PDA

View Full Version : وهكذا قدري


طوق البحريني
28-10-2005, 16:45
لقد أنهت للتو شراء ملابس الطفل القادم، فلم يبق إلا القليل عن ولادتها.

وفي طريق عودتهما إلى المنزل، وفي شهرها التاسع، وبينما هما يتبادلان همس الحديث، إذ تخرج عليهم سيارة ملؤها السواد لا يثبت منها وجود شخص داخلها، لتصدمهم وتمحو عن أنظارهم ما كان في الوجود. فقد أخذت تحوم بهم من شدة الاصطدام، ما يزيد من غليل الأم الحامل وتعبها.
تم نقلهما إلى المستشفى ما بين الجالس والنائم. وما إن وصلت الروحان حتى فارق الأب الحياة. وفي هذه الأثناء كانت الأم تخرج الروح التي تثكلها على عاتقها فوضعت الابن لتفارق هي الأخرى الحياة.
أقبل يوسف على هذه الحياة يتيم الأبوين. ليس له إلا ظل جده لأبيه، ترعرع بين أحضانه ونما، فأصبح الجد كل الكيان بالدنيا فقد رأى فيه صورة الأم والأب في رجل كبير قد ضمه الألم لفراق ولده الوحيد، وها هو يوسف يعيد تجربة أبيه في هذه الحياة بالبقاء وحيدا.
وفي ظل هذه الرعاية، نشأ يوسف بين أولاد القرية وقد كان محبوبا لطيفا كريما مع الجميع على رغم صغر سنه. ولم يكن يعرف لوجوده وحيدا مكانا على أوتار حياته، فقد كانوا له أسرة عريقة تمتد جذورها إلى أواصر المحبة والاخوة والوفاء.
وفي عمر الثامنة، وبينما هو يشق الطريق الذي يفصل بين القرية التي يقطنها والدكان الذي يشغله جده. إذ بشاب في مقتبل العمر، مغرور بنفسه وبماله، متكبر ومتسلط على أهله وجيرانه، قد أقبل مسرعا ليدعسه بسيارته ليلحق يوسف بأمه وأبيه.
لقد آلم هذا الفراق المتجدد قلب الجد المتهجد، المتلهف لسماع خبر نجاح يوسف لكن ما إن وصل إليه الخبر حتى قال: "إنا لله وإنا إليه راجعون"... قدر الله وما شاء فعل.
لازم الحزن القرية صغارها وكبارها لوفاته، وظهر الضجر على أعين الجميع بمن فيهم جده الذي رباه على يديه، فقد عاش وسط زحمة الحياة ووطأتها مثقلا بالأحزان، فكل ما يملكه هو خيط من الذكرى، وصورة دامية لقلبه الجريح في هذه الحياة. وقد جدوا في التعرف على المجرم الذي حرم الأعين من جمال براءة الطفولة وحنان الأمومة وأحضان الأبوة، لكن من دون جدوى! فقد نجا بفعلته، وقد لا تجني من الشوك العنب.