كفاح محمود
03-11-2005, 11:49
اضع بين يديكم بحثا اجريته حول مدينة شنكال (سنجار) ونشرته جريدة (خه بات) التي كانت تنطق بالعربية عام 2001 ،كما تم تقديمه الى حكومة اقليم كوردستان ومؤسساتها ونظرا لاهمية المدينة وموقعها وددت نشره في هذا الموقع على شكل حلقات خدمة للتاريخ وللرأي العام .
المدخل
يبدو أن الموقع الجغرافي لبعض الأوطان والمدن والمستوطنات البشرية يتحول إلى وبال لسكانها عبر التاريخ , فتتحول إلى ساحات حرب ومراكز صراع بين قوة عظمى أحيانا وصغرى متعملقة أحيانا أخرى ,و كوردستان واحدة من هذه الأوطان التي شاءت أقدار الجغرافية السياسية أن تكون مثلثاً بين بقايا ثلاث إمبراطوريات عفي عليها الزمن .
إذا ما غادرنا أطراف وطننا الثلاث واتجهنا إلى أقصى جناحه الغربي , فسنقف أول ما نقف في إقليم الجزيرة هذا ،على أطلال مدينة غائرة في أعماق التاريخ , تمتد جذورها إلى حيث وضع الإنسان أساس أولى محطات تجمعه ومباشرته حضارة الزراعة .
ففي الوقت الذي كان اقرانه في أواسط أوربا وغربها يبحثون عن الغذاء في مرحلة الصيد كان هو في (سنجار) وبقية أنحاء كوردستان قد بدا في صناعة الغذاء بنفسه ,حينما تجمع في قرى (تبه 1) و (تبه 2) لينشئ اقدم مستوطناته البشرية المتحضرة قبل اكثر من سبعين آلف عام , فالتنقيبات الاثارية التي آجراها الاثاري (سيتون لوئيد Seton Eloyed ) في منطقة سنجار والتي تناولت المرتفعات الشرقية والجنوبية من أطراف المدينة الحالية وتحديداً في (كَري ره ش ـ التل الأسود) و(كَري حوشي ـ تل حوشي) أثبتت من خلال المخلفات الفخارية القديمة جداً إلى ارتقاء تاريخ سنجار إلى عصور متأخرة في ما قبل التاريخ المتأخر(1)
منذ آن بزغت شمس الحضارة قبل آلاف السنين و سنجار أو (سنكارا) أو (سنغارا) كما كان يطلق عليها البابليون و (شنكَال) كما أطلق عليها الآشوريون , كـانت ميداناً لصراع الحضارات ومن ثم بعد ذلك الإمبراطوريات.
عرفت سنجار عند المصريين القدماء بلفظة (سنكار) وعند الاشيين بلفظ (شنخار) أما عند اليونان والرومان فكانت (سنكارة) حتى أطلق عليها الإمبراطور الروماني (اورليوس) اسم (اورليا) عندما جدد بنائها في حدود عام 199 م (2) (3) .
وبقت سنجار تحمل اسمها الجميل (شنكَال) هذا الاسم التاريخي الذي يعود تداوله إلى اكثر من ثلاثة آلاف سنة , والذي لا تزال شفاه الأطفال تتغنى به حتى يومنا هذا ,انه شنكَال وسنجار المدينة التي افترشت مرتفعات (قراجات) جبل سنجار الجنوبية لتشكل لوحة فنية رائعة الجمال , كأنها للذي يراها من بعيد صقرا كوردياً مد رأسه باتجاه (دير عاصي) في قلب الجبل ونثر جناحاه شرقا على (قراج اسمرى) وغربا على (قراجات قزل كه ند) وليمتد ذيله كذيل الطاووس مشكلاً وادي سنجار وبساتينهِ التي تمتد جنوباً في السهل (الده شت) ولتصب فيها كل عيون الماء .
هذه المدينة القديمة التاريخ والرائعة الجمال كان موقعها الجغرافي نقمة على سكانها فهي تتوسط الطرق بين إمبراطوريات حكمت هذا الإقليم , ففي شمالها كان الرومان وعلى شرقها كان الفرس والترك واجتمعت في جنوبها معظم الممالك العربيـة, ولم تتضح تلك الصراعات إلا بعد بزوغ الحضارات وقيام مراكز القوة .
وباعتقادي أن من أوائل تلك الصراعات هي نجاح الرومان في حدود 115 م بإسقاط مملكة سنجار التي كانت حين ذاك مملكة آرامية مستقلة يقودها ملك يدعى (معنو) (4).
وبذلك تدخل سنجار ضمن الإمبراطورية الرومانية التي استمرت في حكمها و أقامت فيها نماذج من حضارتها المتمثلة في سورها الجميل ببواباته الأربع والذي لا يزال جزءاً كبيرا منه قائما حتى يومنا هذا .
هذا السور الذي لم يجرؤ الفرس على اقتحامه رغم محاولاتهم العديدة حتى استطاع الإمبراطور الفارسي (شابور الثاني) في حدود عام 363 م من السيطرة على المدينة بعد تنازل الإمبراطور الروماني جوفيان (يوبيانوس) عنها .
