bahzani2
30-09-2005, 19:38
طوبى لشاعر : "بغداد ما اشتبكت عليك الأعصر ُ ..... الاّ ذوت ووريق عمرك أخضر ُ "
اعداد : خلدون جاويد
معاني التأبين السامية رديفٌ لطيفكَ الباهر . وفيضُ وَجْدٍ ’ وعبرٌ ودروسٌ كلُ مراحل حياتك السامقة نحو الابداع والرقيا ’ فاوراق السنى المؤتلقة مازالت بطراوة اسمك ورسمك ’ في ثنايا الكتب والقلوب ’ فلتكن ذكراك محطة سلام في وطن النخل والماء والطيبة العراقية السمحاء والوفاق الاجتماعي والمحبة بعيدا عن لون الدم وجريان الدموع . طوبى لذكراك ومن غائم الايام القليلة القادمة بصيص امل لأماني الشعب والنهر والقصائد .
قال السليك ابن سلكة وهو من الشعراء الصعاليك " أشاب الرأس اني كلّ يومٍ أرى لي خالةً وسط الرحالِ " ....." يعزُّ عليّ ان يلقين ضيما ..... ويعجز عن تخلصهن مالي " .
ان الذي لحق بالقصيدة المغتربة وبالمنفى الشعري لهو حالة من الضيم المسلط على الافذاذ من الشعراء العديدين الذين اغتربوا وعانوا عذابات البعد عن الوطن الام ’ فحتى لايُرسل بالقصيدة الى السجون الروبسبيرية الرهيبة ولا بزاجل الشعر الى المشنقة الحنون ! يهرب الربيع الزاهي من وجنة النخلة العراقية الى ملاذ في الربع الخالي السعودي او تيه في اعماق البحار الاسترالية حيث يغرق الانسان او يتسيّل على كرة الارض بعيون مسفوحة بالشوق او محروقة بالكوابيس .وما الأرض جمعاء الاّ سجن خارجي وداخلي ’ تحوّم فيه وبرفرفة الطائر الجريح قلوب العراقيين وفي الطليعة منهم الشعراء .فمن كندا حتىسيبيريا حتىجنوب استراليا بل وفي كل بلد من بلدان العالم تقرأ " يانائح الطلح اشباه عوادينا - نشجى لواديك ام نأسى لوادينا ". فالاديب مهجّر والشاعر منفي والفنان ضائع والمفكركسيروالفيلسوف خائب وكلٌ منهم يقرأ في هاجس من الخشوع ’ التراتيلَ الكنسية والفاتحة القرآنية المقدسة علىروح العراق وسجنائه وجوعاه ومرضاه وقتلاه ! الجميع في ذمة الوطن احياءا كانوا ام امواتا . والشاعر مصطفى جمال الدين ( 1927-1996) احد الذين غادروا العراق عام 1981 الى الكويت ومن ثم الى سوريا التي عاش فيها حتى وافته المنية في 23/9/1996 انه احد اجمل المهاجرين .
لقد اكبر ذكراه القاصي والداني . قالوا عنه في مقدمة التأبين من كتاب النخيل المقفى بأن الجميع قد بكاه "..وان الفراغ الكبير الذي تركه الفقيد الراحل كان له صداه وانعكاسه المباشر على رجال الفكر والثقافة "ومن الذين قاموا بتأبينه مجموعة من كبار المسئولين السوريين وعلى رأسهم الرئيس حافظ الاسد .وقد تحدث علي عقلة عرسان لمجلة النور : مارأيت تواضع الحكمة متألقا في طين جسد تشويه حرائق روح ’ كما رأيت ذلك في سيد شاعر عربي مسلم ’ يعتز ايما اعتزاز بكل ذلك الرصيد من الانتماء لأُمته وقضيته واصالته ’ هو مصطفى جمال الدين ’ رحمه الله واحسن اليه ... " وقال ابراهيم جمال الدين " لقد كان أخا قبل ان يكون ابا ’ وكان صديقا وحبيبا تطمئن له كل القلوب وترتاح له كل النفوس ’ مارأيته تمهل عن اداء الواجب ’ وقد ادرك من حوله عقيدته وهي ان خدمة اخوانه وابنائه فريضة واجبة تقترن مع الصلاة والصوم ’ لذا اخذ يؤديها وهو يعالج سكرات الموت " وتحت عنوان باقٍ واعمار الطغاة قصارُ ’ كتب احمد الحبوبي " لم ينأ مصطفى جمال الدين بنفسه عن احداث العراق والامة العربية والعالم الاسلامي فاقحم بنفسه في لججها منفعلا ومتفاعلا مع ارادة الله وارادة الشعوب في استخلاص الحقوق المشروعة من الطغاة والظالمين ’ فكان له صوت وفعل وأثر " وفي كلمته الشاعرية المؤثرة ’كتب احمد السوداني با ن شاعرنا يتجرع السم واقفا مثل زقورة هطلت عليها المعاول . ومن ثم يجتزأ ابيات من روائع ماكتبه مصطفى جمال الدين للدلالة على حب وحنين مبرحين :
وياوطنا لو ان ( الخلد ) أزرى برونقه لقلت له : حسودُ
أديم ثراك أروع مانفدّي ونبع رواك أنبل ما نرود
وطيب نسيمك الساجي عتاب تهدهده على امل وعود
أُحبك .. بل احب خشوع نفسي ببابك .... حين احلم بي اعود
كتب الشيخ بنوان اللامي عن نشاط اسرة الادب اليقظ ومنتدى الاربعاء الثقافي وقد اشاد بدور الشاعر واسهاماته في هذه الانشطة وتتبعه هو واعضاء هذه الاسرة الادبية للقديم والجديد بلا تحيز ولا اسبقيات .... يقول الشيخ : " - واعضاء اسرة الادب اليقظ كانوا متحررين في ثقافتهم يقرأون كل مايصل اليهم من ادب قديم او حديث ’ عربي او مترجم ’ واعضاء منتدى الاربعاء الثقافي متعددو الثقافات والابداعات ’ يقرأون ويكتبون كما تملي عليهم مواهبهم فانك تجد هناك الشعر العمودي الى جانب شعر التفعيلة وقصيدة النثر " .
