abosaman2
21-04-2005, 00:16
بانوراما الحملات المدمرة التي حلّت على الإيزيدية..!*
أحمد ملا خليل مشختي ـ أبو داسن ـ
اقتل.. دمر.. شرّد.. انهب.. شعار الغاصبين على مر العصور.. كل من نكل بالإيزيدية حمل هذا الشعار الرهيب وأمر جنده بتنفيذه.
هناك من يستهزئ بالإيزيدي حينما يقول: إننا تعرضنا لـ (72) حملة (فرمان)(1) و قد لا نلوم المكذبين والمستهزئين حيث إن الإيزيديون لم يدونوا سابقاً شيئاً عن عقيدتهم، فكيف يدونوا الحملات والغزوات التي حلّت بهم؟ والسبب معروف..!
يقول المثل السائد: مَن عاشر قوماً أربعين يوماً أصبح منهم أو رحل عنهم.. وقد عاشرت الإيزيدية نصف قرن ولم ارحل عنهم كما لم أصبح منهم لان بابهم قد قُفل منذ أكثر من ألف سنة، فلا تبشير ولا كرازة.
إن الإيزيديون قوم بسطاء مسالمون بعكس ما كان الناس يحسبونهم أغوالاً يأكلون الناس، لقد قضيتُ كل عمري تقريباً بينهم ومعهم، فما رأيت منهم إلا نبلاً وشهامة وأدباً وأخلاقاً كريمة وكرماً وشجاعة. و هُم مفرطون في القناعة، حيث إن شعارهم يدل على كينونتهم (ئه م ئيَزدينه، ب قه ته كى نانى جه هى د رازينه ـ Em Ezidine, bi qeteki name cehi di razine) = نحن إيزيديون راضون بكسرة من خبز الشعير..!
ولكن هل تركوا ليأكلوا كسرة خبز الشعير..؟؟.. كلا..! فقد اتهموهم بالكفر واللعنة واستبيحت دمائهم وحَطّ البعض من أخلاقهم وعاداتهم، وبعدها حوربوا على مرّ العصور ولم يرحمهم احد. شنوا عليهم حرباً شعواء، استعملوا فيها جميع الطرق، ونكلوا بالقائمين عليها حتى أبادوا منهم مئات الألوف وشردوا الآخرين تحت كل سماء حتى اضطروا إلى الانتساب لجنسية الحكام والقبائل القوية، وكانوا يريدون من وراء ذلك التخلص من الظالم والمضايقات، ولكن دون جدوى ـ قلدوهم في بعض الشعائر والطقوس الدينية وسايروهم في بعض المناسبات تستراً و إتقاءاً لكن دون فائدة.
لم يكتف الغزاة بالقتل والتشريد إنما قاموا بخلق افتراءات لا أساس لها بتاتاً علّهم يؤلبون كل الإنسانية ضدهم، ومن تلك الافتراءات:
اقتنع، حسب ما يظهر، أوائل هذا القرن انثروبولوجي أمريكي بما رواه له شاب أرمني نعته بالثقة والصدق من أن اليزيدية يأكلون الفئران البيض ويجمدون دم الحيوانات التي يضحونها ويطبخون بها أكلهم(2).
لعمري لم اسمع أو أشاهد فئران بيض في كردستان، وإن وجدت ـ فهل عافوا أكل لحوم مختلف الحيوانات الداجنة والبرية واخذوا المعاول ليحفروا جحور الفئران بحثاً عنها في غياهب الأرض وتحت سقوف جدرانهم!!
كما نقل كل من عباس العزاوي وصديق الدملوجي من كتابات السائح التركي (أوليا جلبي) افتراءات منها: إن للكلاب عند اليزيدية حرمة فإذا وضعت المرأة أرضعت ابنها بحليب كلبة سوداء، وفي بادئ الأمر يقدمون الأكل إلى الكلاب ثم يأكلون فضلاتها، وتنام الكلاب معهم، وإذا ولدت الكلبة يتخذ لها مهرجان، وإذا مات كلب اسود يغسلونه بماء البصل ويكفونه ويذهبون به إلى المقبرة ويدفنونه ويتخذون له مأتماً ويطبخون له خيرات لروحه (كباباً) مشوياً يوزعونه على الكلاب الباقية، وكل من يموت يوضع في كفه شعر كلب(3).
اقول لـ (أوليا جلبي) وعبر الأثير حتى تصل له ذبذبات صوتي: إن للكلاب حرمة لدى كافة الأقوام الرعوية منها خاصة وعند الزردشتيين عامة لأنها تحرسهم وحيواناتهم من غائلة الوحوش الضارية. أما إطعامهم (الكباب المشوي) لكلابهم فأظن إن الكلاب تحب اللحم النيئ أكثر من المشوي..! أما مهرجان الولادة فيبدو إننا سبقنا الأوربيين من ناحية (حقوق الحيوان)!! ومسالة وضع الشعر في كف المتوفى وإرضاع الوليد بحليب الكلبة فلا نحتاج للتعليق والظاهر إن (هذا الكاتب) كان متحاملاً جداً على الإيزيدية ويكشف عن حقده الدفين واللامبرر.
ومن افتراءات (الدكتور سامي سعيد الأحمد) في كتابه (اليزيدية.. أحوالهم ومعتقداتهم) قوله: وعلى أي حال فاليزيدي لا يهتم إن كان للبنت خبرة جنسية سابقة، فلا يخرجها أو يسال عنها(4)، كما أورد الدملوجي افتراء مشابه له ـ والظاهر إن الدكتور الأحمد قد اخذ منه ـ إذ يقول: وجرت العادة أن لا يهتم اليزيدي بعلامة البكارة ولا يحاسب زوجته عنها(5).
اقول للسيدين القديرين: إن الإيزيديون في اليوم الثالث بعد الزواج يهيئون وليمة من لحوم أحشاء الحيوانات (سه ر و بيجك Ser u pecik ـ باجة ـ في المفهوم العام. ويسمى ذالك اليوم (روزا عويركى) ويجمعون نسوة الأقارب والجيران ويؤتى بالمنديل الملطخ بدماء البكارة ويوضع في صينية حيث تشاهدن النسوة الجالسات في بيت العروس كي تعلمن بان عروستهن باكرة، وقد نسى الأستاذان الجليلان صديق الدملوجي وسامي سعيد الأحمد إن الإيزيدي كردي غيور محافظ على شرفه إلى حد التطرف.
ومن الافتراءات المروّعة ما أورده (سير وليس بدج) نقلاً عن (شامير): إن لليزيدية القاطنة في القرى النائية عبادة وطقوساً دامية مرعبة، وذلك إنهم يمارسون السحر الأسود ويستعملون الرقي، ويصنعون (شربة العشق) من قلي الأجسام البشرية الميتة. ويضيف (بدج) معقباً بان (شامير) كان على يقين تام من إنهم عند ما يريدون التضرع إلى (ملك طاؤوس) يعمدون إلى القتل و أكل لحوم البشر على سبيل ممارسة الشعائر(6).
