PDA

View Full Version : سيّار الجميل : المسيحيون العراقيون: قراءة في... المستقبل


بحزاني نت
24-03-2005, 22:28
سيّار الجميل : المسيحيون العراقيون: قراءة في... المستقبل



الادوار التاريخية والتنوعات المسيحية

عندما سئلت: انك كمؤرخ عراقي مسلم، كيف تقوّم دور المسيحيين العراقيين في نهضة العراق في التواريخ القديمة والوسيطة والحديثة ؟ أجبت باختزال: ان المسيحيين العراقيين من قدامى سكان هذا العالم وخصوصا في اقليم الموصل شمال العراق وما يلحق به من مناطق في بلاد الجزيرة الفراتية ( شمال موزيبوتيميا ما بين النهرين ). وعدّت الموصل مركزا حقيقيا ليس للمسيحيين العراقيين وحدهم، بل لكّل المسيحيين في الشرق من نساطرة ويعاقبة. اذ تنتشر أعرق الكنائس والبيع القديمة في المدينة القديمة وأطرافها، فضلا عن عشرات الاديرة العريقة.

ودافع المسيحيون الاوائل عن وجودهم ومعتقدهم باستماتة، ولم تزل قصة مار بهنام الشهيد وأخته ساره ملحمة يتناقلها الناس مسلمين ومسيحيين فضلا عن قصص وملاحم الرهبان المسيحيين الموصليين الاوائل: مار ميخائيل ومار كوركيس ومار اوراها ومار متّى ومار يوحنا ومار توما ومار يعقوب.

ان المسيحيين في العراق يتنوعون، فمنهم الجرامقة (أهل الموصل القدماء جدا) والنساطرة وهناك اليعاقبة والسريان الاراميون الكلدان الاشوريون وكان منهم الارثوذكس الشرقيون التابعون للكنيسة الشرقية وهناك المسيحيون العراقيون المغاربة. ان تسمية المشارقة والمغاربة إنما جاءت اعتمادا على نفوذ الكنيستين: النسطورية ( شرق حدود المملكة الرومانية فسمي اتباعها المشارقة)، والارثوذكسية اليعقوبية ( غرب حدود المملكة الفارسية فسمي اتباعها المغاربة).

وبقي المسيحيون هكذا لقرون طوال حتى انبثاق الملّة الكاثوليكية اثر الانشقاق على انفسهم في تضاعيف القرون المتأخرة وخصوصا في القرن الثامن عشر. وان الارامية لغة السيد المسيح ( ع) لم تزل لغة الطقوس الدينية في البيع والكنائس العراقية. اما البروتستانت في العراق فهم قليلون بل نادرون.

الادوار الحضارية

ان المستوطنات المسيحية العراقية قديمة تمتد لأكثر من الفي سنة، فالناس فيها يتّكلمون الارامية ( أخت العربية ). لقد برز منذ القدم العديد من نخب الشعراء والعلماء واللغويين والمترجمين والاطباء المسيحيين العراقيين، ويكفي ان الفلسفة الاغريقية عرّبها المسيحيون العراقيون. ومنهم من قام بأدوار بارعة في الجراحة والطب والهندسة والتاريخ والرحلات والصناعات والزراعة وبراعة في المهن كالبناء والسفتجة والتجارة وعلاج الاسنان والنجارة والحدادة وصناعة الحلويات والمعجنات. اما المرأة، فقد قدمت للمجتمع فنونا وخدمات لا تحصى. ان ادواراً وبراعات كهذه قد تطورت تصاعديا بفعل حالات السلم والامان لمسيحيين شاركوا المسلمين وأمنوا على ارواحهم واموالهم واملاكهم واعراضهم ونواميسهم وعباداتهم وكنائسهم واحترام المجتمع عاداتهم وتقاليدهم وطقوسهم وصلواتهم. بل أجد شراكة وتعايشا في بعض الطقوس من المحلّيات المركّبة.

