bahzani2
14-07-2008, 14:52
حواتمة في حوار ضمن برنامج \"قلب الشارع\"
حاورته: فضائية نورمينا الأردنية ـ عمان
س1: نعيش في هذه الأيام الذكرى الستين للنكبة لاغتصاب فلسطين، تحدثت شخصيات عديدة عنها، وكتابات ومقالات وحوارات تلفزيونية عن النكسة وأسباب النكسة، ولكن السؤال القديم الحديث أننا لم نتحدث عن النكبة ولم نعطيها حقها كما تحدثنا عن النكسة، من المسؤول عن النكبة ... النكبة مسؤولية مَنْ ؟! ...
ستينية النكبة تؤشر على ستين عاماً، نكبة واحتلال، لجوء، صمود، ثم مرحلة لاحقة نكبة ومقاومة، نكبة وعودة، 40 عاماً في الثورة الفلسطينية المعاصرة من أجل طي صفحة النكبة. النضال يدور في يومنا في ستينية النكبة على ما كان باليد، على ما كان ممكناً عام 48، لكن القيادة الفلسطينية حينذاك وقيادات الأنظمة العربية الإقطاعية حينذاك؛ وبالتواطؤ من الكولونيالية البريطانية والمشروع الصهيوني، بدلاً من أن تمسك بما تبقى باليد من الأرض الفلسطينية وتفتح للشعب الفلسطيني حقه ببناء دولة فلسطينية مستقلة على هذه الأرض، وفي اليوم التالي لقيام هذه الدولة الفلسطينية، يبدأ صراع من نوع جديد يدفع باتجاه الحقوق الوطنية الفلسطينية، وفقاً للحقوق التاريخية والحقوق المنصوص عليها في قرارات الشرعية الدولية، بدلاً من ذلك تلك الأنظمة العربية الإقطاعية والقيادة الفلسطينية حالتذاك؛ وبالتواطؤ مرةً أخرى مع الكولونيالية البريطانية ومع دولة \"إسرائيل\" التي قامت عام 48 على 77% من أرض فلسطين التاريخية، بينما لم يكن بيد كل التجمع اليهودي على أرض فلسطين أكثر من 5% من الأرض التي قامت عليها إسرائيل، هذا التواطؤ تم وفقاً لمعادلة حملها المشروع الصهيوني منذ البداية، تقول هذه المعادلة: \"فلسطين أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض\"، ولذلك تم تطبيق لهذه المعادلة عام 48، وقامت إسرائيل على 77% من الأرض، وما تبقى من الأرض الفلسطينية، تم إلحاقه وضمه بالدول العربية المجاورة.
الشعب الفلسطيني في ذلك الوقت؛ منه من بقي داخل حدود الهدنة (48)، ومنه من تشرد في البلدان العربية، وأيضاً المشروع الصهيوني \"فلسطين كانت بالماضي والآن إسرائيل\"، وما تبقى له علاقة بالأنظمة العربية والشعب الفلسطيني كان بالماضي والآن هو عرب \"إسرائيل\" وعرب البلدان العربية، إذاً من المسؤول عن عملية النكبة، المسؤولية الأساسية تقع على التخلف التاريخي الفلسطيني والعربي لقرون عديدة متواصلة، هذا التخلف لم يكن يعمل بلغة علمية وعملية ومدروسة وملموسة، مقابل المشروع الصهيوني الأوروبي الطابع، أي يقوم على العلم والتخطيط والمعرفة والمراحل، والمتحالف مع الدول الاستعمارية. ولذلك أمكن لهذا المشروع أن يقوم على العلم والتخطيط والتحالفات الواسعة الإقليمية والدولية، بينما التخلف التاريخي فلسطينياً وعربياً وبدون تحالفات جدية، وفقط الرهان على \"الحليفة\" كما كان يسمونها في ذلك الوقت (بريطانيا)، ولذلك وقعت النكبة هذه هي المسؤولية، المسؤولية بالدرجة الأساسية على التخلف التاريخي في البلاد العربية بما فيها فلسطين، والوجه الآخر بالمسؤولية هي على المشروع الصهيوني المتحالف مع الكولونيالية البريطانية تطبيقاً لوعد بلفور وتداعياته، والأنظمة العربية الإقطاعية المتواطئة مع الكولونيالية البريطانية والمشروع الصهيوني، ولكن مرة أخرى الأساس هو التخلف التاريخي. وهكذا ضاعت فرصة تاريخية في ذلك الزمن كان من الممكن أن تقام الدولة الفلسطينية على 23% من الأرض التي بقيت باليد وعاصمتها القدس العربية المحتلة، وفي اليوم التالي لقيامها يبدأ النضال والصراع من أجل حلول لعودة اللاجئين وللأرض الفلسطينية، على قاعدة قرارات الشرعية الدولية، ولكن هذا ضاع وضاعت الفرصة التاريخية ونسيتنا الدول العربية ودول العالم بما فيها الأمم المتحدة، قفزت عن قراراتها الأممية (181 لعام 47)، وبقي هذا النسيان كاملاً بين عام 48 إلى عام 74، عندما بادرت الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين لطرح البرنامج السياسي الجديد لمنظمة التحرير والثورة وللشعب الفلسطيني وانتزعنا بالإجماع هذا البرنامج السياسي الجديد في حزيران/ يونيو 1974، والذي يقوم في هذه المرحلة على ضرورات العمل والنضال بكل الوسائل الممكنة والتي باليد، ومنها الوسائل السياسية ووسائل المقاومة للوصول إلى حلول سياسية تؤدي إلى ما كان ممكناً عام 48؛ أي إلى دولة فلسطينية على حدود 4 حزيران/ يونيو 1967 عاصمتها القدس العربية المحتلة حق الشعب الفلسطيني بتقرير مصيره بنفسه وعلى أرضه وعودة اللاجئين وفقاً للقرار الأممي 194.