كما كتب بيان جبر " مأساة انسانية كبرى مثل مأساة تجفيف الاهوار لم تجد لها موقعا في ما سطره شعراؤنا الاّ لماما ’ ولم يقيض لها ان تأخذ مداها الذي تستحق في نصوص مبدعينا الذين آثروا الصمت ومتابعة الانباء التي تؤشر فداحة الكارثة ’ ولم نجد في هذا الصمت المدان سوى صوت عربي اسلامي يعيد علينا كأبلغ مايكون ذكرى صوت الكميت والفرزدق ودعبل الخزاعي الذي مازال يجوب القفار وحيدا حاملا خشبته على ظهره يطلب من يصلبه. "
ولقد تسائل حسين شحادة " يابني عمنا يا أكلة النفط ’ لماذا تستباح وردتنا العراقية من الحضيض الى الحضيض ؟ ولمَ يظل الحوار مع ذاتنا العراقية في منتهى الفداحة ؟ ... " وازاء هذا السؤآل البليغ تشخص احدى اقتل الفداحات بضياع اكبر أكابرنا في المنافي والمغتربات .قال السيد حسين الصدر في تكثيف بليغ عن شخصية الشاعر " لا ادري من أي البوابات الج اليك وشخصيتك الحبيبة ملتمعة الابعاد يمتزج فيها العلم بالأدب ’ ويقترن فيها الموقف الوطني الصادق بالحس الانساني العميق ’ وتتعانق فيها الثقافة الرحبة بالبحث الاكاديمي الاصيل ’ والبراعات المتوهجة في النحو كما في العروض وفي الفقه كما في اصوله ’ وفي النقد كما في البلاغة .وهذا المزيج الفريد مؤشر واضح الدلالة على ما انطويت عليه من مواهب اصيلة ’ جعلتك واحدا من رجال الامة الافذاذ وفارسا من فرسان النهضة والتنوير ’ حتى ليمكن القول ان نتاجك الشعري يمتلك من عناصر الابداع والقوة والصور الموحية مايؤهله لتبوّؤ الموقع المتميّز في الادب العالمي "
ولقد ولّف زين العابدين الحكيم بين نشيج بغداد على الشاعر وما عهده الشاعر بها من وفاء حينما اقتطع ابياتا جميلة من رائية جمال الدين :
والآن يابغداد يأزف موعد لك في الخلود قلوبه تتنظّر
من كل من اعطاك غض شبابه ومضى بذابل عمره يتعثر
يترقبونك ..والطريق امامهم جهم المسارب’ ضيّق ’ مستوعر
يبس الزمان ’ وهم على أطرافه عذب - بما تعدينه - مخضوضر
فتعهدي ما يأملون وانعشي لقياهم ’ فهمُ بمجدك أجدر
رفعوك من قطع القلوب وحقهم منك الوفاء لهم بما هو اكثر
وقد كتب سالم مشكور " الشاعر المعمم ذو الاحساس المرهف والعواطف الجياشة كان ينظم الغزل فتحسبه شابا عاشقا ملهما ..ويتحدث في الفقه فتراه عالما متنورا يعيش عصره ’ اما في اللغة فهو الخبير والاستاذ الذي تخرجت على يده اجيال عدة ’ هكذا جمع مواصفات قلما اجتمعت في شخص واحد ’ فكان بذلك محط تقدير واكبار ’ واحيانا محط طعن من قبل البعض .سأله صحفي عربي مرة : كيف تنظم شعر الغزل وانت رجل دين ؟ فرد عليه بسؤآل ايضا : وهل خلق الله رجل الدين بلا قلب ’ ام انه جعل له قلبا من حجر "
وان الشاعر مصطفى جمال الدين ليذكرنا بشاعر قديم قال " قالوا احب القس سلامة ...وهو التقي الورع الطاهر " " ياناس اني بشر مثلكم .. " الخ .وهنا يأتلق ايضا ومرة اخرى ’ بل وفي كل مرة شاعر يشبه السياب في قصيدته "ديوان شعر كله غزل..... بين العذارى بات ينتقل ".. وكما نزار قباني في " ياطيب قبلتك الاولى يرف بها ....شذى جبالي وغاباتي واوديتي " وكما فؤاد الخشن في الآلهة وعشتروت ’ يتألق مصطفى جمال الدين في ( تساؤلات ) اذ يقول :
" سيدتي ماذا ارى عريش كرم ام مقل
ام زورقان سابحان في غدير من عسل
طافا بنا فصفق الحب وعربد الغزل ؟
وجمرتان تسرجان الليل والبدر أفل
ام وجنتاك الغضتان احمرّ فيهما الخجل ؟
وغصن بانٍ هزه الربيع في ابهى حلل
ام شعرك الحرير قد ماج بكتفيك خصل ؟
وهمهمات الريح في الغصن تلوى واعتدل
ام شفتاك غمغمت من رعشاتها الجمل ؟
وارنبان حوصرا فارتعدا من الوجل
ام ناهداك الراقصان في حفاوة ودل
وضحكة تلك التي اسمع ام صدى قبل
والى آخر القصيدة من سكر وعسل وشوكولا.
كتب سنان الشبيبي عن الانفتاح في شخصية الشاعر فعاد ليتلمس ذلك في الجذور " ان الفقيد استفاد من الانفتاح الفكري والادبي الذي ساد النجف بسبب كونها كما يقول : مدينة قارئة ازداد غناها الفكري من خلال تبادل الخبرات بين الوافدين اليها لتلقي العلوم الدينية والادب . " ... " وهكذا ففي الوقت الذي تعلم فيه فقيدنا الانفتاح الفكري للنجف حرص بدوره على تعميق هذا الانفتاح مساهما في ادخال روح التجديد فيه ’ وكان لابد لهذا التفاعل من بيئة النجف وفكر جمال الدين ان يؤدي الى الايمان بافساح المجال للرأي الآخر ’ وما يتضمنه ذلك في حوار ونقاش ’ كما انه بالرغم من كونه من عمالقة الشعر العمودي في الوطن العربي فانه ظل منفتحا على الشعر الحر ..... "
وقال طلال سلمان في تأبينه " ولعل السيد مصطفى جمال الدين أحد قلة من رجال الدين قد نجحوا في التوكيد على تجاوز الجبة والعمامة الى المضمون ’ وقدموا الوطن وقضيته على مجادلات الفقهاء وخلافات اصحاب المذاهب ’ واحلوا الانسان في موضعه الصحيح ’ هو الاصل ’ هو البداية والنهاية ’ به ومن اجله يكون الدين ..."