ُيجمع معظم المؤرخون بل ويتفقون على أن المسيحية دخلت سنجار في الربع الأخير من القرن الرابع الميلادي .وتذكر المراجع الكنسية اسم الأسقف (معين) في حدود سنــة 375 م ,ويقال انه بنى العديد من المعابد المسيحية في الجبل والمدينة .
وتذكر نفس المصادر الكنسية أن أول أسقف أكيد لكرسي سنجار هو (باباي) وذلك في سنة 533 م وهو نسطوري .
لقد تركت المسيحية على ثرى سنجار بقايا صراعاتها المذهبية و أطلال كنائسها وخصوصا (دير عاصي) الذي تم تشييده في حدود عام 500 م حيث كان هذا الدير يعتبر من أهم المدارس المسيحية في القرن السابع الميلادي إضافة إلى دير (ووزنه) الذي شيد قبل عام 734 م بقليل وكذلك (دير زدشكه) أو دير الزلازل الذي شيد في قمة جبل سنجار
وإذا ما عدنا إلى المراجع الإسلامية القديمة فسنلاحظ إنها تتفق على أن فتح المسلمين لإقليم الجزيرة كان قد تم في حدود سنة 640 م , واستنادا على ذلك فان سنجار فتحت كغيرها من مدن الجزيرة في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب (رض) وعلى يد قائده العسكري (عياض بن غنم) . وتفيد المراجع الحديثة أن عياضا بعث من قبله (أبو موسى الاشعري) إلى سنجار الذي دخلها دون قتال لتدخل المدينة النصرانية في حوزة الإسلام وليبقى أهليها على نصرانيتهم بعد أن فرضت عليهم الجزية .
لقد جاء الإسلام بقبائل عربية إلى المدينة والتي استهوتها خيراتها وماؤها وكلئها فاستوطنت. ومنها قبائل (تغلب , وائل, نمير , كلاب,عقيل.إضافة إلى طي وعبيد) ,ويقول ابن الأثير وابن العديم في كتابه (زبده الحلب) ـ أن مدينة سنجار من مواطن الأكراد الأساسية والقديمة ومن اشهر قبائل الكورد فيها كانت الزرزارية (المسلمة منها واليعقوبية) وقبيلة الجورجان النصرانية ,وفي القرن الرابع والخامس الهجريين اشتهرت في سنجار ونواحيها القبائل الكوردية التالية(الحميدية ـ الهذبانيــة ـ الرواذية ـ المريوانية ـ الخاتونية ـ الشهوانية) .
لقد حاولت معظم الموجات الاستيطانية القادمة إلى المدينة أن تلغي هويتها وتمنحها هوية ممسوخة , و لكنما هكذا يقول التاريخ وتُرددُ صداه الأيام فقد بقت الشفاه الندية عبر آلاف السنين لا تنطق إلا اسمها الأصيل (شنكَال) ,وبقت هوية هذه المدينة كما هي مخزونة في ذاكرة سكانها الكورد وأزيائهم ونغمات أغانيهم وترانيم طنبوراتهم و أسمائهم وبقت منقوشة على حجارة وصخور جبلهم الأشم وعيون الماء و أسماء الأزقة و الأحياء وعناوين البلدات والقرى .
يكفي سنجار فخرا و السنجاريون مجدا طيلة العصور و الأزمان إنها كانت قد استوعبت واحتوت اكثر الغزاة همجية و آثرت فيهم اكثر مما تأثرت بهم فخرجت في كل مرة اكثر صلابة واشد مناعة , تعطي اكثر مما تأخذ وتمنح هويتها الأصيلة لكل الطيبين الاصلاء وهكذا رأيناها في فجر العاشر من نيسان 2003 بعد مئات السنين من محاولات إلغاء هويتها وبعد ثلاثين عاما من جرائم التطهير العرقي و الجينوسايد والترحيل خرجت عن بكرة أبيها أطفالا وشبابا رجالا وشيوخا من كل المدينة وقراها لترفع هويتها الكوردستانية الأصيلة ولتتبخر كل تلك التشويهات التي أحدثها العنصريون في وجهها الباسم
سنحاول تبويب هذه الدراسة حسب الحقب التاريخية التي مرت على المدينة ابتدائاً من سقوط أول مملكة أقيمت فيها وحتى سقوط المدينة في الإمبراطورية العثمانية في حــدود1516 م.
(1) مجلة سومر , مجلد 31 :ج1 ج2 سنة 1975 ص 21 القسم الأجنبي مقال د.بهنام أبو الصوف.
(2) بدج : رحلات إلى العراق .
