بحزاني نت
25-03-2005, 00:47
نبيل فياض : نصوص سرّانيّة (4) - اليزيديّون
إضافة إلى الطقوس الليليّة الخاصّة التي يمارسها اليزيديّون حيال موتاهم في اليومين الثاني والسابع، نراهم يقيمون أيضاً طقوساً أخرى لا تقلّ عنها أهميّة. ففي هذين اليومين ينحرون الذبائح – كلّ وفق قدرته الاقتصاديّة – ويدعون إلى بيوتهم جميع أهل القرية دون استثناء تقريباً. يذهب أهل الميت إلى بيوت الأصدقاء والجيران موجهين لهم دعوة حضور "الخير على الميت"؛ في حين يكلّفون "الكزبر" – شخص بمثابة فراش عند المختار – بالذهاب إلى بقيّة البيوت، وتوجيه الدعوة إلى أصحابها؛ قائلاً لهم: " تفضّلوا إلى الخير في بيت فلان"! فيردّون عليه: "الله يقبله!" وفي السابق كان اليزيديّون يطبخون "الهريسة" عن أرواح موتاهم؛ أمّا الآن فإنهم يطبخون شتّى أنواع الطعام، كالأرز والبرغل والكبّة وغيرها. كما أنّهم يوزّعون قسماً من الطعام على بيوت الأصدقاء والجيران والأقارب؛ وأي بيت لا ترسل له حصّته قد يزعل ويفسّر الأمر على أنه خلاف ما..! ويهتم اليزيديّون بشكل خاص بإطعام الفقراء والمعوزين من هذا "الخير".
لا بدّ أن نشير هنا إلى أن مراسم الوفاة تكلّف ذوي الميت مبالغ كبيرة أحياناً، لذلك فإن أقارب الميت وأصدقاءه يساهمون مع ذويه في تغطية المصاريف التي يتمّ إنفاقها في أسبوع الحداد، كلّ في حدود إمكانياته. ولا يجوز لأهل الميت أن يبقوا بذمتهم أي دَين من هذه النفقات، وإلاّ فإنّ "الخير" يعتبر غير مقبول.
من الضروري الإشارة إلى أنّ اليزيديين يمتنعون عن تأدية كثير من طقوس الوفاة يوم السبت، فهم لا يزورون فيه قبور موتاهم، ولا يأخذون "السفرة" إلى بيت الميت، ولا يذهبون للتعزية من قرية إلى قرية أخرى؛ وإذا تصادف يوم السبت مع اليوم الثالث أو السابع أو الأربعين أو الذكرى السنويّة، فإنهم يؤجّلون إقامة الدعوة [حفلة الخير] إلى وقت آخر، وفق ظروفهم ورغباتهم.
وهم أيضاً يمتنعون خلال فترة الحداد عن تخمير العجين وأكل البصل وشطف بيوتهم بالماء، وغيرها من العادات.
من الجائز اختصار مدّة الحداد إلى ثلاثة أيام أو خمسة، لكن لا يجوز اختصارها إلى عدد زوجي من الأيّام.
في الأمسية الأخيرة من أمسيات الحداد، يتوجّه "القوّالون" ورجال الدين وبقيّة الحاضرين بالقول إلى ذوي الميت إنه من الضروري أن يعودوا إلى أعمالهم الطبيعيّة وأن يغسلوا ملابسهم وأجسامهم: فالدنيا دار فناء، والإنسان مصيره الزوال عاجلاً أم آجلاً؛ عندئذ ينهض أقرب شخص للميت فيقدّم ما شاء له من النذور "للقوّالين"، وفق وضعه المادّي؛ ثمّ يقبّل أياديهم، واحداً واحداً، شاكراً إياهم على ما بذلوه من خدمات جمّة في سبيل ميتهم أثناء أسبوع الحداد. ولأهل الميت الحقّ في ارتجاء "القوّال" أن يستمرّ في زيارة قبر ميتهم حتى اليوم الأربعين.