لاحظ أن بعد 60 عاماً النضال يدور من أجل إنجاز ما كان ممكناً ما كان باليد عام 48، لكنه تسرب من بين أصابع الشعب الفلسطيني والشعوب العربية بفعل طبيعة القيادة الفلسطينية المتخلفة حين ذاك، والقيادة العربية الحاكمة الإقطاعية المتخلفة أيضاً حين ذاك، وما جرى من عملية تواطؤ بين هذا التخلف وأشكاله، وبين المشروع الصهيوني والكولونيالية البريطانية.
مداخلات ...
س2: هناك دول إقطاعية واستعمارية أضاعت فلسطين، وهل هي الفصائل هي التي ضيعت فلسطين ؟
أقول بلغة واضحة أن العدو عدو، وأن الكولونيالية البريطانية الانتدابية على فلسطين وأراضي عربية أخرى منها الأردن، العراق، الخليج، والكولونيالية الفرنسية الانتدابية على سوريا، لبنان، والشمال العربي الإفريقي، هذه قوى الاستعمارية، والمشروع الصهيوني هو مشروع استعماري إحلالي وإجلائي، إحلالي يحل محل الشعب الفلسطيني، وإجلائي لإجلاء الشعب الفلسطيني عن أرضه، وبالتالي جبهة الأعداء هم أعداء، هؤلاء الأعداء خصصوا لمحاولة استنساخ نفس التجارب التي قاموا بها بالأمريكيتين.
قبل 500 سنة هؤلاء الأعداء حاولوا إقامة أوطان بديلة عن أوطان الشعوب، تكرر هذا في القرن العشرين، في النصف الأول من القرن العشرين، واستمرت بعضها حتى أواخر القرن العشرين، وجرت محاولات فرنسا في الجزائر على سبيل المثال على يد الكولونيالية الفرنسية والمستوطنين الفرنسيين، جرت محاولات في روديسيا الذي أسمها الآن زيمبابوي من أجل تحويلها إلى منطقة بريطانية، كما جرى تحويل استراليا بالماضي، نيوزيلندا بالماضي إلى مؤسسات بريطانية، وجرت محاولات لتحويل جنوب إفريقيا إلى بلد البيض على مدار 300 سنة، لكن كل تلك المحاولات دحرت ولماذا دُحرت ؟ علينا أن نجيب على ذلك، وإلا يكون عند ذاك ما يخطط الاستعماريين وما يخطط الأعداء قادرين على تنفيذه، وكأن الأمور قدراً مقدراً على الجميع. هذه هي خطط الأعداء، خطط الأعداء عندما تقابل بخطط مقابلة تستطيع فعل فعلها على الأرض وفي الميدان، وبلغة علمية ومعرفية ومرحلية، مرحلة بعد مرحلة لا يمكن عند ذاك خطط الأعداء أن تمر ولم تمر بالجزائر. فيتنام، جنوب إفريقيا، بينما عندنا في فلسطين كان الاستثناء، وبالتالي الجريمة الكبرى العصرية في القرن العشرين، هي كانت الجريمة التي وقعت في فلسطين، هذا لم يكن ممكناً أن يقع لولا التخلف التاريخي عندنا بالقيادات الفلسطينية، وفي ذلك الوقت القيادات الفلسطينية كل من تقدم عليها خطوة إلى الأمام، كان نصيبه الاغتيال والقتل، في الحالة (نقابيين، حركات عمالية، حركات سياسية، حركات وطنية)، وعندما ثار الشعب الفلسطيني، وهنا أكرر الأمور ليست قدراً عام 36 ـ 37 إلى العام 39 اضطرت بريطانيا أن تنحني، فألغت مشروع قرار التقسيم، مشروع \"مستر بيل 37\"، ووضعت مقابله بديلاً عنه، الكتاب الأبيض مشروع جديد دولة فلسطينية على كامل فلسطين الانتدابية من بحرها إلى نهرها خلال عشرة سنوات، يقيم فيها وعليها اثنيتين، إثنية يهودية وإثنية فلسطينية ـ عربية.
س3: تحدثت وقلت عن التخلف التاريخي حينذاك والقيادات الفلسطينية ... هل القيادة الفلسطينية الآن تعيش حالة وعي، وهل تعلمت من دروس الماضي ؟ وإذا كان الجواب نعم فلماذا لا نرى أي نتائج على أرض الواقع ؟! ...
بالتأكيد الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة الحديثة ما بعد الحرب العالمية الثانية، ما بعد نكبة عام 48، حركة تطورت وطورت كثيراً، والتطور في إطار التعددية، والتعددية على مناحي ومحاور فكرية وسياسية، أيضاً متعددة يجمعنا القاسم المشترك، أي البرنامج الوطني المشترك الذي نتوصل له فيما بيننا، لكن درجة التطور في صفوف حركة التحرر الوطني الفلسطينية والثورة الفلسطينية المعاصرة متفاوتة، ومحكومة بقانون التباين ودرجة التطور بالنضج، ولذلك دائماً نهضنا بالأوضاع الفلسطينية رداً على هزيمة حزيران/ يونيو 1967، ومن أجل محو آثارها على قاعدة تجمع بين الحقوق العربية بعودة الأراضي العربية المحتلة عام 1967، إلى الدول والأقطار العربية وحقوق الشعب الفلسطيني؛ أي بتعبير آخر الجمع بين القرارين 242، 338، التي تعالج العلاقات العربية ـ الإسرائيلية الصهيونية، الأراضي العربية مقابل حدود آمنة معترف بها كما ينص هذين القرارين، والذي قبلت به جميع الدول العربية، ولكن هذين القرارين كانا يتناسيا تماماً الشعب الفلسطيني وأي من حقوقه الوطنية. الثورة الفلسطينية المعاصرة نهضت على أساس القواسم المشتركة، البرنامج المشترك، بالنضال من أجل إعادة بناء الكيانية الوطنية الفلسطينية والصيغة الحقوقية والسياسية المحلية والعربية والدولية، والاعتراف بالحقوق الوطنية الفلسطينية، وهذا ما تم إنجازه فعلاً، وهو إنجاز تاريخي يصعب جداً تجاوزه.