وقال عادل اليازجي بان ديوان الشاعر هو " سجل حافل لكل مامرت به امتنا على امتداد قرن من الزمان ’ سجل تشكل بعين الشاعر والعالم السياسي وبرؤية اهم سماتها انها تحاور الرؤى الاخرى وتبحث عما يجمع ويوحد ويقوي ’ لا عما يفرق ويشرد ’ ولعل رسالة الشعر تكون في هذه الخصوصية التي هي نتاج عقل شمولي خصيب .... "
كتب عبد الغني الدلي " ومن دلائل الاخلاص والمحبة للمنبت الاول عند الفقيد تلك المحاضرة الزاخرة بالمعلومات والصور الاصيلة عن حياة وعروبة سكان الاهوار التى سعى النظام القائم لهدمها وتشريد سكانها .واشهد اني على كثرة ماقرأت ورأيت من حياة الاهوار وجدت في تلك المحاضرة معلومات ولفتات جديدة لم تكن واضحة لي ولم يتطرق لها احد من قبل . "
وقد اختصر عقيل الجلبي القول " هو الابن البار للاسلام وللامة وللعراق المطعون بالموت . هو الابن البار والوفي لهور الجنوب ’ لمائه وقصبه ولمشاحيفه التي قتلها العطش. اقول من لنا بعدك ؟
من للعراق وللهور العطشان ياسيدي ؟
سيدي
لن ترحل ولن تغيب
برحيلك يزداد حضورك
برحيلك يتعاظم تأثيرك
فياسيدي الجليل
انت اكبر من ان يغيّبك القدر
لن تغيب .
قوافيك السيوف ياسيدي
لن تغيب ابتسامتك المعهودة
لن يغيب حضورك فينا
كنت وستبقى ’ ولن تغيب ’ ياشمسنا وقد داهمنا الظلام . "
كما كتب علي البهادلي متسا ئلا ومجتزءا من شعر الفقيد " اكنت تشعر بالغربة داخل الوطن فتغالب حالات الغربة بالالصاق بالهوية ؟ .. أم كنت تعي ان غربتك ستكون الى مالانهاية فتؤكد التصاقك بثقافتك ولغتك ... وتاريخك وعمامتك ؟ "
يا أنت ياوطنا حملت ربوعه في غربتي وجمعته بشتاتي
عيناك منبع رافديه وملتقى فرعيك خضر مروجه النضرات
واذا نطقت سمعت عذب لحونه بخرير ساقية وعزف رعاة
واكاد ان هوّمتُ - احضن قريتي التعبى ’ وقد غرقت بليل سباتِ
فاذا صحوت صحت مدارج صبية وثغاء ماشية ’ ولهو لدات
ورأيتني وانا بجلّق مالئا سوقُ الشيوخ عليّ ست جهاتي
وطني رماد جنائن محروقة وانا وانت هنا رماد حياةِ
ويقول علي ماضي " ويبقى ان هذا التنوع في توظيف الاغراض الشعرية لاشك ينبئ عن ثقافة واطلاع واسعين واهتمام بالتراث الشعري العربي ’ متنوع الاغراض والآفاق والاساليب “ “ .ويقول فاضل الانصاري " تبتدي انسانيته فيما كتب وانشد عن امانيه حالما بالعيش في ببيت شعر ’ يزينه بألحانه ’ ويسرجه بفكره ’ تظلله كرامة حاجته وشموخ فقره " " ان جاع اطعمه هواه ’ وان شكا سقاه حبره واذا شتا اوقد فيه صبابته وفرش جمره " .وقال كريم جواد " الأحرى بنا ان نتجه الى آثاره الابداع من جهة والى نظرائه المبدعين من جهة
اخرى ’ نحاور الاولى ’ نقلبها ندخل معها في سجال استنطاق متبادل بحثا عن المضئ فينا " وتحت عنوان يداوي اوجاعه بالشعر كتب محسن الموسوي " كنا في لندن في ربيع هذا العام نحضر ندوة علمية عن كربلاء ودورها الحضاري ’ وكان الشاعر على سرير المستشفى عندما سمع بالندوة هجر فراش المرض وجاء الى المنصة ليلقي بنغمات قلبه على الجالسين ’ وكأن صوت الملائكة ينزل من السماء ’ وعندما اعترض عليه بعض اصدقائه ’ قال لهم هذا هو دوائي ....
وتحت عنوان هكذا عرفت مصطفى جمال الدين كتب محمد بحر العلوم " يرى شاعرنا ان حزب البعث العراقي انهار تحت تأثير الارادة الفردية وتخلى عن اهدافه التي سطرها نحو تحرير الشعوب المظلومة في ادبياته التي هرّج بها طيلة ايام زمان ’ فيقول من قصيدة له
هنيئا مريئا ( بعث بغداد ) هذه نهاية حزب بالأكاذيب نُظما
بنيتم فأعليتم صروح نظامه شوامخ لكن بالجماجم والدما
وقال محمد عباس علي “ مصطفى جمال الدين .. صناجة العرب في الربع الاخير من هذا القرن ’ جنبا الى جنب الجواهري .. هو سكبٌ من العطر في نغم مسحور ’ او سلسل من نمير لم يجر على ارض من قبل ... او قل .. فيض من الشعر عجيب .. ان شئت ان تدخل عالمه ... فاستعد ’ كمن يدخل عالم النور ’ فيجعل نفسه لائقة به "
وقال محمد علي كاظم " تحية... تحية لتلك العمامة السوداء التي اعتلت قلوبنا قبل رأسك ايها المسافر ... يا اعز المفقودين . تحية لتلك العباءة السوداء التي ضمّت بحنانها المنفى العراقي بأسره ’ ورفضت ان تعطي له عنوانا فئويا او طائفيا ضيقا غير عنوان الهم الواحد ’ غير عنوان المحنة الواحدة ’ تحية لذلك القلب الكبير الذي صاغت حدوده حدود الوطن بأكمله ’ تحية لك ياحروف الزعفران ’ ويا قافية القرنفل . هذا بعض الوفاء لك وانت ترقد قرير العين ’ فيما ارواحنا دامية تبكي هذا الوجع الطويل "
وكتب شاعر العرب الاكبر محمد مهدي الجواهري " وتدور بي عجلة الايام واذا بي ارقد في المشفى ’ مشفى ( الشامي ) في اواسط تشرين الاول الماضي ’ واذا بصهري ايضا ينقل لي خبرا بان الشاعر مصطفى جمال الدين يرقد في غرفة مجاورة وفي نفس الطابق ’ بل واذكر في اليوم التالي كيف نقل لي عن رغبته في زيارتي رغم حالته الصحية المتردية ’ فرحبت بتلك الزيارة ’ وطلبت من صباح ان يذهب اليه ويخبره بالقدوم ’ وحينما ذهب صباح وجد ابناءه في حيرة من امرهم ’ والحزن يلفهم ’ فأخبرهم بالامر ولكن على مايبدو ان الاطباء كانوا منهمكين في مراقبته ’ وقد ساءت حالته الصحية الى حد لا يطاق .وهكذا ودعنا الى العالم الآخر ولن تسمح الفرصة لي وله ان نلتقي و واأسفاه . لن نرثيه هذا اليوم فهو غائب حاضر بيننا ابدا ’ وستبقى اشعاره تنبض بالحياة واحزان الغربة ’ وتورف بكل ما هو جميل وبديع وانساني .