غالباً ما يمنح اليزيديون حاجيّات الميت الشخصيّة إلى شيخه أو أخيه في الآخرة [الأخ الديني] لاعتقادهم أن هؤلاء هم الشهود في اليوم الآخر على سيرة الميت عندما كان على قيد الحياة. لكنهم يحتفظون بواحدة من حاجيّاته للذكرى.
تختلف ملابس الحداد عند اليزيديّة عمّا هي عليه عند بقيّة الناس، فهم لا يرتدون الملابس السوداء على الإطلاق، وتكتفي النساء بارتداء ثوب بني فاتح، مع نزع غطاء الرأس؛ أمّا الرجال فإنهم لا يغيّرون أزياءهم أبداً إلاّ إذا كان المتوفي عزيزاً عليهم للغاية؛ عندها يعمدون إلى ارتداء "الشماغ" فوق رؤوسهم بعد قلبه إلى اللون الأحمر الفاتح! أما إذا كان واحدهم يرتدي العقال، فغالباً ما يكتفي بنزعه وشدّ الكوفيّة فوق الرأس.
لا يستحمّ أهل الميت أو يغسلون ملابسهم إلاّ بعد انقضاء فترة الحداد؛ وقد يستمر الأمر حتى أربعين يوماً.
يعتقد اليزيديّون أنه من الخطأ شرعاً ارتداء ملابس الحداد على المسنين. وقد يستمرّ ارتداؤهم لملابس الحداد عاماً واحداً فقط؛ وقد يتواصل سنوات، وأحياناً العمر كلّه.
يستمرّ اليزيديّون على "إخراج" غداء الميت وعشائه صباحاً ومساءً وأخذه إلى بيوت الفقراء كما تقتضي العادة – يجوز أخذه إلى بيوت غيرهم أيضاً – حتى اليوم الأربعين؛ بعدها يقتصر الأمر على أيّام الأربعاء والجمعة والأعياد، حتى يقام الحفل الخيري السنوي عن روح الميت. ثم يستمرّون في إخراج حصّة من الطعام لجميع موتاهم في الأعياد والمناسبات.
إذا تراءى الميت لأحدهم في الحلم، سرعان ما يخرجون حصّته من الطعام إلى أي بيت كان في القرية.
في عيد رأس السنة [سه ري ساله] يأخذون البيض المصبوغ والأطعمة إلى المقابر، فيأكلها الحاضرون هناك أو يرسلونها إلى الفقراء.
لا بدّ أن نوضح أخيراً – كما أشرنا غير مرّة – أنّ اليزيديين يؤمنون بنظريّة الحلول، أي تناسخ الأرواح. فهم يعتقدون أنّ الروح تظل تنتقل بعد الموت من إنسان إلى آخر حتى يوم القيامة، فالله يمتحنها في تجوالها الأبدي من جسد لآخر على مرّ الأجيال والدهور. فالروح لا موطن لها غير الإنسان، الذي يكون، باعتقادهم، قد عاش سابقاً حياة أخرى في صورة ملك أو لص أو حيوان..إلخ! وهكذا، فسوف تظلّ الروح تتقمّص أبداً هذا الجسد بعد أن تفارق ذاك؛ وفي رحلتها الأبديّة هذه قد يكتب الله عليها التعاسة والعذاب والشقاء، أو قد يقدّر لها الرفاه والنعيم والسعادة. لكنه ربما يبقيها هائمة على وجهها في انتظار مصيرها الأبدي المجهول.. فيا له من امتحان صعب!!!
