bahzani1
18-10-2005, 20:33
المتمترسون خلف الاوراق!
نزار جاف
کان ذلک العام 1973 وفي مدينة السعدية التابعة لمحافظة ديالى حين صعدت على خشبة المسرح لأول مرة في حياتي، ولازلت أتذکر لحد الان حالة التوتر و الارتباک و الخجل التي کانت تسيطر على کياني. يومها وأنا على خشبة المسرح قررت في أعماقي أن لاأعود لهذه الحالة أبدا، ذلک أنني کنت أشعر بوضوح بنوع من حرکة لا إرادية في کل مفاصلي کما کنت أشعر أن کل دماء جسدي قد صعدت الى وجهي حتى إنها لتکاد أن تفور کبرکان. إلا أنني مع ذلک وفي عام 1975 عدت لخشبة المسرح لکنني لم أشعر بتلک الحالة السابقة وإن ظلت حالة الرهبة ملازمة لکياني، ذلک أن المسرح يمثل حالة من المواجهة المباشرة مع الجمهور ومن دون أي رتوش أو حواجز. وتکاد تکون مفارقة مهمة في حياتي أنني دخلت عالم المسرح و الکتابة بفترة متقاربة جدا نسبيا، وقد کان هناک نوع من التداخل بين العالمين حيث تمکنت"بمساعدة و إرشاد بعض الفضلاء"من أن أکتب وکأنني في مواجهة الجمهور"دوما"، کما کنت أقف على المسرح. وحين وجدت نفسي ذات يوم في مواجهة کاميرا التلفزيون أو خلف لاقطات الإذاعة، لم أشعر إطلاقا بأية حالة توتر نفسي و مر الامر"خصوصا في المرة الاولى" بکل إنسيابية. ولکن قد لايکون الامر کذلک مع الجميع، ذلک أنني أعرف ممثلين مسرحيين متمرسين لازالوا يشعرون بحالة الارتباک و الخجل عند الوهلة الاولى لظهورهم على المسرح، کما أنني أعرف کتابا يتحاشون المقابلات المباشرة"إذاعية کانت أو تلفزيونية"، ويفضلون الاجابة على الاسئلة الموجهة إليهم بعيدا عن الاضواء. وقبل مدة وخلال تواصل عبر البريد الالکتروني، أخبرني مقدم برامج مشهور جدا في إحدى القنوات العربية، إن مشکلته الکبرى تکمن في إختيار من يستضيفهم في برنامجه ذلک أن العديد منهم حين يواجهون الکاميرا يفقدون توازنهم و يبدون في حالة أخرى حتى أن البعض منهم يصل الى حالة يرثى لها! والحق أن لکل حالة کلام خصوصياتها و طقوسها الخاصة بها، إذ کما أن التمثيل المسرحي لايصلح للتلفزيون أو السينما، فإن الکلام خلف الاوراق أيضا لايصلح أمام الکاميرا. إن الذي يتکلم من خلال برنامج إذاعي أو تلفزيوني"سيما إذا کان من النخبة المثقفة"، لابد أن يدري أن الکلمات و التعابير العفوية و الإنسيابية التي تخرج من فمه هي أفضل بکثير من تلک الکلمات الرنانة و الطنانة التي يمضي وقتا طويلا في البيت من أجل الاعداد و التهيأ لها. الکلام البسيط و الشفاف الذي يخرج طوعا من قلب و روح أي مفکر أو أديب أو سياسي، لامناص من أنه سوف يجد طريقه بسهولة الى روح و قلب المشاهد أو المستمع. وقد تکون الخطب الارتجالية النابعة من أعماق الانسان، أفضل بکثير من تلک التي يتم تزويقها و زخرفتها و حشيها بأنواع الفصاحة و البلاغة و البيان. إن مشکلة الکثير من الکتاب هي أنهم مازالوا يکتبون بذات أسلوب حکام المنطقة، أي کلام مفتعل يتم إخراجه عنوة من فکر مرهق و متعب، وفي حالات المواجهة المباشرة تراهم وقد غالب الارتباک و التوتر على کلامهم و حتى حرکاتهم. ليس مهما أن تکتب مقالة أدبية تجمع کل معاني البيان بقدر ماهو أهم أن تنطق بضعة جمل و عبارات مفيدة يفهم منها الاخرون شيئا ما سيما حين تکون في حالة مواجهة مباشرة مع الجمهور.