وحول شعر مصطفى جمال الدين ’ قال محمد مهدي شمس الدين " هذا الشعر لم يكن شعر ارتزاق ولا تكسّب .... " وقال محمود المظفر " كان فقيدنا الخالد جمال الدين واحدا من هؤلاء شدتهم الهجرة فنذروا انفسهم للعمل والاصلاح والتبليغ وتحرير الوطن من براثن الحاقدين ’ حتى صار عنصرا فعالاوموجها وهادفا في غير ما حركة او تنظيم ’ ينحو الى بث مشاعر الوطنية والعروبة والاسلام ويقوم على اغاثة المنكوبين ونجدة المنقطعين ممن قد رمتهم تيارات الهجرة خارج الوطن . .
وكتب محيي الدين الآذقاني :في ذمة الله ايها القصيدة العراقية النبيلة ’ لك ولشعرك الجلود ’ ولوطنك المعذب امنيات الاحرار في كل مكان بقرب زوال ذلك الكابوس المريع الذي جثم على صدر العراق وشتت خيرة ابنائه بين السجون والمنافي ’ وفي مسيرة الاحزان ’ لعل لكم في فرح العودة ما يعوض تلك المسيرة الصعبة على الجميع .
قال مصطفى طلاس " قال لي - أي الفقيد -انني اشعر بمحبتك بشكل لا نهائي ’ واشعر انك تقابلني بنفس المستوى ’ ومن هذا المنطلق فانني اكتم عن ابنائي هذه المحبة حتى لا يغلّبوك في طلباتهم " وانا قلت له : بالعكس كلما جاء احد من اعوانك من أواخر العراق وقال اني انتمي لمصطفى جمال الدين انتخينا نخوة عربية وقمنا بالواجب . "
قا ل شاعرنا " انا لست سياسيا محترفا ولم احاول طيلة عمري ان انتمي الى أي حزب ’ ان موقفي هذا ينطلق من كوني شاعرا يؤمن بحرية اختيار مواقفه من القضايا العامة التي تحيط به ’ وفي طريقة تناوله لهذه المواقف " وقد علق على ماورد اعلاه نبيل علي : ( " يؤشر موقف الشاعر الراحل هنا نقاط الافتراق بين وظيفتي الشعر والسياسة ’ اذ ان الشعر قادر على جمع مايراه السياسي متناقضا وسبكه في بوتقة واحدة ’ او ما عبر عنه مصطفى جمال الدين بقوله " مزيج يصعب على السياسي المحترف ان يتجرعه ’ ولكني مع ذلك قدمته للشاربين ") .
قالت نجاح العطار " قبله ’ وصنوه في طلاب الحرية ’ وفي الموت بعيدا عن الارض والوطن والاهل والصحب ’ قال الشاعر الانجليزي بايرون ’ وهو يحتضر في اليونان : " اسمعوني لسانا انجليزيا اسمعوني لهجة انجليزية " ترى ’ تمتمت شفتا مصطفى جمال الدين ’ وهو مع النزع في صراع : " اسمعوني لسانا عراقيا ’ اسمعوني لهجة عراقية ؟ ! " أحسب انه فعل ’ فالفرع ’ حيث يلوي به عصف هبوب ’ يحن الى الجذع ’ والجذع كان في بغداد والنجف .... "
واما هاني فحص فقد كتب : ختاما ياسيد البحور من المتدارك الى الوافر الجميل ’ الى الطويل كقدك وبالك ’ وياحارسها من اوشاب الزحافات والعلل ’ يانورس البحار ’ من بحار الانوار الى الغري وبحر العلوم يادغلة الاهوار ’ مخبأ الاسرار ’ وخدين الالنهار ’ من الفراتين الى بردى ’ ياحبيب الجنوب ’ جنوب الرئة والكبد ’ يامصطفى نحن اصطفيناك ’ ياجمال ما اجملك ’ ياخفيض الجناح رحمة رحمك الله كفاء معناك فينا ومعنانا فيك .
وختاما مع بايرون وعشقه ومع جمال الدين وحنينه ومع النزع الأخير لسكرات موت كل عراقي بل كل شهيد مات على ذمة الحب شوقا للعراق وحلما بالعودة اليه ’ لا يسعنا الاّ ان نتذكر مقولة لبابلو نيرودا : " رفعوا الشاعر للفردوس ... فقال : آه ياوطني ثم مات . "
ان ذكرى وفاته ادعى الى الازدهاء بولادة الجديد والجميل من الشعر العراقي ، ادعى الى الاحتفاء والفرح واشادة الأماسي والمهرجانات ، ان ذكراه ذكرى وطنية خالصة جديرة بالتقدير والتوقير ، كما هي ذكرى الشبيبي وعلي الشرقي والجواهري وكوران والكاظمي والرصافي والزهاوي والسياب والبريكان وعشرات من الكواكب المنيرة في سماء الشعر العراقي .