دعاء الترقيني:
الترقيني أو التلقين، دعاء يردّده القوّال فوق القبر أربعين يوماً، وقد يستمرّ في ترديده في الأعياد والمناسبات أيضاً؛ أمّا مضمون هذا الدعاء فهو خليط من اللغتين العربيّة والكرديّة [اللهجة الكرمانجيّة]، ولا يستبعد وجود كلمات تركيّة أو فارسيّة فيه. وبالنظر إلى أن اليزيديين لا يبيحون كتابة تعاليمهم الدينيّة، فمن المرجّح أنّ تغييرات عديدة قد طرأت على مضمون هذا النصّ وشكله، حتى بات من المتعذّر، في الوقت الحاضر، فهم الغرض الذي كان يرمي إليه الدعاء بشكل دقيق، حتى من قبل القوّالين أنفسهم الذين يردّدونه الآن بعفويّة ظاهرة، دون أن يحاولوا التفكير في ماهيته. ومن المرجّح أن الدعاء انتشر بين اليزيديين في فترة حرجة جدّاً من تاريخهم، عندما استطاع الشيخ عدي بن مسافر الأموي أن يجذبهم إلى دعوته، فوقعوا حيارى بين نزعة التخلّي عن دينهم القديم ورغبة التمسّك بالدين الجديد. وعلى أي حال فإن ما حدث كان أحد أشكال المزج التوفيقي بين التيّارين.
في نصّ الدعاء، نجد نوعاً من التناقض الصارخ بين فقرة وأخرى؛ فهو يبدأ، على سبيل المثال، بالقول باللغة الكرديّة: "ئش قه ولي شيخ فه خرى حه قي، ئه ق ريا مريدا حه قي"؛ ومعناه بالعربيّة: "من قول الشيخ فخر الحق، هذا هو طريق المريد المستقيم"؛ ثم يكمل النص بلغة عربيّة ركيكة: "السلام عليكم يا أهل القبور؛ ينزل عليكم هنتي [هنائي] من جنتي من دوعاية [دعاء] الله والرسول". ورغم حدّة التناقض، فقد كان المشرّع في غاية الذكاء، فرغم محاولته نشر مبادىء الديانة الإسلاميّة بين أكراد المنطقة، لم يرم، في الوقت ذاته، إلى نسف دينهم القديم، أيّاً كان شكله، في سبيل تحقيق دعوة خطرة، بمعنى إقامة دولة أمويّة، وعديّ بن مسافر كان من الأمويين، على أنقاض دولة بني العبّاس. إلاّ أنّ الحركة فشلت في عهد "الشيخ حسن"، سليل خلفاء بني أميّة، الذي أعدمه بدر الدين لؤلؤ في قلعة الموصل؛ وفي دعاء "الترقيني" إشارة واضحة إلى ذلك: "وه كى مه له ك شيخ هسن لى نه كه تن شقاتي": "كي لا يصيبكم ما أصاب الملك الشيخ حسن من شقاء"؛ هذا وفي الدعاء كلمات يصعب ردّها إلى أصلها وتفسير معناها؛ الأمر الذي يعني صعوبة فهم معنى فقرة بأكملها. ولا بدّ أن نلاحظ هنا أن المتكلّم يتحدّث حيناً بلسان الإله، مثل "من جنّتي"؛ ثم يقول، "دعاء الله والرسول". وهذا الأمر كثير الحدوث في النصوص الدينيّة اليزيديّة؛ ومن المعروف أنه لدي اليزيديين أكثر من ثلاثمئة قصيدة دينيّة الطابع [ننصح هنا بمراجعة مجلّة لالش اليزيديّة المغرقة في أهميتها البحثيّة].