ولا يحتاج ما نقله (بدج) من شامير إلى تعليق، وان إنساناً و (كاتباً..!) في القرن العشرين يفكر بهذه الضحالة الفكرية والمستوى النفسي المريض فلا لم عليه وليكن الله في عونه..!
هذا غيض من فيض في ما قيل كُتب من افتراءات كاذبة لا أساس لها من الصحة أبداً، فكل من إفترى على هذه الفئة المستضعفة كان بسبب إنهم يعبدون الله على غير شاكلة المُفترئين. ولا يسعني إلا أن اقول لمن كتب وينوي أن يفتري: كفى بهتاناً وزوراً وعدواناً، اتركوهم وشأنهم (لكم دينكم ولي ديني) و (لكل منكم جعلنا شرعة ومنهاجا) و (ولو شئنا لجعلناكم امة واحدة) و (لا إكراه في الدين)(7).
إن الإرث له قيمة معنوية لدى الشعوب، إن كان صنماً أو معبداً للأوثان لا يقصد عبادتها، وإنما يزين بها متاحفها دليلاً على غنى الماضي في أية امة من الأمم. وفي الدين الإيزيدي ارث هائل من الطقوس والمراسيم التي تضرب بجذورها في بعض حلقاتها أعماق الزمن وهو قاسم مشترك لمختلف الأديان التي عاشت وتمرست بها الشعوب الآرية. أفلا يحق لنا الاحتفاظ بهذا الإرث الحضاري؟ ثم ألا يحق لنا أن نفتخر بهؤلاء الأبطال الذين صانوا ما كنا ندين به نحن الكرد؟
لقد بذلتُ بعض الجهد حتى تمكنتُ من جمع عدد لا يستهان به من حملات الإبادة التي تعرض لها إخواننا الإيزيديون منذ العصر العباسي وحتى سنة 1950 منها حملات لم يلمح إليها من كتب عن الإيزيدية. وأرجو أن لا يفهم من كتابة هذا الموضوع باني أحاول إعادة الماضي لتجديد الضغائن وإظهارها، إنما ليعلم من لا علم له مدى الكوارث والنكبات التي تعرض لها إخواننا الإيزيديون وكم تحملوا من جور واضطهاد وظلم من الفرس، العرب والأتراك خاصة الذين كان يؤلبون إخوانهم الكرد المسلمين عليهم من باب فرق تسد.
كعب آخيل
هناك أسطورة يونانية تتحدث عن بطل اسمه (آخيل) تقول فيها: إن آخيل كان قوياً لا تنفذ فيه السهام، ولا يستطع أي إنسان أن يقتله... وقد حاول أعداؤه ففشلوا.. ولكنهم حاولوا أن يعرفوا نقطة الضعف فيه لكي يوجهوا إليه سهامهم. وأخيراً عثروا عليها... لقد وجدوا إن (كعب) آخيل كان ضعيفاً وإنهم في استطاعتهم أن يردوه قتيلاً إذ أصابوا هذا (الكعب)... ومات البطل... فآخيل هذا البطل عندما وُلِد غمرته الآلهة في ماء النهر الخالد.. و إبتلّ جسمه كله، وأصبحت الأماكن المبللة من هذا الجسم منيعة لا تنفذ فيها السهام... لقد ابتل كل جسمه.. إلا المكان الذي أمسكته منه الآلهة.. وهو المكان الذي نفذت فيه السهام(*) فكانت بعض شعائر الإيزيديين مشابهة لشعائر وطقوس المسلمين ـ ربما اتخذوها تقية ـ فاتخذها الذي في نفسه حاجة، ذريعة لقتالهم واتوهم من خلال (كعب آخيل)، حيث حسبوهم من (المرتدين) عن الإسلام.
كانت كردستان وقبل الفتح الإسلامي تدين بالزردشتية والمثروية والمسيحية واليهودية، وفي سنة 20 هجرية (640 ميلادية) تم فتح معظم المناطق الكردية ومن ضمنها منطقة (داسان أو داسير) كما كتب عنها صاحب فتوح البلدان ودخل قسم من سكنه المنطقة الإسلام، وأبى آخرون ورضوا بدفع الجزية وصالحوا الفاتحين على ذلك، وليس لدينا معلومات عن اسلام كافة أكراد دفعة واحدة، حيث ظل قسم منهم على دينهم القديم وأبوا ترك معتقدهم وكان منهم (الداسنية)(8).
عاش الكرد (الداسنيون) مع إخوانهم الكرد (المسلمون) فترة طويلة من الزمن بهدوء وصفاء وطمأنينة لم يعكر صفوهم الاختلاف في (الدين) بسب كونهم منحدرون من قبيلة وعشيرة واحدة(9) اسلم قسم منها ولم تسلم الأخرى، حتى ظهور الأتراك الذين استمروا في السيطرة على الإمارات الكردية، حينها استعملوا سلاح الدين ضمن سياستهم (فرق تسد) وهكذا بدأت حملات الإرهاب والقتل والتدمير بحق هؤلاء المساكين من خلال كعب (آخيل).
الدور العباسي
1- حركة المير جعفر بن المير حسن الداسني:
ليس بالإمكان معرفة أسباب قيام (المير جعفر الداسني) بشق عصا الطاعة على الدولة العباسية، والذي اعتقده إن السبب الرئيسي هو إن خلفاء بني العباس كانوا يثقلون كاهل سكنة الجبال من الكرد بالضرائب لتسد حاجاتهم وحاجات جواريهم وصرفها على ملذاتهم، كما إن التباين في توزيع الثروة بين أفراد المجتمع العباسي، كان السبب المباشر في ازدياد حدة التناقضات الطبقية والصراعات الفكرية، مما جعل الفلاحون وبقية الفئات الأخرى من السكان ذات المورد الضئيل جداً أو المعدومة الدخل، أن تلتف حول حركات الثائرين ضد الدولة العباسية وتؤازرها على اعتبار إنها لم تكن تهدف إلى تخليصهم من الماسي كلياً فلربما لتخفيف بعض الشيء عن كواهلهم(10).
كما إن المرحوم (أنور المائي) نشر قصيدتين للشاعر (بابا راخ الهمزاني) في مجلة (روناهى، العدد الثالث، ص5 ـ 12، لسنة 1960) يحث فيها الشاعر قومه ضد الأوتوقراطية العباسية ويدعوهم إلى التكاتف والتعاضد(11). لذا ثار الأمير جعفر سنة (224 هجرية ـ 838م) على الخليفة العباسي المعتصم بالله(12) مرتين حيث اخمد جيش الخليفة حركته الأولى، وفي المرة الثانية سُيّر عليه جيشاً كبيراً بقيادة (آيتاخ) فأحاطوا به وكادوا يأسرونه، إلاّ انه فضل الموت على حياة الذل، فتجرع شيئاً من السم ومات متأثراً به سنة 226 هجرية ـ 841م(13) وتفرق أصحابه فساق (آيتاخ) الأسرى الكرد إلى تكريت(14) كما أحدثوا مذابح شنيعة وجنايات فظيعة يندى لها الجبين.
