PDA

View Full Version : عبد الحفيظ بن جلولي:من يجرح الورد فوق دموعنا


bahzani2
05-10-2008, 22:13
من يجرح الورد فوق دموعنا

عبد الحفيظ بن جلولي/الجزائر.

ذكرى:

لما أطلّ من فجر الغياب، ساوره الشك في الضوء الهارب من فرح خجول مقدور في صباح ما، ولما استتبّت قسمات بسمته العنيدة على مصافحة وجه الأرض، باغته الحلم المنسل من جوقة الياسمين وفي شفافه باقة ورد تدس بطاقة بلون الذين عبروا إلى المراقد الرضيّة، مهرّب عليها توقيع بلون الثورة الرضيعة:

إيمان حجو..

لما مدّ يده ليتهجّى الكلمات، كانت أصوات مغرغرة بالوداع تبتهل في رونق فرحه الأخّاذ وهدأة بسمته العنيدة:

عيد سعيد عمو محمود..


يتردد الصدى في غربة الحضور

بقع ضوء كاشفة تحاصر عازفيْن على آلتي عود

صمت المنصة يخجل من وجوده الآثم

يعلن أن الفارس هذا العيد قد تخلف عن موعده المعتاد

والكلمات قد تلعثمت في أفواه الأصدقاء..

الصمت يلف حضرة الحضور، لأن الراحل كان يحتفي بحضرة الغياب

يقيم الشعر ولا يقعده لمجرد أن يتوه الحرف عن مخرجه الأصيل

ظلمة القاعة الخفيفة تمتصها الإنارة المهندسة المجللة على عرش المنصة

القصيدة، عيناها ونغم شرقي، وصدى لصوت قوي

ينبعث من زوايا المبنى الصديق في رام الله

الأنغام الوترية تنساب نوتات جنائزية بليغة

والصوت يتخللها في غياب باهر

والعيون المُتابعة تظللها شهقات سحيقة في قاع المدامع الحاضرة

بين الحين والآخر تخفي جلالة غيابه الباهر بتصفيق مُرقّم بفنائية معلنة

وتتذكر باقات الورد على أرصفة الحوانيت الغزّاوية

تجلبها دون بطاقات إهداء، تكلل بها قبر سيد عاشقي ارض الدلال، رفيق التربة السليبة وشهيد بينونة المدى، المعلق بين قلب الحاجة حورية وغبار "فِلِسْتة" القديمة..

من يجرح الورد فوق دموعنا،

ويرسم لنا قوسا بالألوان دون مطر..

من يفتش غصن الوقت ويستأنس للشمس،

ويبذر سر الكلام في أحلامنا..

من يغيّر سراب الأمكنة

ويقذف بالطوفان أحايين للحضرة وأخرى للعبق المُجمّل بالغياب

كيما يبعث خرائط الأسطورة المدللة

ويفك لغز السفن المنقدة..

من يعيد رسم طفولتنا

حين كنا نعجن من الرمل فراشة حمراء

ونسال:

لم لا تطير الفراشة يا أبي؟

عبثا يحاول إفهامنا أن الرمل لا يطير..

لان الحلم في مستودع الخيال الخلفي، الزاهر بالأمنيات

يشحن عنادنا بأن الفراشة تشبه الدم على جسد المعابر والمخيّمات..

من يجرح الورد فوق دموعنا،

ويرسم لنا قوسا بالألوان دون مطر..

من لديه استعداد التوهان في وجه البقايا، والسؤال عن سؤال الغيم،

وعن صباح أنيق كياقات أقمصتنا البيضاء، كان بالقرب من الجرح المتاخم للغياب

يرتّب على مكث أساطير الأرحام حين تلد للرحيل..

من يعتلي المنصة ويقرأ سطرا ولو واحدا من قصيدته

لابد أن يحرك نظارته ويخلل شعره ويتشبث بحركة خصلاته

فللنص شهوته المدهونة برنين الدلالة وغنج الدلال..

لنصوصنا الصماء أن تعلن يتمها وتتحصن بالخفاء

فلقد علّمونا مدوّنة للهدم وأخرى للشتم

وعلمنا النص ألدرويشي

مدوّنة للفهم ومدوّنة للنظم ومدوّنة للرصيف،

وكيف نغنّي للجسد على حافة الموت

وكيف نمشي فوق اللغم..

من يجرح الورد فوق دموعنا،

ويرسم لنا قوسا بالألوان دون مطر..

للعيد ألف تسمية أيها المستورون بأسدال الضحك الممجوج، وترّهات الحلوى على رصيف السعادة..

العيد ورد، والعيد دموع، والعيد أيضا مطر

وأيضا، العيد أطفال في شوارع المدن المزركشة بصخب الأشلاء

ويبقى العيد على كل حال لفتة استثناء من غصن الوقت

وبريق الفرح المؤجل عند مداخل اللاجهة واللاوجه

إلى أن يعود الوطن من جبهة التغريد

وترتل العصافير المستهلة بفواتح الشخب

آيات للصد والغناء والرقص على قهقهات الجسد المجغرف بالغباء..

قبل الرحيل المستطاب وفي مرمر حضرة الغياب

كنا نطأ الشواطئ المزبدة

رغوات الموجات السبع

تنقذني من غربة المكان المشوّه بالفتنة والفرح

ولما يتحرر الماء من شرياني

تترغّب شطحات النزق في عيني النهر والبحر

أتمدد كي لا ينتهي ظلي في موكب المسافات والغمر

يحاكيني الماء ويتلو متاهات عطشه

اسرد من قلنسوة الغبطة شكل المدينة المفقودة في خرائط الأسطورة المدللة

يفيض عشقي وانفلت من جُبّتي إلى بهاءات الظل السرمدي..

وعند الشغف المحاذي لأسوار العيد

يتفقدني البحر، يمتد في ذاكرتي

يزمجر في ورطة ألأعيب

استبق شهقة قدومه حيث النهر يتسرب في أزقة القدس القديمة

يغسل جحورها الصماء

والخرير ينادي في القارعين أبواب المدينة المقدسة

رفقا بشهوة الجسد المبجل بالقبة

المزار الأبدي لفتنة الصخرة والسفر المستحيل..

كانت حينها المعابر تحتاط كأول لغة في مغبات المتن

كانت تعقد شراكتها مع الورد والدمع والمطر والاطفال

وتزاحم الماء الذي يتلو متاهات عطشه..

غير بعيد تسوّر الأطفال رمل الشاطئ

ولما تخطّت أقدامهم حافة الخط الفاصل للماء

كان الموج يجرف رسم الكتابة على الرمل

لكنهم يعودون ويكتبون:

من يجرح الورد فوق دموعنا،

ويرسم لنا قوسا بالألوان دون مطر..