dhso
03-11-2005, 22:24
لغة بعشيقه وبحزانـي - أبعاد ودلالات
صباح كنجي
الخميس 22/06/2006
تواجه الباحث في شؤون الأيزيديه جملة مسائل شائكه تتطلب جهدا ً غير عاديا ً وقدرة ليس على الأجتهاد فقط ، بل تقصي حقائق تاريخ الشعوب والأجناس وتاريخ اللغات واصولها وجذورها، وهو امر يفوق قدرة الأنسان - الفرد ويتطلب جهدا ً جماعيا ً تقوم به المؤسسات العلميه من جامعات ومعاهد متخصصة من خلال حلقات البحث الجماعيه طويلة الأمد.
ولكن من اجل التنبيه لهذه الحقيقة سأحاول ان انوه الى اهمية هكذا دراسات من خلال هذا البحث المتواضع في موضوعة علم اللغة وتاريخ اللغات والشعوب والأجناس.
وقد استوقفتني كثيرا ً طبيعة اللغة التي يتكلم بها سكان بعشيقه وبحزاني . وهي لغة خاصة بهم لا يتحدث بها إلا سكان هذه المنطقة المكونة تاريخيا ً من قريتين هما بعشيقه وبحزاني * ، وقد اصبحت الأولى مركز ناحيه رغم صغرها وقلة نفوسها قياسا لبحزاني التي ما زالت قصبة تابعة للناحيه ، وعموما فقد اختلطت المدينتان الصغيرتان الآن وهما يشكلان قوام ناحية بعشيقه بنفوسها الذي يقرب من الثلاثين الف نسمة غالبيتهم من الأيزيديين ويليهم النصارى وعدد قليل من العوائل العربيه والأرمن وأفراد من الشبك والتركمان والأكراد المسلمين .
اما توابع الناحيه فهم خليط عجيب من عدة اقوام ولغات وبقايا شعوب سكنت العراق منذ العهود الغابرة وفي المقدمة منهم الشبك والأرمن والكورد والتركمان وألاشوريين والكلدان والسريان وهو محيط غني ومتنوع العادات والطقوس والملبس واللغة والدين ، ورغم هذا المحيط المنوع فأن اللغة تجمع بين الناس من مختلف الأديان والقوميات وألأجناس داخل المدينتين .
وهي لغة متميزة مكونه من مرادفات خليطه من اللغات الكورديه والعربيه وبعض المرادفات الفارسيه والتركيه وفيها ايضا ً مرادفات من الأنكليزيه والألمانيه والروسيه والهنديه والأرمنيه ولغة الاردو بألأضافة الى اللغات القديمة من آشوريه وسريانيه وعبريه وسومريه التي تجد لها مكانة في لغة سكان هذه المدينة الصغيرة... وهو امرٌ يستوجب التوقف عنده ومعرفة دلالات هذه الظاهرة اللغوية وابعادها التاريخيه وجذورها وصلاتها وعلاقتها بميثولوجيا الشعوب ، وقبل ان نغوص في غمار البحث وألاجتهاد لابدّ من ان نبين صفات ومميزات هذه اللغة والأسس التي نعتمدها في إعتبارها لغة متميزة .
فما هي هذه المعطيات؟ ولماذا نعتبرها لغة وليس لهجة ؟
1- انها لغة وليست لهجه .. لأنها لغة هاتين المدينتين وحدهم فقط ، ولا يوجد من يشاركهم فيها اطلاقا ً وهي لغه خاصة بهم وحدهم.
2-هي لغة تجمع بين الكرديه والعربيه فيها الأصول الكرديه والكلمات العربيه في تداخل يصعب معرفة اين تبدأ العربية وتنتهي ومن اين تبدا الكرديه وما هي حدودها.
3- في التشكيل اللغوي تتداخل اللغتين لتنتج هذا المزيج الذي يربط العربيه بالكرديه في ظاهرة تاريخية- لغويه ، و انسانيه- ميثولوجيه ، فريدة ومتميزة ، تتطلب البحث والأستقصاء من لدن الباحثين والمختصين وعدم التسرع في طرح الأستنتاجات .
4- تشكل اللغه بحد ذاتها ضاهرة تاريخية فريدة قد تكون مدخلا ً لمعرفة حقيقة هذا الدين واصوله وجذوره برؤية منفتحة وموضوعية بعيدة عن روح التعصب والميل العنصري الذي يغلب صفة معينة وبشكل شوفيني من خلال مفاهيم قومية متعارضة استعلائيه من ( قبيل شعب الله المختار) أو ( كنتم خير امة اخرجت للناس ) ،على حقائق التاريخ المشترك للشعوب والقبائل والأجناس، الذي تؤكده الجذور المشتركة لِلـُغات هذه الشعوب ذي الأصول المشتركه والمنبع المشترك.
5- يتحدث بهذه اللـّغة كافة سكان بعشيقه وبحزاني بمختلف اديانهم وقومياتهم وهذه خاصية فريدة ومتميزه تجمع بين مجموعة اقوام ( اكراد وعرب وارمن واشوريين وكلدان وسريان) من مختلف الأديان من ( ايزيديين ومسيحيين ومسلمين وسابقا ً اليهود ) في لغة واحدة متميزة في سابقة تستحق التوقف عندها من لدن المختصين.
6- انها مزيج من الكرديه والعربيه مع وجود مفردات اخرى من فارسيه وتركيه والمانيه وانكليزيه وهنديه وروسيه وارمنيه وشركسية مع جذور مشتركة للغات قديمه كالآشوريه والسريانيه والكلدانيه والسومريه .