(3) بكنغهام :رحلتي إلى العراق
(4) أدي شير :تاريخ كلدو وأثور
الحلقة الاولى
سنجار بين حضارتين:آرامية ورومانية
ربما كانت مملكة (معنو) الآرامية المستقلة في سنجار عند بدايات العصر الميـلادي آخر الممالك المزدهرة للآراميين في غرب كوردستان , أولئك الآراميون الذين انتشروا في كل الأصقاع لولعهم الكبير بالتجارة فنقلوا في انتشارهم هذا لغتهم الجميلة وأبجديتهم التي تعتبر من اقدم الحروف التي استخدمت في الكتابة . (1)
اعتقد أن المتاحف العراقية والأوروبية تحتفظ بما يدلل على أن مملكة معنو لم تكُ قرية أو منتجعا ملكيا بل كانت مملكة كاملة التكوين , فقد ضُربت فيها النقود ,ولقد عُثر على نماذج كثيرة من نقود تلك المملكة. (2)
من المؤكد إن سنجار عاصمة تلك المملكة كانت مركزا تجاريا كبيرا ومهماً تقع عند تخوم الإمبراطورية الآشورية , وهذا يعني إنها كانت قوية أيضا , إذ إن أي اقتصاد متين يحتاج إلى قوة عظمى لحمايته والحفاظ على أمنه و آمن مسالك حركته , من هذه الحقيقة نستدل على آن المملكة الآرامية في سنجار استطاعت أن تقيم حضارة جميلة ومتميزة ,سنكتشف ذات يوم أنها من أروع الحضارات في هذا الإقليم لوقوعها بين مملكتين عظيمتين في حضارتيهما وقوتيهما تلك هي (الآشورية في شرقها ) و(الميتانية في شمالها الغربي) , خصوصا إذا ما علمنا أن سكان سنجار الأصليين ينحدرون من أصول ميدية وميتانية _ هندواوروبية .
في بدايات القرن الميلادي الثاني بدأت مملكة معنو السنجارية بالضعف والوهن لكثرة ما تعرضت له من صراعات واطماع من قبل جيرانها شرقا وغربا إضافة إلى هجمات البدو القادمين من الجنوب والجنوب الشرقي حيث بحثهم الأزلي عن الماء والكلأ ,خصوصا وان موقع سنجار عند حافات الصحراء واكتنازها للخصب والماء جعلها دائما محط أطماع الغزاة
وهكذا أصابها الوهن فما آن بدا العقد الثاني من القرن الميلادي الثاني حتى اتجه الرومان صوب ذلك الجبل القائم عند تخوم الصحراء , حينما ابلغهم تجارهم بوجود مدينة رائعة الجمال كثيرة الخيرات , تغفو على سفح جبل غارق حتى أذنيه بالغابات وعيون الماء التي تتدفق من كل أطراف المدينة , وسهل يمتد جنوبا ليحتضن نهرا جميلا تنتشر حوله بساتين النخيل والأعناب والتين والزيتون حتى الأفق .
هكذا كانت تقارير التجار الرومان تصف مملكة سنجار وهي تُرفع إلى أباطرتهم حيث كان الإمبراطور الروماني [طراجان ـ طريانوس] يجتمع إلى كبار رجال إمبراطوريته في الحكومة والجيش ليتداول معهم أوضاع الدولة وأحوال الحدود والثغور وهو يقرأ تقريراً يصف له مدينة سنجار وأهميتها وموقعها الاستراتيجي كثغر جنوبي لإمبراطوريتهم .
وبعد مناقشات ومداولات مستفيضةُ قرر الإمبراطور طريانوس اظافة شنكَال إلى إمبراطوريته العظمى، وهذا ما حصل فعلاً في نهاية عام 114 م حينما هاجمت جيوش الرومان مملكة معنو الواهنة في شنكَال و أسقطوها بعد قتال لم يستغرق إلا بضعة أيام هرب على آثرها الملك معنو إلى فلسطين(3) ـ ولم أجد له أثرا في معظم المراجع ـ .
لقد توارى ـ هذا الملك ـ عن الأنظار والناس جميعاً وترك مملكته الصغيرة تواجه مصيرها مع الغازي الكبير ، فلقد أيقن (معنو) انه لن يصارع هذا الثور الهائج والأفضل له أن يغادرها تاركاً خلفه شعبا متجذراً لا يستطيع أن يهرب فليس له بديل آخر إلا الموت أو الاستسلام .
صحيحُ ؛ أن كثير من السنجاريين كانت قد أصابتهم الصدمة وصعقوا حينما هاجمهم الرومان في مدينتهم الثرية الهادئة ، وان كثيرا منهم قتل أو جرح دفاعا عن معنو ومملكته ، فلم يكن هناك وقتئذ خيار أخر ، ولكنهم لو كانوا يعلمون ما سيفعله الرومان في مدينتهم بعد ذلك لما ابتئسوا ، وآي بديل أقاموه أولئك القادمون من الشمال. لقد وضع القائد الروماني (لوسيوس كيوتوس) نصب عينيه موقع المدينة وبعدها عن المدن التي حولها ، وكيفية ربط هذه المدينة الجميلة ببقية المدن في عمق الإمبراطورية ، وكيفية إعادة بناءوها وفق رؤيته ، وهكذا تقدم هذا القائد بأفكاره إلى الإمبراطور (طريانوس) بعد اظافة سنجار إلى حواضرهم . فما كان من الإمبراطور إلا أن اصدر أوامره بتعبيد الطريق بين سنجار ونصيبين برصفه بالحجارة في بداية عام 115 م .وبذلك يكون الرومان قد وضعوا حجر الأساس لأول شارع معبد بين سنجار وخارجها وكان ذلك باكورة أعمالهم الحضارية المتطورة في المدينة .