فلسفة الشراكة والتعايش العراقية

يخبرنا كلّ من التاريخين المحلي والكنسي، بأن هناك تعايشا اجتماعيا في العراق يندر وجوده بين المسلمين والمسيحيين ( وحتى اليهود ) العراقيين، اذ نجد ان المسيحيين لهم اندماجات شبه كاملة بالمجتمع، وقد وقعت وأنا أتحّرى تاريخ الشرق الاوسط الاجتماعي على مستندات طابو لملكيات عقارية في الموصل، وخصوصا في السكن المشترك، بين مسيحيين ومسلمين عراقيين مؤرخة في القرن السادس عشر. وهذا يحدث ايضا في سندات عقارية وعقود تجارية لدكاكين مشتركة او شركات مساهمة او قوافل بضائع. ان الطرفين ارتبطا بمحبة غامرة واعتزاز كبير بالاخر ويعبّر عنها رجال الدين لكل من المسلمين والمسيحيين ! ولنتأمل عشرات الاديرة عبر الفي سنة تقوم وحدها في العراء بعيدا عن المدن وأسوارها، صامدة في وجه الهجمات والغزوات الخارجية. لقد بقيت الاديرة القديمة اليوم قرب مدينة الموصل في اروع المناطق جمالا وخصبا. من دون أن يؤذيها اي بشر من العراقيين. واعتقد ان ما شهدته الكنائس المسيحية اخيراً من تفجير والهجوم عليها يشكل حالة غريبة وشاذة لم أجدها على امتداد تاريخ طويل ابدا. وسيقول المستقبل كلمته في هذه الحالة الشاذة التي كان سبيلها التعّصب الديني الذي لم يصل عبر تاريخنا الطويل الى ما وصل اليه اليوم بفعل عوامل اجتماعية وسياسية وقومية معقّدة شاركت في صنعها الانظمة السياسية الفاشية !

انني لم أقف على صراعات دينية في العراق ابدا، والعراقيون لم يعانوا من صراعات دينية مطلقا. ربما اشتعلت صراعات سياسية ومذهبية قاسية وهم يرزحون تحت حكم العباسيين والمغول او الفرس والتتار والانظمة التركمانية والحكم العثماني وحكم الانكليز والعهدين الملكي والجمهوري. ربما اجد نزاعات قبلية وعشائرية وعائلية مريرة بين العرب انفسهم وبين الاكراد انفسهم او داخل مدينة معينة من المدن. ولكن لم اقف ابدا على اي صراع اجتماعي بين الاطراف العراقية. وحتى ان قارنت بين مجتمع العراق من طرف ومجتمعات مجاورة، أجد ان العراقيين وحدهم كانوا ينعمون بوحدة اجتماعية وكانوا من أبعد الناس عن الصراعات الدينية. بل لا يشّكل العامل الديني او التعّصب الطائفي لديهم اي نصيب يذكر لتأجيج اي فتنة او اشعال اي صراع.

عندما استعيد ما بقي راسخاً في ذاكرتي الحادة، اقول: كنا ننتظر ايام الآحاد لنسمع نواقيس البيع والكنائس مساء يعلو رنينها في اماكن عدة من الموصل وبغداد والبصرة وكل القرى المسيحية الجميلة. علما بأن للمسلمين كل الحق في دخول البيع والكنائس ومشاركة المسيحيين فاعلياتهم، ونحن نجلس في المقاعد الخلفية عندما يؤدون صلواتهم. كما ان عوائل كاملة تدخل الى باحة الكنائس من دون اي اعتراض ولا تأفف او انزعاج من المسيحيين. بل ان هناك قطاعات اجتماعية عراقية كاملة من المسلمين كانت تنذر لمريم العذراء نذورها وتشعل لها شموعها وتحتفل بها “ اذا ما حققت ستنا مريمانه المراد “ – هذا نص ما كنت اسمعه ويسمعه غيري من العراقيين منذ طفولتنا الغضة.
اضطهاد المسيحيين العراقيين

ما يحدث اليوم غريب جدا على الذهنية العراقية عموما ! ما يحدث غريب جدا حتى على تفكير الناس العاديين الذين يعرفون من هي هذه الكائنات المسيحية الجميلة منذ عصور ودهور ومدى حبّهم لهم ! ولكن السؤال: هل تصل درجة الكراهية عند المتطرفين المسلمين لاستئصال المسيحيين من العراق ؟ وعليه، فان اي احزاب دينية لا يمكنها ان تجد شرعيتها ابدا. والعراق لا يمكنه ان يعيش من غير دولة علمانية لابد لها ان تفصل الدين عنها. ولا اعتقد ابدا ان العراقيين يتقبّلون القتل والذبح وحرق دور العبادة ! الا اذا تبلورت مفاهيم الغلو لدى جماعات معقّدة طارئة في العشرين سنة الاخيرة بفعل طغيان المد الاصولي الذي يمارس في ايران وغيرها مثلا !

