بحزاني نت
27-09-2005, 22:04
الامة التي وحدتها سيوف الأعداء لن تفرقها نوايا الأذلاء
هرمز ابونا
ذاكرة التاريخ تختزن مسيرة الألم والعذاب التي عاناها شعبنا في أرضه التاريخية، وتحديدا في البقعة الجغرافية المعروفة في الشرق والغربً ببلاد آشور. فلقد عانت أجيالنا المتعاقبة، ومنذ أعتناق المغول للدين الإسلامي سنة 1295م فإن سلسلة المذابح الدموية المرعبة لم تنقطع، وظلت أرضنا مسرحاً لموجات الغزاة المتعاقبة التي قضت على الغالبية المطلقة من شعبنا، من أبناء الكنيستين الرسوليتين: الشرقية والسريانية الأرثوذكسية.
ولكون أرضنا هي أرض الخيرات والعطاء فقد طمعت بها الأقوام البربرية عبر مراحل التاريخ مستغلة عدم وجود سلطة وطنية قادرة على حماية البلاد وأبنائها حيث كانت كل موجة غازية تلد أخرى قدمت من أعماق الشرق ومن مناطق الجوار. ولقد كان قدر أبناء بلاد ما بين النهرين بناة أول حضارة إنسانية في نينوى وبابل أن تجتذب خيراتها أعتى الموجات البربرية بدءً بهولاكو ومروراً بنادر شاه و مير كور و بدرخان بك. ولكون هذه الأرض تميزت بما حباها الله من خيرات فإن دائرة الطامعين بها توسعت لتشمل الغرب المتحضر الذي قدم لتحقيق أطماعه مرتدياً ثوب الحمل رأفعاً بيد الانجيل وبالاخرى الصليب. نعم جاء من الغرب البعيد قوم أدعو المسيحية لينشروا بين أقدم قوم أعتنقوا المسيحية وأثروا الشهادة على نكرانها عبر القرون المظلمة إذ حفرت على صفحات التاريخ بأن كنيسة المشرق و الكنيسة السريانية الأرثوذكسية هما كنيستا الشهداء الذين استعذبوا الموت من أجل رسالة السيد المسيح على جحده فنالت الملايين إكليل الشهادة التي لم تنلها أية مجموعة أخرى على وجه البسيطة.
فمع ظهور الإستعمار القديم أوائل القرن السادس عشر نشطت موجات المبشرين (كما يقول الكاردنال الكاثوليكي أوجين تيسران في كتابه الكنيسة النسطورية) القادمين من الغرب المتحضر بهدف أستعمار بلادنا بلاد ما بين النهرين. وهذه كانت المحاولة الثانية التي قاموا فيها بعد أن فشلت المحاولة الأولى أبان تسعة حملات صليبية أستمرب قرنين من الزمان (1097ـ1205م). ولبلوغ غايتهم هذه فإن المبشرين الغربين وتحديداً أتباع روما أستخدموا التبشير كواسطة وأداة لبلوغ هدفهم بالسيطرة على المنطقة ذاتها التي كان الصليبيون قد فشلوا في احتلالها وفي مقدمتها بلاد ما بين النهرين، مهــد الحضارات الإنسانية. ومن خلال تصفح نشاطاتهم منذ أن وطأة أقدام أول بعثة للمبشرين الفرنسيسكان في أورشليم سنة 1536م فإننا نلاحظ الجهد المشترك الذي بذله هؤلاء المبشرين مع الدولة الفرنسية الحليفة المفضلة للدولة العثمانية التي كانت قد أحتلت العراق بذات السنة أي سنة 1536م. ولقد تعززت مكانة فرنسا تدريجياً مع تنامي دورها في تقديم الدعم ومن ثمة الحماية للدولة العثمانية أثناء مرورها في فترة انحطاط دامت قرابة الثلاثة قرون متتالية. وهكذا حالت فرنسا بالدرجة الأولى دون إنهيار وسقوط الإمبراطورية العثمانية. ولقد كانت محصلة ذلك الدور وذلك الدعم أن نالت سلسلة طويلة من الامتيازات وفي مقدمتها منح الحرية المطلقة والدعم الفعال للمبشرين الكاثوليك لكي يحققوا أهدافهم بالسيطرة على الكنائس الوطنية الشرقية والسريانية الأرثوذكسية التي طالما اتهمتها روما ومنذ سنة 431ـ 451م بالهرطة كحجة لتبرير محاولات الهيمنة والسيطرة واستعمار بلاد ما بين النهرين. وهكذا فإن المحصلة الأولى لنشاطات المبشرين الكاثوليك كانت القيام بسلسلة محاولات لشق وتقسيم الكنائس الوطنية التي كان أبنائها ينزفون دماً من سلسلة مذابح الغزاة القادمين من الشرق.