لقد كانت الرؤية الرومانية عسكرية ـ مدنية في قيامها بتبليط الشوارع بين سنجار والمراكز الحضرية الأخرى في الإمبراطورية ، وكانت الحلقة الأولى في سلسلة الحضارة التي بدأت تدخل المدينة لأول مرة ، فلم يمضِ قرن على ذلك الطريق حتى باشر الإمبراطور (ساديروس الكسندر) برصف طريق أخر يمتد من سنجار حتى الخابور .
وحينما كان المئات من البشر آو ربما الآلاف ينقلون الحجارة من الجبل إلى حيث يتم رصفها باتجاه نصيبين والخابور كان السنجاريون ينفذون بناءا في مركز مدينتهم فلقد وضع المهندسون الرومان تخطيطا جديدا للمدينة ابتدءوه بالسور الكبير الذي يلف المدينة من كل أطرافها وبذلك أمنوا لهم ولسكانهم حياة اكثر أماناً واستقرارا .
ولم يجد الرومان صعوبة في الحصول على ألبناه والمهندسين والعمال ،فلقد عرف السنجاريون بحبهم للبناء والأعمار وللحضارة .وتختزن ذاكرة التاريخ أسماء كثيرة من أولئك ألبناه والنقارون وصناع الجص وبناة التسقيف بالحجارة و(الخرشان) (4) .فانهمكوا مع الرومان في تهيئة تلك الكتل الصخرية الكبيرة لبنائها كسور للمدينة .
وحينما كان المئات منهم منهمكون في بناء السور الكبير كان عدة مئات آخرين يعملون في رصف طريق المدينة الرئيسي والذي يمتد من اكبر أبواب السور وهو باب السماء الذي يتجه جنوبا ـ وحتى آخر المدينة الذي ينتهي عند البوابة الرابعة باب الجبل ـ الذي يتجه شمالا باتجاه جبل سنجار .
لقد امتلأت المدينة بعشرات التماثيل والنصب الدينية والمدنية حيث كانت تزين حدائقهم وساحاتهم وبوابات قصورهم ، ويوم بعد آخر وسنة تلو سنة يبدأ السنجاري بالاطمئنان للقادم الجديد من الشمال ، كيف لا وقد أقام له مدينة جميلة أعاد بنائها و أشاع فيها الأمن والسلام والعمل و ضرب حولها سورا عظيما يحميها من أطماع الطامعين القادمين من الجنوب . وفتح في سورها أربعة أبواب باتجاه الجهات الأربع وهي على التوالي :
1- باب السماء : وهو بوابة دخول المدينة الرئيسية حيث يمتد منها شارع البلاط والذي يمتد حتى طرف المدينة الشمالي . وهو الباب الوحيد الذي بقت آثاره حتى يومنا هذا .
2- باب الجبل : ويقع في الطرف الشمالي للمدينة حيث ينفتح باتجاه الجبل شمالا وكان مفتوحا طيلة النهار ويغلق ليلاً .
3- باب الشرق: ويقع في طرف المدينة الشرقي ولم يبقى من آثاره آي شئ.
4- باب اللـيل: ويقع في الطرف الغربي من المدينة .
ومن باب السماء حينما كان يدخل المرء يطل على ساحة كبيرة واسعة تنتشر على جنباتها تماثيل الهتم وأباطرتهم أضافوا أليها تماثيل الأسود والنمور أمام مداخل قصورهم الذي بنيت في أخر الساحة .و لأول مرة يكتشف سكان سنجار الاصليون انهم قريبون من الغازي الجديد ، فهم ينحدرون من أصول واحدة تلك هي الأصول الهندواوروبية ، وبذلك استطاع الرومان أن يشيعوا مناخا رائعا لاقامة مستعمرتهم الحضارية الجديدة عند تخوم الصحراء فيتفاعل السكان معهم ويتعاونون في إقامة إدارتهم التي استمرت ما يزيد على قرنين ونصف القرن كانت صفحاتها المشرقة اكثر بكثير من نقاطها المظلمة .
ولان النظم السياسية والحضارات والقوى تشيخ كما يشيخ الإنسان وتبدوا عليها علامات الضعف والوهن ،فان الرومان ونظامهم في سنجار بدأوا بالضعف والانحطاط ، ويتقد كثير من المؤرخين و الاثاريين إن الرومان في صراعهم مع الفرس تنازلوا عن سنجار لقاء أمر اكثر أهمية وخطورة وهكذا وفي عام 363م يتنازل الإمبراطور (جوفيان ـ يوبيانوس) للإمبراطور الفارسي شابور الثاني عن مدينة سنجار و لتبدا سنجار عصرا جديدا في مدينة وظيفتها توديع غزاه ما لبثت أن صادقتهم واطمأنت لهم حتى تستقبل غزاة آخرين حتماً ستودعهم ذات يوم لتبقى الهوية نقية دون لوث .
(1) جمس هنري برستد : انتصار الحضارة ص 206
(2) طه باقر , فؤاد سفر : المرشد
(3) بنكغهام :رحلتي إلى العراق.