إن الحياة العراقية بدأت تأخذ مسارات من نوع آخر خصوصا بعد عام 1979، باجتياح شعارات ثورة ايران الدينية، وردود فعل صدام حسين الذي وجد نفسه وبيده وحده كل هذا العراق في ذاك العام ! وقد شارك المسيحيون اخوانهم المسلمين كمواطنين في كل حروب صدام ومآسيها، ولكن نزعة الغلو والتطرف بدأت تسري ضدهم مما جعلهم يرتابون خوفا على مصيرهم في ظل حكم اسلامي على غرار ايران. وبرغم مكانة طارق عزيز وانتماء بعض المسيحيين الى البعثيين، لم يكن ذلك في مصلحتهم، وكان من اجل درء الشرور والمخاطر، لكنه انعكس في الحقيقة ضدهم ! ان ما يحدث اليوم ليس موجها ضد المسيحيين وحدهم بل ضد كل العراقيين، فهو مشروع خطّة ارهابية بائسة من اجل زرع الرعب في كل المجتمع، وتهجير قوى التعايش. واعتقد ان اجندة المعتدين قد اتخّذت كراهيتها للانسانية كلها وللغرب كله سببا في ترسيخ مشروع قتل المسيحيين العراقيين وافنائهم.

عوامل التحّدي وطبيعته

من غرائب الامور ان نجد العديد من احزاب الاسلام السياسي وجماعاته تلغي بكل بساطة دور الاقليات الدينية الاخرى، وهي اقليات سكانية نادرة بتواريخها ومواريثها وعاداتها وتقاليدها منذ آلاف السنين. وان من يقوم بمثل تلك الافعال المروعة لاضطهاد المسيحيين لا يمتلك اي وعي بوجود هؤلاء ولا بتواريخهم ولا باصولهم ولا بجذورهم.

اعتقد بأن المعتدين هم من صنفين اثنين:

اولاهما: صنف أتى من وراء حدود العراق كي يلغي وجود العراقيين من غير المسلمين، ويتدخل في الشأن الاجتماعي، وما ملاحقة فتيات البصرة المسيحيات والاعتداء عليهن الا مثل على ذلك. ولهذا تداعيات صعبة.

ثانيهما: صنف يطمح الى تعطيل اي مشروع عراقي بخلق مشكلات جسيمة وزرع حالات مرعبة لها تداعيات صعبة على المجتمع، وهذا ما تعاني منه الموصل وبغداد. بل وصل الامر بالموصل الى ان تفرض القوى الفوضوية والاصولية الحجاب على النسوة والفتيات المسيحيات، فلنتخيل ما يحدث !

ان ما يحدث اليوم وخصوصا في الموصل وبغداد لا يفرّق بين يعاقبة ونساطرة وكلدان وآشور وارمن. ان مشروع قتل المسيحيين وتهديم الكنائس ما هو الا حلقة في سلسلة ما يسمى الارهاب المنّظم الذي يمارس سطوته وهمجيته بشكل فوضوي على التراب العراقي بعدما وجد نفسه في بيئة تملأها الفراغات السياسية والاقتصادية والدستورية والامنية. ان الثمن الذي يدفعه المسيحيون لا شك انه كبير جدا، ولكنه كالثمن الذي يدفعه كل اهل الموصل وبغداد والبصرة والمدن الاخرى بمختلف اطيافهم. ان هذه “الهجمة” التي طالت المسيحيين العراقيين ستنتهي حتما، عندما يترسّخ نظام حكم جديد قوي في العراق باستطاعته القضاء على الارهاب واستئصاله تماما.
مستقبل المسيحيين في العراق