اعداد : خلدون جاويد
معاني التأبين السامية رديفٌ لطيفكَ الباهر . وفيضُ وَجْدٍ ’ وعبرٌ ودروسٌ كلُ مراحل حياتك السامقة نحو الابداع والرقيا ’ فاوراق السنى المؤتلقة مازالت بطراوة اسمك ورسمك ’ في ثنايا الكتب والقلوب ’ فلتكن ذكراك محطة سلام في وطن النخل والماء والطيبة العراقية السمحاء والوفاق الاجتماعي والمحبة بعيدا عن لون الدم وجريان الدموع . طوبى لذكراك ومن غائم الايام القليلة القادمة بصيص امل لأماني الشعب والنهر والقصائد .
قال السليك ابن سلكة وهو من الشعراء الصعاليك " أشاب الرأس اني كلّ يومٍ أرى لي خالةً وسط الرحالِ " ....." يعزُّ عليّ ان يلقين ضيما ..... ويعجز عن تخلصهن مالي " .
ان الذي لحق بالقصيدة المغتربة وبالمنفى الشعري لهو حالة من الضيم المسلط على الافذاذ من الشعراء العديدين الذين اغتربوا وعانوا عذابات البعد عن الوطن الام ’ فحتى لايُرسل بالقصيدة الى السجون الروبسبيرية الرهيبة ولا بزاجل الشعر الى المشنقة الحنون ! يهرب الربيع الزاهي من وجنة النخلة العراقية الى ملاذ في الربع الخالي السعودي او تيه في اعماق البحار الاسترالية حيث يغرق الانسان او يتسيّل على كرة الارض بعيون مسفوحة بالشوق او محروقة بالكوابيس .وما الأرض جمعاء الاّ سجن خارجي وداخلي ’ تحوّم فيه وبرفرفة الطائر الجريح قلوب العراقيين وفي الطليعة منهم الشعراء .فمن كندا حتىسيبيريا حتىجنوب استراليا بل وفي كل بلد من بلدان العالم تقرأ " يانائح الطلح اشباه عوادينا - نشجى لواديك ام نأسى لوادينا ". فالاديب مهجّر والشاعر منفي والفنان ضائع والمفكركسيروالفيلسوف خائب وكلٌ منهم يقرأ في هاجس من الخشوع ’ التراتيلَ الكنسية والفاتحة القرآنية المقدسة علىروح العراق وسجنائه وجوعاه ومرضاه وقتلاه ! الجميع في ذمة الوطن احياءا كانوا ام امواتا . والشاعر مصطفى جمال الدين ( 1927-1996) احد الذين غادروا العراق عام 1981 الى الكويت ومن ثم الى سوريا التي عاش فيها حتى وافته المنية في 23/9/1996 انه احد اجمل المهاجرين .
لقد اكبر ذكراه القاصي والداني . قالوا عنه في مقدمة التأبين من كتاب النخيل المقفى بأن الجميع قد بكاه "..وان الفراغ الكبير الذي تركه الفقيد الراحل كان له صداه وانعكاسه المباشر على رجال الفكر والثقافة "ومن الذين قاموا بتأبينه مجموعة من كبار المسئولين السوريين وعلى رأسهم الرئيس حافظ الاسد .وقد تحدث علي عقلة عرسان لمجلة النور : مارأيت تواضع الحكمة متألقا في طين جسد تشويه حرائق روح ’ كما رأيت ذلك في سيد شاعر عربي مسلم ’ يعتز ايما اعتزاز بكل ذلك الرصيد من الانتماء لأُمته وقضيته واصالته ’ هو مصطفى جمال الدين ’ رحمه الله واحسن اليه ... " وقال ابراهيم جمال الدين " لقد كان أخا قبل ان يكون ابا ’ وكان صديقا وحبيبا تطمئن له كل القلوب وترتاح له كل النفوس ’ مارأيته تمهل عن اداء الواجب ’ وقد ادرك من حوله عقيدته وهي ان خدمة اخوانه وابنائه فريضة واجبة تقترن مع الصلاة والصوم ’ لذا اخذ يؤديها وهو يعالج سكرات الموت " وتحت عنوان باقٍ واعمار الطغاة قصارُ ’ كتب احمد الحبوبي " لم ينأ مصطفى جمال الدين بنفسه عن احداث العراق والامة العربية والعالم الاسلامي فاقحم بنفسه في لججها منفعلا ومتفاعلا مع ارادة الله وارادة الشعوب في استخلاص الحقوق المشروعة من الطغاة والظالمين ’ فكان له صوت وفعل وأثر " وفي كلمته الشاعرية المؤثرة ’كتب احمد السوداني با ن شاعرنا يتجرع السم واقفا مثل زقورة هطلت عليها المعاول . ومن ثم يجتزأ ابيات من روائع ماكتبه مصطفى جمال الدين للدلالة على حب وحنين مبرحين :
وياوطنا لو ان ( الخلد ) أزرى برونقه لقلت له : حسودُ
أديم ثراك أروع مانفدّي ونبع رواك أنبل ما نرود
وطيب نسيمك الساجي عتاب تهدهده على امل وعود
أُحبك .. بل احب خشوع نفسي ببابك .... حين احلم بي اعود
كتب الشيخ بنوان اللامي عن نشاط اسرة الادب اليقظ ومنتدى الاربعاء الثقافي وقد اشاد بدور الشاعر واسهاماته في هذه الانشطة وتتبعه هو واعضاء هذه الاسرة الادبية للقديم والجديد بلا تحيز ولا اسبقيات .... يقول الشيخ : " - واعضاء اسرة الادب اليقظ كانوا متحررين في ثقافتهم يقرأون كل مايصل اليهم من ادب قديم او حديث ’ عربي او مترجم ’ واعضاء منتدى الاربعاء الثقافي متعددو الثقافات والابداعات ’ يقرأون ويكتبون كما تملي عليهم مواهبهم فانك تجد هناك الشعر العمودي الى جانب شعر التفعيلة وقصيدة النثر " .