2- في سنة (432 هجرية ـ 1040م) توجه الغزاة بعد انحدارهم أمام (وهسوذان) إلى بلاد الهكاري وأحدثوا فيها كثيراً من أعمال النهب والسلب والتدمير في قرى الإيزيدية والمسلمين.
الدور المغولي(15)
3- لم يسلم الإيزيديون من غزوات التتار، ففي ستة 657 هجرية ـ 1259م زحف هولاكو من تبريز على سورية، و أثناء مرور قواته من خلال منطقة الهكارية قاموا بتدمير القرى ونهب الأموال وإزالة العمران.
4- وفي سنة 685 هجرية ـ 1286م صدرت الأوامر من (آرغون خان المغولي) بان يسير بالأمراء (مازوق القوشجي ونورين آقا وغازان آخو اشك توغلي من الجلائريين مع ستة عشر ألف فارس إلى ناحية جبال (الهكار) بكردستان(16) فقتلوا من قتلوا وسبوا النساء والأطفال.
5- وفي سنة1401م غزا تيمورلنك كردستان وانتقم من الأهالي عموماً وقتل من أهلها مقتلة عظيمة. حيث ورد في معرض حديث (توماس مرزو بتس) عن الإيزيدية الشمسيين وغزوات تيمورلنك لكردستان حيث يقول: وخرب تيمورلنك مدينة وأربعة قرى للشمسيين الوثنيين(17).
الدور الأتابكي ـ عماد الدين زنكي:
6- بدأ عماد الدين زنكي حكمه باحتلال حصون الأكراد حيث احتل مدن جزيرة ابن عمر سنة (521 هجرية -1127م)، وفي عام 537 هجرية ـ 1142م هاجم الحصون الواقعة في أقاصي ديار بكر وهي مدينة (طنزه) و (اسعرد) و (المعدن) و (خيزان) و (فطبلس) و (باتاسا) ـ أي بين داسن أو سكنى داسن ـ الكاتب ـ وفي عام (539 هجرية ـ 1144م) استولى على حصن (كيفا) وهاجم مدينة (العقر) وقلعة (آشب)(18) كما هاجم الداسنية واشتبك مع أتباع عدي بن مسافر في لالش ونواحيها(19).
7- كما هاجم سليمان بن ناصر المرواني ديار بكر و أحدث فيها القتل والتدمير في جميع الأنحاء والقرى، وتوجهوا بعدها إلى جهات الموصل وأحدثوا فيها مذابح تقشعر لها الأبدان.
8- بدر الدين لؤلؤ:
في عام 652 هجرية ـ 1254م قام بدر الدين لؤلؤ بإرسال عسكره لقتال الإيزيديين وذلك لإجبارهم على إعطاء المال، وجرت معركة بين جيشه وبين المقاتلي الإيزيديين على رأسهم الشيخ حسن الذي كان بدر الدين يخشاه ويراقب حركاته، وانتهت المعركة غير المتكافئة بانهزام الإيزيديين بعد أن قتل منهم الكثير ووقع آخرون في الأسر وصلب منهم مائة وذبح مائة آخرين، وأمر بتقطيع أعضاء أميرهم وتعليقها على أبواب الموصل وأرسل من نبش قبر الشيخ عدي واحرق عظامه(20).
الدول الصفوية:
9- وفي عام (1414م) جاء من بلاد العجم قائد يدعى جلال الدين محمد بن عز الدين يوسف الحلواني مع جيشه وشنوا على اليزيدية حملة شعواء في جبال الهكارية، وسانده في حملته عز الدين البختي (البوتاني) صاحب جزيرة ابن عمر، والأمير توكل الكردي صاحب (شرانش) والأمير شمس الدين الجردقيلي وساروا جميعاً إلى جبل هكار حيث قتلوا جماعات كثيرة واسروا آخرين وهدموا قبة الشيخ عدي ونبشوا الضريح واخرجوا العظام واحرقوها(21).
10- وفي سنة (1154 هجرية ـ 1743م) أرسل نادر شاه من تبريز قوات متكونة من بعض القبائل مع (علي تقي خان) المكري ومع القوات النظامية على الكرد اليزيدية ـ يعتقد إنهم كانوا مع عشيرة محمودي اليزيدية(22).
11- وفي عام (1127هجرية ـ 1715م) غزاهم الملك المظفر بعساكر كالسيل وجحافل رجال وخيل وأكثر فيهم القتل والتنكيل وأسروا النساء والأطفال(23).
12- وفي سنة (1158هجرية ـ 1744م) أرسل نادر شاه حملة على عشيرة البلباس اليزيدية بقيادة (مهردوست بك قرغلو)(24).
13- عثر على مخطوطة في كنيسة مريم العذراء ببلدة باغديدا (باخديدا ـ قرقوش) كتبها القس (حبش) بالسريانية سنة 1745م وتضم صلوات ومواسم وأعياد. وفي حاشية المخطوطة قصة حصار (طهماسب) نادر شاه لمدينة الموصل سنة 1743م وقد ذكر فيها القرى التي تعرض أهاليها للقتل و النهب والسلب من قبل جيوش هذا الغازي حيث جاء فيها: إن العدو دفع نحو الجبل حتى وصلوا قرية الشيخ عادي(25) فأوقع في أهلها مذبحة عظيمة وسبى النساء والأطفال ودنسوا العذارى و سلبوا كل شيء وجدوه فيها(26).
14- كما يقول الدكتور سيّار جميل في كتابه حصار الموصل: بعد سيطرة نادر شاه على كركوك وأثناء زحفه على الموصل ومروره بآلتون كوبري وشى بعضهم نادر شاه بجماعات الإيزيدية الذين تنتشر قراهم على أطراف نهر الزاب الأعلى، و يعزي ذلك إلى أسباب دينية و العقيدة التي تتمسك بها هذه الجماعات(27) فأقتحم نادر شاه بيوتها الآهلة بالسكان و احرقوا محاصيلها الزراعية وقتلوا رجالها وشبابها وتشتت أطفالهم ونسائهم بأيدي القوات التي أرسلها نادر شاه إليهم وكانت جلّ هذه القوات من الأفغانيين القساة وكان تقدر أعدادهم باثني عشر ألف من الجنود تحت قيادة ابن أخ نادر شاه (علي قولي خان)(28).
ولما أدرك نادر شاه إن الموصل لا تسقط بسهولة توجه إلى مهاجمة القرى المحيطة بالموصل مرة أخرى وانزل جام غضبه على اليزيدية في سنجار بالذات وقتل كثيراً منهم ودمرت العشرات من المدن والقرى وخاصة (مرج الموصل) المحصور بين جبل مقلوب والزيبار(29).