وإذا كان الجهد التبشيري للسيطرة على الكنائس الوطنية قد أستهل بشكل فعال في سنة 1536م فإن جهد قرون من العمل المتواصل المدعوم من قبل سلطات الإمبراطورية العثمانية وتحت إشراف وتدخل مباشرين للدولة الفرنسية لم يثمر إلا في سنة 1844م أي آباء المذابح الجماعية المروعة التي قام بها التحالف الكردي بقيادة بدرخان بك خلال السنوات 1843ـ1846م والتي كما يقول مراسل جريدة التايمز اللندنية المقيم في المنطقة آنذاك أشترك بها إضافة إلى الأكراد كل من الدولة العثمانية ومبشروا الدول الغربية جميعاً وبدون اسثناء. وهكذا ساعدت المذابح المشار إليها إلى تهيئة الظروف المساعدة على تجميع جهود المبشرين الكاثوليك وبتدخل مباشر من الدولة الفرنسية من الحصول على اعتراف السلطان العثماني بالكنيسة والطائقة الكلدانية سنة 1844م. نقول هذا ويؤكد بأن هذه هي الحقيقة التي لا يستطيع كل ذي بصيرة انكارها وليس بمقدور أحد إيراد أسم بطريرك واحد في جميع مناطق سهول نينوى منذ سنة 1536 حتى أرتداد يوحنان هرمزد أبونا (1830ـ1838).
أجل يوحنان هرمزد أبونا بارتداده وضع الأسس الأولى للكنيسة الكلدانية المعاصرة أما خليفته تلميذ البروباكندا (مجمع انتشار الإيمان ـ تأسس سنة 1622م) فإنه وإن أصبح بطريركاً ودافع بصلابة عن كرسيه ما بين سنة 1842ـ18848م إلا أنه كان محارباً من قبل روما لمعظم هذه الفترة وناله الكثير من الاضطهاد والتنكيل ولخشيته على حياته فإنه هرب من الموصل ملتجأً إلى مسقط رأسه "خسراوا" في أذربيجان إيران بعد أن اتهمته روما بأنه سارق.
يدعي بعض من تلامذة روما بأن الأنقسام في كنيسة المشرق حصل منذ سنة 1553م أي منذ محاولة مار يوحنان سولاقا لبلوغ هذه الغاية. إلا أن الحقيقة هي غير ذلك إذ أن الخط الذي بدأه مار يوحنان سولاقا لم يدم أكثر منن 13 سنة حيث تخلل الفترة الزمنية لهذا الخط 1553م و 1575م فترات انقطاع، شغر فيها المركز البطريركي الذي لم يشغله سوى ثلاثة بطاركة هم: مار يوحنان سولاقا ومار عبديشوع وإيثالاها (توفي سنة 1575م) وهكذا نجد بأن البطاركة المشار إليه لم يخدموا في كرسيهم سوي نصف الفترة الممتدة ما بين 1553-1575م متخذين مقرهم في جبال سعرد البعيدة عن الكثافة السكانية لأبناء كنيسة المشرق. وإن بطاركة هذا الخط لم يلتقوا الدعم والمساندة من قبل المؤمنين حيث لم يستطيعوا أن يقيموا كراسيهم البطريركية وسط الكثافة الكبيرة للمؤمنين في سهول نينوى وإنما ظل كرسيهم ـ كما قلنا ـ منزوياً في جبال سعرت. وبوفات البطريرك مار إيثالاها سنة 1575م فإن هذا الخط وصل إلى نهايته المحتومة. إلا أن قدر مؤمني كنيسة المشرق كان أن تحصل محاولة انشقاق أخرى في كنيستهم وهذه المرة كانت بزعامة مطران كنيسة المشرق مار دنخا شمعون مطران واحدة من أوسع واقوى ابرشيات كنيسة المشرق حيث كانت تظم كل من سعرت وجيلو وسلامس. هذا الانشقاق كان الفرصة التاريخية الذهبية التي كانت تنتظرها روما بعد النهاية السريعة لمحاولتها الأولى للهيمنة على كنيسة المشرق. عن هذه المحاولة وعن القاعدة التي كان يستند عليها مار دنخا شمعون يقول المؤرخ الشهير إدوارد كيبون بأن حركة إنشقاق شمعون دنخا تمت على رأس أربعين ألف عائلة مقاتله في المناطق الجبلية الوعرة من بلاد آشور مع مجموعات في بلاد فارس.