كما كتب بيان جبر " مأساة انسانية كبرى مثل مأساة تجفيف الاهوار لم تجد لها موقعا في ما سطره شعراؤنا الاّ لماما ’ ولم يقيض لها ان تأخذ مداها الذي تستحق في نصوص مبدعينا الذين آثروا الصمت ومتابعة الانباء التي تؤشر فداحة الكارثة ’ ولم نجد في هذا الصمت المدان سوى صوت عربي اسلامي يعيد علينا كأبلغ مايكون ذكرى صوت الكميت والفرزدق ودعبل الخزاعي الذي مازال يجوب القفار وحيدا حاملا خشبته على ظهره يطلب من يصلبه. "
ولقد تسائل حسين شحادة " يابني عمنا يا أكلة النفط ’ لماذا تستباح وردتنا العراقية من الحضيض الى الحضيض ؟ ولمَ يظل الحوار مع ذاتنا العراقية في منتهى الفداحة ؟ ... " وازاء هذا السؤآل البليغ تشخص احدى اقتل الفداحات بضياع اكبر أكابرنا في المنافي والمغتربات .قال السيد حسين الصدر في تكثيف بليغ عن شخصية الشاعر " لا ادري من أي البوابات الج اليك وشخصيتك الحبيبة ملتمعة الابعاد يمتزج فيها العلم بالأدب ’ ويقترن فيها الموقف الوطني الصادق بالحس الانساني العميق ’ وتتعانق فيها الثقافة الرحبة بالبحث الاكاديمي الاصيل ’ والبراعات المتوهجة في النحو كما في العروض وفي الفقه كما في اصوله ’ وفي النقد كما في البلاغة .وهذا المزيج الفريد مؤشر واضح الدلالة على ما انطويت عليه من مواهب اصيلة ’ جعلتك واحدا من رجال الامة الافذاذ وفارسا من فرسان النهضة والتنوير ’ حتى ليمكن القول ان نتاجك الشعري يمتلك من عناصر الابداع والقوة والصور الموحية مايؤهله لتبوّؤ الموقع المتميّز في الادب العالمي "
ولقد ولّف زين العابدين الحكيم بين نشيج بغداد على الشاعر وما عهده الشاعر بها من وفاء حينما اقتطع ابياتا جميلة من رائية جمال الدين :
والآن يابغداد يأزف موعد لك في الخلود قلوبه تتنظّر
من كل من اعطاك غض شبابه ومضى بذابل عمره يتعثر
يترقبونك ..والطريق امامهم جهم المسارب’ ضيّق ’ مستوعر
يبس الزمان ’ وهم على أطرافه عذب - بما تعدينه - مخضوضر
فتعهدي ما يأملون وانعشي لقياهم ’ فهمُ بمجدك أجدر
رفعوك من قطع القلوب وحقهم منك الوفاء لهم بما هو اكثر
وقد كتب سالم مشكور " الشاعر المعمم ذو الاحساس المرهف والعواطف الجياشة كان ينظم الغزل فتحسبه شابا عاشقا ملهما ..ويتحدث في الفقه فتراه عالما متنورا يعيش عصره ’ اما في اللغة فهو الخبير والاستاذ الذي تخرجت على يده اجيال عدة ’ هكذا جمع مواصفات قلما اجتمعت في شخص واحد ’ فكان بذلك محط تقدير واكبار ’ واحيانا محط طعن من قبل البعض .سأله صحفي عربي مرة : كيف تنظم شعر الغزل وانت رجل دين ؟ فرد عليه بسؤآل ايضا : وهل خلق الله رجل الدين بلا قلب ’ ام انه جعل له قلبا من حجر "
وان الشاعر مصطفى جمال الدين ليذكرنا بشاعر قديم قال " قالوا احب القس سلامة ...وهو التقي الورع الطاهر " " ياناس اني بشر مثلكم .. " الخ .وهنا يأتلق ايضا ومرة اخرى ’ بل وفي كل مرة شاعر يشبه السياب في قصيدته "ديوان شعر كله غزل..... بين العذارى بات ينتقل ".. وكما نزار قباني في " ياطيب قبلتك الاولى يرف بها ....شذى جبالي وغاباتي واوديتي " وكما فؤاد الخشن في الآلهة وعشتروت ’ يتألق مصطفى جمال الدين في ( تساؤلات ) اذ يقول :
" سيدتي ماذا ارى عريش كرم ام مقل
ام زورقان سابحان في غدير من عسل
طافا بنا فصفق الحب وعربد الغزل ؟
وجمرتان تسرجان الليل والبدر أفل
ام وجنتاك الغضتان احمرّ فيهما الخجل ؟
وغصن بانٍ هزه الربيع في ابهى حلل
ام شعرك الحرير قد ماج بكتفيك خصل ؟
وهمهمات الريح في الغصن تلوى واعتدل
ام شفتاك غمغمت من رعشاتها الجمل ؟
وارنبان حوصرا فارتعدا من الوجل
ام ناهداك الراقصان في حفاوة ودل
وضحكة تلك التي اسمع ام صدى قبل
والى آخر القصيدة من سكر وعسل وشوكولا.
كتب سنان الشبيبي عن الانفتاح في شخصية الشاعر فعاد ليتلمس ذلك في الجذور " ان الفقيد استفاد من الانفتاح الفكري والادبي الذي ساد النجف بسبب كونها كما يقول : مدينة قارئة ازداد غناها الفكري من خلال تبادل الخبرات بين الوافدين اليها لتلقي العلوم الدينية والادب . " ... " وهكذا ففي الوقت الذي تعلم فيه فقيدنا الانفتاح الفكري للنجف حرص بدوره على تعميق هذا الانفتاح مساهما في ادخال روح التجديد فيه ’ وكان لابد لهذا التفاعل من بيئة النجف وفكر جمال الدين ان يؤدي الى الايمان بافساح المجال للرأي الآخر ’ وما يتضمنه ذلك في حوار ونقاش ’ كما انه بالرغم من كونه من عمالقة الشعر العمودي في الوطن العربي فانه ظل منفتحا على الشعر الحر ..... "
وقال طلال سلمان في تأبينه " ولعل السيد مصطفى جمال الدين أحد قلة من رجال الدين قد نجحوا في التوكيد على تجاوز الجبة والعمامة الى المضمون ’ وقدموا الوطن وقضيته على مجادلات الفقهاء وخلافات اصحاب المذاهب ’ واحلوا الانسان في موضعه الصحيح ’ هو الاصل ’ هو البداية والنهاية ’ به ومن اجله يكون الدين ..."