والسؤال الذي يتبادر الى الذهن كيف تجمعت مفردات جميع هذه اللغات القديمة والحيّة في لغة هذه القرية الصغيرة في سفح جبل مقلوب ومتى نشأت ؟ واين كانت تلتقي كل هذه اللغات سابقا؟ وما هي ارضيتها التاريخيه؟
7- الصفات المميزة لهذه اللغة تتحدد بالمسائل التالية:-
-لايلفظ فيها حرف (الذال ) و يحول الى ( زاء ) كما في لهجة بعض السوريين واللبنانيين مثلا ً( ذ ُل) يلفظ ( زُل)
-لا يلفظ ( الظاد) فيها ويحول الى ( زاء ) مثلا (ظاهر) يلفظ ( زاهر).
-لا يلفظ (الضاد) فيها ويحول الى ( زاء ) مثلا (ضابط ) يلفظ ( زابط )، (ابيض ) تلفظ ( ابيز أو ابيص) .
-لا يلفظ (الثاء ) فيها ويحول الى (السين ) مثلا ( اثنين ) تلفظ ( اسنين ) ، (ثائر) يلفظ ( سائر ).
- لا يلفظ فيها ( الصاد ) في الكثير من الأحيان ويحول إلى ( سين ) مثلا (الصدق ) تلفظ ( السدق ) ، ( صالح ) تلفظ ( سالح ) .
- فيها حروف ( الباء ) و (الفاء) و (الجا ) و(الزاء ) المفخمة بثلاث نقاط و (الكا ) كحروف مفخمه كما في اللغات الأوربيه والفارسيه.
- لا يلفظ ( الراء ) بل يحول إلى ( غاء ) مثلا ( روح ) تلفظ ( غوح ).
- تعداد الارقام متميز وتحسب هكذا.. ( ويحد ، اسنين ، ساسي ، اوبعه ، خمسي ، ستي ، سبعه ، اسميني ، تسعه ، عشخه .
اما تسميات الأعياد والطقوس فتميل الى الاصول الكرديه والسومريه وكذلك تسميات الطعام واسماء الحيوانات والألعاب..
والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن..
ما هو اصل هذه اللغة؟
وكيف ومتىأ ُدْ مجت اللغتين الكرديه و العربيه لتكون هذه اللغه الهجينه ؟
أين التقت هل هنا في بعشيقه أم في مكان آخر في غابر ٍ من الزمان؟
ما هو اصلها المباشر هل هي لغة كرديه أم هي لغه عربيه أم أنها منحدرة من لغة ثالثة قديمه تجمع بين اللغتين كلغة أم؟
والناطقين بها تبعا ً لهذا التساؤل والجواب عليه هل هم اكراد أم عرب أم من قوم يجمع بين الأثنين؟
قد يكون السؤال غير منطقيا ً للبعض ممن يجدون هونا ً وبعدا ً شاسعا ً بين القوميات وشعوب المنطقه ويقسمونهم إلى شعوب وقبائل متفرقه ومتعاديه لا يجمع بينها جامع وتتكرس هذه الظاهرة من خلال المفاهيم العنصريه التي تضع الفارسي في مواجهة العربي والكردي كعدو ازلي وتاريخي ، أو وضع الترك ( ألآذريين ) في مواجهة عدائية ازلية وتاريخية مع الكرد و الأرمن وغيرهم من شعوب المنطقة وهكذا..
وجاءت الأديان لتدفع بهذا ا لبعد إلى مديات اوسع بينها ، ( خاصة بعد أن تكونت الأديان التي توصف بالسماويه ) ، وإختلفت المفاهيم والمعبودات والطقوس فظهرت الديانه السومريه والأيزيدية والبابليه والآشوريه والمندائيه والزرادشتيه والمثرائيه واليهوديه والمسيحيه والأسلام في مرحله لاحقة، وتطور الصراع في العهود اللاحقه بعد ظهور المفاهيم القوميه التي حاولت أ ن تضع كل شعب أو قبيلة في خانة متميزة ومختارة كأنها مصطفات من آلهة تؤمن بها .
وتؤجج هذا الأختيار أو الأصطفاء لصالح قوميه أو شعب من شعوب المنطقه على حساب المساواة والأصل المشترك أو حصرها في ثلاث مجموعات هي الساميه والحاميه ونسل يافت الذي تبنته التورات واعتمد عليه الكثير من المؤرخين ، وعدد من أصحاب النظريات التي تؤكد إن البعض من هذه الشعوب هم قوم قد اصطفاهم الله ولا يجمعهم جامع مع الآخرين من الناحية التاريخيه وان اللغه التي يتكلمون بها هي لغة منزلـّة من عند الله مستندين على ما جاء في القران ( واننا انزلناه قرآنا ً عربيا ً ) لهذا يرفضون أية محاولة للبحث عن جذور هذه اللغه ( العربيه ) ، ولم يهتم العرب بالدراسات المتعلقة بفقه اللغة وجرت محاربة كل من حاول استقصاء هذه الجذور أو منعه في مختلف العصور وآخرها محاولة الدكتور لويس عوض في مصر عام 1980 حينما اثمرت جهوده في مجال فقه اللغة العربيه عن كتاب رائع عنوانه مقدمه في فقه اللغه العربيه فمنع الكتاب بعد أن إحتج شيوخ الأزهر عليه وتمت مصادرة الكتاب للآسف الشديد .