وهنا أود أن أقول؛ جمعنا بين ما هو حقوق عربية بموجب القرارين 242، 338، والحقوق الوطنية الفلسطينية التي بدأت تصدر بها قرارات عن الأمم المتحدة، وقرارات عن القمم الإقليمية القارية (إفريقية، آسيوية، لاتينية ... الخ)، ولكن بالوقت نفسه هذه الدرجة من التطور المتفاوت والنضج المتفاوت فيما بيننا، تم كسر القاسم المشترك أكثر من مرة وليس مرة، وعلى يد قوة معينة مساندة (فتح) بشكل أساسي في العواصم العربية. الكثير من العواصم العربية وأقصد بالتحديد؛ الارتداد جرى على القواسم المشتركة من قبل جناح في الأخوة في فتح، وبرئاسة الأخ ياسر عرفات رحمه الله، في ذلك السياق وحتى يومنا هذا ما زالت المشكلة قائمة، وبالتالي تضافر النضج المتفاوت مع التدخلات العربية كما يقع الآن؛ وعلى سبيل المثال منذ العام 2000 بشكل صراخ، من المحاور الإقليمية العربية في لبنان، أوصلت هذه الصراعات المحاور الإقليمية العربية الحالة اللبنانية إلى حالة من فقدان الوزن، كتل هائلة كبرى في لبنان لا تستطيع أن تتخذ قراراً بحل الأزمة الداخلية اللبنانية، وترك هذا يتصادم 8 سنوات كاملة من عام 2000، الآن عندما وقع ما وقع باجتياح حزب الله لبيروت الغربية السنيّة، والصراع في جبل لبنان. ويثير هذا إشكالية أيضاً (سنية، شيعية، درزية). الآن وجدت الدول العربية أن اللهيب سينفتح على حرب أهلية شاملة في لبنان، لن تقف عند حدود لبنان، بل ستصل إلى النهوض من جديد بالحرب الأهلية بالعراق، وإلى تداعيات خطيرة وكبيرة جداً بدول الخليج العربية وإيران، حيث هناك مشكلات مذهبية. وعليه سارعت المحاور العربية وإيران إلى عقد مؤتمر الحوار اللبناني الشامل في الدوحة وحل الأزمة الداخلية اللبنانية باتفاق الدوحة.
على ضوء هذا؛ أقول مرة أخرى هذا الوضع الفلسطيني المتفاوت بدرجة التطور الذي يعرض العملية الوطنية الفلسطينية إلى انقسامات وارتدادات، حميناه بإطار البرنامج الموحّد برنامج القواسم المشترك وخاصة منذ عام 1974، ولكن جناح في هذه الحركة الوطنية بدعم وإسناد من العديد من العواصم العربية كسر ذلك، ومثالاًَ الذهاب إلى مؤتمر مدريد بشروط شامير وبشروط أمريكية، ولم يذهب بشروط فلسطينية التي وضعناها في المجلس الوطني الفلسطيني عام 1988، وكررتها عام 1990 قبل 30 يوماً فقط من عقد مؤتمر مدريد. لذلك هذا التطور المتفاوت لدرجة النضج والوعي السياسي، الوعي المبني على فهم خاطئ لموازين القوى المحلية الفلسطينية ـ الإسرائيلية، والعربية ـ العربية، والعربية ـ الإسرائيلية، وموازين القوى العربية ـ الدولية، والدولية ـ الدولية، هذا التطور المتفاوت يدفع بفريق فلسطيني آخر أن يكسر أكثر من مرة القواسم المشتركة، كما وقع باتفاق المحاصصة الانقسامي 8 فبراير في مكة والحرب الأهلية في قطاع غزة والهيمنة الاحتكارية بالقوة المسلحة على قطاع غزة.
الآن مثالاً من ستينية النكبة؛ نحن أمام انقسام جديد، هذا الانقسام الجديد يرشح الوضع الفلسطيني إلى إما أو إما، إما أن نتجاوز الانقسام ونعيد بناء الوحدة الوطنية ضمن برنامج سياسي موحد قائم على القواسم المشتركة، ممثلاً بإعلانات القاهرة ووثيقة الوفاق الوطني، لينهض من جديد بالوضع الفلسطيني موحَداً وموحِداً لكل طاقات الشعب الفلسطيني، ومبادرة الإجماع العربي ممثلاً بالمبادرة اليمنية في قمة دمشق العربية، وإما أن يبقى الانقسام وهذا يعني مرة أخرى تدهورات وتراجعات وتنازلات وكوارث في الانقسام، فلا نصر بالانقسام، فالنصر ممكن بالوحدة الوطنية على قاعدة علمية وعملية ملموسة كما أشرت، بما أنجزنا بعد الانقسام وثيقة إعلان القاهرة ووثيقة الوفاق الوطني وقعنا عليها جميعاً في غزة، ولكن ارتداد الأخوة في فتح وحماس عن برامج الوحدة الوطنية نحو المصالح الخاصة الضيقة الأنانية الفتحاوية والحمساوية، أدى إلى الارتداد عن وثائق القواسم المشتركة والبحث عن اتفاقات المحاصصة ثنائية احتكارية إلغائية وإقصائية، لدور الشعب والمجتمع المدني، ولكل الفصائل والقوى التي بنت الثورة الفلسطينية المعاصرة، وأنجزت ما أنجزت لشعبنا وللأمة العربية ولكل أحرار العالم، وكانت النتيجة 7 جولات من الاقتتال بين فتح وحماس لتعزيز مواقع هذا الفريق أو ذاك، من أجل تقاسم السلطة والنفوذ دون أي مشروع سياسي، والذي أدى إلى اتفاق 8 شباط في مكة، اتفاق