وقال عادل اليازجي بان ديوان الشاعر هو " سجل حافل لكل مامرت به امتنا على امتداد قرن من الزمان ’ سجل تشكل بعين الشاعر والعالم السياسي وبرؤية اهم سماتها انها تحاور الرؤى الاخرى وتبحث عما يجمع ويوحد ويقوي ’ لا عما يفرق ويشرد ’ ولعل رسالة الشعر تكون في هذه الخصوصية التي هي نتاج عقل شمولي خصيب .... "
كتب عبد الغني الدلي " ومن دلائل الاخلاص والمحبة للمنبت الاول عند الفقيد تلك المحاضرة الزاخرة بالمعلومات والصور الاصيلة عن حياة وعروبة سكان الاهوار التى سعى النظام القائم لهدمها وتشريد سكانها .واشهد اني على كثرة ماقرأت ورأيت من حياة الاهوار وجدت في تلك المحاضرة معلومات ولفتات جديدة لم تكن واضحة لي ولم يتطرق لها احد من قبل . "
وقد اختصر عقيل الجلبي القول " هو الابن البار للاسلام وللامة وللعراق المطعون بالموت . هو الابن البار والوفي لهور الجنوب ’ لمائه وقصبه ولمشاحيفه التي قتلها العطش. اقول من لنا بعدك ؟
من للعراق وللهور العطشان ياسيدي ؟
سيدي
لن ترحل ولن تغيب
برحيلك يزداد حضورك
برحيلك يتعاظم تأثيرك
فياسيدي الجليل
انت اكبر من ان يغيّبك القدر
لن تغيب .
قوافيك السيوف ياسيدي
لن تغيب ابتسامتك المعهودة
لن يغيب حضورك فينا
كنت وستبقى ’ ولن تغيب ’ ياشمسنا وقد داهمنا الظلام . "
كما كتب علي البهادلي متسا ئلا ومجتزءا من شعر الفقيد " اكنت تشعر بالغربة داخل الوطن فتغالب حالات الغربة بالالصاق بالهوية ؟ .. أم كنت تعي ان غربتك ستكون الى مالانهاية فتؤكد التصاقك بثقافتك ولغتك ... وتاريخك وعمامتك ؟ "
يا أنت ياوطنا حملت ربوعه في غربتي وجمعته بشتاتي
عيناك منبع رافديه وملتقى فرعيك خضر مروجه النضرات
واذا نطقت سمعت عذب لحونه بخرير ساقية وعزف رعاة
واكاد ان هوّمتُ - احضن قريتي التعبى ’ وقد غرقت بليل سباتِ
فاذا صحوت صحت مدارج صبية وثغاء ماشية ’ ولهو لدات
ورأيتني وانا بجلّق مالئا سوقُ الشيوخ عليّ ست جهاتي
وطني رماد جنائن محروقة وانا وانت هنا رماد حياةِ
ويقول علي ماضي " ويبقى ان هذا التنوع في توظيف الاغراض الشعرية لاشك ينبئ عن ثقافة واطلاع واسعين واهتمام بالتراث الشعري العربي ’ متنوع الاغراض والآفاق والاساليب “ “ .ويقول فاضل الانصاري " تبتدي انسانيته فيما كتب وانشد عن امانيه حالما بالعيش في ببيت شعر ’ يزينه بألحانه ’ ويسرجه بفكره ’ تظلله كرامة حاجته وشموخ فقره " " ان جاع اطعمه هواه ’ وان شكا سقاه حبره واذا شتا اوقد فيه صبابته وفرش جمره " .وقال كريم جواد " الأحرى بنا ان نتجه الى آثاره الابداع من جهة والى نظرائه المبدعين من جهة
اخرى ’ نحاور الاولى ’ نقلبها ندخل معها في سجال استنطاق متبادل بحثا عن المضئ فينا " وتحت عنوان يداوي اوجاعه بالشعر كتب محسن الموسوي " كنا في لندن في ربيع هذا العام نحضر ندوة علمية عن كربلاء ودورها الحضاري ’ وكان الشاعر على سرير المستشفى عندما سمع بالندوة هجر فراش المرض وجاء الى المنصة ليلقي بنغمات قلبه على الجالسين ’ وكأن صوت الملائكة ينزل من السماء ’ وعندما اعترض عليه بعض اصدقائه ’ قال لهم هذا هو دوائي ....
وتحت عنوان هكذا عرفت مصطفى جمال الدين كتب محمد بحر العلوم " يرى شاعرنا ان حزب البعث العراقي انهار تحت تأثير الارادة الفردية وتخلى عن اهدافه التي سطرها نحو تحرير الشعوب المظلومة في ادبياته التي هرّج بها طيلة ايام زمان ’ فيقول من قصيدة له
هنيئا مريئا ( بعث بغداد ) هذه نهاية حزب بالأكاذيب نُظما
بنيتم فأعليتم صروح نظامه شوامخ لكن بالجماجم والدما
وقال محمد عباس علي “ مصطفى جمال الدين .. صناجة العرب في الربع الاخير من هذا القرن ’ جنبا الى جنب الجواهري .. هو سكبٌ من العطر في نغم مسحور ’ او سلسل من نمير لم يجر على ارض من قبل ... او قل .. فيض من الشعر عجيب .. ان شئت ان تدخل عالمه ... فاستعد ’ كمن يدخل عالم النور ’ فيجعل نفسه لائقة به "
وقال محمد علي كاظم " تحية... تحية لتلك العمامة السوداء التي اعتلت قلوبنا قبل رأسك ايها المسافر ... يا اعز المفقودين . تحية لتلك العباءة السوداء التي ضمّت بحنانها المنفى العراقي بأسره ’ ورفضت ان تعطي له عنوانا فئويا او طائفيا ضيقا غير عنوان الهم الواحد ’ غير عنوان المحنة الواحدة ’ تحية لذلك القلب الكبير الذي صاغت حدوده حدود الوطن بأكمله ’ تحية لك ياحروف الزعفران ’ ويا قافية القرنفل . هذا بعض الوفاء لك وانت ترقد قرير العين ’ فيما ارواحنا دامية تبكي هذا الوجع الطويل "
وكتب شاعر العرب الاكبر محمد مهدي الجواهري " وتدور بي عجلة الايام واذا بي ارقد في المشفى ’ مشفى ( الشامي ) في اواسط تشرين الاول الماضي ’ واذا بصهري ايضا ينقل لي خبرا بان الشاعر مصطفى جمال الدين يرقد في غرفة مجاورة وفي نفس الطابق ’ بل واذكر في اليوم التالي كيف نقل لي عن رغبته في زيارتي رغم حالته الصحية المتردية ’ فرحبت بتلك الزيارة ’ وطلبت من صباح ان يذهب اليه ويخبره بالقدوم ’ وحينما ذهب صباح وجد ابناءه في حيرة من امرهم ’ والحزن يلفهم ’ فأخبرهم بالامر ولكن على مايبدو ان الاطباء كانوا منهمكين في مراقبته ’ وقد ساءت حالته الصحية الى حد لا يطاق .وهكذا ودعنا الى العالم الآخر ولن تسمح الفرصة لي وله ان نلتقي و واأسفاه . لن نرثيه هذا اليوم فهو غائب حاضر بيننا ابدا ’ وستبقى اشعاره تنبض بالحياة واحزان الغربة ’ وتورف بكل ما هو جميل وبديع وانساني .