والشيء الذي لفت انتباهي منذُ مطلع الثمانينات بعد لجوئي لحركة الأنصار في كردستان في المنطقة الممتدة بين إيران وتركيا وسوريا والعراق والتي يتواجد فيها بألأضافة الى الأكراد الآشوريين والكلدان وألأرمن والترك والفرس والعرب والمندائيين وغيرهم من بقايا الشعوب بمن فيهم الشراكسه والداغستانيين، وألعديد من الأديان القديمه والجديده و المذاهب والفرق والطوائف المتنوعة ، ومما لفت انتباهي الحقائق التاليه:-
1- المنطقه التي تشمل خليطا ً منوعا ً من هذه الأقوام وألأجناس تمتد خارج حدود كردستان لتصل المناطق التي كانت في عداد جمهوريات الأتحاد السوفيتي المنحل والتي تسمى جمهوريات القفقاس في مناطق بحر القزوين وما جاوره او ما كان يعرف بجهوريات آسيا السوفيتيه منها جورجيا وارمينيا وآذربيجان وتركمانستان وغيرها وانها تستمر في الأمتداد شرقا ً إلى حدود البحر الأبيض المتوسط في سواحل سوريا وفلسطين ومصر وألأردن والعراق مرورا ً بايران وافغانستان والباكستان والهند والعراق والأناضول وكردستان.
2- إن هذه الشعوب متشابهه ومتقاربه في الملامح ألعامه وبعض العادات والطقوس وهناك الكثير من المشتركات بينهما .
3-في هذه المنطقه ظهرت الحضارات القديمه وبأسماء شبيهة أو متقاربه من تسميات هذه الشعوب والقبائل أو مرادفة لها .
4- اللـّغات التي يتحدث بها شعوب وقبائل هذه المنطقه الشاسعه رغم تنوعها وكثرة تسمياتها القوميه والأثنية هي لغات يجمع بينها الشيء الكثير ويكاد بعضها أن يكون متجانسا ً ومتطابقا ً.
5- تدخل اللغه المشتركه التي يطلق عليها ( العربيه ) في قوام وتركيبة غالبية لغات هذه الشعوب فهي تشكل نصف قوام اللغه الفارسيه تقريبا واكثر من ثلث اللغة الاذاريه (التركيه) وكذلك الحال بالنسبة الى الآشوريه والعبرية والسريانيه وهي تمتد لتدخل في قوام الكرديه والشركسيه ( الجركسيه) وكذلك لها امتداد في اللغات القديمه كالسومرية والمندائيه وتواصل علاقاتها وتشابكاتها إلى اللغة الهنديه والباكستانيه ويتخطى هذا الأشتراك الحدود ليصل إلى اللغات الأوربيه كالأنكليزية والألمانيه وغيرها من تفرعات اللغة الأوربيه واللاتينيه لتشكل حالة تستدعي التوقف عندها وغوص اغبارها من قبل متخصصين في علم اللغة وتاريخ الأجناس والشعوب في المرحلة اللاحقه وهي مهمة الجامعات والمعاهد المتخصصة .
6- والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن متى نشأت هذه اللغات وهل هناك زمن يمكن تحديده لكل لغة ومصدرها وجذورها واصولها ؟ هل هناك علم مختص بهذه القضيه؟ هل هناك مسلمات وقواعد يركن اليها عند الحديث عن تاريخ اللغات ؟ والسؤال الأهم هل هناك ميكانيكيه أو آليه فونوطيقيه تتحكم بالعلاقة بين اللغات وتكشف اسرارها التاريخيه وابعادها الزمنيه أم إن المسالة هي مجرد رغبات ذاتيه وقناعات ترفض أو تؤكد ما يدخل في باب فقه اللغات الذي أصبح علما ً يدرس في مختلف جامعات العالم ما عدا العربية وملحقاتها الشرقية.
قبل الأجابه على البعض من التساؤلات المطروحه في الفقرات السابقه لابد ّ من التطرق إلى حقائق تاريخيه مسلم بها من باب البحث العلمي والذي اجاب عنها من خلال الدراسات التاريخيه والمكتشفات الآثاريه وعلم الجيولوجيا الذي يستند إلى مخلفات الحضارات الناشئه في هذه المناطق على الكثير من الأمور المهمة التي كانت تشغل بال العلماء والمفكرين عن اصول الحضارة ومنبعها وبداياتها التي كانت موضع جدل في القرن الماضي ، حيث أخذت تميل الكفة الراجحة إلى الأعتقاد المؤكد إن الحضارة قد بدات في مناطق حوض بحر قزوين واطرافها ومنها اتجهت نحو الشرق إلى حدود البحر المتوسط وبلاد الرافدين وصولا ً إلى مناطق الخليج واليمن من جهة ، وفي خط آخر نحو المناطق الأوربيه ، أي أن البداية كانت مناطق القوقاز كمنبع للهجرات المتعاقبه وهذا ما تؤكده المكتشفات الآثاريه التي تذكر شعوب وقبائل هذه المنطقه بالتعاقب ابتداء ً من السومريين وما اعقبهم من قبائل وأجناس رعوية كانت تعيش في مرحلة ما قبل إكتشاف وتعلم الزراعة وتقـتاد على الصيد وتمتهن الرعي ومن ثم على الحيوانات المدجنه من ماشية وخيول وجمال قبل أن تزاول الزراعة وتستقر في مناطق محددة لها لتكون مرحلة جديدة و اساسا ً لتشكيل اللغات العديدة التي ترتبط بلغة سابقة لها أو متجاورة معها في اصول اقدم واعرق من ذلك .
7- يذكر التاريخ تسلسل متعاقب لهجرة وانتقال هذه القبائل وامتداداتها وتؤرخ التورات للكثير من تسميات هذه الشعوب والقبائل وإن لم يكن ما ورد في التورات من باب المسلمات التاريخيه المطلقه والعلميه لكنها تترادف مع المكتشفات الاثارية ولا تبتعد عنها في الكثير من التسميات.