محاصصة للنفوذ والسلطة بين فتح وحماس، الذي يقوم على قاعدة سياسية تحت سقف اتفاقات أوسلو الجزئية والهابطة عن برنامج الوفاق الوطني، عبر كتاب التكليف والرد على كتاب التكليف هذا أذيع في حينه، كتاب التكليف يقول بالتالي من محمود عباس إلى إسماعيل هنية عليه أن يلتزم باتفاقات رئاسة منظمة التحرير الفلسطينية المحلية والعربية والدولية، وثانياً تفويض رئيس السلطة الفلسطينية بكل العملية التفاوضية السياسية مع \"إسرائيل\"، ورد إسماعيل هنية أن حكومته التي ستلتزم بهذا، وعندما جاؤوا إلى طاولة ليتقاسموا السلطة والنفوذ اختلفوا وانفتح جحيم الحرب الأهلية، وكانت نتيجة لهذا كله؛ استيلاء حماس على قطاع غزة بالقوة المسلحة وحتى يومنا الانقسام يتعمق أكثر فأكثر وكما السلطة الفلسطينية تغوص بالبحث عن حلول جزئية ومجزوءة للشؤون الأمنية، كذلك الحال لدى حماس تغوص بالبحث عن حلول جزئية ومجزوءة للشؤون الأمنية التي تتخذ الآن في يومنا عنوان التهدئة بمفاوضات غير مباشرة مع حكومة \"إسرائيل\"، لذلك أقول من جديد الحركة الفلسطينية بعد عام 1967 أكثر تطوراً بكثير، ولا مجال للمقارنة بالحالة الفلسطينية والحالة العربية حتى عام 48 حتى عام 52، فالنصر لا يمكن أن يكون إلا بإعادة بناء الوحدة الوطنية على القواسم المشتركة فالانقسام يؤدي إلى مزيد من الهزائم والتراجعات.
مرة أخرى في سياق كل عمليات الصراع العربي والفلسطيني ـ الإسرائيلي، لماذا المشروع الصهيوني حقق خطوات إلى أمام، والمشروع العربي القومي حقق خطوات إلى الخلف، ولماذا في الحالة الفلسطينية تقدماً إلى الأمام، ثم وقعت عندنا الانقسامات لاحقاً أقصد في الثورة الفلسطينية المعاصرة بينما إسرائيل تنجز خطوات أكثر فأكثر باتجاه مزيداً من مشروعها، ففي عام 1948 مجموع الجيوش العربية التي زج بها بالقتال 25 ألف، فالجيوش الإسرائيلية التي زج بها 60 ألف، والجيوش الإسرائيلية تعمل وفق خطة بتجاوز قرار التقسيم لما هو أبعد، وإذا أمكن كل فلسطين الانتدابية، بينما الجيوش العربية وجيش الإنقاذ وجيش الجهاد المقدس حاربت بطاقات متواضعة ومتخلفة، ولكن كان من الممكن الاستعاضة عن هذا بالإصرار على الصمود في المواقع، التي وصلت لها الجيوش العربية وثانياً ما تبقى من الأرض كان من الممكن والواجب بناء دولة فلسطين المستقلة عاصمتها القدس في حينه؛ ولكن التخلف حسم حسمه؛ وأنتج حلولاً أخرى تنسجم مع معادلة المشروع الصهيوني (أرض بلا شعب لشعب بلا أرض) بدلاً من إقامة دولة فلسطينية، وبعد إقامة الدولة الفلسطينية يعود ويبدأ النضال من جديد من أجل الحلول العادلة والسليمة للقضية الفلسطينية، وهذا لم يقع بفعل أوضاعنا الداخلية حالتذاك. وفي هذا السياق أيضاً علينا أن نلاحظ جيداً أن العملية عسكرياً أخذت مجرى مختلف عما كان عام 1948، وفي حرب تشرين/ أكتوبر 1973 زجت الدول العربية وخاصة أقطار الطوق العربية على ما يزيد 750 ألف جندي على جبهات القتال، وكانت أمامها فرصة ذهبية استثنائية جداً راجع كتاب \"المشير الجمصي\" الذي أرخ لحرب تشرين، فالجيوش العربية كان أمامها فرصة أول 72 ساعة، عبرت قناة السويس، ووصلت إلى طبريا في الجولان، وبدلاً من أن تكمل مباشرة للوصول إلى الممرات في سيناء مما يؤدي إلى انهيار في الجيش الإسرائيلي، وما يترتب على ذلك من تداعيات بتصفية أثار العدوان حتى حدود 4 حزيران/ يونيو 1967، توقف الجيش المصري بعمق 10 إلى 15 كم بعد عبور قناة السويس، بكلفة متواضعة لا تفيض عن 300 جندي وضابط، وهنا نشب الصراع بين القيادة العسكرية والسادات، فالسادات كانت خطته أن يتوقف عند هذا العمق فقط، بينما القيادة العسكرية وفي المقدمة الجمصي الذي كان هو مسؤول هيئة القوات المسلحة المصرية دفع باتجاه بأنه علينا مواصلة القتال قبل أن تستدعي \"إسرائيل\" الاحتياطي، الذي كان على جبهات القتال الإسرائيلية 120 ألف، وخلال 72 ساعة جيشت إسرائيل 600 ألف، حاربت على جبهات القتال بـ 800 ألف جندي، في هذه الحالة كان من الممكن خلال 72 ساعة أن تصل القوات المصرية إلى الممرات وما بعد الممرات، وأن تتخندق وتتثبت القوات السورية بما وصلت له، قصدت أن أقول مرة أخرى أن المشكلة بالقرار السياسي فالقرار السياسي كان خاطئاً، والذي نفذ على جبهات القتال هو القرار السياسي وهنا المشكلة.