وإذا كانت للضروة أحكامها التي فرضت على مار شمعون دنخا اللجوء إلى روما لغرض دعمه ومساندته وإضفاء الشرعية على انقسامه والذي فعلاًًًًًَََ قامت به حيث تم سيامته بطريركا في أورمية حيث كان ينشط المبشرون الكاثوليك ونتيجة التدخل المباشر والفعال لقداسة بابا روما لدى عباس شاه إيران طالبا منه تقديم الدعم والمساندة لشمعون دنخا فقد نجحت حركة تقسيم كنيسة المشرق ولكن هذا النجاح لم يلبث سوى لفترة قصيرة نسبياً إذ مع غياب الحاجة لدعم روما، وبسبب مقاومة رجال الكنيسة والمؤمين لأي أرتباط مع روما، عاد بطاركة هذا الخط مع مؤمنيهم إلى عقيدة كنيسة المشرق وقطعوا كل اتصال لهم مع روما، لا بل يذهب المؤرخون الكاثوليك إلى القول بأنهم أصبحوا معادين لروما وقطعوا علاقاتهم معها بشكل تام.
بعد عودة خط البطاركة الشمعونيين إلى عقيدة كنيسة المشرق (النسطورية كما يوصمها خصومها) فإن ذلك لم يوحد كنيسة المشرق بفرعيها السهلي في دير الربان هرمزد والجبلي الذي أستقر آخر المطاف في قرية قوجانس في بلاد تياري وحكاري رغم أن كلا الفرعين حافظا على إيمان كنيسة المشرق الرسولية.
هذه التطورات جعلت الجهود السابقة التي كانت قد بذلتها روما لمدة 128 سنة (1553-1681) تذهب أدراج الرياح. إلا أن التطورات الجيوبولتيكية الحاصلة في الإمبراطورية العثمانية أثرت كثيراً على واقع أتباع كنيسة المشرق وساعدت المبشرين الكاثوليك في تحقيق أهدافهم وفرض خططتهم على المؤمنين. فالدولة العثمانية ظلت تعاني من هزائم منكرة أمام الدول الأوربية المختلفة واجبرت على توقيع معاهدات مذلة وتعطي امتيازات للدولة الفرنسية والدول الأوربية العظمى أنذاك.
أنتهت الحلقة الأولى ويتبعها الحلقة الثانية
هرمز ابونا
ذاكرة التاريخ تختزن مسيرة الألم والعذاب التي عاناها شعبنا في أرضه التاريخية، وتحديدا في البقعة الجغرافية المعروفة في الشرق والغربً ببلاد آشور. فلقد عانت أجيالنا المتعاقبة، ومنذ أعتناق المغول للدين الإسلامي سنة 1295م فإن سلسلة المذابح الدموية المرعبة لم تنقطع، وظلت أرضنا مسرحاً لموجات الغزاة المتعاقبة التي قضت على الغالبية المطلقة من شعبنا، من أبناء الكنيستين الرسوليتين: الشرقية والسريانية الأرثوذكسية.
ولكون أرضنا هي أرض الخيرات والعطاء فقد طمعت بها الأقوام البربرية عبر مراحل التاريخ مستغلة عدم وجود سلطة وطنية قادرة على حماية البلاد وأبنائها حيث كانت كل موجة غازية تلد أخرى قدمت من أعماق الشرق ومن مناطق الجوار. ولقد كان قدر أبناء بلاد ما بين النهرين بناة أول حضارة إنسانية في نينوى وبابل أن تجتذب خيراتها أعتى الموجات البربرية بدءً بهولاكو ومروراً بنادر شاه و مير كور و بدرخان بك. ولكون هذه الأرض تميزت بما حباها الله من خيرات فإن دائرة الطامعين بها توسعت لتشمل الغرب المتحضر الذي قدم لتحقيق أطماعه مرتدياً ثوب الحمل رأفعاً بيد الانجيل وبالاخرى الصليب. نعم جاء من الغرب البعيد قوم أدعو المسيحية لينشروا بين أقدم قوم أعتنقوا المسيحية وأثروا الشهادة على نكرانها عبر القرون المظلمة إذ حفرت على صفحات التاريخ بأن كنيسة المشرق و الكنيسة السريانية الأرثوذكسية هما كنيستا الشهداء الذين استعذبوا الموت من أجل رسالة السيد المسيح على جحده فنالت الملايين إكليل الشهادة التي لم تنلها أية مجموعة أخرى على وجه البسيطة.