8- وتاتي في سياق هذه الهجرات ، المتأخرة نسبيا ًحيث سبقهم قبلها السومريون بنحو أربعة آلف سنة ومن بعدهم الآشوريين والسريان وألارمن والآذريين والعبريين وغيرهم من الأجناس التي انطلقت من الحوض البشري الذي كان يفيض بالسكان ويتحول للزراعة فيبحث عن المزيد من الأراضي في الجهات التي تهيء له مستلزمات البقاء والديمومة الملائمة له ولحيواناته الداجنه فكان الشرق وكانت الشمس الدافئه المنورة التي أحس بأهميتها وفائدتها فقدسها وسجد لها وألهها ، العرب كآخر قوم أو شعب وصل مناطق الشرق فالتجأ إلى الأماكن غير المأهوله بالسكان في منطقة شبه الجزيرة التي كانت تبتعد بعض الشيء عن المناطق الحضرية التي كان يقطنها الميديون والسريان والكلدان والعبرانيون والفرس ، وهو رأي مناقض لدعاة هجرة العرب من الجزيرة العربيه إلى خارجها ، كما يحاول أن يؤكد الدعاة المزيفون للحقائق ، من القوميين العرب الذين لا يؤمنون بالتاريخ المشترك للشعوب ،وأستند في رأي هذا على ا لمسائل التالية في هذا الموضوع :-
الأولى :- إن كلمة العرب هي كلمة سريانية تطلق على البدو الرحل والمتنقلين (اربايا ) ، وقد اشتقت منها العربه التي هي وسيلة التنقل والحركه.
الثانية :- إن الشعوب السابقه للعرب كانت مستقرة في مدن وممالك ذكرها التاريخ وأكدتها المكتشفات الأثريه ووردت اسماؤها في التورات ما عدا العرب.
الثالثة:- إن أول تسميه للعرب وردت كشاهد حضاري يؤكد على وجود العرب هي الشاخص الحجري على قبر امرؤ القيس في الجزيرة التي كتب عليها ( قبر ملك كل العرب ) وهي في بحدود (328 ) قبل الميلاد وتعتبر حديثة قياسا ً لبقية الشعوب واللغات المدونة فيها المكتشفات الاثريه.
الرابعة :- لو أخذنا بنظر الأعتبار تاريخ الأديان وتاريخ تطور الفكر الديني عند الشعوب ابتداء ً من عبادة الظواهر الطبيعيه وعبادة القمر والشمس وغيرها من الظواهر التي تطورت من مراحل الصيد ومن ثم الرعي والزراعة لأكتشفنا إن العرب هم في مؤخرة الشعوب التي سبقتها في تطوير مفاهيمها الدينيية وطورت معبوداتها فظهرت الأيزيديه والزرادشتيه والمثرائيه والمانويه في اعقاب الديانة السومريه التي تلتها البابليه والديانة الآشوريه مرورا بالمندائيه واليهوديه والمسيحيه ومن ثم الاسلام كآخر دين حديث ظهر بين العرب وسط مجموعة اديان كانت متواجدة في المنطقة وتؤكد المعطيات الثقافية إن الزرادشتيه كانت منتشرة بين العرب قبل الأسلام بالأضافة إلى اليهوديه والمسيحيه وعبادة ( اللات والعزة وهبل ) التي سبقت الأسلام وتوجد مقاطع شعريه تؤكد إن العرب كانوا يحتفلون بنوروز كعيد يجمعهم مع بقية الأجناس وألأقوام في رأس السنة.
إما الأدعاء بأن العرب هم من اقدم سكان المنطقه في الجزيره العربيه ومنها هاجروا إلى بقية المناطق في العراق والشام فهو قول تدحضه الحقائق الجغرافيه والتاريخيه وعلم الاثار وكذلك علم تاريخ الشعوب والثقافات بما فيه علم فقه اللغات الذي يختص بدراسة الأصول والمشتركات اللغويه للشعوب والأقوام ، وعلى سبيل المثال فأن علم العروض في الشعر العربي وبحوره التي تشكل قوامه هي ليست عربيه كما يدعي مزيفو التاريخ من العرب بل هي مشتركه في أكثر من لغه هي الفارسيه والعربيه والكرديه والآشوريه والعبريه والسريانيه والروسيه وقد اخذها العرب من غيرهم ممن سبقوهم في تنظيم الشعر ، والأدهى من ذلك إن كلمة الشعر نفسها تتردد في هذه اللغات بأشكال متقاربه ومتشابهة ابتداء ً من السومريين ومرورا ً بالبالبليين والسريان والعبرانيين والآشوريين والفرس والترك وحتى الفراعنه فجميعهم يستخدها بتسمية الشعر وكما يلي:
شيئر،شعر ، شئر ، شير،شيعر.
إما التنقيط الذي ينسب إلى الحجاج بن يوسف الثقفي فما هو إلا استعارة متكاملة من السريانيه ادعى المزيفون تنسيبها له ، وكذلك الأرقام المسمات بالعربيه التي جرى استعارتها من الهنديه بالكامل .
وهذه الأدعاءات المنسوبه للعرب والعربيه يدحضها التاريخ لأنها تعود لأقوام وشعوب أخرى عاشت في نفس المنطقه قبل العرب وهذا لا يشكل نقصا ً أو عيبا ً في تاريخ الشعب العربي الذي كان لعهود طويله يزاول الرعي والتنقل الذي يناسب الحيات البدويه ومن هنا ما نراه من تفسير لأسم العرب عند الشعوب التي سبقتهم فالسريان والآشوريين يطلقون التسميه ( ارابايا) على البدو وكذلك الفراعنه وهي تسميه يختص بها من يمارس مهنة الرعي والتنقل من قبائل البدو فقط.
