيف تنشحن فيها الدوال بقدرات تعبيرية لا حدود لها، تنهض في تشكيل كونها الشعري على الاقتصاد الشديد في اللغة إلى درجة الزهد، على أن لا يخلّ ذلك بالسلامة التعبيرية.
ثمة حدّ سرّي خفي وضبابي تبلغه اللغة الشعرية في أعلى درجات تجلّيها وتثميرها وإبداعها النوعي، يمثل تجاوزه والعمل خلفه خرقاً لسلامة البنية التعبيرية في اللغة، وتدخل بعده اللغة في متاهة الإغماض والإبهام والإغلاق، مثلما يمثل عدم بلوغه تماماً وعدم القدرة على تمثّل حرارة إعجازه قصوراً إبداعياً في استنفاد طاقته وكفاءته كاملة، على النحو الذي يؤدي في الحالين إلى مشكلة تعبيرية وأسلوبية تخلّ بالشرط الإبداعي لبنية اللغة الشعرية.

يسعى الشاعر علي الشرقاوي في قصيدة ((بداوة اللون)) إلى بلوغ هذه المرتبة التعبيرية، عبر تعريف دواله على إيقاع الحدّ السرّي الخفي حيث تخترق ضبابيته وتنفذ إلى طبقة وضوحه، إذ تنفتح فيه لغته الشعرية على أرحب طاقاتها وتصل إلى أقصى كفاءتها الإنتاجية.
تبدأ تجربته في هذا السبيل منذ عتبة العنوان في هيئتها المقتصدة الشديدة التركيز ((بداوة/ اللون))، التي تفرض على البصر القرائي والذهن القرائي استدعاء المقابل الضدّي الطباقي للتعبير ((حضارة/ اللون))، على النحو الذي يكشف الغطاء الدلالي عن إشكالية المعنى الكامنة في التعبير ويعرضها مباشرة أمام عمل ماكنة القراءة وآلة التأويل.

ينفتح دال ((البدواة)) على شبكة واسعة وكثيفة وعميقة من الدلالات المكانية والزمنية والرمزية واللغوية والمرجعية والأسطورية والسيميائية لا حدود لها، وثمة قصدية شعرية في محاولة استنفاد كل هذه الدلالات وجمعها في حاضنة واحدة من خلال إضافة ((بداوة)) إلى ((اللون)).
إذ يثير دال ((اللون) هو الآخر طاقات دلالية لا حصر لها وبالمستويات ذاتها، على النحو الذي يكون فيه التشكيل التعبيري ((بداوة اللون)) تشكيلاً حاشداً مكتظاً بثراء دلالي بالغ العمق والكثافة، لا يمكن الكشف عن خزينة قرائياً من دون دعمه بالمقاربات التي ترشحّها العتبات الأخرى المساعدة والمضيئة والكاشفة، ابتداءً من عتبة العنوان الكلّي للديوان ((مشاغل النورس الصغير))، حيث تتجلى رمزيتها بالمقولة المتصدرة التي افتتح الشاعر ديوانه بها بالتوقيع الإشاري ((ع.ش))، وهو الرمز الحرفي/ الصوتي لاسم الشاعر، وقد جاءت تالية لمقولة جلال الدين الرومي.
مقولة جلال الدين الرومي التي تصدرت الديوان أيضاً ونصّها ((إن الدم ليتفجر من فمي مع الكلمات)) تحوّل الجسد إلى (فم كبير) يمارس فعل القول بمكوناته كلها، وكل كلمة يطلقها الجسد لها رصيد ثابت من الدم، وهو لا يعني بطبيعة الحال الكلمة الطبيعية المتداولة التي يتكفل الفم الصغير وحده بإطلاقها، إنما يقصد الكلمة الصوفية الإشراقية الممعنة في خصبها وعمقها وغناها الروحي، والزاهدة في لغتها إلى حدّ الكثافة القابلة للانفجار في أية لحظة.
تعيد ((بداوة اللون)) القيمة التعبيرية والتشكيلية والسيميائية للون إلى الينابيع الأولى ذات الصفاء والنقاء والبراءة والعفوية، بكل ما ينطوي عليه ذلك من انتماء حاسم إلى الطبيعة والاحتفاء بعضويتها وحيويتها، فضلاً على الإحالة على أخلاقية الرؤية وفروسيتها وفضائها المهدد بالزوال المتمركز في داخل ((البداوة))، وهو يكتسب بعداً تشكيلياً وجمالياً في دال ((اللون)).
يتقدم ((الأخضر)) بقيمته اللونية الطبيعية المباشرة ليحلّ محلّ ((اللون)) في عتبة العنوان إذ يحقق حضوراً كثيفاً وبارزاً في مساحة المتن النصّي، وتتكشف تعبيريته عن مسار حكائي يروي قصته اللونية ((بداوته)) على النحو الذي يجيب فيه على أسئلة عتبة العنونة:

الأخضر غادره أبواه
مضى
يتقصّى في الممكن لوناً
يشبه صيفاً تاه مداه

منذ اللحظة الأولى يعلن الراوي الشعري كلي العلم غربة ((الأخضر)) ووحدته ووحشته ويتّمه ((الأخضر غادره أبواه))، إلا أن هذه الوحدة والوحشة واليتم تعكس في الجانب الآخر من المجال الحيوي التأويلي صورة للاستقلالية والتكوّن والتبنين والظهور الفردي، وتفضي إلى رحلة بحث صوفية يستكنه فيها الأشياء من خلال تقصّيه لذاته اللونية ((مضى/ يتقصّى في الممكن لوناً))، عبر منظومة فعلية تعمل في مساق درامي داخل استعارية الصورة الشعرية وفضاء بنيتها التشكيلي.
إن الداخل الفعلي ((مضى)) المضاد بلاغياً وسميائياً للفعل ((غادره..)) يعبّر عن شروع ((الأخضر)) بتشكيل أنموذجه الحركي والتعبير الحر عن استقلاليته الأدائية، تاركاً إرثه الثقيل وراء ظهره ((غادره أبواه))، وربما كان لانفراد فعل الحركة والاستقلالية والشروع بالبحث ((مضى)) في سطر شعري مستقل، ما يشي بقوة حضوره وتأثيره البصري في المتبقي الممتد من بياض السطر، فضلاً على إيقاعيته الصوتية المتهادية المنفتحة انفتاحاً حراً ورحباً على الآتي.
ثم ما يلبث الفعل ((مضى)) أن يهبط هبوطاً عمودياً درامياً في السطر اللاحق إلى الفعل ((يتقصّى))، وهو يندمج به ويدفعه إلى توسيع مدياته الدلالية وتعميق صورته الحركية، على النحو الذي يضاعف من قوة الفرادة والاستقلالية في شخصية ((الأخضر)) المؤنسنة.
وتتكشف كل هذه القوى الفاعلة في تحديد مساحة التقصّي ((في الممكن)) ذات الجدل المركب بين سلسلة ثنائيات مقترحة، الزمان والمكان، الذهني والمتخيّل، الثابت والمتحوّل.. إلخ.
وتنكشف أكثر في تمظهر هدف التقصّي ((لوناً)) بما يثيره في مستقبلات التلقي تأويلاً ذا أثر رجعي، يصل إلى فقدان ((الأخضر)) صفته اللونية عبر حالة اليتم التي تعرّض لها، يدفعه إلى المضي قدماً والتقصّي من أجل إثبات هويته اللونية التي تمثّل ماهيته في الوجود وشخصيته التعبيرية العملية في التشكيل.
في الجملة التشبيهية الملحقة بجملة التقصي عن اللون ((يشبه صيفاً تاه مداه)) تتمظهر طبقة أخرى من طبقات الكشف والإبانة لغموض اللون وتنكيره ((لوناً))، ويحيل المشبه به ((صيفاً)) على معنى من معاني البداوة ولاسيما حين يتكشف أكثر بوساطة جملة ((تاه مداه))، وهي تعبر عن شكل من أشكال الاستدامة والاستمرارية التي قد تفضي إلى إلغاء الفصول الباقيات واستئثار ((الصيف)) بالزمن والمكان والفعل.
على النحو الذي يحقق للّون صفته التثميرية والإنتاجية من خلال موحيات فصل الصيف وعلاقته الطبيعية بحرية أكبر للإنسان في تمثل اللون وتحصيل منجزه في الأشياء، فضلاً عما يعكسه ذلك من وضوح وإشراق ونقاء للصفة اللونية في الأخضر.
يرتفع اللون بقيمته التصريحية المتمركزة في ((الأخضر)) إلى درجة عالية من التشخصن والأنسنة من جهة، والترميز والأسطرة من جهة أخرى، ليقود حركة الحكاية ويوجه حيوات السرد نحو معدلات جدلية يتصارع فيها المكان مع ذاته والزمن مع طبقاته:

الأخضر وجبته في التيه براءته
يمحو ما يذكره
يتذكر ما ينساه

يمارس ((الأخضر)) في عملية بحثه عن ذاته التشكيلية تجارب متنوعة من أجل كشف حجب السبل التي تؤدي إلى إمكانية التوصل بهدفه، لكنه في الوقت ذاته يعلي من شأن فكرة البحث ذاتها التي قد تصبح بديلاً فلسفياً وشعرياً للهدف المعلن ((الأخضر/ وجبته/ في التيه/ براءته)).
إذ إن المناخ الشعري الصوفي المنبثق والمشع من دال ((التيه)) بانشطاراته الدلالية الواسعة وهو يجعل من براءة الأخضر وجبة له، إنما يحيل سيميائياً على أسطورية فكرة البحث بوصفها مشروعاً فكرياً ومعرفياً وشعرياً يتعالى على المضمون العاطفي الكامن في الصفة اللونية, ويحلّق عالياً في سماء الحلم والتطلّع والتأمل التي تمارس سلطة الإقصاء والحذف لكل ما هو أرضي ومادي يمكن أن يخدش كثافة الفكرة ورقيّها.
يتجه ((الأخضر)) من هذا المدى المدهش في انفتاحه والعميق في صوفيته إلى منزل الذاكرة ليزوّده بفلسفة جديدة تعيد فيه إنتاج كونه الذاكراتي، من خلال لعبة ذات مضمون تشكيلي طباقي يرسم بلاغة الصورة في المشهد.
يشتغل الخط الأول في اللعبة الجدلية ((يمحو/ ما يتذكره)) بآلية الحذف والمحو التي تعزل الراهن البصري عن الذاكراتي المسترجع ذهنياً وتحجب فضاءه تماماً، وتبقي الذهن الحاضر في فعاليته الراهنة صافياً وأولياً يعيش في حالة فقدان طوعي للذاكرة.
ويشتغل الخط الثاني على الضدّ تماماً من آلية الخط الأول ومساره ((يتذكر/ ما ينساه)) إذ يقوم في عملية معقدة جداً بتذكر المنسي، الذي يقلب المعادلة لصالح الحاضر على حساب الماضي.
وإذا كانت فعالية الخط الأول في اللعبة الجدلية ((يمحو/ ما يتذكره)) بآلية الحذف والمحو التي تعزل الراهن البصري عن الذاكراتي المسترجع ذهنياً وتحجب فضاءه تماماً، وتبقي الذهن الحاضر في فعاليته الراهنة صافياً وأولياً يعيش في حالة فقدان طوعي للذاكرة.
ويشتغل الخط الثاني على الضدّ تماماً من آلية الخط الأول ومساره ((يتذكر/ ما ينساه)) إذ يقوم في عملية معقدة جداً بتذكر المنسي، الذي يقلب المعادلة لصالحه الحاضر على حساب الماضي.
وإذا كانت فعالية الخط الأول مما يسهل إنجازه إجرائياً وعملياً، فإن فعالية الخط الثاني مركبة وبحاجة إلى قدرات سحرية وصوفية لاستحضار المنسي واستقدامه إلى منزل الذاكرة، ولا شك في أن تداخل الخطين شعرياً يعكس أنموذجاً جدلياً يمكن أن ينتج شيئاً جديداً يضع ((الأخضر)) في مقام ينطوي على قدر عال من الأسطرة.
يبدأ ((الأخضر)) مشروعه البحثي من نقطة الصفر عازلاً ماضيه وذاكرته تماماً عن مسرح فعله:

يمشي مثل هموم الإسفنج
يعلّم خطوته
أن تركض في الدرب

الفعل ((يمشي)) يشير إلى إعلان بداية الحركة ويتكشّف دلالياً عن بطء وتأن وهدوء تعكسه موحيات الفعل، وتلخصه الصورة التشبيهية الملحقة به ((مثل/ هموم الإسفنج)) التي تختزل الحركة إلى فعالية موضعية ذات أداء محوري، ترتفع إلى الرمزية الشديدة التكثيف في بلاغة التشبيه.
تنتقل الصورة إلى فعلها الثاني ((يعلّم/ خطوته)) بعد أن تمتلئ وتغتني بمنجزات الفعل الأول ((يمشي))، وما اكتسبه من قوة تدليل تعمل في الإطار ذاته، قادمة من فضاء المشبّه به وحاله وتجربته المؤنسنة المعبرة عن وضع طبيعي لا يقبل التغيير.
بانتقال الصورة إلى الفعل الثاني ((يعلّم)) المسند نحوياً وسيميائياً إلى الفاعل المستتر ((الأخضر)) والمتجه نحو المفعول ((خطواته)) الذي يمثل آلية المشي، يكون الفعل الشعري قد تحرك باتجاه تطور نوعي في أنموذج الحركة، لأن الفعل ((يعلّم)) قد أضاف معرفة عملية جديدة للفعل السابق ((يمشي)) ببطئه وأناته وهدوئه.
تتجلّى في الفعل الحركي الجديد ((تركض)) وهو ينتقل من مسار البطء الكامن في مضمون الفعل ((يمشي)) إلى فضاء السرعة الكامن فيه، بعد أن يتمظهر المكان أمامه وينفتح ((في الدرب)) على النحو الذي يتسلّح فيه بسلاحين جديدين، يتمثل الأول بقوة الفعل الحركي في ((تركض)) ويتمثل الثاني بوضوح المكان واستوائه في ((في الدرب)).
إن فضاء البياض والنقاء القائم على عزل الذاكرة يقدم ((الأخضر)) دائماً بحساسية لونية مستحدثة لا ماضي لها، بكل ما ينتجه ذلك من شروع بالانطلاق من البدايات البِكر للأشياء:

لا يعرف كان وأخواتها
لا لغة يتقن

فهو هنا لا يدرك التقانات النحوية للغة العربية التي قد ترشحها القراءة ابتداء من جولة توقعها الأولى لتكون لغته ((لا يعرف/ كان/ وأخواتها))، مع الأخذ بنظر الاعتبار ما تحرض عليه تعبيرية ((كان وأخواتها)) من إحالة تأويلية على منطقة الذاكرة ((كان)) الماضوية الناقصة، ومفاصلها وملحقاتها وتخومها وحيثياتها ((وأخواتها)) التي تعمل في الدائرة بذاتها.
إلا أن دائرة توقع القراءة في أن اللغة التي لا يعرفها هي اللغة العربية حسب بدلالة ((كان وأخواتها)) ما تلبث أن تتكسر، حين تُعزّز جملة النفي الجديدة الداخلة مباشرة ((لا لغة يتقن)) فكرة الجهل اللغوي لتشمل اللغات جميعاً، على النحو الذي يعود بـ ((ألأخضر)) إلى بدائية الطبيعة وأوّليتها وينفي عنه أي اتصال بالحضارة.
إن المشهد الشعري هنا يتركز دلالياً في بلاغة تكثيف عالية الاختزال وشعرية اقتصاد لغوي خالٍ تماماً من أية زيادة أو حشو.
حيث يتكشّف ((الأخضر)) عن لا لغة، تنعدم على هذا الأساس قدرته على التواصل والتفاهم والتجانس والحياة مع المحيط والما حول والآخر، مما يستوجب ابتداع بديل مناسب يساعده على مواصلة الحركة والفعل والتوصل بهدفه في درب البحث والتقصّي:

لثغته في الصحراء تقاسمها
والسمك الطائر
شرّبه من قطعة نبض في يسراه

فتكون ((لثغته)) هي البديل اللغوي الصالح للتفاعل مع خصوصية المكان الانفرادي ((الصحراء))، إلا أنه لا يستطيع الانفراد بها والاستقلال بممكناتها ومنجزاتها لأن ((السمك/ الطائر)) يقاسمه إياها، ويحيل ((السمك/ الطائر)) سيميائياً على قلب معادلة الطبيعة رأساً على عقب بحيث يتاح للسمك أن يستبدل الصحراء بمكانه المائي أولاً، ويستبدل حركة الطيران المرئية العالية بحركته المائية غير المرئية والغائرة في جوف الماء.
ولما كان المكان ((الصحراء)) المقتصد في مائيته هو بؤرة الفعل الشعري، والسمك في طيرانه يفقد حضوره المائي، فإن الحاجة إلى السيولة المائية تصبح ضرورة للصورة والمشهد وحركية التعبير، على النحو الذي يفسّر حضور الفعل ((شرّبه)) لاستعادة الفضاء المائي المفقود.
وعندما يكون مصدر البعث المائي ((قطعة نبض في يسراه)) تتجلّى الإحالة واضحة على مركز الفعالية الحيوية الممّولة للحياة (القلب)، إذ يتحول المجال الحيوي المائي إلى مجال حيوي (دموي) يغذي الصورة بسيولة الحياة، ويجعلها قادرة بمعية الفاعل الصوري المركزي ((الأخضر)) على مواصلة البحث وديمومته.
يتجوّل ((الأخضر)) وقد بلغ مرحلة أكثر رقياً من الأنسنة في صحراء التيه بحثاً عن ذاته وصفته اللونية في الأشياء، باقتصاد شديد في الحركة وتكثيف عالٍ في عمل الحواس:

يمشي
فيرى ضوءاً
لا يعجبني
هذا النورُ الباردُ.. لا

لا يوحي الفعل ((يمشي)) هنا بطول المسافة بالرغم من انفراد سواده ببياض السطر الشعري، بل على العكس فإنه يُظهر زهداً واضحاً في نشاطه من خلال هبوطه المباشر إلى فعل الرؤية المسبوقة بفاء السببية ((فيرى))، إذ يكون فعل الرؤية سبباً لفعل المشي، وحين يكون المرئي ((ضوءاً)) وهو أحد الأهداف التي يسعى ((الأخضر)) إلى التوصل بها، فإن ثمة برهاناً يبدو وأنه أشرق في سماء البحث.
إلا أنه سرعان ما يخيب هذا التوقع بالالتفات المدهش الذي يحصل في السياق الفعلي، من الضمير الغائب المتعلق بالفعل ((يمشي)) على لسان الراوي الشعري الموضوعي، إلى ضمير المتكلم المتعلق بالفعل المنفي ((لا يعجبني)) على لسان الراوي الشعري الذاتي.
يقوّض الفعل المنفي ((لا يعجبني)) حلم رؤية الضوء لأنه لم يحقق شرط الإعجاب في ذاكرة الباحث وحلمه، ويؤدي ذلك إلى محو الجملة تماماً في بلاغة تكثيف جديدة وشعرية زهد لغوي أخرى.
لا يكتفي الفاعل الشعري السردي بعملية الإقصاء والحسم الفعلي بوساطة حرف النفي ((لا))، بل يذهب إلى طبقة لاحقة من طبقات الكشف والإقناع إلى تفكيك سلطة الضوء المكتشف وإدراجه في حقل التعطيل.
فالصفة الخارجية في ((هذا/ النور/ البارد)) يعطل بهجة ((النور)) وحركته وقوة فعله في الأشياء ويحجبه عن العمل، على النحو الذي يستفز ذوق الباحث ولا يتردد في تكرار أداة النفي ((لا))، وهي تحقق مضاعفة دلالية وإيقاعية في اتجاه محو سواد الكتابة والعودة إلى بياضها لاستئناف عملية البحث من خط الشروع الأول.
بعودة المجال البحثي الشعري إلى مساحة البياض والانطلاق من جديد يختفي ضمير المتكلم على لسان الراوي الشعري الذاتي، ليتسلم الراوي الشعري كلي العلم زمام المبادرة القولية والتصويرية، مسلطاً كاميرا ذات عدسات عميقة تنفذ إلى الطبقات الداخلية الدنيا لحركة ((الأخضر))، وتمضي في ملاحقة أفعاله الشعرية ذات المعنى الصوفي:

الأخضر يعدو
يدخل في حرف كي يهجره
ويصادق أفق التيه ليكسره

يعكس الفعل الأول ((يعدو)) إعلاناً باستئناف الحركة على نحو أشدّ منتقلاً من ((يمشي)) في المشهد السابق إلى ((يعدو))، الذي يوحي باختزال الزمان والمكان والرغبة في سرعة الوصول.
يهبط الفعل ((يعدو)) مباشرة إلى الفعل ((يدخل))، وكأن شكلاً من أشكال الوصول قد تحقق، لكن المفارقة تبرز حين يتمظهر مكان الدخول في الصورة (( في حرف)) لينزاح المكان بذلك من واقعيته إلى صوفيته، ومن أرضيته إلى فضائيته، وما تلبث استجابة ((الأخضر)) أن تظهر سريعاً ((كي يهجره)) في عملية محو أخرى على هذا الصعيد.
تظهر بمؤازرة هذه الصورة صورة أخرى تشتغل على النسق ذاته بين الفعل المثبت المعطوف ((ويصادق))، والفعل المقوّض لأدائه ((ليكسره)) ماحياً المسافة التخييلية بينهما ((أفق التيه)).
إن الصورتين الفعليتين ((يدخل/ كي/ يهجره)) و((يصادق/ ليكسره)) وهما تتركزان في البؤرتين المكانيتين المفارقتين ((حرف/ أفق التيه))، تكشفان عن فعالية جدل في المنظومة الفعلية، ويسعى جدل هذه المنظومة إلى فتح كوّة للصراع تقود إلى محو الوجود الصوري للأشياء والعودة إلى مساحة البياض الكامل، أي العودة إلى نقطة صفر الحركة ونقطة صفر البحث ونقطة صفر الكتابة.
ويبدو أنه بانكسار أفق التيه تتعطل حركة ((الأخضر)) نهائياً ويتوقف بحثه عند حدود البحث ذاته وليس ثمة شيء محدد يمكن أن يصل إليه، لذا يعود الراوي الشعري كلي العلم إلى ذاكرة الحكاية ليصف حضور ((الأخضر)) فيها ووضعه وأنموذجه:

طفل هذا الأخضر
طفلٌ
في اللجّة غيّبه أبواه
فالأعلى يجثمُ فوق فؤاد الأسفلِ
والمستقبلُ أعمى

تعود قصة ((الأخضر)) إلى التمركز في بؤرة الطفولة عبر تقرير هذه الحقيقة على نحو لا يقبل الاحتمال والتأويل ((طفل/ هذا/ الأخضر))، ومضاعفتها بتكرار دال الطفولة الاسمي ((طفل)) في السطر اللاحق منفرداً فيه وباثاً إيقاعه فيما تبقى من بياض السطر الشعري.
ولا شك في أن تقرير هذه الحقيقة على هذا النحو يبرر عبثية بحثه عن لونه، ذلك البحث الذي يقترب من فكرة ((اللعب)) وهي فكرة أساسية وجوهرية ومركزية متغلغلة في أعماق الطفل، وهي أيضاً جزء من حريته وقوة تعبيره عن براءته وحيويته ونشاطه.
في اللقطة السردية الثانية يصف الراوي طبقة أخرى من وضع الأخضر/ الطفل الذاكراتية ((في اللجّة/ غيّبه/ أبواه)) ويصحح في وصفه الافتراض الأول الذي صوّر محنة ((الأخضر)) الانتمائية في سياق ((الأخضر/ غادره/ أبواه))، إذ يتحول فعل الانفصال والإقصاء من ((غادره)) إلى ((غيّبه))، على النحو الذي ينتقل بسيميائية العلامة الشعرية من فكرة الهجرة المجردة إلى فكرة المحو القصدي.
يتجلّى الراوي في اللقطة السردية الثالثة مقترباً من حرارة التشكيل الوصفي الصوفي بتركيز كاميرا وصفه على معادلة رياضية، فلسفية، منطقية، إنسانية ((فالأعلى/ يجثم فوق فؤاد/ الأسفل))، كاشفاً عن جدل الصراع بين الأضداد وما يولّده من دلالات القهر والعنف والإقصاء والمحو والتغييب، التي تبزغ من فضاء الفعل ((يجثم)) وينتج حقيقة واقعة أخرى تطلع من باطن معطفه ((والمستقبل أعمى))، في مواجهة ذاكرة مشرعة ومبصرة تتمثل في قوة حضور ((الأخر)) اللسانية والرمزية والأسطورية في مفاصل القول الشعري من بداية انطلاقة المتن حتى خاتمته.
يطلّ الراوي الشعري في خاتمة القصيدة عبر مجموعة برقيات صورية تحتشد فيها اللغة، لتلخص مقولة القصيدة في مرحلة شعرية أخيرة يمكن وصفها بأنها مرحلة الكشف والتقويم:

طفل يمشي
لا عن عشب يتقصّى
لا عن ماءٍ يتقصّى
لكن عن شيء يجهله
يتمنّاه
ويحلم أن يلقاه
ولا يلقاه

في البرقية الشعرية الأولى يضع ((الأخضر)) وقد تحوّل إلى ((طفل)) في مستوى نظامي معتدل من الحركة ((طفل يمشي))، يحفظ الموازنة الصورية المشهدية ويعترف له بديمومة الحركة واستمراريتها.
البرقية الثانية برقية اختزال وإقصاء وكشف ((لا عن عشب يتقصّى/ لا عن ماء أو عاصمة يتقصّى))، تنفي من دائرة البحث مجموعة احتمالات يمكن أن تتجه إليها توقعات القراءة ضمن هذا السياق ((عشب/ ماء/ عاصمة))، على النحو الذي يقصي تماماً الجانب المادي من فعالية البحث ويقترح لها في الوقت نفسه جانباً آخر يكون بالضرورة الجانب الروحي.
وهو ما يتجلى واضحاً في البرقية الثالثة الاستدراكية ((لكن عن شيء يجهله))، إذ إن البحث عن المجهول يد خل أولاً في سياق الروحي والمعنوي لا المادي والملموس، بحيث أن المجهول هنا - انطلاقاً من الفضاء الشعري في القصيدة - يحيل على الصوفي.
ويأخذ هذا المجهول في سياق التعبير الفعلي ((يجهله)) شكلاً تواصلياً مكمّلاً في شبكة المنظومة الفعلية اللاحقة له، وهي تنتشر على السطور الشعرية الثلاثة التي تقفل فيها القصيدة دوالها على المشهد ((يتمناه/ يحلم/ أن يلقاه/ ولا يلقاه))، بحيث يتعمق البعد الصوفي الإشكالي في عملية البحث بالحلم ((الغودوي)) في الذي يأتي ولا يأتي، الذي يقابل في الصورة هنا ((يلقاه/ ولا يلقاه))، وتنتهي القصيدة في هذا المنعطف الغامض والمتلبس وهو يضفي القدر المطلوب من الغموض، الذي يجعل القراءة مفتوحة على التأويل والاحتمال المستمر حتى ما بعد لحظة الإقفال اللغوي والصوري.
إن هذه النتيجة التي آل إليها ((الأخضر/ الطفل)) في عملية بحثه عن ذاته اللونية وماهيته الوجودية الذاكراتية، تمثّل عودة إلى البياض النقي، عودة إلى ((بداوة اللون)) وتوكيدها في السبيل إلى ربط عتبة الخاتمة بعتبة العنوان في حركة دائرية مستمرة لا تتوقف أبداً.

عناوين فرعية:
- منذ اللحظة الأولى يعلن الراوي الشعري كلي العلم غربة ((الأخضر)) ووحدته ووحشته ويتمه ((الأخضر غادره أبواه))
- إن فضاء البياض والنقاء القائم على عزل الذاكرة يقدّم ((الأخضر)) دائماً بحساسية لونية مستحدثة لا ماضي لها
- يتجلى الراوي في اللقطة السردية الثالثة مقترباً من حرارة التشكيل الوصفي الصوفي بتركيز كاميرا وصفه على معادلة رياضية، فلسفية، منطقية، إنسانية