PDA

View Full Version : نواف خلف السنجاري : السنونو والحوت


بحزاني نت
10-04-2005, 13:46
نواف خلف السنجاري : السنونو والحوت

استيقظ قبل الظهيرة بقليل، تناول طعامه، لم يكن فطوراً ولا غداءاً. تمطى، تثاءب .. كان خالياً من النشاط والحيوية، غنياً لحد لا يجعل للطموح أي فسحة من مساحات روحه الفارغة. لقد تعود الحصول على أي شيء يرغبه منذ كان طفلاً، ولم يكافح يوماً للحصول على ما يرغب فقد ولد ومعه كل ما يريد. لذلك أصبح جشعاً كحوت لا يشبع، مستعداً لأن يخطف اللقمة من يد طفل يتيم، حسوداً يستكثر(الحمى) على الفقير المريض لأنه لم يذق طعم المرض في حياته كلها. وعلى الرغم من زوجاته الثلاث فقد كان يشتعل رغبة لمزاحمة أي شاب على حبيبته الجميلة ومع كل ما يملكه من سيارات كان يود أن يحصل على كل سيارة جديدة تدخل المدينة. هو نفسه لا يعلم ما يملك من أراضي زراعية ومع ذلك فهو متأهب لمصارعة اضعف الناس للحصول على ق طعة ارض هي المعيل الوحيد لمعيشة عائلة كاملة. بينما كان جالساً في مزرعته طرق سمعه صوت ناي حزين لأحد الرعاة يرثي طفله الوحيد بأغنية تبكي لها عيون السماء وينفطر لها قلب الأرض القاسي بنغمات ملائكية ترعرعت على شفاه يبّسها الحزن والحرمان، صادرة من قلب أتعبه الأنين والسهر، لأول مرة أحسّ بالحاجة الى البكاء وأدرك بلحظة علوية بان كل ما يملك لا يساوي تلك العذوبة ولا يعادل شيئاً من ذلك الحزن الشفاف، فتمنى حينها فقط أن ينقلب راعياً حزيناً..
المنقذ
بينما كان يقود سيارته انتبه فجأة لطفل صغير يمشي على سطح احد المنازل التي ليس لها سياج أو مانع حديدي (درابزين). أوقف سيارته أمام المنزل وضغط على جرس الباب كالمجنون، عندما خرج والد الطفل أشار السائق الى السطح وركض بكل سرعته بأتجاه الدرج، وصل خلال ثوان ولحسن الحظ استطاع أن يمسك طرف قميص الطفل قبل أن يسقط. لم يعرف الوالد كيف يشكره وخرجت والدة الطفل وإخوته يصافحون السائق ويغمرونه بعبارات الشكر والامتنان. وفي خضم هذا الجو الاحتفالي حضر بعض الجيران فأزدحم المنزل والكل سعداء لنجاة الطفل. عندها خرج السائق وصعد الى سيارته مودعاً إياهم مسروراً لأنه أنقذ حي اة ذلك الكائن البريء، وما أن تحرك بضعة أمتار حتى سمع أصوات الجيران (انتبه.. انتبه.. هوب هوب) نزل فزعاً صعق تماماً وكاد يغمى عليه عندما نظر الى أسفل سيارته ليجد نفس الطفل مضرجاً بدمائه تحت عجلاتها الخلفية.
المنتحر
هرعت الى منزل جاري عندما سمعت صوت طلق ناري، وصلت متأخراً قليلاً عن بقية الجيران الأقرب شاهدته مرميا وقد اخترقت الرصاصة جنبه الأيسر، وبسرعة نقلوه الى المستشفى كانت ملامح الانتصار على وجهه أقوى من ملامح الموت.. قرأت الورقة المتروكة على الطاولة (بعد خمسة وثلاثين سنة اكتشفت إن جميع طرق حياتي خاطئة لذلك قررت أن اسلك هذا الطريق).. زرته في المستشفى فوجدته مستلقياً على سريره وقبل أن أحييه قال مبتسماً: "انظر إلي لقد فشلت حتى في الانتحار" !! .
حجر عثرة
قبل حلول الظلام بقليل، حوّل بعض المشاكسين الحجر الكبير من الجهة اليمنى من الزقاق والتي تستقر فيه منذ أكثر من عشرين سنة الى الجهة الأخرى، وعندما عاد (بيان) الى منزله الواقع في نهاية الزقاق كان الظلام دامساً والكهرباء مقطوعة، ولكنه يعرف طريقه جيداً وقبل أن يصل الى مكان الحجر انتقل تلقائياً الى الجهة الأخرى من الزقاق، لكنه فوجئ بالحجر وعثر به ووقع فأنكسرت زجاجة الراشي التي يحملها، فما كان منه إلاّ أن يعود ليشتري زجاجة أخرى، عندها خرج الجيران وشاهدوا الحجر وقد تحول من مكانه الأصلي وأمامه بقايا الزجاج والراشي المنسكب، عرفوا فوراً إن بعض المشاكسين حوّلوه من مكانه لذلك أعادوه الى مكانه الأصلي لكي لا يعثر به احد المارين من سكان المحلة، وعندما رجع (بيان) هذه المرة وقبل أن يصل الى المكان المشئوم غير مساره لتلافي الحجر وهنا كانت المصيبة! فقد اصطدم بالحجر مرة أخرى! وبدأ يصرخ: من حوّل هذا الحجر بحق السماء..؟! خرج الجيران ومعهم الفانوس ليشاهدوه ممدداً على الأرض وقد تلطخت ملابسه بالوحل فلم يتمالكوا أنفسهم واغرقوا في الضحك. nowafkhalaf@yahoo.com