صباح كنجي
الخميس 22/06/2006
تواجه الباحث في شؤون الأيزيديه جملة مسائل شائكه تتطلب جهدا ً غير عاديا ً وقدرة ليس على الأجتهاد فقط ، بل تقصي حقائق تاريخ الشعوب والأجناس وتاريخ اللغات واصولها وجذورها، وهو امر يفوق قدرة الأنسان - الفرد ويتطلب جهدا ً جماعيا ً تقوم به المؤسسات العلميه من جامعات ومعاهد متخصصة من خلال حلقات البحث الجماعيه طويلة الأمد.
ولكن من اجل التنبيه لهذه الحقيقة سأحاول ان انوه الى اهمية هكذا دراسات من خلال هذا البحث المتواضع في موضوعة علم اللغة وتاريخ اللغات والشعوب والأجناس.
وقد استوقفتني كثيرا ً طبيعة اللغة التي يتكلم بها سكان بعشيقه وبحزاني . وهي لغة خاصة بهم لا يتحدث بها إلا سكان هذه المنطقة المكونة تاريخيا ً من قريتين هما بعشيقه وبحزاني * ، وقد اصبحت الأولى مركز ناحيه رغم صغرها وقلة نفوسها قياسا لبحزاني التي ما زالت قصبة تابعة للناحيه ، وعموما فقد اختلطت المدينتان الصغيرتان الآن وهما يشكلان قوام ناحية بعشيقه بنفوسها الذي يقرب من الثلاثين الف نسمة غالبيتهم من الأيزيديين ويليهم النصارى وعدد قليل من العوائل العربيه والأرمن وأفراد من الشبك والتركمان والأكراد المسلمين .
اما توابع الناحيه فهم خليط عجيب من عدة اقوام ولغات وبقايا شعوب سكنت العراق منذ العهود الغابرة وفي المقدمة منهم الشبك والأرمن والكورد والتركمان وألاشوريين والكلدان والسريان وهو محيط غني ومتنوع العادات والطقوس والملبس واللغة والدين ، ورغم هذا المحيط المنوع فأن اللغة تجمع بين الناس من مختلف الأديان والقوميات وألأجناس داخل المدينتين .
وهي لغة متميزة مكونه من مرادفات خليطه من اللغات الكورديه والعربيه وبعض المرادفات الفارسيه والتركيه وفيها ايضا ً مرادفات من الأنكليزيه والألمانيه والروسيه والهنديه والأرمنيه ولغة الاردو بألأضافة الى اللغات القديمة من آشوريه وسريانيه وعبريه وسومريه التي تجد لها مكانة في لغة سكان هذه المدينة الصغيرة... وهو امرٌ يستوجب التوقف عنده ومعرفة دلالات هذه الظاهرة اللغوية وابعادها التاريخيه وجذورها وصلاتها وعلاقتها بميثولوجيا الشعوب ، وقبل ان نغوص في غمار البحث وألاجتهاد لابدّ من ان نبين صفات ومميزات هذه اللغة والأسس التي نعتمدها في إعتبارها لغة متميزة .
فما هي هذه المعطيات؟ ولماذا نعتبرها لغة وليس لهجة ؟
1- انها لغة وليست لهجه .. لأنها لغة هاتين المدينتين وحدهم فقط ، ولا يوجد من يشاركهم فيها اطلاقا ً وهي لغه خاصة بهم وحدهم.
2-هي لغة تجمع بين الكرديه والعربيه فيها الأصول الكرديه والكلمات العربيه في تداخل يصعب معرفة اين تبدأ العربية وتنتهي ومن اين تبدا الكرديه وما هي حدودها.
3- في التشكيل اللغوي تتداخل اللغتين لتنتج هذا المزيج الذي يربط العربيه بالكرديه في ظاهرة تاريخية- لغويه ، و انسانيه- ميثولوجيه ، فريدة ومتميزة ، تتطلب البحث والأستقصاء من لدن الباحثين والمختصين وعدم التسرع في طرح الأستنتاجات .
4- تشكل اللغه بحد ذاتها ضاهرة تاريخية فريدة قد تكون مدخلا ً لمعرفة حقيقة هذا الدين واصوله وجذوره برؤية منفتحة وموضوعية بعيدة عن روح التعصب والميل العنصري الذي يغلب صفة معينة وبشكل شوفيني من خلال مفاهيم قومية متعارضة استعلائيه من ( قبيل شعب الله المختار) أو ( كنتم خير امة اخرجت للناس ) ،على حقائق التاريخ المشترك للشعوب والقبائل والأجناس، الذي تؤكده الجذور المشتركة لِلـُغات هذه الشعوب ذي الأصول المشتركه والمنبع المشترك.
5- يتحدث بهذه اللـّغة كافة سكان بعشيقه وبحزاني بمختلف اديانهم وقومياتهم وهذه خاصية فريدة ومتميزه تجمع بين مجموعة اقوام ( اكراد وعرب وارمن واشوريين وكلدان وسريان) من مختلف الأديان من ( ايزيديين ومسيحيين ومسلمين وسابقا ً اليهود ) في لغة واحدة متميزة في سابقة تستحق التوقف عندها من لدن المختصين.
6- انها مزيج من الكرديه والعربيه مع وجود مفردات اخرى من فارسيه وتركيه والمانيه وانكليزيه وهنديه وروسيه وارمنيه وشركسية مع جذور مشتركة للغات قديمه كالآشوريه والسريانيه والكلدانيه والسومريه .