(4) الخرشان :وهو قطع الجص المتصلب ويستخدم في التسقيف والبناء لوزنه الخفيف وصلابته.
المدخل
يبدو أن الموقع الجغرافي لبعض الأوطان والمدن والمستوطنات البشرية يتحول إلى وبال لسكانها عبر التاريخ , فتتحول إلى ساحات حرب ومراكز صراع بين قوة عظمى أحيانا وصغرى متعملقة أحيانا أخرى ,و كوردستان واحدة من هذه الأوطان التي شاءت أقدار الجغرافية السياسية أن تكون مثلثاً بين بقايا ثلاث إمبراطوريات عفي عليها الزمن .
إذا ما غادرنا أطراف وطننا الثلاث واتجهنا إلى أقصى جناحه الغربي , فسنقف أول ما نقف في إقليم الجزيرة هذا ،على أطلال مدينة غائرة في أعماق التاريخ , تمتد جذورها إلى حيث وضع الإنسان أساس أولى محطات تجمعه ومباشرته حضارة الزراعة .
ففي الوقت الذي كان اقرانه في أواسط أوربا وغربها يبحثون عن الغذاء في مرحلة الصيد كان هو في (سنجار) وبقية أنحاء كوردستان قد بدا في صناعة الغذاء بنفسه ,حينما تجمع في قرى (تبه 1) و (تبه 2) لينشئ اقدم مستوطناته البشرية المتحضرة قبل اكثر من سبعين آلف عام , فالتنقيبات الاثارية التي آجراها الاثاري (سيتون لوئيد Seton Eloyed ) في منطقة سنجار والتي تناولت المرتفعات الشرقية والجنوبية من أطراف المدينة الحالية وتحديداً في (كَري ره ش ـ التل الأسود) و(كَري حوشي ـ تل حوشي) أثبتت من خلال المخلفات الفخارية القديمة جداً إلى ارتقاء تاريخ سنجار إلى عصور متأخرة في ما قبل التاريخ المتأخر(1)
منذ آن بزغت شمس الحضارة قبل آلاف السنين و سنجار أو (سنكارا) أو (سنغارا) كما كان يطلق عليها البابليون و (شنكَال) كما أطلق عليها الآشوريون , كـانت ميداناً لصراع الحضارات ومن ثم بعد ذلك الإمبراطوريات.
عرفت سنجار عند المصريين القدماء بلفظة (سنكار) وعند الاشيين بلفظ (شنخار) أما عند اليونان والرومان فكانت (سنكارة) حتى أطلق عليها الإمبراطور الروماني (اورليوس) اسم (اورليا) عندما جدد بنائها في حدود عام 199 م (2) (3) .
وبقت سنجار تحمل اسمها الجميل (شنكَال) هذا الاسم التاريخي الذي يعود تداوله إلى اكثر من ثلاثة آلاف سنة , والذي لا تزال شفاه الأطفال تتغنى به حتى يومنا هذا ,انه شنكَال وسنجار المدينة التي افترشت مرتفعات (قراجات) جبل سنجار الجنوبية لتشكل لوحة فنية رائعة الجمال , كأنها للذي يراها من بعيد صقرا كوردياً مد رأسه باتجاه (دير عاصي) في قلب الجبل ونثر جناحاه شرقا على (قراج اسمرى) وغربا على (قراجات قزل كه ند) وليمتد ذيله كذيل الطاووس مشكلاً وادي سنجار وبساتينهِ التي تمتد جنوباً في السهل (الده شت) ولتصب فيها كل عيون الماء .
هذه المدينة القديمة التاريخ والرائعة الجمال كان موقعها الجغرافي نقمة على سكانها فهي تتوسط الطرق بين إمبراطوريات حكمت هذا الإقليم , ففي شمالها كان الرومان وعلى شرقها كان الفرس والترك واجتمعت في جنوبها معظم الممالك العربيـة, ولم تتضح تلك الصراعات إلا بعد بزوغ الحضارات وقيام مراكز القوة .
وباعتقادي أن من أوائل تلك الصراعات هي نجاح الرومان في حدود 115 م بإسقاط مملكة سنجار التي كانت حين ذاك مملكة آرامية مستقلة يقودها ملك يدعى (معنو) (4).
وبذلك تدخل سنجار ضمن الإمبراطورية الرومانية التي استمرت في حكمها و أقامت فيها نماذج من حضارتها المتمثلة في سورها الجميل ببواباته الأربع والذي لا يزال جزءاً كبيرا منه قائما حتى يومنا هذا .
هذا السور الذي لم يجرؤ الفرس على اقتحامه رغم محاولاتهم العديدة حتى استطاع الإمبراطور الفارسي (شابور الثاني) في حدود عام 363 م من السيطرة على المدينة بعد تنازل الإمبراطور الروماني جوفيان (يوبيانوس) عنها .
ُيجمع معظم المؤرخون بل ويتفقون على أن المسيحية دخلت سنجار في الربع الأخير من القرن الرابع الميلادي .وتذكر المراجع الكنسية اسم الأسقف (معين) في حدود سنــة 375 م ,ويقال انه بنى العديد من المعابد المسيحية في الجبل والمدينة .