حاورته: فضائية نورمينا الأردنية ـ عمان
س1: نعيش في هذه الأيام الذكرى الستين للنكبة لاغتصاب فلسطين، تحدثت شخصيات عديدة عنها، وكتابات ومقالات وحوارات تلفزيونية عن النكسة وأسباب النكسة، ولكن السؤال القديم الحديث أننا لم نتحدث عن النكبة ولم نعطيها حقها كما تحدثنا عن النكسة، من المسؤول عن النكبة ... النكبة مسؤولية مَنْ ؟! ...
ستينية النكبة تؤشر على ستين عاماً، نكبة واحتلال، لجوء، صمود، ثم مرحلة لاحقة نكبة ومقاومة، نكبة وعودة، 40 عاماً في الثورة الفلسطينية المعاصرة من أجل طي صفحة النكبة. النضال يدور في يومنا في ستينية النكبة على ما كان باليد، على ما كان ممكناً عام 48، لكن القيادة الفلسطينية حينذاك وقيادات الأنظمة العربية الإقطاعية حينذاك؛ وبالتواطؤ من الكولونيالية البريطانية والمشروع الصهيوني، بدلاً من أن تمسك بما تبقى باليد من الأرض الفلسطينية وتفتح للشعب الفلسطيني حقه ببناء دولة فلسطينية مستقلة على هذه الأرض، وفي اليوم التالي لقيام هذه الدولة الفلسطينية، يبدأ صراع من نوع جديد يدفع باتجاه الحقوق الوطنية الفلسطينية، وفقاً للحقوق التاريخية والحقوق المنصوص عليها في قرارات الشرعية الدولية، بدلاً من ذلك تلك الأنظمة العربية الإقطاعية والقيادة الفلسطينية حالتذاك؛ وبالتواطؤ مرةً أخرى مع الكولونيالية البريطانية ومع دولة \"إسرائيل\" التي قامت عام 48 على 77% من أرض فلسطين التاريخية، بينما لم يكن بيد كل التجمع اليهودي على أرض فلسطين أكثر من 5% من الأرض التي قامت عليها إسرائيل، هذا التواطؤ تم وفقاً لمعادلة حملها المشروع الصهيوني منذ البداية، تقول هذه المعادلة: \"فلسطين أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض\"، ولذلك تم تطبيق لهذه المعادلة عام 48، وقامت إسرائيل على 77% من الأرض، وما تبقى من الأرض الفلسطينية، تم إلحاقه وضمه بالدول العربية المجاورة.
الشعب الفلسطيني في ذلك الوقت؛ منه من بقي داخل حدود الهدنة (48)، ومنه من تشرد في البلدان العربية، وأيضاً المشروع الصهيوني \"فلسطين كانت بالماضي والآن إسرائيل\"، وما تبقى له علاقة بالأنظمة العربية والشعب الفلسطيني كان بالماضي والآن هو عرب \"إسرائيل\" وعرب البلدان العربية، إذاً من المسؤول عن عملية النكبة، المسؤولية الأساسية تقع على التخلف التاريخي الفلسطيني والعربي لقرون عديدة متواصلة، هذا التخلف لم يكن يعمل بلغة علمية وعملية ومدروسة وملموسة، مقابل المشروع الصهيوني الأوروبي الطابع، أي يقوم على العلم والتخطيط والمعرفة والمراحل، والمتحالف مع الدول الاستعمارية. ولذلك أمكن لهذا المشروع أن يقوم على العلم والتخطيط والتحالفات الواسعة الإقليمية والدولية، بينما التخلف التاريخي فلسطينياً وعربياً وبدون تحالفات جدية، وفقط الرهان على \"الحليفة\" كما كان يسمونها في ذلك الوقت (بريطانيا)، ولذلك وقعت النكبة هذه هي المسؤولية، المسؤولية بالدرجة الأساسية على التخلف التاريخي في البلاد العربية بما فيها فلسطين، والوجه الآخر بالمسؤولية هي على المشروع الصهيوني المتحالف مع الكولونيالية البريطانية تطبيقاً لوعد بلفور وتداعياته، والأنظمة العربية الإقطاعية المتواطئة مع الكولونيالية البريطانية والمشروع الصهيوني، ولكن مرة أخرى الأساس هو التخلف التاريخي. وهكذا ضاعت فرصة تاريخية في ذلك الزمن كان من الممكن أن تقام الدولة الفلسطينية على 23% من الأرض التي بقيت باليد وعاصمتها القدس العربية المحتلة، وفي اليوم التالي لقيامها يبدأ النضال والصراع من أجل حلول لعودة اللاجئين وللأرض الفلسطينية، على قاعدة قرارات الشرعية الدولية، ولكن هذا ضاع وضاعت الفرصة التاريخية ونسيتنا الدول العربية ودول العالم بما فيها الأمم المتحدة، قفزت عن قراراتها الأممية (181 لعام 47)، وبقي هذا النسيان كاملاً بين عام 48 إلى عام 74، عندما بادرت الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين لطرح البرنامج السياسي الجديد لمنظمة التحرير والثورة وللشعب الفلسطيني وانتزعنا بالإجماع هذا البرنامج السياسي الجديد في حزيران/ يونيو 1974، والذي يقوم في هذه المرحلة على ضرورات العمل والنضال بكل الوسائل الممكنة والتي باليد، ومنها الوسائل السياسية ووسائل المقاومة للوصول إلى حلول سياسية تؤدي إلى ما كان ممكناً عام 48؛ أي إلى دولة فلسطينية على حدود 4 حزيران/ يونيو 1967 عاصمتها القدس العربية المحتلة حق الشعب الفلسطيني بتقرير مصيره بنفسه وعلى أرضه وعودة اللاجئين وفقاً للقرار الأممي 194.