والسؤال الذي يتبادر الى الذهن كيف تجمعت مفردات جميع هذه اللغات القديمة والحيّة في لغة هذه القرية الصغيرة في سفح جبل مقلوب ومتى نشأت ؟ واين كانت تلتقي كل هذه اللغات سابقا؟ وما هي ارضيتها التاريخيه؟
7- الصفات المميزة لهذه اللغة تتحدد بالمسائل التالية:-
-لايلفظ فيها حرف (الذال ) و يحول الى ( زاء ) كما في لهجة بعض السوريين واللبنانيين مثلا ً( ذ ُل) يلفظ ( زُل)
-لا يلفظ ( الظاد) فيها ويحول الى ( زاء ) مثلا (ظاهر) يلفظ ( زاهر).
-لا يلفظ (الضاد) فيها ويحول الى ( زاء ) مثلا (ضابط ) يلفظ ( زابط )، (ابيض ) تلفظ ( ابيز أو ابيص) .
-لا يلفظ (الثاء ) فيها ويحول الى (السين ) مثلا ( اثنين ) تلفظ ( اسنين ) ، (ثائر) يلفظ ( سائر ).
- لا يلفظ فيها ( الصاد ) في الكثير من الأحيان ويحول إلى ( سين ) مثلا (الصدق ) تلفظ ( السدق ) ، ( صالح ) تلفظ ( سالح ) .
- فيها حروف ( الباء ) و (الفاء) و (الجا ) و(الزاء ) المفخمة بثلاث نقاط و (الكا ) كحروف مفخمه كما في اللغات الأوربيه والفارسيه.
- لا يلفظ ( الراء ) بل يحول إلى ( غاء ) مثلا ( روح ) تلفظ ( غوح ).
- تعداد الارقام متميز وتحسب هكذا.. ( ويحد ، اسنين ، ساسي ، اوبعه ، خمسي ، ستي ، سبعه ، اسميني ، تسعه ، عشخه .
اما تسميات الأعياد والطقوس فتميل الى الاصول الكرديه والسومريه وكذلك تسميات الطعام واسماء الحيوانات والألعاب..
والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن..
ما هو اصل هذه اللغة؟
وكيف ومتىأ ُدْ مجت اللغتين الكرديه و العربيه لتكون هذه اللغه الهجينه ؟
أين التقت هل هنا في بعشيقه أم في مكان آخر في غابر ٍ من الزمان؟
ما هو اصلها المباشر هل هي لغة كرديه أم هي لغه عربيه أم أنها منحدرة من لغة ثالثة قديمه تجمع بين اللغتين كلغة أم؟
والناطقين بها تبعا ً لهذا التساؤل والجواب عليه هل هم اكراد أم عرب أم من قوم يجمع بين الأثنين؟
قد يكون السؤال غير منطقيا ً للبعض ممن يجدون هونا ً وبعدا ً شاسعا ً بين القوميات وشعوب المنطقه ويقسمونهم إلى شعوب وقبائل متفرقه ومتعاديه لا يجمع بينها جامع وتتكرس هذه الظاهرة من خلال المفاهيم العنصريه التي تضع الفارسي في مواجهة العربي والكردي كعدو ازلي وتاريخي ، أو وضع الترك ( ألآذريين ) في مواجهة عدائية ازلية وتاريخية مع الكرد و الأرمن وغيرهم من شعوب المنطقة وهكذا..
وجاءت الأديان لتدفع بهذا ا لبعد إلى مديات اوسع بينها ، ( خاصة بعد أن تكونت الأديان التي توصف بالسماويه ) ، وإختلفت المفاهيم والمعبودات والطقوس فظهرت الديانه السومريه والأيزيدية والبابليه والآشوريه والمندائيه والزرادشتيه والمثرائيه واليهوديه والمسيحيه والأسلام في مرحله لاحقة، وتطور الصراع في العهود اللاحقه بعد ظهور المفاهيم القوميه التي حاولت أ ن تضع كل شعب أو قبيلة في خانة متميزة ومختارة كأنها مصطفات من آلهة تؤمن بها .
وتؤجج هذا الأختيار أو الأصطفاء لصالح قوميه أو شعب من شعوب المنطقه على حساب المساواة والأصل المشترك أو حصرها في ثلاث مجموعات هي الساميه والحاميه ونسل يافت الذي تبنته التورات واعتمد عليه الكثير من المؤرخين ، وعدد من أصحاب النظريات التي تؤكد إن البعض من هذه الشعوب هم قوم قد اصطفاهم الله ولا يجمعهم جامع مع الآخرين من الناحية التاريخيه وان اللغه التي يتكلمون بها هي لغة منزلـّة من عند الله مستندين على ما جاء في القران ( واننا انزلناه قرآنا ً عربيا ً ) لهذا يرفضون أية محاولة للبحث عن جذور هذه اللغه ( العربيه ) ، ولم يهتم العرب بالدراسات المتعلقة بفقه اللغة وجرت محاربة كل من حاول استقصاء هذه الجذور أو منعه في مختلف العصور وآخرها محاولة الدكتور لويس عوض في مصر عام 1980 حينما اثمرت جهوده في مجال فقه اللغة العربيه عن كتاب رائع عنوانه مقدمه في فقه اللغه العربيه فمنع الكتاب بعد أن إحتج شيوخ الأزهر عليه وتمت مصادرة الكتاب للآسف الشديد .