وتذكر نفس المصادر الكنسية أن أول أسقف أكيد لكرسي سنجار هو (باباي) وذلك في سنة 533 م وهو نسطوري .
لقد تركت المسيحية على ثرى سنجار بقايا صراعاتها المذهبية و أطلال كنائسها وخصوصا (دير عاصي) الذي تم تشييده في حدود عام 500 م حيث كان هذا الدير يعتبر من أهم المدارس المسيحية في القرن السابع الميلادي إضافة إلى دير (ووزنه) الذي شيد قبل عام 734 م بقليل وكذلك (دير زدشكه) أو دير الزلازل الذي شيد في قمة جبل سنجار
وإذا ما عدنا إلى المراجع الإسلامية القديمة فسنلاحظ إنها تتفق على أن فتح المسلمين لإقليم الجزيرة كان قد تم في حدود سنة 640 م , واستنادا على ذلك فان سنجار فتحت كغيرها من مدن الجزيرة في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب (رض) وعلى يد قائده العسكري (عياض بن غنم) . وتفيد المراجع الحديثة أن عياضا بعث من قبله (أبو موسى الاشعري) إلى سنجار الذي دخلها دون قتال لتدخل المدينة النصرانية في حوزة الإسلام وليبقى أهليها على نصرانيتهم بعد أن فرضت عليهم الجزية .
لقد جاء الإسلام بقبائل عربية إلى المدينة والتي استهوتها خيراتها وماؤها وكلئها فاستوطنت. ومنها قبائل (تغلب , وائل, نمير , كلاب,عقيل.إضافة إلى طي وعبيد) ,ويقول ابن الأثير وابن العديم في كتابه (زبده الحلب) ـ أن مدينة سنجار من مواطن الأكراد الأساسية والقديمة ومن اشهر قبائل الكورد فيها كانت الزرزارية (المسلمة منها واليعقوبية) وقبيلة الجورجان النصرانية ,وفي القرن الرابع والخامس الهجريين اشتهرت في سنجار ونواحيها القبائل الكوردية التالية(الحميدية ـ الهذبانيــة ـ الرواذية ـ المريوانية ـ الخاتونية ـ الشهوانية) .
لقد حاولت معظم الموجات الاستيطانية القادمة إلى المدينة أن تلغي هويتها وتمنحها هوية ممسوخة , و لكنما هكذا يقول التاريخ وتُرددُ صداه الأيام فقد بقت الشفاه الندية عبر آلاف السنين لا تنطق إلا اسمها الأصيل (شنكَال) ,وبقت هوية هذه المدينة كما هي مخزونة في ذاكرة سكانها الكورد وأزيائهم ونغمات أغانيهم وترانيم طنبوراتهم و أسمائهم وبقت منقوشة على حجارة وصخور جبلهم الأشم وعيون الماء و أسماء الأزقة و الأحياء وعناوين البلدات والقرى .
يكفي سنجار فخرا و السنجاريون مجدا طيلة العصور و الأزمان إنها كانت قد استوعبت واحتوت اكثر الغزاة همجية و آثرت فيهم اكثر مما تأثرت بهم فخرجت في كل مرة اكثر صلابة واشد مناعة , تعطي اكثر مما تأخذ وتمنح هويتها الأصيلة لكل الطيبين الاصلاء وهكذا رأيناها في فجر العاشر من نيسان 2003 بعد مئات السنين من محاولات إلغاء هويتها وبعد ثلاثين عاما من جرائم التطهير العرقي و الجينوسايد والترحيل خرجت عن بكرة أبيها أطفالا وشبابا رجالا وشيوخا من كل المدينة وقراها لترفع هويتها الكوردستانية الأصيلة ولتتبخر كل تلك التشويهات التي أحدثها العنصريون في وجهها الباسم
سنحاول تبويب هذه الدراسة حسب الحقب التاريخية التي مرت على المدينة ابتدائاً من سقوط أول مملكة أقيمت فيها وحتى سقوط المدينة في الإمبراطورية العثمانية في حــدود1516 م.
(1) مجلة سومر , مجلد 31 :ج1 ج2 سنة 1975 ص 21 القسم الأجنبي مقال د.بهنام أبو الصوف.
(2) بدج : رحلات إلى العراق .