لاحظ أن بعد 60 عاماً النضال يدور من أجل إنجاز ما كان ممكناً ما كان باليد عام 48، لكنه تسرب من بين أصابع الشعب الفلسطيني والشعوب العربية بفعل طبيعة القيادة الفلسطينية المتخلفة حين ذاك، والقيادة العربية الحاكمة الإقطاعية المتخلفة أيضاً حين ذاك، وما جرى من عملية تواطؤ بين هذا التخلف وأشكاله، وبين المشروع الصهيوني والكولونيالية البريطانية.
مداخلات ...
س2: هناك دول إقطاعية واستعمارية أضاعت فلسطين، وهل هي الفصائل هي التي ضيعت فلسطين ؟
أقول بلغة واضحة أن العدو عدو، وأن الكولونيالية البريطانية الانتدابية على فلسطين وأراضي عربية أخرى منها الأردن، العراق، الخليج، والكولونيالية الفرنسية الانتدابية على سوريا، لبنان، والشمال العربي الإفريقي، هذه قوى الاستعمارية، والمشروع الصهيوني هو مشروع استعماري إحلالي وإجلائي، إحلالي يحل محل الشعب الفلسطيني، وإجلائي لإجلاء الشعب الفلسطيني عن أرضه، وبالتالي جبهة الأعداء هم أعداء، هؤلاء الأعداء خصصوا لمحاولة استنساخ نفس التجارب التي قاموا بها بالأمريكيتين.
قبل 500 سنة هؤلاء الأعداء حاولوا إقامة أوطان بديلة عن أوطان الشعوب، تكرر هذا في القرن العشرين، في النصف الأول من القرن العشرين، واستمرت بعضها حتى أواخر القرن العشرين، وجرت محاولات فرنسا في الجزائر على سبيل المثال على يد الكولونيالية الفرنسية والمستوطنين الفرنسيين، جرت محاولات في روديسيا الذي أسمها الآن زيمبابوي من أجل تحويلها إلى منطقة بريطانية، كما جرى تحويل استراليا بالماضي، نيوزيلندا بالماضي إلى مؤسسات بريطانية، وجرت محاولات لتحويل جنوب إفريقيا إلى بلد البيض على مدار 300 سنة، لكن كل تلك المحاولات دحرت ولماذا دُحرت ؟ علينا أن نجيب على ذلك، وإلا يكون عند ذاك ما يخطط الاستعماريين وما يخطط الأعداء قادرين على تنفيذه، وكأن الأمور قدراً مقدراً على الجميع. هذه هي خطط الأعداء، خطط الأعداء عندما تقابل بخطط مقابلة تستطيع فعل فعلها على الأرض وفي الميدان، وبلغة علمية ومعرفية ومرحلية، مرحلة بعد مرحلة لا يمكن عند ذاك خطط الأعداء أن تمر ولم تمر بالجزائر. فيتنام، جنوب إفريقيا، بينما عندنا في فلسطين كان الاستثناء، وبالتالي الجريمة الكبرى العصرية في القرن العشرين، هي كانت الجريمة التي وقعت في فلسطين، هذا لم يكن ممكناً أن يقع لولا التخلف التاريخي عندنا بالقيادات الفلسطينية، وفي ذلك الوقت القيادات الفلسطينية كل من تقدم عليها خطوة إلى الأمام، كان نصيبه الاغتيال والقتل، في الحالة (نقابيين، حركات عمالية، حركات سياسية، حركات وطنية)، وعندما ثار الشعب الفلسطيني، وهنا أكرر الأمور ليست قدراً عام 36 ـ 37 إلى العام 39 اضطرت بريطانيا أن تنحني، فألغت مشروع قرار التقسيم، مشروع \"مستر بيل 37\"، ووضعت مقابله بديلاً عنه، الكتاب الأبيض مشروع جديد دولة فلسطينية على كامل فلسطين الانتدابية من بحرها إلى نهرها خلال عشرة سنوات، يقيم فيها وعليها اثنيتين، إثنية يهودية وإثنية فلسطينية ـ عربية.
س3: تحدثت وقلت عن التخلف التاريخي حينذاك والقيادات الفلسطينية ... هل القيادة الفلسطينية الآن تعيش حالة وعي، وهل تعلمت من دروس الماضي ؟ وإذا كان الجواب نعم فلماذا لا نرى أي نتائج على أرض الواقع ؟! ...
بالتأكيد الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة الحديثة ما بعد الحرب العالمية الثانية، ما بعد نكبة عام 48، حركة تطورت وطورت كثيراً، والتطور في إطار التعددية، والتعددية على مناحي ومحاور فكرية وسياسية، أيضاً متعددة يجمعنا القاسم المشترك، أي البرنامج الوطني المشترك الذي نتوصل له فيما بيننا، لكن درجة التطور في صفوف حركة التحرر الوطني الفلسطينية والثورة الفلسطينية المعاصرة متفاوتة، ومحكومة بقانون التباين ودرجة التطور بالنضج، ولذلك دائماً نهضنا بالأوضاع الفلسطينية رداً على هزيمة حزيران/ يونيو 1967، ومن أجل محو آثارها على قاعدة تجمع بين الحقوق العربية بعودة الأراضي العربية المحتلة عام 1967، إلى الدول والأقطار العربية وحقوق الشعب الفلسطيني؛ أي بتعبير آخر الجمع بين القرارين 242، 338، التي تعالج العلاقات العربية ـ الإسرائيلية الصهيونية، الأراضي العربية مقابل حدود آمنة معترف بها كما ينص هذين القرارين، والذي قبلت به جميع الدول العربية، ولكن هذين القرارين كانا يتناسيا تماماً الشعب الفلسطيني وأي من حقوقه الوطنية. الثورة الفلسطينية المعاصرة نهضت على أساس القواسم المشتركة، البرنامج المشترك، بالنضال من أجل إعادة بناء الكيانية الوطنية الفلسطينية والصيغة الحقوقية والسياسية المحلية والعربية والدولية، والاعتراف بالحقوق الوطنية الفلسطينية، وهذا ما تم إنجازه فعلاً، وهو إنجاز تاريخي يصعب جداً تجاوزه.