15- وفي سنة (1156 هـ ـ 1743 م) كانت قوات نادر شاه يعيثون في الأرض فساداً وينهبون القرى المحيطة بالموصل، حيث قامت قوة تبلغ عشرين ألفاً بالإغارة على أراضي العمادية وعقرى وباحزاني وبعشيقة و الشيخان و أماكن أخرى وقاموا بتدمير القرى وإحراقها وقتلوا واسروا كثيراً من السكان(30).
أمراء العمادية:
يجب الاعتراف بان التعصب الأعمى للدين و التخلف الحضاري كانا سببان رئيسيان دفع الكثيرون من الكورد للسعي عبر الإسهام في قتال الإيزيدية لدخول الجنة(!) ففي العديد من المناطق كان الملالي وأصحاب الفتاوى يثيرون مشاعر الناس ويحرضون جهاراً على قتل الإيزيدية، ويبدو للبعض إن منشأ تلك الأعمال الوحشية يرجع إلى الاختلاف في الدين، نعم ذلك صحيح، ولكن الأعمال البربرية التي مارسها الظالمون من جميع الأديان ليست من الدين في شيء، بل من الجهل بالدين.. و فيما يتعلق بالإسلام فليس هناك أوضح مما هو موجود في القرآن الكريم (لا إكراه في الدين).
ومن منطلق إثارة الأحقاد تجاه الإيزيدية كان سلاطين آل عثمان يثيرون الفتن والحروب ضدهم لكي تضعفهم وإخوانهم الكرد المسلمين بغية احتلال بلدانهم، وهذا أمراً مسلم به.
16- ففي عام (940 هـ) ـ (1534 م) قاد حسن ابن الأمير سيف الدين أمير العمادية حملة على مركز إمارة (داسن) دهوك، وذلك بعد أن عرض ولاءه للشاه إسماعيل الصفوي، فاستولى عليه عنوة و أضافه مع أمارة الشيخان إلى ملكه(31).
17- و في عام 1205 هجرية ـ 1790م زحف إسماعيل باشا والي العمادية على قرى الشيخان و اشتبك مع اليزيدية وقتل أميرهم جولو بك و نصب محله خنجر بك(32).
18- و في عام (1209 هجرية ـ 1794م) غضب الأمير إسماعيل باشا والي العمادية على أمير الإيزيدية خنجر بك وسجنه و أقام مقامه حسن بك بن جولو بك. وهذا شيء ينافي كل القوانين في التدخل بالأمور الدينية(33).
19 - و في عام (1201 هجرية ـ 1786م) سار علي خان بك شقيق إسماعيل باشا نحو الإيزيدية وقتل منهم وشردهم مع أميرهم جول بك إلى الجبال.
20 - و في عام (1800م) قام قباد بك أمير زاخو بالهجوم على الشيخان وقتل جمع من الإيزيدية.
أمراء بوتان:
21 ـ وفي عام (993 هجرية ـ 1585م) قام احد الزعماء الكرد وهو (علي سيدي بك) وهو من أمراء بوتان الذين يعدون إيزيدية سنجار من العنصر البوتاني ويفرضون الإتاوة عليهم، وألف جيشاً من الكرد وزحف عليهم وقاتلهم قتالاً شديداً وقتل منهم في جبل سنجار ستمائة نسمة وسبى عدداً كبيراً من نسائهم وفتياتهم(34).
أمراء سوران
22 - وفي سنة (1247 هجرية ـ 1831م) زحف محمد باشا (ميرى كوره Mire kore = الأمير الأعور) أمير سوران على الإيزيديين بتحريض من الملا يحيى المزوري واحدث بهم قتلاً وتشريداً يندى لذكره جبين الإنسانية. وتعتبر هذه الحملة من اكبر حملات الإبادة الجماعية قسوة ووحشية، فقد شملت مناطق الشيخان وسنجار إضافة إلى دهوك وزاخو. وقتل من الإيزيديين الآلاف عديدة وتم سبي (10000) عشرة آلاف إيزيدي جلّهم من النساء والأطفال مع أميرهم (علي بك) حيث تم إعدامه بعد أيام قلائل وترك جسده معلقاً لمدة ثلاثة أيام على جسر راوندوز. أما النساء فتم تزويجهن من الرجال المسلمين عنوة مع إجبار بقية الأسرى على إعتناق الإسلام.
أمراء أردلان:
23 - يدعي مؤلف تاريخ (أردلان) إن خان احمد خان الاردلاني زحف على عشيرة الداسني والخالدي(35) الإيزيديتين وانه اشتبك معهما في حروب عنيفة، أسفرت عن خسائر كثيرة في الرواح والأموال، وأخيراً ظفر بهما خان احمد خان وأخضعهما(36) بعدما بشر سيده الشاه عباس الصفوي بهذا الانتصار.
الزيباريين:
24 - في سنة (1218 هجرية ـ 1803م) وفي عهد الوزير علي باشا قاد (بير رجب) الزيباري حملة واخذ معه ستمائة مقاتل وذهب لمعاونة الوزير على غزو اليزيدية في سنجار، والظاهر كانت هي القوة التي أرسلها الأمير مراد باشا لمعونة الوزير(37).
حملات الجليليين:
25 - وفي عام 1726م ظهرت الإمارة الجليلية في الموصل وكانت تمارس ضغطاً على الإمارات الكردية المجاورة لكي تبقى تلك الإمارات موالية للدولة العثمانية. فقد تعرضت إمارة بهدينان إلى هجمات الجليليين باستمرار، فقد هاجمها مثلاً حسين باشا الجليلي عام 1740م ونهب الكثير من قرى الشيخان ونافكر وجبل مقلوب وعقرة.
26 - في سنة (1193 هجرية ـ 1778م) قاد محمد باشا الجليلي والي الموصل حملة ضد اليزيديين قتل منهم كثيرون ودمر قراهم.
27 ـ وفي عام (1200 هجرية ـ 1785م) خرج والي الموصل الحاج عبد الباقي الجليلي بالعساكر، وعبر الجسر وتوجه نحوا قبيلة (الدنانية = الدنادية) وكان اسم مقدمهم (نمر سيمو) أو (شيخو) كما قراها الأستاذ عباس العزاوي ـ ونهبت العساكر قراهم، ولكن كرّ عليهم (نمر) مع خمسة أشخاص من أتباعه فقتلوه وقتلوا أخاه عبد الرحمن آغا(38).
28 - في سنة (1207 هجرية ـ 1792م) قاد محمد باشا الجليلي وبعد أربعة عشر عاماً حملة على أهل سنجار وملك منهم ثمانية قرى واحرق البعض الآخر بعد أن نهبها(39).
29 - وفي سنة (1208 هجرية ـ 1793م) قام نفس الباشا بحملة أخرى ونزل على (مهركان) إلا إن اليزيدية حاصروه وضربوه بالرصاص وفشلت حملته تلك(40).