النصّ الكامل للترقيني:
"ئش قه ولي شيخ فه خرى حه قي، ئه ف ريا مريدا حه قي توى دايم توى باقي. السلام عليكم يا أهل القبور، ينزل عليكم هنتي من جنتي من دوعاية الله والرسول. ئش قولي: أنتم باسمي كنتم ما كي ما كنتم، دنون المراجعة، قلوبنا، متواجهة، ينزل عليكم تانجه. كه رمه كن وده نك هلينن ته رقينى ياسين سه ر من نه جونين ته رقينى ئش ياسيني ده م ده م ئش خاف النوتى شعر نه ش قانونى حه رقه ئش كاف الله ومولى جملى. عالم رسوب فقيري. باسم الله، وبالله، وتالله، أبدي أمتي ئش قسمائى زيدا. كلّمت كل خطا، خطا ئش غيب، غرز ئش غضب. عاف برضا، رضا ئش رحمه، شيخ وبير أوسطا ومربي، يارو يرابيت آخرتي وفه رز ئلما سونه تى إنجيل بي فكرت شريعتي. بارتي نه بر القاتى البى صراتى وكى ملك شيخ هسن لى نه كه تن شفاتى. مدين ودولت زى تهاتى ئل ديوانه شيخادي ومه لك شيخ هسن أبو الوفاتي. هه زار ره حمه ت والله تل أمي قه بد ستانى كه ل فى جفاتى".
دعاء السفرة:
وهو خليط من العربيّة الفصحى والعاميّة والكرديّة؛ يمكن اقتراح ترجمته كما يلي:
"الحمد لله! الحمد لله الذي أعطانا، الذي سقانا، الذي كسانا والذي علاّ وحدتنا؛ الذي فضّل ابن آدم على جميع خلائق الله! الذي أنعم على صاحب الطعام؛ اجعل صاحبه من نعمتي، من جنّتي، على هدى [.. لفظ صعب] والذي كان له فيها [السفرة] السبب، مقبول القربان بإذن الله! لتكن هذه سفرة سفرائيل الجليل ومن بركة ابراهيم الخليل. كلّ من منح هذا الطعام تصبح الجنّة له مناماً، والجحيم يحرم عليه، بهمة اسم الشيخ عدي وملك شيخ حسن، عليهما السلام".
ملاحظة:
نرجو من الأخوة اليزيديين تقديم أي اقتراح بشأن النصوص التي نحرص باستمرار على مواصلة تقديمها خدمة للثقافة ببعدها الإنساني.
www.annaqed.com
إضافة إلى الطقوس الليليّة الخاصّة التي يمارسها اليزيديّون حيال موتاهم في اليومين الثاني والسابع، نراهم يقيمون أيضاً طقوساً أخرى لا تقلّ عنها أهميّة. ففي هذين اليومين ينحرون الذبائح – كلّ وفق قدرته الاقتصاديّة – ويدعون إلى بيوتهم جميع أهل القرية دون استثناء تقريباً. يذهب أهل الميت إلى بيوت الأصدقاء والجيران موجهين لهم دعوة حضور "الخير على الميت"؛ في حين يكلّفون "الكزبر" – شخص بمثابة فراش عند المختار – بالذهاب إلى بقيّة البيوت، وتوجيه الدعوة إلى أصحابها؛ قائلاً لهم: " تفضّلوا إلى الخير في بيت فلان"! فيردّون عليه: "الله يقبله!" وفي السابق كان اليزيديّون يطبخون "الهريسة" عن أرواح موتاهم؛ أمّا الآن فإنهم يطبخون شتّى أنواع الطعام، كالأرز والبرغل والكبّة وغيرها. كما أنّهم يوزّعون قسماً من الطعام على بيوت الأصدقاء والجيران والأقارب؛ وأي بيت لا ترسل له حصّته قد يزعل ويفسّر الأمر على أنه خلاف ما..! ويهتم اليزيديّون بشكل خاص بإطعام الفقراء والمعوزين من هذا "الخير".
لا بدّ أن نشير هنا إلى أن مراسم الوفاة تكلّف ذوي الميت مبالغ كبيرة أحياناً، لذلك فإن أقارب الميت وأصدقاءه يساهمون مع ذويه في تغطية المصاريف التي يتمّ إنفاقها في أسبوع الحداد، كلّ في حدود إمكانياته. ولا يجوز لأهل الميت أن يبقوا بذمتهم أي دَين من هذه النفقات، وإلاّ فإنّ "الخير" يعتبر غير مقبول.