وهنا أود أن أقول؛ جمعنا بين ما هو حقوق عربية بموجب القرارين 242، 338، والحقوق الوطنية الفلسطينية التي بدأت تصدر بها قرارات عن الأمم المتحدة، وقرارات عن القمم الإقليمية القارية (إفريقية، آسيوية، لاتينية ... الخ)، ولكن بالوقت نفسه هذه الدرجة من التطور المتفاوت والنضج المتفاوت فيما بيننا، تم كسر القاسم المشترك أكثر من مرة وليس مرة، وعلى يد قوة معينة مساندة (فتح) بشكل أساسي في العواصم العربية. الكثير من العواصم العربية وأقصد بالتحديد؛ الارتداد جرى على القواسم المشتركة من قبل جناح في الأخوة في فتح، وبرئاسة الأخ ياسر عرفات رحمه الله، في ذلك السياق وحتى يومنا هذا ما زالت المشكلة قائمة، وبالتالي تضافر النضج المتفاوت مع التدخلات العربية كما يقع الآن؛ وعلى سبيل المثال منذ العام 2000 بشكل صراخ، من المحاور الإقليمية العربية في لبنان، أوصلت هذه الصراعات المحاور الإقليمية العربية الحالة اللبنانية إلى حالة من فقدان الوزن، كتل هائلة كبرى في لبنان لا تستطيع أن تتخذ قراراً بحل الأزمة الداخلية اللبنانية، وترك هذا يتصادم 8 سنوات كاملة من عام 2000، الآن عندما وقع ما وقع باجتياح حزب الله لبيروت الغربية السنيّة، والصراع في جبل لبنان. ويثير هذا إشكالية أيضاً (سنية، شيعية، درزية). الآن وجدت الدول العربية أن اللهيب سينفتح على حرب أهلية شاملة في لبنان، لن تقف عند حدود لبنان، بل ستصل إلى النهوض من جديد بالحرب الأهلية بالعراق، وإلى تداعيات خطيرة وكبيرة جداً بدول الخليج العربية وإيران، حيث هناك مشكلات مذهبية. وعليه سارعت المحاور العربية وإيران إلى عقد مؤتمر الحوار اللبناني الشامل في الدوحة وحل الأزمة الداخلية اللبنانية باتفاق الدوحة.
على ضوء هذا؛ أقول مرة أخرى هذا الوضع الفلسطيني المتفاوت بدرجة التطور الذي يعرض العملية الوطنية الفلسطينية إلى انقسامات وارتدادات، حميناه بإطار البرنامج الموحّد برنامج القواسم المشترك وخاصة منذ عام 1974، ولكن جناح في هذه الحركة الوطنية بدعم وإسناد من العديد من العواصم العربية كسر ذلك، ومثالاًَ الذهاب إلى مؤتمر مدريد بشروط شامير وبشروط أمريكية، ولم يذهب بشروط فلسطينية التي وضعناها في المجلس الوطني الفلسطيني عام 1988، وكررتها عام 1990 قبل 30 يوماً فقط من عقد مؤتمر مدريد. لذلك هذا التطور المتفاوت لدرجة النضج والوعي السياسي، الوعي المبني على فهم خاطئ لموازين القوى المحلية الفلسطينية ـ الإسرائيلية، والعربية ـ العربية، والعربية ـ الإسرائيلية، وموازين القوى العربية ـ الدولية، والدولية ـ الدولية، هذا التطور المتفاوت يدفع بفريق فلسطيني آخر أن يكسر أكثر من مرة القواسم المشتركة، كما وقع باتفاق المحاصصة الانقسامي 8 فبراير في مكة والحرب الأهلية في قطاع غزة والهيمنة الاحتكارية بالقوة المسلحة على قطاع غزة.
الآن مثالاً من ستينية النكبة؛ نحن أمام انقسام جديد، هذا الانقسام الجديد يرشح الوضع الفلسطيني إلى إما أو إما، إما أن نتجاوز الانقسام ونعيد بناء الوحدة الوطنية ضمن برنامج سياسي موحد قائم على القواسم المشتركة، ممثلاً بإعلانات القاهرة ووثيقة الوفاق الوطني، لينهض من جديد بالوضع الفلسطيني موحَداً وموحِداً لكل طاقات الشعب الفلسطيني، ومبادرة الإجماع العربي ممثلاً بالمبادرة اليمنية في قمة دمشق العربية، وإما أن يبقى الانقسام وهذا يعني مرة أخرى تدهورات وتراجعات وتنازلات وكوارث في الانقسام، فلا نصر بالانقسام، فالنصر ممكن بالوحدة الوطنية على قاعدة علمية وعملية ملموسة كما أشرت، بما أنجزنا بعد الانقسام وثيقة إعلان القاهرة ووثيقة الوفاق الوطني وقعنا عليها جميعاً في غزة، ولكن ارتداد الأخوة في فتح وحماس عن برامج الوحدة الوطنية نحو المصالح الخاصة الضيقة الأنانية الفتحاوية والحمساوية، أدى إلى الارتداد عن وثائق القواسم المشتركة والبحث عن اتفاقات المحاصصة ثنائية احتكارية إلغائية وإقصائية، لدور الشعب والمجتمع المدني، ولكل الفصائل والقوى التي بنت الثورة الفلسطينية المعاصرة، وأنجزت ما أنجزت لشعبنا وللأمة العربية ولكل أحرار العالم، وكانت النتيجة 7 جولات من الاقتتال بين فتح وحماس لتعزيز مواقع هذا الفريق أو ذاك، من أجل تقاسم السلطة والنفوذ دون أي مشروع سياسي، والذي أدى إلى اتفاق 8 شباط في مكة، اتفاق