أحمد ملا خليل مشختي ـ أبو داسن ـ
اقتل.. دمر.. شرّد.. انهب.. شعار الغاصبين على مر العصور.. كل من نكل بالإيزيدية حمل هذا الشعار الرهيب وأمر جنده بتنفيذه.
هناك من يستهزئ بالإيزيدي حينما يقول: إننا تعرضنا لـ (72) حملة (فرمان)(1) و قد لا نلوم المكذبين والمستهزئين حيث إن الإيزيديون لم يدونوا سابقاً شيئاً عن عقيدتهم، فكيف يدونوا الحملات والغزوات التي حلّت بهم؟ والسبب معروف..!
يقول المثل السائد: مَن عاشر قوماً أربعين يوماً أصبح منهم أو رحل عنهم.. وقد عاشرت الإيزيدية نصف قرن ولم ارحل عنهم كما لم أصبح منهم لان بابهم قد قُفل منذ أكثر من ألف سنة، فلا تبشير ولا كرازة.
إن الإيزيديون قوم بسطاء مسالمون بعكس ما كان الناس يحسبونهم أغوالاً يأكلون الناس، لقد قضيتُ كل عمري تقريباً بينهم ومعهم، فما رأيت منهم إلا نبلاً وشهامة وأدباً وأخلاقاً كريمة وكرماً وشجاعة. و هُم مفرطون في القناعة، حيث إن شعارهم يدل على كينونتهم (ئه م ئيَزدينه، ب قه ته كى نانى جه هى د رازينه ـ Em Ezidine, bi qeteki name cehi di razine) = نحن إيزيديون راضون بكسرة من خبز الشعير..!
ولكن هل تركوا ليأكلوا كسرة خبز الشعير..؟؟.. كلا..! فقد اتهموهم بالكفر واللعنة واستبيحت دمائهم وحَطّ البعض من أخلاقهم وعاداتهم، وبعدها حوربوا على مرّ العصور ولم يرحمهم احد. شنوا عليهم حرباً شعواء، استعملوا فيها جميع الطرق، ونكلوا بالقائمين عليها حتى أبادوا منهم مئات الألوف وشردوا الآخرين تحت كل سماء حتى اضطروا إلى الانتساب لجنسية الحكام والقبائل القوية، وكانوا يريدون من وراء ذلك التخلص من الظالم والمضايقات، ولكن دون جدوى ـ قلدوهم في بعض الشعائر والطقوس الدينية وسايروهم في بعض المناسبات تستراً و إتقاءاً لكن دون فائدة.
لم يكتف الغزاة بالقتل والتشريد إنما قاموا بخلق افتراءات لا أساس لها بتاتاً علّهم يؤلبون كل الإنسانية ضدهم، ومن تلك الافتراءات:
اقتنع، حسب ما يظهر، أوائل هذا القرن انثروبولوجي أمريكي بما رواه له شاب أرمني نعته بالثقة والصدق من أن اليزيدية يأكلون الفئران البيض ويجمدون دم الحيوانات التي يضحونها ويطبخون بها أكلهم(2).
لعمري لم اسمع أو أشاهد فئران بيض في كردستان، وإن وجدت ـ فهل عافوا أكل لحوم مختلف الحيوانات الداجنة والبرية واخذوا المعاول ليحفروا جحور الفئران بحثاً عنها في غياهب الأرض وتحت سقوف جدرانهم!!
كما نقل كل من عباس العزاوي وصديق الدملوجي من كتابات السائح التركي (أوليا جلبي) افتراءات منها: إن للكلاب عند اليزيدية حرمة فإذا وضعت المرأة أرضعت ابنها بحليب كلبة سوداء، وفي بادئ الأمر يقدمون الأكل إلى الكلاب ثم يأكلون فضلاتها، وتنام الكلاب معهم، وإذا ولدت الكلبة يتخذ لها مهرجان، وإذا مات كلب اسود يغسلونه بماء البصل ويكفونه ويذهبون به إلى المقبرة ويدفنونه ويتخذون له مأتماً ويطبخون له خيرات لروحه (كباباً) مشوياً يوزعونه على الكلاب الباقية، وكل من يموت يوضع في كفه شعر كلب(3).
اقول لـ (أوليا جلبي) وعبر الأثير حتى تصل له ذبذبات صوتي: إن للكلاب حرمة لدى كافة الأقوام الرعوية منها خاصة وعند الزردشتيين عامة لأنها تحرسهم وحيواناتهم من غائلة الوحوش الضارية. أما إطعامهم (الكباب المشوي) لكلابهم فأظن إن الكلاب تحب اللحم النيئ أكثر من المشوي..! أما مهرجان الولادة فيبدو إننا سبقنا الأوربيين من ناحية (حقوق الحيوان)!! ومسالة وضع الشعر في كف المتوفى وإرضاع الوليد بحليب الكلبة فلا نحتاج للتعليق والظاهر إن (هذا الكاتب) كان متحاملاً جداً على الإيزيدية ويكشف عن حقده الدفين واللامبرر.
ومن افتراءات (الدكتور سامي سعيد الأحمد) في كتابه (اليزيدية.. أحوالهم ومعتقداتهم) قوله: وعلى أي حال فاليزيدي لا يهتم إن كان للبنت خبرة جنسية سابقة، فلا يخرجها أو يسال عنها(4)، كما أورد الدملوجي افتراء مشابه له ـ والظاهر إن الدكتور الأحمد قد اخذ منه ـ إذ يقول: وجرت العادة أن لا يهتم اليزيدي بعلامة البكارة ولا يحاسب زوجته عنها(5).
اقول للسيدين القديرين: إن الإيزيديون في اليوم الثالث بعد الزواج يهيئون وليمة من لحوم أحشاء الحيوانات (سه ر و بيجك Ser u pecik ـ باجة ـ في المفهوم العام. ويسمى ذالك اليوم (روزا عويركى) ويجمعون نسوة الأقارب والجيران ويؤتى بالمنديل الملطخ بدماء البكارة ويوضع في صينية حيث تشاهدن النسوة الجالسات في بيت العروس كي تعلمن بان عروستهن باكرة، وقد نسى الأستاذان الجليلان صديق الدملوجي وسامي سعيد الأحمد إن الإيزيدي كردي غيور محافظ على شرفه إلى حد التطرف.
ومن الافتراءات المروّعة ما أورده (سير وليس بدج) نقلاً عن (شامير): إن لليزيدية القاطنة في القرى النائية عبادة وطقوساً دامية مرعبة، وذلك إنهم يمارسون السحر الأسود ويستعملون الرقي، ويصنعون (شربة العشق) من قلي الأجسام البشرية الميتة. ويضيف (بدج) معقباً بان (شامير) كان على يقين تام من إنهم عند ما يريدون التضرع إلى (ملك طاؤوس) يعمدون إلى القتل و أكل لحوم البشر على سبيل ممارسة الشعائر(6).