فمع ظهور الإستعمار القديم أوائل القرن السادس عشر نشطت موجات المبشرين (كما يقول الكاردنال الكاثوليكي أوجين تيسران في كتابه الكنيسة النسطورية) القادمين من الغرب المتحضر بهدف أستعمار بلادنا بلاد ما بين النهرين. وهذه كانت المحاولة الثانية التي قاموا فيها بعد أن فشلت المحاولة الأولى أبان تسعة حملات صليبية أستمرب قرنين من الزمان (1097ـ1205م). ولبلوغ غايتهم هذه فإن المبشرين الغربين وتحديداً أتباع روما أستخدموا التبشير كواسطة وأداة لبلوغ هدفهم بالسيطرة على المنطقة ذاتها التي كان الصليبيون قد فشلوا في احتلالها وفي مقدمتها بلاد ما بين النهرين، مهــد الحضارات الإنسانية. ومن خلال تصفح نشاطاتهم منذ أن وطأة أقدام أول بعثة للمبشرين الفرنسيسكان في أورشليم سنة 1536م فإننا نلاحظ الجهد المشترك الذي بذله هؤلاء المبشرين مع الدولة الفرنسية الحليفة المفضلة للدولة العثمانية التي كانت قد أحتلت العراق بذات السنة أي سنة 1536م. ولقد تعززت مكانة فرنسا تدريجياً مع تنامي دورها في تقديم الدعم ومن ثمة الحماية للدولة العثمانية أثناء مرورها في فترة انحطاط دامت قرابة الثلاثة قرون متتالية. وهكذا حالت فرنسا بالدرجة الأولى دون إنهيار وسقوط الإمبراطورية العثمانية. ولقد كانت محصلة ذلك الدور وذلك الدعم أن نالت سلسلة طويلة من الامتيازات وفي مقدمتها منح الحرية المطلقة والدعم الفعال للمبشرين الكاثوليك لكي يحققوا أهدافهم بالسيطرة على الكنائس الوطنية الشرقية والسريانية الأرثوذكسية التي طالما اتهمتها روما ومنذ سنة 431ـ 451م بالهرطة كحجة لتبرير محاولات الهيمنة والسيطرة واستعمار بلاد ما بين النهرين. وهكذا فإن المحصلة الأولى لنشاطات المبشرين الكاثوليك كانت القيام بسلسلة محاولات لشق وتقسيم الكنائس الوطنية التي كان أبنائها ينزفون دماً من سلسلة مذابح الغزاة القادمين من الشرق.
وإذا كان الجهد التبشيري للسيطرة على الكنائس الوطنية قد أستهل بشكل فعال في سنة 1536م فإن جهد قرون من العمل المتواصل المدعوم من قبل سلطات الإمبراطورية العثمانية وتحت إشراف وتدخل مباشرين للدولة الفرنسية لم يثمر إلا في سنة 1844م أي آباء المذابح الجماعية المروعة التي قام بها التحالف الكردي بقيادة بدرخان بك خلال السنوات 1843ـ1846م والتي كما يقول مراسل جريدة التايمز اللندنية المقيم في المنطقة آنذاك أشترك بها إضافة إلى الأكراد كل من الدولة العثمانية ومبشروا الدول الغربية جميعاً وبدون اسثناء. وهكذا ساعدت المذابح المشار إليها إلى تهيئة الظروف المساعدة على تجميع جهود المبشرين الكاثوليك وبتدخل مباشر من الدولة الفرنسية من الحصول على اعتراف السلطان العثماني بالكنيسة والطائقة الكلدانية سنة 1844م. نقول هذا ويؤكد بأن هذه هي الحقيقة التي لا يستطيع كل ذي بصيرة انكارها وليس بمقدور أحد إيراد أسم بطريرك واحد في جميع مناطق سهول نينوى منذ سنة 1536 حتى أرتداد يوحنان هرمزد أبونا (1830ـ1838).
أجل يوحنان هرمزد أبونا بارتداده وضع الأسس الأولى للكنيسة الكلدانية المعاصرة أما خليفته تلميذ البروباكندا (مجمع انتشار الإيمان ـ تأسس سنة 1622م) فإنه وإن أصبح بطريركاً ودافع بصلابة عن كرسيه ما بين سنة 1842ـ18848م إلا أنه كان محارباً من قبل روما لمعظم هذه الفترة وناله الكثير من الاضطهاد والتنكيل ولخشيته على حياته فإنه هرب من الموصل ملتجأً إلى مسقط رأسه "خسراوا" في أذربيجان إيران بعد أن اتهمته روما بأنه سارق.