ان مستقبل المسيحيين جزء من مستقبل العراق، فالكارثة ألمّت بالجميع، وان ما اصابهم لا يمكن ان يُعزى في أسبابه الى الواقع، بقدر ما يعزى الى الطارىء اذ لم يصبهم وحدهم، بل اصاب كل المجتمع. ربما سيبقى التحّدي ضد العراقيين كلهم قائما لمرحلة زمنية مقبلة، وربما حتى 2009، عندما سيجد العراق بداية حقيقية لطريقه ان استطاع أن ينجح في تلاؤماته الاجتماعية وتوافقاته السياسية. ان العراقيين انفسهم قادرون على الاستجابة للتحديات التي تواجههم داخليا واقليميا اكثر مما تواجههم دوليا، فثمة تعاطف دولي مع الشأن العراقي حتى الان. ان اي توافقات سياسية محترمة ورصينة ستنعكس بوضوح على العراق ونجاح تجربته. اما إن أخذ العراق طريقا آخر بفشل تجربته من خلال انعدام التلازم وافتقاد الانسجام وضياع التوافقات، فان الوضع سيشهد واقعا تاريخيا مأسويا من نوع آخر – لا سمح الله.

ان المسيحيين العراقيين في كلّ من الحالتين سيعيشون كما يعيش كل المجتمع بمختلف شرائحه وقسماته وعناصره. ان مستقبل المسيحية في العراق لا يمكن الاستخفاف به، اذ لم يزل المسيحيون راسخين في ارضهم وفي قراهم وفي مدنهم. وان ما اصابهم اليوم سيغدو وضعا طارئا، فلا يمكن ابدا ان تتغير عاداتهم وتقاليدهم قسرا، فمسيحيات الموصل قد تحجبن خوفا من حالة الاضطهاد الذي يمارس ليس ضدهن فحسب، بل ضد كل نسوة المجتمع، وهكذا بالنسبة الى مسيحيات البصرة وبغداد ! وبقدر ما مارس المتعصبون من جماعات طارئة ذلك في الموصل بالشمال، فان المتعصّبين ( الشيعة ) من قوات بدر مارست الدور نفسه في البصرة بالجنوب ! ان حكومة عراقية قوية ان عالجت مثل هذا الموضوع معالجة قانونية وسياسية بابعاد شبح التدّخل الديني في كل من الدولة والمجتمع، فان الاوضاع ستصلح مباشرة، وبعكسه فان الاوضاع ستزداد سوءا يوما بعد آخر.

ان جذور المسيحيين العراقيين ضاربة في الاعماق، فلا يمكنهم ان يتخلّوا عن وطنهم ابدا. وان ما يمتلكونه من مواريث وبيع وكنائس وأديرة غارقة في تاريخ عميق لا يمكن تركها بسهولة. لقد تحمّلوا عبر التاريخ الصعاب وصادفوا تحديات كبرى منذ فجر المسيحية. ان موجة التعّصب الديني لابد من اطفائها، وان اي تفكير بتهجير هذه الاقوام الحضارية الجميلة والعريقة هو تفكير خيالي نزق ولابد من محاربته، كما ان الرأي العام العراقي لا يمكن ان يرتهن للمتعصبين، فهو مشروع لكل العراقيين. العراقيون المسلمون يتوّضح مدى تعاطفهم مع المسيحيين ومحبتهم لهم وهم الذين شاركوهم التاريخ كله بيسره وعسره، وبكل مكابداته وانتصاراته.

ان ثمة محبة تصل عند البعض من المسلمين الى حد العشق للمسيحيين، بل ان هناك زيجات بين الطرفين. وكم قرأنا من اشعار رائعة واقوال مأثورة عن حياة مشتركة كانت وستبقى رائعة. فكل العراقيين يدركون بأن الطيف المسيحي العراقي له ابداعاته وخدماته وجمالياته واندماجاته والتعلق بارضه وترابه، فليس من الهين ابدا ان يبقى العراق بجملته يسير نحو الهلاك من دون ان يتوقف ليسترّد عافيته. فهل سيسترد عافيته قريبا ؟ هذا ما نأمل حصوله.

------------------------------

مؤرخ واكاديمي عراقي من ابناء مدينة “الموصل” – يعيش الآن بين دولة الإمارات وكندا.