من الضروري الإشارة إلى أنّ اليزيديين يمتنعون عن تأدية كثير من طقوس الوفاة يوم السبت، فهم لا يزورون فيه قبور موتاهم، ولا يأخذون "السفرة" إلى بيت الميت، ولا يذهبون للتعزية من قرية إلى قرية أخرى؛ وإذا تصادف يوم السبت مع اليوم الثالث أو السابع أو الأربعين أو الذكرى السنويّة، فإنهم يؤجّلون إقامة الدعوة [حفلة الخير] إلى وقت آخر، وفق ظروفهم ورغباتهم.
وهم أيضاً يمتنعون خلال فترة الحداد عن تخمير العجين وأكل البصل وشطف بيوتهم بالماء، وغيرها من العادات.
من الجائز اختصار مدّة الحداد إلى ثلاثة أيام أو خمسة، لكن لا يجوز اختصارها إلى عدد زوجي من الأيّام.
في الأمسية الأخيرة من أمسيات الحداد، يتوجّه "القوّالون" ورجال الدين وبقيّة الحاضرين بالقول إلى ذوي الميت إنه من الضروري أن يعودوا إلى أعمالهم الطبيعيّة وأن يغسلوا ملابسهم وأجسامهم: فالدنيا دار فناء، والإنسان مصيره الزوال عاجلاً أم آجلاً؛ عندئذ ينهض أقرب شخص للميت فيقدّم ما شاء له من النذور "للقوّالين"، وفق وضعه المادّي؛ ثمّ يقبّل أياديهم، واحداً واحداً، شاكراً إياهم على ما بذلوه من خدمات جمّة في سبيل ميتهم أثناء أسبوع الحداد. ولأهل الميت الحقّ في ارتجاء "القوّال" أن يستمرّ في زيارة قبر ميتهم حتى اليوم الأربعين.
غالباً ما يمنح اليزيديون حاجيّات الميت الشخصيّة إلى شيخه أو أخيه في الآخرة [الأخ الديني] لاعتقادهم أن هؤلاء هم الشهود في اليوم الآخر على سيرة الميت عندما كان على قيد الحياة. لكنهم يحتفظون بواحدة من حاجيّاته للذكرى.
تختلف ملابس الحداد عند اليزيديّة عمّا هي عليه عند بقيّة الناس، فهم لا يرتدون الملابس السوداء على الإطلاق، وتكتفي النساء بارتداء ثوب بني فاتح، مع نزع غطاء الرأس؛ أمّا الرجال فإنهم لا يغيّرون أزياءهم أبداً إلاّ إذا كان المتوفي عزيزاً عليهم للغاية؛ عندها يعمدون إلى ارتداء "الشماغ" فوق رؤوسهم بعد قلبه إلى اللون الأحمر الفاتح! أما إذا كان واحدهم يرتدي العقال، فغالباً ما يكتفي بنزعه وشدّ الكوفيّة فوق الرأس.
لا يستحمّ أهل الميت أو يغسلون ملابسهم إلاّ بعد انقضاء فترة الحداد؛ وقد يستمر الأمر حتى أربعين يوماً.
يعتقد اليزيديّون أنه من الخطأ شرعاً ارتداء ملابس الحداد على المسنين. وقد يستمرّ ارتداؤهم لملابس الحداد عاماً واحداً فقط؛ وقد يتواصل سنوات، وأحياناً العمر كلّه.
يستمرّ اليزيديّون على "إخراج" غداء الميت وعشائه صباحاً ومساءً وأخذه إلى بيوت الفقراء كما تقتضي العادة – يجوز أخذه إلى بيوت غيرهم أيضاً – حتى اليوم الأربعين؛ بعدها يقتصر الأمر على أيّام الأربعاء والجمعة والأعياد، حتى يقام الحفل الخيري السنوي عن روح الميت. ثم يستمرّون في إخراج حصّة من الطعام لجميع موتاهم في الأعياد والمناسبات.