nezajaff@gmail.com
نزار جاف
کان ذلک العام 1973 وفي مدينة السعدية التابعة لمحافظة ديالى حين صعدت على خشبة المسرح لأول مرة في حياتي، ولازلت أتذکر لحد الان حالة التوتر و الارتباک و الخجل التي کانت تسيطر على کياني. يومها وأنا على خشبة المسرح قررت في أعماقي أن لاأعود لهذه الحالة أبدا، ذلک أنني کنت أشعر بوضوح بنوع من حرکة لا إرادية في کل مفاصلي کما کنت أشعر أن کل دماء جسدي قد صعدت الى وجهي حتى إنها لتکاد أن تفور کبرکان. إلا أنني مع ذلک وفي عام 1975 عدت لخشبة المسرح لکنني لم أشعر بتلک الحالة السابقة وإن ظلت حالة الرهبة ملازمة لکياني، ذلک أن المسرح يمثل حالة من المواجهة المباشرة مع الجمهور ومن دون أي رتوش أو حواجز. وتکاد تکون مفارقة مهمة في حياتي أنني دخلت عالم المسرح و الکتابة بفترة متقاربة جدا نسبيا، وقد کان هناک نوع من التداخل بين العالمين حيث تمکنت"بمساعدة و إرشاد بعض الفضلاء"من أن أکتب وکأنني في مواجهة الجمهور"دوما"، کما کنت أقف على المسرح. وحين وجدت نفسي ذات يوم في مواجهة کاميرا التلفزيون أو خلف لاقطات الإذاعة، لم أشعر إطلاقا بأية حالة توتر نفسي و مر الامر"خصوصا في المرة الاولى" بکل إنسيابية. ولکن قد لايکون الامر کذلک مع الجميع، ذلک أنني أعرف ممثلين مسرحيين متمرسين لازالوا يشعرون بحالة الارتباک و الخجل عند الوهلة الاولى لظهورهم على المسرح، کما أنني أعرف کتابا يتحاشون المقابلات المباشرة"إذاعية کانت أو تلفزيونية"، ويفضلون الاجابة على الاسئلة الموجهة إليهم بعيدا عن الاضواء. وقبل مدة وخلال تواصل عبر البريد الالکتروني، أخبرني مقدم برامج مشهور جدا في إحدى القنوات العربية، إن مشکلته الکبرى تکمن في إختيار من يستضيفهم في برنامجه ذلک أن العديد منهم حين يواجهون الکاميرا يفقدون توازنهم و يبدون في حالة أخرى حتى أن البعض منهم يصل الى حالة يرثى لها! والحق أن لکل حالة کلام خصوصياتها و طقوسها الخاصة بها، إذ کما أن التمثيل المسرحي لايصلح للتلفزيون أو السينما، فإن الکلام خلف الاوراق أيضا لايصلح أمام الکاميرا. إن الذي يتکلم من خلال برنامج إذاعي أو تلفزيوني"سيما إذا کان من النخبة المثقفة"، لابد أن يدري أن الکلمات و التعابير العفوية و الإنسيابية التي تخرج من فمه هي أفضل بکثير من تلک الکلمات الرنانة و الطنانة التي يمضي وقتا طويلا في البيت من أجل الاعداد و التهيأ لها. الکلام البسيط و الشفاف الذي يخرج طوعا من قلب و روح أي مفکر أو أديب أو سياسي، لامناص من أنه سوف يجد طريقه بسهولة الى روح و قلب المشاهد أو المستمع. وقد تکون الخطب الارتجالية النابعة من أعماق الانسان، أفضل بکثير من تلک التي يتم تزويقها و زخرفتها و حشيها بأنواع الفصاحة و البلاغة و البيان. إن مشکلة الکثير من الکتاب هي أنهم مازالوا يکتبون بذات أسلوب حکام المنطقة، أي کلام مفتعل يتم إخراجه عنوة من فکر مرهق و متعب، وفي حالات المواجهة المباشرة تراهم وقد غالب الارتباک و التوتر على کلامهم و حتى حرکاتهم. ليس مهما أن تکتب مقالة أدبية تجمع کل معاني البيان بقدر ماهو أهم أن تنطق بضعة جمل و عبارات مفيدة يفهم منها الاخرون شيئا ما سيما حين تکون في حالة مواجهة مباشرة مع الجمهور.
nezajaff@gmail.com