بحزاني نت
10-04-2005, 13:50
وراء الحياد ..بقليل" : نواف خلف السنجاري

تحوّلت المقبرة التي دفنّاه فيها الى حقل أبيض، وكأن السماء تريد أن تنثر كل أزهارها فوق جثمان ذلك الرجل ، لكن الغريب أن يسقط الثلج بكل تلك الغزارة وفي هذا الوقت من السنة ،لقد تحالفت ألأرض مع السماء ولبست ثوبها الطاهر قبل أن تحتضن جسد هذا الأنسان الذي هو صديقي . نشأنا معا منذ طفولتنا ألأولى ،وعرفته كما أعرف نفسي ألآن ،بكل تفاصيل حياته ودقائق أموره، كان الأختيار هو أصعب ما يواجهه،فقد كان مستعدا لقبول أصعب المواقف شرط أن لايكون هو من يتخذ القرار.وكم من مرة قلت له :( أنك تختار الطريق السهلة ،عندما تتجنّب ألأختيار) فيضحك ويقول:أرجوك أختار أنت عني واتركني بسلام .لم يكن ملحدا ولا مؤمنا ،لاأشتراكيا ولارأس ماليا،بعيدا عن العلمانية بنفس المسافة التي يبعد بها عن التطرف والطائفية ،لم يحب السياسة يوما ..ولا يستطيع أحد أن يصفه بالبخل مع أنه لم يكن كريما أيضا،لم يظهر حزنه او فرحه ولا رغبته أو رفضه لأحد . مازلت أذكر مقدار تردّده حين يختار لون الملابس التي يشتريها ، فهو لايحب ألأسود القاتم ولا ألأبيض الفاقح ومعظم قمصانه كانت ألوانها تتراوح بين الرمادي والجوزي الباهت ..المدهش ان لون بشرته كان مزيجا بين الأسمر والأشقر ولون شعره مائلا للصفرة مثلما يميل للسواد .!
لم يتّخذ في حياته كلّها قرارا شخصيا حاسما ،وحتى قرار زواجه ، وأختيار أسماء اطفاله ألأربعة كان من نصيب والديه.لم يتحمّس يوما لأية قضية مهما كانت مصيرية، ولم يرفض واقعا مهما بلغت مأساويته فقد كان الفتور هو الميّزة الوحيدة التي يتفرّد بها عن غيره،ومع ذلك فقد كان أقرب الناس الى قلبي ،لايمّل من شكواي المستمرة ،وطموحاتي التي لاحدود لها..ومشاكلي التي لها أول وليس لها آخر ..وقلقي الدائم على مستقبل أطفالي ،وقراراتي التي أتخذها اليوم وألغيها في اليوم التالي !كم حسدته على سعة صدره ولا مبالاته وفتوره،لم أره عصبيا طيلة خمسين عاما..وعندما كنت أبين له خوفي من المستقبل كان يبتسم بهدوء ويقول:(لاتحزن يا عزيزي،المستقبل يأتي بسرعة كافية).لقد جاء اليوم الحاسم الذي وضعه على المحّك ..ليخرج لمرة واحدة من البرج العاجي الذي وضع نفسه فيه وليشعر ولو للحظة بأن المبادرة أغلى من الحياة نفسها.
أية صدفة عجيبة توّجت حياته بحلل البهاء ،واي قدر غريب عصر كل سنيّ عمره الباهتة وصبّها في قالب نقيّ كالماس..انها لحظة مكثّفة تحمل في عمقها كل دورات الزمن الفارغة ..لحظة مقدّسة أختارها لأول مرة لتفتح أمامه كل مساحات الكون ..وتختصر الخلود..لقد أختار أن يموت بدلا من ذلك الطفل الذي أراد ان يعبر الشارع..فأجتازه الموت على جسد رجل لم يعرفه أبدا..كيف تتحوّل ذرّات ألمنا الباهت الى درر تزّين كل تجاويف وأصداف أعمارنا الفارغة !وتجعلها تشّع بريقا أثمن من الشمس ..ليبارك الرب ذلك البركان الخامد الذي أنفجر فولّد حياة أبهى ..لم يبقى في المقبرة احدا سواي ،مسحت دموعي وعرفت بلحظة أعمق من الوعي بأن الفردوس يقبع هناك وراء الحياد ..بأصبع واحد !عندها عدت الى منزلي وأحسست بأني فارس مهزوم ترك وراءه ملك متّوج ومجد مملكة بيضاء .
nowafkhalaf@yahoo.com