والشيء الذي لفت انتباهي منذُ مطلع الثمانينات بعد لجوئي لحركة الأنصار في كردستان في المنطقة الممتدة بين إيران وتركيا وسوريا والعراق والتي يتواجد فيها بألأضافة الى الأكراد الآشوريين والكلدان وألأرمن والترك والفرس والعرب والمندائيين وغيرهم من بقايا الشعوب بمن فيهم الشراكسه والداغستانيين، وألعديد من الأديان القديمه والجديده و المذاهب والفرق والطوائف المتنوعة ، ومما لفت انتباهي الحقائق التاليه:-
1- المنطقه التي تشمل خليطا ً منوعا ً من هذه الأقوام وألأجناس تمتد خارج حدود كردستان لتصل المناطق التي كانت في عداد جمهوريات الأتحاد السوفيتي المنحل والتي تسمى جمهوريات القفقاس في مناطق بحر القزوين وما جاوره او ما كان يعرف بجهوريات آسيا السوفيتيه منها جورجيا وارمينيا وآذربيجان وتركمانستان وغيرها وانها تستمر في الأمتداد شرقا ً إلى حدود البحر الأبيض المتوسط في سواحل سوريا وفلسطين ومصر وألأردن والعراق مرورا ً بايران وافغانستان والباكستان والهند والعراق والأناضول وكردستان.
2- إن هذه الشعوب متشابهه ومتقاربه في الملامح ألعامه وبعض العادات والطقوس وهناك الكثير من المشتركات بينهما .
3-في هذه المنطقه ظهرت الحضارات القديمه وبأسماء شبيهة أو متقاربه من تسميات هذه الشعوب والقبائل أو مرادفة لها .
4- اللـّغات التي يتحدث بها شعوب وقبائل هذه المنطقه الشاسعه رغم تنوعها وكثرة تسمياتها القوميه والأثنية هي لغات يجمع بينها الشيء الكثير ويكاد بعضها أن يكون متجانسا ً ومتطابقا ً.
5- تدخل اللغه المشتركه التي يطلق عليها ( العربيه ) في قوام وتركيبة غالبية لغات هذه الشعوب فهي تشكل نصف قوام اللغه الفارسيه تقريبا واكثر من ثلث اللغة الاذاريه (التركيه) وكذلك الحال بالنسبة الى الآشوريه والعبرية والسريانيه وهي تمتد لتدخل في قوام الكرديه والشركسيه ( الجركسيه) وكذلك لها امتداد في اللغات القديمه كالسومرية والمندائيه وتواصل علاقاتها وتشابكاتها إلى اللغة الهنديه والباكستانيه ويتخطى هذا الأشتراك الحدود ليصل إلى اللغات الأوربيه كالأنكليزية والألمانيه وغيرها من تفرعات اللغة الأوربيه واللاتينيه لتشكل حالة تستدعي التوقف عندها وغوص اغبارها من قبل متخصصين في علم اللغة وتاريخ الأجناس والشعوب في المرحلة اللاحقه وهي مهمة الجامعات والمعاهد المتخصصة .
6- والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن متى نشأت هذه اللغات وهل هناك زمن يمكن تحديده لكل لغة ومصدرها وجذورها واصولها ؟ هل هناك علم مختص بهذه القضيه؟ هل هناك مسلمات وقواعد يركن اليها عند الحديث عن تاريخ اللغات ؟ والسؤال الأهم هل هناك ميكانيكيه أو آليه فونوطيقيه تتحكم بالعلاقة بين اللغات وتكشف اسرارها التاريخيه وابعادها الزمنيه أم إن المسالة هي مجرد رغبات ذاتيه وقناعات ترفض أو تؤكد ما يدخل في باب فقه اللغات الذي أصبح علما ً يدرس في مختلف جامعات العالم ما عدا العربية وملحقاتها الشرقية.
قبل الأجابه على البعض من التساؤلات المطروحه في الفقرات السابقه لابد ّ من التطرق إلى حقائق تاريخيه مسلم بها من باب البحث العلمي والذي اجاب عنها من خلال الدراسات التاريخيه والمكتشفات الآثاريه وعلم الجيولوجيا الذي يستند إلى مخلفات الحضارات الناشئه في هذه المناطق على الكثير من الأمور المهمة التي كانت تشغل بال العلماء والمفكرين عن اصول الحضارة ومنبعها وبداياتها التي كانت موضع جدل في القرن الماضي ، حيث أخذت تميل الكفة الراجحة إلى الأعتقاد المؤكد إن الحضارة قد بدات في مناطق حوض بحر قزوين واطرافها ومنها اتجهت نحو الشرق إلى حدود البحر المتوسط وبلاد الرافدين وصولا ً إلى مناطق الخليج واليمن من جهة ، وفي خط آخر نحو المناطق الأوربيه ، أي أن البداية كانت مناطق القوقاز كمنبع للهجرات المتعاقبه وهذا ما تؤكده المكتشفات الآثاريه التي تذكر شعوب وقبائل هذه المنطقه بالتعاقب ابتداء ً من السومريين وما اعقبهم من قبائل وأجناس رعوية كانت تعيش في مرحلة ما قبل إكتشاف وتعلم الزراعة وتقـتاد على الصيد وتمتهن الرعي ومن ثم على الحيوانات المدجنه من ماشية وخيول وجمال قبل أن تزاول الزراعة وتستقر في مناطق محددة لها لتكون مرحلة جديدة و اساسا ً لتشكيل اللغات العديدة التي ترتبط بلغة سابقة لها أو متجاورة معها في اصول اقدم واعرق من ذلك .
7- يذكر التاريخ تسلسل متعاقب لهجرة وانتقال هذه القبائل وامتداداتها وتؤرخ التورات للكثير من تسميات هذه الشعوب والقبائل وإن لم يكن ما ورد في التورات من باب المسلمات التاريخيه المطلقه والعلميه لكنها تترادف مع المكتشفات الاثارية ولا تبتعد عنها في الكثير من التسميات.