إذا تراءى الميت لأحدهم في الحلم، سرعان ما يخرجون حصّته من الطعام إلى أي بيت كان في القرية.
في عيد رأس السنة [سه ري ساله] يأخذون البيض المصبوغ والأطعمة إلى المقابر، فيأكلها الحاضرون هناك أو يرسلونها إلى الفقراء.
لا بدّ أن نوضح أخيراً – كما أشرنا غير مرّة – أنّ اليزيديين يؤمنون بنظريّة الحلول، أي تناسخ الأرواح. فهم يعتقدون أنّ الروح تظل تنتقل بعد الموت من إنسان إلى آخر حتى يوم القيامة، فالله يمتحنها في تجوالها الأبدي من جسد لآخر على مرّ الأجيال والدهور. فالروح لا موطن لها غير الإنسان، الذي يكون، باعتقادهم، قد عاش سابقاً حياة أخرى في صورة ملك أو لص أو حيوان..إلخ! وهكذا، فسوف تظلّ الروح تتقمّص أبداً هذا الجسد بعد أن تفارق ذاك؛ وفي رحلتها الأبديّة هذه قد يكتب الله عليها التعاسة والعذاب والشقاء، أو قد يقدّر لها الرفاه والنعيم والسعادة. لكنه ربما يبقيها هائمة على وجهها في انتظار مصيرها الأبدي المجهول.. فيا له من امتحان صعب!!!
دعاء الترقيني:
الترقيني أو التلقين، دعاء يردّده القوّال فوق القبر أربعين يوماً، وقد يستمرّ في ترديده في الأعياد والمناسبات أيضاً؛ أمّا مضمون هذا الدعاء فهو خليط من اللغتين العربيّة والكرديّة [اللهجة الكرمانجيّة]، ولا يستبعد وجود كلمات تركيّة أو فارسيّة فيه. وبالنظر إلى أن اليزيديين لا يبيحون كتابة تعاليمهم الدينيّة، فمن المرجّح أنّ تغييرات عديدة قد طرأت على مضمون هذا النصّ وشكله، حتى بات من المتعذّر، في الوقت الحاضر، فهم الغرض الذي كان يرمي إليه الدعاء بشكل دقيق، حتى من قبل القوّالين أنفسهم الذين يردّدونه الآن بعفويّة ظاهرة، دون أن يحاولوا التفكير في ماهيته. ومن المرجّح أن الدعاء انتشر بين اليزيديين في فترة حرجة جدّاً من تاريخهم، عندما استطاع الشيخ عدي بن مسافر الأموي أن يجذبهم إلى دعوته، فوقعوا حيارى بين نزعة التخلّي عن دينهم القديم ورغبة التمسّك بالدين الجديد. وعلى أي حال فإن ما حدث كان أحد أشكال المزج التوفيقي بين التيّارين.