(3) بكنغهام :رحلتي إلى العراق
(4) أدي شير :تاريخ كلدو وأثور
الحلقة الاولى
سنجار بين حضارتين:آرامية ورومانية
ربما كانت مملكة (معنو) الآرامية المستقلة في سنجار عند بدايات العصر الميـلادي آخر الممالك المزدهرة للآراميين في غرب كوردستان , أولئك الآراميون الذين انتشروا في كل الأصقاع لولعهم الكبير بالتجارة فنقلوا في انتشارهم هذا لغتهم الجميلة وأبجديتهم التي تعتبر من اقدم الحروف التي استخدمت في الكتابة . (1)
اعتقد أن المتاحف العراقية والأوروبية تحتفظ بما يدلل على أن مملكة معنو لم تكُ قرية أو منتجعا ملكيا بل كانت مملكة كاملة التكوين , فقد ضُربت فيها النقود ,ولقد عُثر على نماذج كثيرة من نقود تلك المملكة. (2)
من المؤكد إن سنجار عاصمة تلك المملكة كانت مركزا تجاريا كبيرا ومهماً تقع عند تخوم الإمبراطورية الآشورية , وهذا يعني إنها كانت قوية أيضا , إذ إن أي اقتصاد متين يحتاج إلى قوة عظمى لحمايته والحفاظ على أمنه و آمن مسالك حركته , من هذه الحقيقة نستدل على آن المملكة الآرامية في سنجار استطاعت أن تقيم حضارة جميلة ومتميزة ,سنكتشف ذات يوم أنها من أروع الحضارات في هذا الإقليم لوقوعها بين مملكتين عظيمتين في حضارتيهما وقوتيهما تلك هي (الآشورية في شرقها ) و(الميتانية في شمالها الغربي) , خصوصا إذا ما علمنا أن سكان سنجار الأصليين ينحدرون من أصول ميدية وميتانية _ هندواوروبية .
في بدايات القرن الميلادي الثاني بدأت مملكة معنو السنجارية بالضعف والوهن لكثرة ما تعرضت له من صراعات واطماع من قبل جيرانها شرقا وغربا إضافة إلى هجمات البدو القادمين من الجنوب والجنوب الشرقي حيث بحثهم الأزلي عن الماء والكلأ ,خصوصا وان موقع سنجار عند حافات الصحراء واكتنازها للخصب والماء جعلها دائما محط أطماع الغزاة
وهكذا أصابها الوهن فما آن بدا العقد الثاني من القرن الميلادي الثاني حتى اتجه الرومان صوب ذلك الجبل القائم عند تخوم الصحراء , حينما ابلغهم تجارهم بوجود مدينة رائعة الجمال كثيرة الخيرات , تغفو على سفح جبل غارق حتى أذنيه بالغابات وعيون الماء التي تتدفق من كل أطراف المدينة , وسهل يمتد جنوبا ليحتضن نهرا جميلا تنتشر حوله بساتين النخيل والأعناب والتين والزيتون حتى الأفق .
هكذا كانت تقارير التجار الرومان تصف مملكة سنجار وهي تُرفع إلى أباطرتهم حيث كان الإمبراطور الروماني [طراجان ـ طريانوس] يجتمع إلى كبار رجال إمبراطوريته في الحكومة والجيش ليتداول معهم أوضاع الدولة وأحوال الحدود والثغور وهو يقرأ تقريراً يصف له مدينة سنجار وأهميتها وموقعها الاستراتيجي كثغر جنوبي لإمبراطوريتهم .
وبعد مناقشات ومداولات مستفيضةُ قرر الإمبراطور طريانوس اظافة شنكَال إلى إمبراطوريته العظمى، وهذا ما حصل فعلاً في نهاية عام 114 م حينما هاجمت جيوش الرومان مملكة معنو الواهنة في شنكَال و أسقطوها بعد قتال لم يستغرق إلا بضعة أيام هرب على آثرها الملك معنو إلى فلسطين(3) ـ ولم أجد له أثرا في معظم المراجع ـ .
لقد توارى ـ هذا الملك ـ عن الأنظار والناس جميعاً وترك مملكته الصغيرة تواجه مصيرها مع الغازي الكبير ، فلقد أيقن (معنو) انه لن يصارع هذا الثور الهائج والأفضل له أن يغادرها تاركاً خلفه شعبا متجذراً لا يستطيع أن يهرب فليس له بديل آخر إلا الموت أو الاستسلام .
صحيحُ ؛ أن كثير من السنجاريين كانت قد أصابتهم الصدمة وصعقوا حينما هاجمهم الرومان في مدينتهم الثرية الهادئة ، وان كثيرا منهم قتل أو جرح دفاعا عن معنو ومملكته ، فلم يكن هناك وقتئذ خيار أخر ، ولكنهم لو كانوا يعلمون ما سيفعله الرومان في مدينتهم بعد ذلك لما ابتئسوا ، وآي بديل أقاموه أولئك القادمون من الشمال. لقد وضع القائد الروماني (لوسيوس كيوتوس) نصب عينيه موقع المدينة وبعدها عن المدن التي حولها ، وكيفية ربط هذه المدينة الجميلة ببقية المدن في عمق الإمبراطورية ، وكيفية إعادة بناءوها وفق رؤيته ، وهكذا تقدم هذا القائد بأفكاره إلى الإمبراطور (طريانوس) بعد اظافة سنجار إلى حواضرهم . فما كان من الإمبراطور إلا أن اصدر أوامره بتعبيد الطريق بين سنجار ونصيبين برصفه بالحجارة في بداية عام 115 م .وبذلك يكون الرومان قد وضعوا حجر الأساس لأول شارع معبد بين سنجار وخارجها وكان ذلك باكورة أعمالهم الحضارية المتطورة في المدينة .