8- وتاتي في سياق هذه الهجرات ، المتأخرة نسبيا ًحيث سبقهم قبلها السومريون بنحو أربعة آلف سنة ومن بعدهم الآشوريين والسريان وألارمن والآذريين والعبريين وغيرهم من الأجناس التي انطلقت من الحوض البشري الذي كان يفيض بالسكان ويتحول للزراعة فيبحث عن المزيد من الأراضي في الجهات التي تهيء له مستلزمات البقاء والديمومة الملائمة له ولحيواناته الداجنه فكان الشرق وكانت الشمس الدافئه المنورة التي أحس بأهميتها وفائدتها فقدسها وسجد لها وألهها ، العرب كآخر قوم أو شعب وصل مناطق الشرق فالتجأ إلى الأماكن غير المأهوله بالسكان في منطقة شبه الجزيرة التي كانت تبتعد بعض الشيء عن المناطق الحضرية التي كان يقطنها الميديون والسريان والكلدان والعبرانيون والفرس ، وهو رأي مناقض لدعاة هجرة العرب من الجزيرة العربيه إلى خارجها ، كما يحاول أن يؤكد الدعاة المزيفون للحقائق ، من القوميين العرب الذين لا يؤمنون بالتاريخ المشترك للشعوب ،وأستند في رأي هذا على ا لمسائل التالية في هذا الموضوع :-
الأولى :- إن كلمة العرب هي كلمة سريانية تطلق على البدو الرحل والمتنقلين (اربايا ) ، وقد اشتقت منها العربه التي هي وسيلة التنقل والحركه.
الثانية :- إن الشعوب السابقه للعرب كانت مستقرة في مدن وممالك ذكرها التاريخ وأكدتها المكتشفات الأثريه ووردت اسماؤها في التورات ما عدا العرب.
الثالثة:- إن أول تسميه للعرب وردت كشاهد حضاري يؤكد على وجود العرب هي الشاخص الحجري على قبر امرؤ القيس في الجزيرة التي كتب عليها ( قبر ملك كل العرب ) وهي في بحدود (328 ) قبل الميلاد وتعتبر حديثة قياسا ً لبقية الشعوب واللغات المدونة فيها المكتشفات الاثريه.
الرابعة :- لو أخذنا بنظر الأعتبار تاريخ الأديان وتاريخ تطور الفكر الديني عند الشعوب ابتداء ً من عبادة الظواهر الطبيعيه وعبادة القمر والشمس وغيرها من الظواهر التي تطورت من مراحل الصيد ومن ثم الرعي والزراعة لأكتشفنا إن العرب هم في مؤخرة الشعوب التي سبقتها في تطوير مفاهيمها الدينيية وطورت معبوداتها فظهرت الأيزيديه والزرادشتيه والمثرائيه والمانويه في اعقاب الديانة السومريه التي تلتها البابليه والديانة الآشوريه مرورا بالمندائيه واليهوديه والمسيحيه ومن ثم الاسلام كآخر دين حديث ظهر بين العرب وسط مجموعة اديان كانت متواجدة في المنطقة وتؤكد المعطيات الثقافية إن الزرادشتيه كانت منتشرة بين العرب قبل الأسلام بالأضافة إلى اليهوديه والمسيحيه وعبادة ( اللات والعزة وهبل ) التي سبقت الأسلام وتوجد مقاطع شعريه تؤكد إن العرب كانوا يحتفلون بنوروز كعيد يجمعهم مع بقية الأجناس وألأقوام في رأس السنة.
إما الأدعاء بأن العرب هم من اقدم سكان المنطقه في الجزيره العربيه ومنها هاجروا إلى بقية المناطق في العراق والشام فهو قول تدحضه الحقائق الجغرافيه والتاريخيه وعلم الاثار وكذلك علم تاريخ الشعوب والثقافات بما فيه علم فقه اللغات الذي يختص بدراسة الأصول والمشتركات اللغويه للشعوب والأقوام ، وعلى سبيل المثال فأن علم العروض في الشعر العربي وبحوره التي تشكل قوامه هي ليست عربيه كما يدعي مزيفو التاريخ من العرب بل هي مشتركه في أكثر من لغه هي الفارسيه والعربيه والكرديه والآشوريه والعبريه والسريانيه والروسيه وقد اخذها العرب من غيرهم ممن سبقوهم في تنظيم الشعر ، والأدهى من ذلك إن كلمة الشعر نفسها تتردد في هذه اللغات بأشكال متقاربه ومتشابهة ابتداء ً من السومريين ومرورا ً بالبالبليين والسريان والعبرانيين والآشوريين والفرس والترك وحتى الفراعنه فجميعهم يستخدها بتسمية الشعر وكما يلي:
شيئر،شعر ، شئر ، شير،شيعر.
إما التنقيط الذي ينسب إلى الحجاج بن يوسف الثقفي فما هو إلا استعارة متكاملة من السريانيه ادعى المزيفون تنسيبها له ، وكذلك الأرقام المسمات بالعربيه التي جرى استعارتها من الهنديه بالكامل .
وهذه الأدعاءات المنسوبه للعرب والعربيه يدحضها التاريخ لأنها تعود لأقوام وشعوب أخرى عاشت في نفس المنطقه قبل العرب وهذا لا يشكل نقصا ً أو عيبا ً في تاريخ الشعب العربي الذي كان لعهود طويله يزاول الرعي والتنقل الذي يناسب الحيات البدويه ومن هنا ما نراه من تفسير لأسم العرب عند الشعوب التي سبقتهم فالسريان والآشوريين يطلقون التسميه ( ارابايا) على البدو وكذلك الفراعنه وهي تسميه يختص بها من يمارس مهنة الرعي والتنقل من قبائل البدو فقط.