ولا يحتاج ما نقله (بدج) من شامير إلى تعليق، وان إنساناً و (كاتباً..!) في القرن العشرين يفكر بهذه الضحالة الفكرية والمستوى النفسي المريض فلا لم عليه وليكن الله في عونه..!
هذا غيض من فيض في ما قيل كُتب من افتراءات كاذبة لا أساس لها من الصحة أبداً، فكل من إفترى على هذه الفئة المستضعفة كان بسبب إنهم يعبدون الله على غير شاكلة المُفترئين. ولا يسعني إلا أن اقول لمن كتب وينوي أن يفتري: كفى بهتاناً وزوراً وعدواناً، اتركوهم وشأنهم (لكم دينكم ولي ديني) و (لكل منكم جعلنا شرعة ومنهاجا) و (ولو شئنا لجعلناكم امة واحدة) و (لا إكراه في الدين)(7).
إن الإرث له قيمة معنوية لدى الشعوب، إن كان صنماً أو معبداً للأوثان لا يقصد عبادتها، وإنما يزين بها متاحفها دليلاً على غنى الماضي في أية امة من الأمم. وفي الدين الإيزيدي ارث هائل من الطقوس والمراسيم التي تضرب بجذورها في بعض حلقاتها أعماق الزمن وهو قاسم مشترك لمختلف الأديان التي عاشت وتمرست بها الشعوب الآرية. أفلا يحق لنا الاحتفاظ بهذا الإرث الحضاري؟ ثم ألا يحق لنا أن نفتخر بهؤلاء الأبطال الذين صانوا ما كنا ندين به نحن الكرد؟
لقد بذلتُ بعض الجهد حتى تمكنتُ من جمع عدد لا يستهان به من حملات الإبادة التي تعرض لها إخواننا الإيزيديون منذ العصر العباسي وحتى سنة 1950 منها حملات لم يلمح إليها من كتب عن الإيزيدية. وأرجو أن لا يفهم من كتابة هذا الموضوع باني أحاول إعادة الماضي لتجديد الضغائن وإظهارها، إنما ليعلم من لا علم له مدى الكوارث والنكبات التي تعرض لها إخواننا الإيزيديون وكم تحملوا من جور واضطهاد وظلم من الفرس، العرب والأتراك خاصة الذين كان يؤلبون إخوانهم الكرد المسلمين عليهم من باب فرق تسد.
كعب آخيل
هناك أسطورة يونانية تتحدث عن بطل اسمه (آخيل) تقول فيها: إن آخيل كان قوياً لا تنفذ فيه السهام، ولا يستطع أي إنسان أن يقتله... وقد حاول أعداؤه ففشلوا.. ولكنهم حاولوا أن يعرفوا نقطة الضعف فيه لكي يوجهوا إليه سهامهم. وأخيراً عثروا عليها... لقد وجدوا إن (كعب) آخيل كان ضعيفاً وإنهم في استطاعتهم أن يردوه قتيلاً إذ أصابوا هذا (الكعب)... ومات البطل... فآخيل هذا البطل عندما وُلِد غمرته الآلهة في ماء النهر الخالد.. و إبتلّ جسمه كله، وأصبحت الأماكن المبللة من هذا الجسم منيعة لا تنفذ فيها السهام... لقد ابتل كل جسمه.. إلا المكان الذي أمسكته منه الآلهة.. وهو المكان الذي نفذت فيه السهام(*) فكانت بعض شعائر الإيزيديين مشابهة لشعائر وطقوس المسلمين ـ ربما اتخذوها تقية ـ فاتخذها الذي في نفسه حاجة، ذريعة لقتالهم واتوهم من خلال (كعب آخيل)، حيث حسبوهم من (المرتدين) عن الإسلام.
كانت كردستان وقبل الفتح الإسلامي تدين بالزردشتية والمثروية والمسيحية واليهودية، وفي سنة 20 هجرية (640 ميلادية) تم فتح معظم المناطق الكردية ومن ضمنها منطقة (داسان أو داسير) كما كتب عنها صاحب فتوح البلدان ودخل قسم من سكنه المنطقة الإسلام، وأبى آخرون ورضوا بدفع الجزية وصالحوا الفاتحين على ذلك، وليس لدينا معلومات عن اسلام كافة أكراد دفعة واحدة، حيث ظل قسم منهم على دينهم القديم وأبوا ترك معتقدهم وكان منهم (الداسنية)(8).
عاش الكرد (الداسنيون) مع إخوانهم الكرد (المسلمون) فترة طويلة من الزمن بهدوء وصفاء وطمأنينة لم يعكر صفوهم الاختلاف في (الدين) بسب كونهم منحدرون من قبيلة وعشيرة واحدة(9) اسلم قسم منها ولم تسلم الأخرى، حتى ظهور الأتراك الذين استمروا في السيطرة على الإمارات الكردية، حينها استعملوا سلاح الدين ضمن سياستهم (فرق تسد) وهكذا بدأت حملات الإرهاب والقتل والتدمير بحق هؤلاء المساكين من خلال كعب (آخيل).
الدور العباسي
1- حركة المير جعفر بن المير حسن الداسني:
ليس بالإمكان معرفة أسباب قيام (المير جعفر الداسني) بشق عصا الطاعة على الدولة العباسية، والذي اعتقده إن السبب الرئيسي هو إن خلفاء بني العباس كانوا يثقلون كاهل سكنة الجبال من الكرد بالضرائب لتسد حاجاتهم وحاجات جواريهم وصرفها على ملذاتهم، كما إن التباين في توزيع الثروة بين أفراد المجتمع العباسي، كان السبب المباشر في ازدياد حدة التناقضات الطبقية والصراعات الفكرية، مما جعل الفلاحون وبقية الفئات الأخرى من السكان ذات المورد الضئيل جداً أو المعدومة الدخل، أن تلتف حول حركات الثائرين ضد الدولة العباسية وتؤازرها على اعتبار إنها لم تكن تهدف إلى تخليصهم من الماسي كلياً فلربما لتخفيف بعض الشيء عن كواهلهم(10).
كما إن المرحوم (أنور المائي) نشر قصيدتين للشاعر (بابا راخ الهمزاني) في مجلة (روناهى، العدد الثالث، ص5 ـ 12، لسنة 1960) يحث فيها الشاعر قومه ضد الأوتوقراطية العباسية ويدعوهم إلى التكاتف والتعاضد(11). لذا ثار الأمير جعفر سنة (224 هجرية ـ 838م) على الخليفة العباسي المعتصم بالله(12) مرتين حيث اخمد جيش الخليفة حركته الأولى، وفي المرة الثانية سُيّر عليه جيشاً كبيراً بقيادة (آيتاخ) فأحاطوا به وكادوا يأسرونه، إلاّ انه فضل الموت على حياة الذل، فتجرع شيئاً من السم ومات متأثراً به سنة 226 هجرية ـ 841م(13) وتفرق أصحابه فساق (آيتاخ) الأسرى الكرد إلى تكريت(14) كما أحدثوا مذابح شنيعة وجنايات فظيعة يندى لها الجبين.