بحزاني نت
01-05-2005, 22:46
قصة قصيرة الرجل الغريب

نواف خلف السنجاري

كثيرة هي الأحاديث والقصص التي رواها والدي عندما كنت صغيرا ،وهي ملتصقة بذاكرتي وأعتبرها كنزا وثروة أحتفظ بها وأحكيها بدوري لأولادي.كانت أغلبها تدور حول ميادين العمل الشاق،كالحصاد بالمنجل ،وطحن الحبوب بماكنة يدوية يحملونها على أكتافهم ويدورون بها في كل أرجاء مدينة الموصل هو ورجل عجوز بأجر زهيد - لا يسدّ الرمق - لحساب مالك هذه المكائن - وهو رجل طمّاع - كان يطالبهم بالغلّة عند عودتهم في المساء منهوكي القوى مع الكثيرين الذين يحملون مكائنه ويقضون ليلتهم في خان بسيط..ثم يخرجون مع خيوط الفجر الأولى كل حسب المنطقة المخصّصة له..كان كل واحد منهم يعرف البيوت المتميّزة التي جرشوا لأصحابها (البرغل) قبل سنة أو سنتين ،فهذا بيت (أبو العسل) وذاك (بيت الكبابجي) والآخر (أبو الجوز) و(أبو القيمر) ..الخ .

كان يحكي لي كيف وعدهم أحد الملاكين بأنه سيأتيهم بالثلج إذا ما أنهوا حصاد أرضه خلال يوم واحد ،(سيشربون ماءا باردا ،فيا لها من جائزة مغرية حقا !) وكيف اشتركوا هو وبقية ألحوا صيد في مقلب لـ(حسن المعلان) الذي كان يتملق الملاكين ولا يقبل باستراحة أكثر من نصف ساعة للغداء ،عندما تمدد وغفى في إحدى المرات فصنعوا حوله مظّلة من أكداس السنابل وتبرّع أحد ألحوا صيد (بتهويته)بعصا ملفوف عليها قطعة قماش إلى وقت (الحلّة) وكيف نهض (حسن) كالمجنون يتوعّدهم بأنه لن يشغلّهم بعد ذلك اليوم وهم يضحكون لذلك الإنجاز

الكبير ..!