يدعي بعض من تلامذة روما بأن الأنقسام في كنيسة المشرق حصل منذ سنة 1553م أي منذ محاولة مار يوحنان سولاقا لبلوغ هذه الغاية. إلا أن الحقيقة هي غير ذلك إذ أن الخط الذي بدأه مار يوحنان سولاقا لم يدم أكثر منن 13 سنة حيث تخلل الفترة الزمنية لهذا الخط 1553م و 1575م فترات انقطاع، شغر فيها المركز البطريركي الذي لم يشغله سوى ثلاثة بطاركة هم: مار يوحنان سولاقا ومار عبديشوع وإيثالاها (توفي سنة 1575م) وهكذا نجد بأن البطاركة المشار إليه لم يخدموا في كرسيهم سوي نصف الفترة الممتدة ما بين 1553-1575م متخذين مقرهم في جبال سعرد البعيدة عن الكثافة السكانية لأبناء كنيسة المشرق. وإن بطاركة هذا الخط لم يلتقوا الدعم والمساندة من قبل المؤمنين حيث لم يستطيعوا أن يقيموا كراسيهم البطريركية وسط الكثافة الكبيرة للمؤمنين في سهول نينوى وإنما ظل كرسيهم ـ كما قلنا ـ منزوياً في جبال سعرت. وبوفات البطريرك مار إيثالاها سنة 1575م فإن هذا الخط وصل إلى نهايته المحتومة. إلا أن قدر مؤمني كنيسة المشرق كان أن تحصل محاولة انشقاق أخرى في كنيستهم وهذه المرة كانت بزعامة مطران كنيسة المشرق مار دنخا شمعون مطران واحدة من أوسع واقوى ابرشيات كنيسة المشرق حيث كانت تظم كل من سعرت وجيلو وسلامس. هذا الانشقاق كان الفرصة التاريخية الذهبية التي كانت تنتظرها روما بعد النهاية السريعة لمحاولتها الأولى للهيمنة على كنيسة المشرق. عن هذه المحاولة وعن القاعدة التي كان يستند عليها مار دنخا شمعون يقول المؤرخ الشهير إدوارد كيبون بأن حركة إنشقاق شمعون دنخا تمت على رأس أربعين ألف عائلة مقاتله في المناطق الجبلية الوعرة من بلاد آشور مع مجموعات في بلاد فارس.
وإذا كانت للضروة أحكامها التي فرضت على مار شمعون دنخا اللجوء إلى روما لغرض دعمه ومساندته وإضفاء الشرعية على انقسامه والذي فعلاًًًًًَََ قامت به حيث تم سيامته بطريركا في أورمية حيث كان ينشط المبشرون الكاثوليك ونتيجة التدخل المباشر والفعال لقداسة بابا روما لدى عباس شاه إيران طالبا منه تقديم الدعم والمساندة لشمعون دنخا فقد نجحت حركة تقسيم كنيسة المشرق ولكن هذا النجاح لم يلبث سوى لفترة قصيرة نسبياً إذ مع غياب الحاجة لدعم روما، وبسبب مقاومة رجال الكنيسة والمؤمين لأي أرتباط مع روما، عاد بطاركة هذا الخط مع مؤمنيهم إلى عقيدة كنيسة المشرق وقطعوا كل اتصال لهم مع روما، لا بل يذهب المؤرخون الكاثوليك إلى القول بأنهم أصبحوا معادين لروما وقطعوا علاقاتهم معها بشكل تام.
بعد عودة خط البطاركة الشمعونيين إلى عقيدة كنيسة المشرق (النسطورية كما يوصمها خصومها) فإن ذلك لم يوحد كنيسة المشرق بفرعيها السهلي في دير الربان هرمزد والجبلي الذي أستقر آخر المطاف في قرية قوجانس في بلاد تياري وحكاري رغم أن كلا الفرعين حافظا على إيمان كنيسة المشرق الرسولية.
هذه التطورات جعلت الجهود السابقة التي كانت قد بذلتها روما لمدة 128 سنة (1553-1681) تذهب أدراج الرياح. إلا أن التطورات الجيوبولتيكية الحاصلة في الإمبراطورية العثمانية أثرت كثيراً على واقع أتباع كنيسة المشرق وساعدت المبشرين الكاثوليك في تحقيق أهدافهم وفرض خططتهم على المؤمنين. فالدولة العثمانية ظلت تعاني من هزائم منكرة أمام الدول الأوربية المختلفة واجبرت على توقيع معاهدات مذلة وتعطي امتيازات للدولة الفرنسية والدول الأوربية العظمى أنذاك.
أنتهت الحلقة الأولى ويتبعها الحلقة الثانية