2- في سنة (432 هجرية ـ 1040م) توجه الغزاة بعد انحدارهم أمام (وهسوذان) إلى بلاد الهكاري وأحدثوا فيها كثيراً من أعمال النهب والسلب والتدمير في قرى الإيزيدية والمسلمين.
الدور المغولي(15)
3- لم يسلم الإيزيديون من غزوات التتار، ففي ستة 657 هجرية ـ 1259م زحف هولاكو من تبريز على سورية، و أثناء مرور قواته من خلال منطقة الهكارية قاموا بتدمير القرى ونهب الأموال وإزالة العمران.
4- وفي سنة 685 هجرية ـ 1286م صدرت الأوامر من (آرغون خان المغولي) بان يسير بالأمراء (مازوق القوشجي ونورين آقا وغازان آخو اشك توغلي من الجلائريين مع ستة عشر ألف فارس إلى ناحية جبال (الهكار) بكردستان(16) فقتلوا من قتلوا وسبوا النساء والأطفال.
5- وفي سنة1401م غزا تيمورلنك كردستان وانتقم من الأهالي عموماً وقتل من أهلها مقتلة عظيمة. حيث ورد في معرض حديث (توماس مرزو بتس) عن الإيزيدية الشمسيين وغزوات تيمورلنك لكردستان حيث يقول: وخرب تيمورلنك مدينة وأربعة قرى للشمسيين الوثنيين(17).
الدور الأتابكي ـ عماد الدين زنكي:
6- بدأ عماد الدين زنكي حكمه باحتلال حصون الأكراد حيث احتل مدن جزيرة ابن عمر سنة (521 هجرية -1127م)، وفي عام 537 هجرية ـ 1142م هاجم الحصون الواقعة في أقاصي ديار بكر وهي مدينة (طنزه) و (اسعرد) و (المعدن) و (خيزان) و (فطبلس) و (باتاسا) ـ أي بين داسن أو سكنى داسن ـ الكاتب ـ وفي عام (539 هجرية ـ 1144م) استولى على حصن (كيفا) وهاجم مدينة (العقر) وقلعة (آشب)(18) كما هاجم الداسنية واشتبك مع أتباع عدي بن مسافر في لالش ونواحيها(19).
7- كما هاجم سليمان بن ناصر المرواني ديار بكر و أحدث فيها القتل والتدمير في جميع الأنحاء والقرى، وتوجهوا بعدها إلى جهات الموصل وأحدثوا فيها مذابح تقشعر لها الأبدان.
8- بدر الدين لؤلؤ:
في عام 652 هجرية ـ 1254م قام بدر الدين لؤلؤ بإرسال عسكره لقتال الإيزيديين وذلك لإجبارهم على إعطاء المال، وجرت معركة بين جيشه وبين المقاتلي الإيزيديين على رأسهم الشيخ حسن الذي كان بدر الدين يخشاه ويراقب حركاته، وانتهت المعركة غير المتكافئة بانهزام الإيزيديين بعد أن قتل منهم الكثير ووقع آخرون في الأسر وصلب منهم مائة وذبح مائة آخرين، وأمر بتقطيع أعضاء أميرهم وتعليقها على أبواب الموصل وأرسل من نبش قبر الشيخ عدي واحرق عظامه(20).
الدول الصفوية:
9- وفي عام (1414م) جاء من بلاد العجم قائد يدعى جلال الدين محمد بن عز الدين يوسف الحلواني مع جيشه وشنوا على اليزيدية حملة شعواء في جبال الهكارية، وسانده في حملته عز الدين البختي (البوتاني) صاحب جزيرة ابن عمر، والأمير توكل الكردي صاحب (شرانش) والأمير شمس الدين الجردقيلي وساروا جميعاً إلى جبل هكار حيث قتلوا جماعات كثيرة واسروا آخرين وهدموا قبة الشيخ عدي ونبشوا الضريح واخرجوا العظام واحرقوها(21).
10- وفي سنة (1154 هجرية ـ 1743م) أرسل نادر شاه من تبريز قوات متكونة من بعض القبائل مع (علي تقي خان) المكري ومع القوات النظامية على الكرد اليزيدية ـ يعتقد إنهم كانوا مع عشيرة محمودي اليزيدية(22).
11- وفي عام (1127هجرية ـ 1715م) غزاهم الملك المظفر بعساكر كالسيل وجحافل رجال وخيل وأكثر فيهم القتل والتنكيل وأسروا النساء والأطفال(23).
12- وفي سنة (1158هجرية ـ 1744م) أرسل نادر شاه حملة على عشيرة البلباس اليزيدية بقيادة (مهردوست بك قرغلو)(24).
13- عثر على مخطوطة في كنيسة مريم العذراء ببلدة باغديدا (باخديدا ـ قرقوش) كتبها القس (حبش) بالسريانية سنة 1745م وتضم صلوات ومواسم وأعياد. وفي حاشية المخطوطة قصة حصار (طهماسب) نادر شاه لمدينة الموصل سنة 1743م وقد ذكر فيها القرى التي تعرض أهاليها للقتل و النهب والسلب من قبل جيوش هذا الغازي حيث جاء فيها: إن العدو دفع نحو الجبل حتى وصلوا قرية الشيخ عادي(25) فأوقع في أهلها مذبحة عظيمة وسبى النساء والأطفال ودنسوا العذارى و سلبوا كل شيء وجدوه فيها(26).
14- كما يقول الدكتور سيّار جميل في كتابه حصار الموصل: بعد سيطرة نادر شاه على كركوك وأثناء زحفه على الموصل ومروره بآلتون كوبري وشى بعضهم نادر شاه بجماعات الإيزيدية الذين تنتشر قراهم على أطراف نهر الزاب الأعلى، و يعزي ذلك إلى أسباب دينية و العقيدة التي تتمسك بها هذه الجماعات(27) فأقتحم نادر شاه بيوتها الآهلة بالسكان و احرقوا محاصيلها الزراعية وقتلوا رجالها وشبابها وتشتت أطفالهم ونسائهم بأيدي القوات التي أرسلها نادر شاه إليهم وكانت جلّ هذه القوات من الأفغانيين القساة وكان تقدر أعدادهم باثني عشر ألف من الجنود تحت قيادة ابن أخ نادر شاه (علي قولي خان)(28).
ولما أدرك نادر شاه إن الموصل لا تسقط بسهولة توجه إلى مهاجمة القرى المحيطة بالموصل مرة أخرى وانزل جام غضبه على اليزيدية في سنجار بالذات وقتل كثيراً منهم ودمرت العشرات من المدن والقرى وخاصة (مرج الموصل) المحصور بين جبل مقلوب والزيبار(29).