ولكن أغرب ما سمعته منه ما حدث لهم مع ذلك الرجل الغريب حين كانوا يعملون في حقل على حافة النهر (الحاوي ) هو وثمانية آخرون من قريتنا الصغيرة التي تقع خارج مدينة الموصل .ولقلة السيارات - بل ندرتها - في حينه ،فقد أخذوا معهم كل ما يحتاجونه من مؤن وأغطية ومنام بحيث يبقون هناك أسبوعين أو ثلاث.وفي أحد الأيام وبينما هم منهمكين في العمل وإذا بأحدهم يلمح ما يشبه جثة غريق قادمة من بعيد

تقترب شيئا فشيئا من الطرف المحاذي للنهر، هكذا تحدّث والدي وهو يضع بين شفتيه بقايا لفافة تبغ وتابع يقول :سحبناه من النهر بصعوبة وقد ازرقّ جسمه و امتلأت بطنه بالماء.. لم يكن هناك ما يدل على انه حي ولكننا قلبناه وضغطنا ظهره ورفعنا رجليه إلى أعلى فخرج الماء من فمه ..حاولنا معه بكل الطرق لكن دون جدوى فسحبناه إلى مرتفع مشمس وتركناه هناك ، بحيث كان متدلّيا رأسه إلى أسفل ورجليه إلى أعلى وكأنه قطعة غسيل منشورة على حبل .عدنا إلى عملنا ونحن يائسون تماما من حالته . عند الظهيرة رجعنا لتناول الغداء فدهشنا عند ما شاهدنا الرجل جالسا يسعل سعالا مصحوبا بخروج رذاذ الماء .حملناه بسرعة إلى المكان الذي توجد فيه حاجياتنا ،أستبدلنا ملابسه الموحلة وغطيناه ببطانية إلى أن أستعاد تنفسه العادي وحرارته الطبيعية ،ولكن الإعياء كان قد أخذ منه كل مأخذ ، وشلّ لسانه .

تناولنا الغداء وتركناه ممدّدا فوق أحد المطارح المفروشة والتي تشبه في ترتيبها ثكنة عسكرية ..كان ملجأنا عبارة عن حفرة كبيرة تشبه المغارة محفورة في تلة منذ سنين طويلة ،استخدمناها كغرفة ومخزن لمؤو نتنا وحاجياتنا الأخرى .لما رجعنا إلى الحقل مرّة أخرى كنت أعمل وأنا أفكّر في ذلك الرجل والحزن العميق الذي يسكن عينيه المتعبتين ودهشته عندما جلسنا حوله ،لا يصدّق انه نجا من الغرق وألأمتنان الذي كان باديا على وجهه دون أن يتكلّم .لم نسأله حتى عن أسمه لإعيائه الشديد وصعوبة تنفسه..كان رجلا نحيفا في منتصف العمر ،عيناه واسعتان وشعره أسود بلون الفحم ، وكان مرتديا ملابس تدلّ على أنه من إحدى العوائل الغنيّة ..كنت أفكر في مصيره لو لم نشاهده بالصدفة وننقذه أين كان سينتهي به المطاف ؟وكيف ستعرف عائلته ما حلّ به ؟

كنت متلهفا للعودة إلى (مغارتنا) لأراه وأتبادل معه أطراف الحديث لمعرفة كل ما حصل له بالتفصيل ..متأملا أن يصبح صديقي ، فقد شعرت بمودّة غريبة نحوه ممزوجة بالشفقة على حالته تلك.قبل الغروب بقليل عدنا أدراجنا باتجاه التلّة التي تبعد عنّا مسافة ربع ساعة من المشي ،كنت أسابق رفاقي الآخرين وهم يتمتمون بأغاني قديمة ويتمازحون ناسين ذلك الرجل الغريب ، ولكن عندما اقتربنا من ملجأنا سكت الجميع وكأن طيرا حطّ فوق رؤوسهم .وصلنا إلى مكان الملجأ..يا للهول لا يوجد ملجأ..؟ لقد أنهار فوق ذلك الرجل الغريب..وتحوّل إلى كتلة هائلة من التراب ،أصبحت قبرا ضخما لذلك الرجل التعيس ومعه كلّ حاجياتنا..!فلم نكلّف أنفسنا حتى مشقّة البحث عنه أو إخراجه لأن تلك المهمة أصبحت مستحيلة