وحول شعر مصطفى جمال الدين ’ قال محمد مهدي شمس الدين " هذا الشعر لم يكن شعر ارتزاق ولا تكسّب .... " وقال محمود المظفر " كان فقيدنا الخالد جمال الدين واحدا من هؤلاء شدتهم الهجرة فنذروا انفسهم للعمل والاصلاح والتبليغ وتحرير الوطن من براثن الحاقدين ’ حتى صار عنصرا فعالاوموجها وهادفا في غير ما حركة او تنظيم ’ ينحو الى بث مشاعر الوطنية والعروبة والاسلام ويقوم على اغاثة المنكوبين ونجدة المنقطعين ممن قد رمتهم تيارات الهجرة خارج الوطن . .
وكتب محيي الدين الآذقاني :في ذمة الله ايها القصيدة العراقية النبيلة ’ لك ولشعرك الجلود ’ ولوطنك المعذب امنيات الاحرار في كل مكان بقرب زوال ذلك الكابوس المريع الذي جثم على صدر العراق وشتت خيرة ابنائه بين السجون والمنافي ’ وفي مسيرة الاحزان ’ لعل لكم في فرح العودة ما يعوض تلك المسيرة الصعبة على الجميع .
قال مصطفى طلاس " قال لي - أي الفقيد -انني اشعر بمحبتك بشكل لا نهائي ’ واشعر انك تقابلني بنفس المستوى ’ ومن هذا المنطلق فانني اكتم عن ابنائي هذه المحبة حتى لا يغلّبوك في طلباتهم " وانا قلت له : بالعكس كلما جاء احد من اعوانك من أواخر العراق وقال اني انتمي لمصطفى جمال الدين انتخينا نخوة عربية وقمنا بالواجب . "
قا ل شاعرنا " انا لست سياسيا محترفا ولم احاول طيلة عمري ان انتمي الى أي حزب ’ ان موقفي هذا ينطلق من كوني شاعرا يؤمن بحرية اختيار مواقفه من القضايا العامة التي تحيط به ’ وفي طريقة تناوله لهذه المواقف " وقد علق على ماورد اعلاه نبيل علي : ( " يؤشر موقف الشاعر الراحل هنا نقاط الافتراق بين وظيفتي الشعر والسياسة ’ اذ ان الشعر قادر على جمع مايراه السياسي متناقضا وسبكه في بوتقة واحدة ’ او ما عبر عنه مصطفى جمال الدين بقوله " مزيج يصعب على السياسي المحترف ان يتجرعه ’ ولكني مع ذلك قدمته للشاربين ") .
قالت نجاح العطار " قبله ’ وصنوه في طلاب الحرية ’ وفي الموت بعيدا عن الارض والوطن والاهل والصحب ’ قال الشاعر الانجليزي بايرون ’ وهو يحتضر في اليونان : " اسمعوني لسانا انجليزيا اسمعوني لهجة انجليزية " ترى ’ تمتمت شفتا مصطفى جمال الدين ’ وهو مع النزع في صراع : " اسمعوني لسانا عراقيا ’ اسمعوني لهجة عراقية ؟ ! " أحسب انه فعل ’ فالفرع ’ حيث يلوي به عصف هبوب ’ يحن الى الجذع ’ والجذع كان في بغداد والنجف .... "
واما هاني فحص فقد كتب : ختاما ياسيد البحور من المتدارك الى الوافر الجميل ’ الى الطويل كقدك وبالك ’ وياحارسها من اوشاب الزحافات والعلل ’ يانورس البحار ’ من بحار الانوار الى الغري وبحر العلوم يادغلة الاهوار ’ مخبأ الاسرار ’ وخدين الالنهار ’ من الفراتين الى بردى ’ ياحبيب الجنوب ’ جنوب الرئة والكبد ’ يامصطفى نحن اصطفيناك ’ ياجمال ما اجملك ’ ياخفيض الجناح رحمة رحمك الله كفاء معناك فينا ومعنانا فيك .
وختاما مع بايرون وعشقه ومع جمال الدين وحنينه ومع النزع الأخير لسكرات موت كل عراقي بل كل شهيد مات على ذمة الحب شوقا للعراق وحلما بالعودة اليه ’ لا يسعنا الاّ ان نتذكر مقولة لبابلو نيرودا : " رفعوا الشاعر للفردوس ... فقال : آه ياوطني ثم مات . "
ان ذكرى وفاته ادعى الى الازدهاء بولادة الجديد والجميل من الشعر العراقي ، ادعى الى الاحتفاء والفرح واشادة الأماسي والمهرجانات ، ان ذكراه ذكرى وطنية خالصة جديرة بالتقدير والتوقير ، كما هي ذكرى الشبيبي وعلي الشرقي والجواهري وكوران والكاظمي والرصافي والزهاوي والسياب والبريكان وعشرات من الكواكب المنيرة في سماء الشعر العراقي .