15- وفي سنة (1156 هـ ـ 1743 م) كانت قوات نادر شاه يعيثون في الأرض فساداً وينهبون القرى المحيطة بالموصل، حيث قامت قوة تبلغ عشرين ألفاً بالإغارة على أراضي العمادية وعقرى وباحزاني وبعشيقة و الشيخان و أماكن أخرى وقاموا بتدمير القرى وإحراقها وقتلوا واسروا كثيراً من السكان(30).
أمراء العمادية:
يجب الاعتراف بان التعصب الأعمى للدين و التخلف الحضاري كانا سببان رئيسيان دفع الكثيرون من الكورد للسعي عبر الإسهام في قتال الإيزيدية لدخول الجنة(!) ففي العديد من المناطق كان الملالي وأصحاب الفتاوى يثيرون مشاعر الناس ويحرضون جهاراً على قتل الإيزيدية، ويبدو للبعض إن منشأ تلك الأعمال الوحشية يرجع إلى الاختلاف في الدين، نعم ذلك صحيح، ولكن الأعمال البربرية التي مارسها الظالمون من جميع الأديان ليست من الدين في شيء، بل من الجهل بالدين.. و فيما يتعلق بالإسلام فليس هناك أوضح مما هو موجود في القرآن الكريم (لا إكراه في الدين).
ومن منطلق إثارة الأحقاد تجاه الإيزيدية كان سلاطين آل عثمان يثيرون الفتن والحروب ضدهم لكي تضعفهم وإخوانهم الكرد المسلمين بغية احتلال بلدانهم، وهذا أمراً مسلم به.
16- ففي عام (940 هـ) ـ (1534 م) قاد حسن ابن الأمير سيف الدين أمير العمادية حملة على مركز إمارة (داسن) دهوك، وذلك بعد أن عرض ولاءه للشاه إسماعيل الصفوي، فاستولى عليه عنوة و أضافه مع أمارة الشيخان إلى ملكه(31).
17- و في عام 1205 هجرية ـ 1790م زحف إسماعيل باشا والي العمادية على قرى الشيخان و اشتبك مع اليزيدية وقتل أميرهم جولو بك و نصب محله خنجر بك(32).
18- و في عام (1209 هجرية ـ 1794م) غضب الأمير إسماعيل باشا والي العمادية على أمير الإيزيدية خنجر بك وسجنه و أقام مقامه حسن بك بن جولو بك. وهذا شيء ينافي كل القوانين في التدخل بالأمور الدينية(33).
19 - و في عام (1201 هجرية ـ 1786م) سار علي خان بك شقيق إسماعيل باشا نحو الإيزيدية وقتل منهم وشردهم مع أميرهم جول بك إلى الجبال.
20 - و في عام (1800م) قام قباد بك أمير زاخو بالهجوم على الشيخان وقتل جمع من الإيزيدية.
أمراء بوتان:
21 ـ وفي عام (993 هجرية ـ 1585م) قام احد الزعماء الكرد وهو (علي سيدي بك) وهو من أمراء بوتان الذين يعدون إيزيدية سنجار من العنصر البوتاني ويفرضون الإتاوة عليهم، وألف جيشاً من الكرد وزحف عليهم وقاتلهم قتالاً شديداً وقتل منهم في جبل سنجار ستمائة نسمة وسبى عدداً كبيراً من نسائهم وفتياتهم(34).
أمراء سوران
22 - وفي سنة (1247 هجرية ـ 1831م) زحف محمد باشا (ميرى كوره Mire kore = الأمير الأعور) أمير سوران على الإيزيديين بتحريض من الملا يحيى المزوري واحدث بهم قتلاً وتشريداً يندى لذكره جبين الإنسانية. وتعتبر هذه الحملة من اكبر حملات الإبادة الجماعية قسوة ووحشية، فقد شملت مناطق الشيخان وسنجار إضافة إلى دهوك وزاخو. وقتل من الإيزيديين الآلاف عديدة وتم سبي (10000) عشرة آلاف إيزيدي جلّهم من النساء والأطفال مع أميرهم (علي بك) حيث تم إعدامه بعد أيام قلائل وترك جسده معلقاً لمدة ثلاثة أيام على جسر راوندوز. أما النساء فتم تزويجهن من الرجال المسلمين عنوة مع إجبار بقية الأسرى على إعتناق الإسلام.
أمراء أردلان:
23 - يدعي مؤلف تاريخ (أردلان) إن خان احمد خان الاردلاني زحف على عشيرة الداسني والخالدي(35) الإيزيديتين وانه اشتبك معهما في حروب عنيفة، أسفرت عن خسائر كثيرة في الرواح والأموال، وأخيراً ظفر بهما خان احمد خان وأخضعهما(36) بعدما بشر سيده الشاه عباس الصفوي بهذا الانتصار.
الزيباريين:
24 - في سنة (1218 هجرية ـ 1803م) وفي عهد الوزير علي باشا قاد (بير رجب) الزيباري حملة واخذ معه ستمائة مقاتل وذهب لمعاونة الوزير على غزو اليزيدية في سنجار، والظاهر كانت هي القوة التي أرسلها الأمير مراد باشا لمعونة الوزير(37).
حملات الجليليين:
25 - وفي عام 1726م ظهرت الإمارة الجليلية في الموصل وكانت تمارس ضغطاً على الإمارات الكردية المجاورة لكي تبقى تلك الإمارات موالية للدولة العثمانية. فقد تعرضت إمارة بهدينان إلى هجمات الجليليين باستمرار، فقد هاجمها مثلاً حسين باشا الجليلي عام 1740م ونهب الكثير من قرى الشيخان ونافكر وجبل مقلوب وعقرة.
26 - في سنة (1193 هجرية ـ 1778م) قاد محمد باشا الجليلي والي الموصل حملة ضد اليزيديين قتل منهم كثيرون ودمر قراهم.
27 ـ وفي عام (1200 هجرية ـ 1785م) خرج والي الموصل الحاج عبد الباقي الجليلي بالعساكر، وعبر الجسر وتوجه نحوا قبيلة (الدنانية = الدنادية) وكان اسم مقدمهم (نمر سيمو) أو (شيخو) كما قراها الأستاذ عباس العزاوي ـ ونهبت العساكر قراهم، ولكن كرّ عليهم (نمر) مع خمسة أشخاص من أتباعه فقتلوه وقتلوا أخاه عبد الرحمن آغا(38).
28 - في سنة (1207 هجرية ـ 1792م) قاد محمد باشا الجليلي وبعد أربعة عشر عاماً حملة على أهل سنجار وملك منهم ثمانية قرى واحرق البعض الآخر بعد أن نهبها(39).
29 - وفي سنة (1208 هجرية ـ 1793م) قام نفس الباشا بحملة أخرى ونزل على (مهركان) إلا إن اليزيدية حاصروه وضربوه بالرصاص وفشلت حملته تلك(40).