في نصّ الدعاء، نجد نوعاً من التناقض الصارخ بين فقرة وأخرى؛ فهو يبدأ، على سبيل المثال، بالقول باللغة الكرديّة: "ئش قه ولي شيخ فه خرى حه قي، ئه ق ريا مريدا حه قي"؛ ومعناه بالعربيّة: "من قول الشيخ فخر الحق، هذا هو طريق المريد المستقيم"؛ ثم يكمل النص بلغة عربيّة ركيكة: "السلام عليكم يا أهل القبور؛ ينزل عليكم هنتي [هنائي] من جنتي من دوعاية [دعاء] الله والرسول". ورغم حدّة التناقض، فقد كان المشرّع في غاية الذكاء، فرغم محاولته نشر مبادىء الديانة الإسلاميّة بين أكراد المنطقة، لم يرم، في الوقت ذاته، إلى نسف دينهم القديم، أيّاً كان شكله، في سبيل تحقيق دعوة خطرة، بمعنى إقامة دولة أمويّة، وعديّ بن مسافر كان من الأمويين، على أنقاض دولة بني العبّاس. إلاّ أنّ الحركة فشلت في عهد "الشيخ حسن"، سليل خلفاء بني أميّة، الذي أعدمه بدر الدين لؤلؤ في قلعة الموصل؛ وفي دعاء "الترقيني" إشارة واضحة إلى ذلك: "وه كى مه له ك شيخ هسن لى نه كه تن شقاتي": "كي لا يصيبكم ما أصاب الملك الشيخ حسن من شقاء"؛ هذا وفي الدعاء كلمات يصعب ردّها إلى أصلها وتفسير معناها؛ الأمر الذي يعني صعوبة فهم معنى فقرة بأكملها. ولا بدّ أن نلاحظ هنا أن المتكلّم يتحدّث حيناً بلسان الإله، مثل "من جنّتي"؛ ثم يقول، "دعاء الله والرسول". وهذا الأمر كثير الحدوث في النصوص الدينيّة اليزيديّة؛ ومن المعروف أنه لدي اليزيديين أكثر من ثلاثمئة قصيدة دينيّة الطابع [ننصح هنا بمراجعة مجلّة لالش اليزيديّة المغرقة في أهميتها البحثيّة].
النصّ الكامل للترقيني:
"ئش قه ولي شيخ فه خرى حه قي، ئه ف ريا مريدا حه قي توى دايم توى باقي. السلام عليكم يا أهل القبور، ينزل عليكم هنتي من جنتي من دوعاية الله والرسول. ئش قولي: أنتم باسمي كنتم ما كي ما كنتم، دنون المراجعة، قلوبنا، متواجهة، ينزل عليكم تانجه. كه رمه كن وده نك هلينن ته رقينى ياسين سه ر من نه جونين ته رقينى ئش ياسيني ده م ده م ئش خاف النوتى شعر نه ش قانونى حه رقه ئش كاف الله ومولى جملى. عالم رسوب فقيري. باسم الله، وبالله، وتالله، أبدي أمتي ئش قسمائى زيدا. كلّمت كل خطا، خطا ئش غيب، غرز ئش غضب. عاف برضا، رضا ئش رحمه، شيخ وبير أوسطا ومربي، يارو يرابيت آخرتي وفه رز ئلما سونه تى إنجيل بي فكرت شريعتي. بارتي نه بر القاتى البى صراتى وكى ملك شيخ هسن لى نه كه تن شفاتى. مدين ودولت زى تهاتى ئل ديوانه شيخادي ومه لك شيخ هسن أبو الوفاتي. هه زار ره حمه ت والله تل أمي قه بد ستانى كه ل فى جفاتى".
دعاء السفرة:
وهو خليط من العربيّة الفصحى والعاميّة والكرديّة؛ يمكن اقتراح ترجمته كما يلي:
"الحمد لله! الحمد لله الذي أعطانا، الذي سقانا، الذي كسانا والذي علاّ وحدتنا؛ الذي فضّل ابن آدم على جميع خلائق الله! الذي أنعم على صاحب الطعام؛ اجعل صاحبه من نعمتي، من جنّتي، على هدى [.. لفظ صعب] والذي كان له فيها [السفرة] السبب، مقبول القربان بإذن الله! لتكن هذه سفرة سفرائيل الجليل ومن بركة ابراهيم الخليل. كلّ من منح هذا الطعام تصبح الجنّة له مناماً، والجحيم يحرم عليه، بهمة اسم الشيخ عدي وملك شيخ حسن، عليهما السلام".
ملاحظة:
نرجو من الأخوة اليزيديين تقديم أي اقتراح بشأن النصوص التي نحرص باستمرار على مواصلة تقديمها خدمة للثقافة ببعدها الإنساني.
www.annaqed.com