لقد كانت الرؤية الرومانية عسكرية ـ مدنية في قيامها بتبليط الشوارع بين سنجار والمراكز الحضرية الأخرى في الإمبراطورية ، وكانت الحلقة الأولى في سلسلة الحضارة التي بدأت تدخل المدينة لأول مرة ، فلم يمضِ قرن على ذلك الطريق حتى باشر الإمبراطور (ساديروس الكسندر) برصف طريق أخر يمتد من سنجار حتى الخابور .
وحينما كان المئات من البشر آو ربما الآلاف ينقلون الحجارة من الجبل إلى حيث يتم رصفها باتجاه نصيبين والخابور كان السنجاريون ينفذون بناءا في مركز مدينتهم فلقد وضع المهندسون الرومان تخطيطا جديدا للمدينة ابتدءوه بالسور الكبير الذي يلف المدينة من كل أطرافها وبذلك أمنوا لهم ولسكانهم حياة اكثر أماناً واستقرارا .
ولم يجد الرومان صعوبة في الحصول على ألبناه والمهندسين والعمال ،فلقد عرف السنجاريون بحبهم للبناء والأعمار وللحضارة .وتختزن ذاكرة التاريخ أسماء كثيرة من أولئك ألبناه والنقارون وصناع الجص وبناة التسقيف بالحجارة و(الخرشان) (4) .فانهمكوا مع الرومان في تهيئة تلك الكتل الصخرية الكبيرة لبنائها كسور للمدينة .
وحينما كان المئات منهم منهمكون في بناء السور الكبير كان عدة مئات آخرين يعملون في رصف طريق المدينة الرئيسي والذي يمتد من اكبر أبواب السور وهو باب السماء الذي يتجه جنوبا ـ وحتى آخر المدينة الذي ينتهي عند البوابة الرابعة باب الجبل ـ الذي يتجه شمالا باتجاه جبل سنجار .
لقد امتلأت المدينة بعشرات التماثيل والنصب الدينية والمدنية حيث كانت تزين حدائقهم وساحاتهم وبوابات قصورهم ، ويوم بعد آخر وسنة تلو سنة يبدأ السنجاري بالاطمئنان للقادم الجديد من الشمال ، كيف لا وقد أقام له مدينة جميلة أعاد بنائها و أشاع فيها الأمن والسلام والعمل و ضرب حولها سورا عظيما يحميها من أطماع الطامعين القادمين من الجنوب . وفتح في سورها أربعة أبواب باتجاه الجهات الأربع وهي على التوالي :
1- باب السماء : وهو بوابة دخول المدينة الرئيسية حيث يمتد منها شارع البلاط والذي يمتد حتى طرف المدينة الشمالي . وهو الباب الوحيد الذي بقت آثاره حتى يومنا هذا .
2- باب الجبل : ويقع في الطرف الشمالي للمدينة حيث ينفتح باتجاه الجبل شمالا وكان مفتوحا طيلة النهار ويغلق ليلاً .
3- باب الشرق: ويقع في طرف المدينة الشرقي ولم يبقى من آثاره آي شئ.
4- باب اللـيل: ويقع في الطرف الغربي من المدينة .
ومن باب السماء حينما كان يدخل المرء يطل على ساحة كبيرة واسعة تنتشر على جنباتها تماثيل الهتم وأباطرتهم أضافوا أليها تماثيل الأسود والنمور أمام مداخل قصورهم الذي بنيت في أخر الساحة .و لأول مرة يكتشف سكان سنجار الاصليون انهم قريبون من الغازي الجديد ، فهم ينحدرون من أصول واحدة تلك هي الأصول الهندواوروبية ، وبذلك استطاع الرومان أن يشيعوا مناخا رائعا لاقامة مستعمرتهم الحضارية الجديدة عند تخوم الصحراء فيتفاعل السكان معهم ويتعاونون في إقامة إدارتهم التي استمرت ما يزيد على قرنين ونصف القرن كانت صفحاتها المشرقة اكثر بكثير من نقاطها المظلمة .
ولان النظم السياسية والحضارات والقوى تشيخ كما يشيخ الإنسان وتبدوا عليها علامات الضعف والوهن ،فان الرومان ونظامهم في سنجار بدأوا بالضعف والانحطاط ، ويتقد كثير من المؤرخين و الاثاريين إن الرومان في صراعهم مع الفرس تنازلوا عن سنجار لقاء أمر اكثر أهمية وخطورة وهكذا وفي عام 363م يتنازل الإمبراطور (جوفيان ـ يوبيانوس) للإمبراطور الفارسي شابور الثاني عن مدينة سنجار و لتبدا سنجار عصرا جديدا في مدينة وظيفتها توديع غزاه ما لبثت أن صادقتهم واطمأنت لهم حتى تستقبل غزاة آخرين حتماً ستودعهم ذات يوم لتبقى الهوية نقية دون لوث .
(1) جمس هنري برستد : انتصار الحضارة ص 206
(2) طه باقر , فؤاد سفر : المرشد
(3) بنكغهام :رحلتي إلى العراق.
(4) الخرشان :وهو قطع الجص المتصلب ويستخدم في التسقيف والبناء لوزنه الخفيف وصلابته.