محاصصة للنفوذ والسلطة بين فتح وحماس، الذي يقوم على قاعدة سياسية تحت سقف اتفاقات أوسلو الجزئية والهابطة عن برنامج الوفاق الوطني، عبر كتاب التكليف والرد على كتاب التكليف هذا أذيع في حينه، كتاب التكليف يقول بالتالي من محمود عباس إلى إسماعيل هنية عليه أن يلتزم باتفاقات رئاسة منظمة التحرير الفلسطينية المحلية والعربية والدولية، وثانياً تفويض رئيس السلطة الفلسطينية بكل العملية التفاوضية السياسية مع \"إسرائيل\"، ورد إسماعيل هنية أن حكومته التي ستلتزم بهذا، وعندما جاؤوا إلى طاولة ليتقاسموا السلطة والنفوذ اختلفوا وانفتح جحيم الحرب الأهلية، وكانت نتيجة لهذا كله؛ استيلاء حماس على قطاع غزة بالقوة المسلحة وحتى يومنا الانقسام يتعمق أكثر فأكثر وكما السلطة الفلسطينية تغوص بالبحث عن حلول جزئية ومجزوءة للشؤون الأمنية، كذلك الحال لدى حماس تغوص بالبحث عن حلول جزئية ومجزوءة للشؤون الأمنية التي تتخذ الآن في يومنا عنوان التهدئة بمفاوضات غير مباشرة مع حكومة \"إسرائيل\"، لذلك أقول من جديد الحركة الفلسطينية بعد عام 1967 أكثر تطوراً بكثير، ولا مجال للمقارنة بالحالة الفلسطينية والحالة العربية حتى عام 48 حتى عام 52، فالنصر لا يمكن أن يكون إلا بإعادة بناء الوحدة الوطنية على القواسم المشتركة فالانقسام يؤدي إلى مزيد من الهزائم والتراجعات.
مرة أخرى في سياق كل عمليات الصراع العربي والفلسطيني ـ الإسرائيلي، لماذا المشروع الصهيوني حقق خطوات إلى أمام، والمشروع العربي القومي حقق خطوات إلى الخلف، ولماذا في الحالة الفلسطينية تقدماً إلى الأمام، ثم وقعت عندنا الانقسامات لاحقاً أقصد في الثورة الفلسطينية المعاصرة بينما إسرائيل تنجز خطوات أكثر فأكثر باتجاه مزيداً من مشروعها، ففي عام 1948 مجموع الجيوش العربية التي زج بها بالقتال 25 ألف، فالجيوش الإسرائيلية التي زج بها 60 ألف، والجيوش الإسرائيلية تعمل وفق خطة بتجاوز قرار التقسيم لما هو أبعد، وإذا أمكن كل فلسطين الانتدابية، بينما الجيوش العربية وجيش الإنقاذ وجيش الجهاد المقدس حاربت بطاقات متواضعة ومتخلفة، ولكن كان من الممكن الاستعاضة عن هذا بالإصرار على الصمود في المواقع، التي وصلت لها الجيوش العربية وثانياً ما تبقى من الأرض كان من الممكن والواجب بناء دولة فلسطين المستقلة عاصمتها القدس في حينه؛ ولكن التخلف حسم حسمه؛ وأنتج حلولاً أخرى تنسجم مع معادلة المشروع الصهيوني (أرض بلا شعب لشعب بلا أرض) بدلاً من إقامة دولة فلسطينية، وبعد إقامة الدولة الفلسطينية يعود ويبدأ النضال من جديد من أجل الحلول العادلة والسليمة للقضية الفلسطينية، وهذا لم يقع بفعل أوضاعنا الداخلية حالتذاك. وفي هذا السياق أيضاً علينا أن نلاحظ جيداً أن العملية عسكرياً أخذت مجرى مختلف عما كان عام 1948، وفي حرب تشرين/ أكتوبر 1973 زجت الدول العربية وخاصة أقطار الطوق العربية على ما يزيد 750 ألف جندي على جبهات القتال، وكانت أمامها فرصة ذهبية استثنائية جداً راجع كتاب \"المشير الجمصي\" الذي أرخ لحرب تشرين، فالجيوش العربية كان أمامها فرصة أول 72 ساعة، عبرت قناة السويس، ووصلت إلى طبريا في الجولان، وبدلاً من أن تكمل مباشرة للوصول إلى الممرات في سيناء مما يؤدي إلى انهيار في الجيش الإسرائيلي، وما يترتب على ذلك من تداعيات بتصفية أثار العدوان حتى حدود 4 حزيران/ يونيو 1967، توقف الجيش المصري بعمق 10 إلى 15 كم بعد عبور قناة السويس، بكلفة متواضعة لا تفيض عن 300 جندي وضابط، وهنا نشب الصراع بين القيادة العسكرية والسادات، فالسادات كانت خطته أن يتوقف عند هذا العمق فقط، بينما القيادة العسكرية وفي المقدمة الجمصي الذي كان هو مسؤول هيئة القوات المسلحة المصرية دفع باتجاه بأنه علينا مواصلة القتال قبل أن تستدعي \"إسرائيل\" الاحتياطي، الذي كان على جبهات القتال الإسرائيلية 120 ألف، وخلال 72 ساعة جيشت إسرائيل 600 ألف، حاربت على جبهات القتال بـ 800 ألف جندي، في هذه الحالة كان من الممكن خلال 72 ساعة أن تصل القوات المصرية إلى الممرات وما بعد الممرات، وأن تتخندق وتتثبت القوات السورية بما وصلت له، قصدت أن أقول مرة أخرى أن المشكلة بالقرار السياسي فالقرار السياسي كان خاطئاً، والذي نفذ على جبهات القتال هو القرار السياسي وهنا المشكلة.