بحزاني نت
22-04-2005, 23:47
مرثية أُخرى
وإستوطن مطر النار قلبي
4/4/2004 استشهدَ شقيقي محروس
4/4/2005 استشهدت شقيقتي وداد
نوال الغانم
فنانة تشكيلية عراقية /استراليا[/
في وطني ...
الناس يحملون جثثهم بتثاقل ،
تومض في ذاكرتهم قصص بحجم جحيم هذهِ البقعة من الأرض ، التي عشقها الموت والدم بشكلٍ مجنون .
الناس في وطني يكرهون ، بل يمقتون كل الأشياء التي تمت بصلة لجدلية الحروب .
الأحلام التي تسحفُ في ثنايا مخيلاتهم تبدأ وتنطفىء فجأة ، وكأن يدٌ سوداءَ ضربت نظارتها .... وجعٌ آخر بدأ يعبر فوقَ خرائط أجسادهم المتعبة ،
الرياح المنذرة بالخراب والدمار ، يُؤذَن لها أن تعبرَ نحوَ العراق فقط .
العراق فقط ، أجل العراق ، انهُ أرض يُخَصِبْ مواسمهُ شَخيّب الدم ، وإنَّ لوحتهُ أكثر تجسيداً لصورِ الموتِ ، والقتل ، والأحتراب .
في ذلكَ الركن تتفحم الجثث .... وفي تلكَ الجادة أطفال ونساء قطعت أوصالهم ، وفي هذهِ الزاوية بقايا يدٍ قطعت أصابعها ، وعندَ حافةِ ذلكَ الرصيف قطعُ لحم متناثرة لايمكن معرفة هويتها ،
غيرَ أنها تنتمي إليكِ .....
إليكِ أيتها الأرض التي مازالت تأكلُ أبناءها ، رغمَ إنَّ طينها مضغة بينَ الشفاه .
آهٍ .... إنكَ توجع قلبي ياعراق
فكلما توشك الجروح على الأندمال تَنكأها بهداياكَ التي إستوطنت جمراتها جسدي الذي أتعبهُ الرحيل من منفاً لآخر .
أمنحكَ شوقي .... تمنحني المواجع ....
أمدُ إليكَ يدي محملةً بباقاتِ الورد وعصافير الضوء تدفعُ نحوَ صدري رماحكَ الدامية .
أُسافرُ إليكَ مثخنةَ بالجراح ، فيما تركضُ بقلبي إليكَ مهرة أحلامي التي ملأت الأوراق بالصهيل .
أسألكَ : مَن جَمَعَ جيوش الظلام تحتَ قبةِ سماءكَ وأطلقَ يَدَ النار لتركض بينَ ثنايا بيادركَ، ليرسم شريط الحرائق تضاريسهُ تحتَ عينيكَ ؟
أقولُ لكَ : متى تتخذ القرار ؟ .
تُجيبَني : إنهَ وقت الموت .... ألاترينَ المتدافعونَ يُخَبئون خناجرهم
تحتَ قمصانِ نواياهم ؟.
قاتلٌ يقطعُ أوصالَ زقزقة العصافير .....وقاتلٌ آخر يهيء أسباب الموت
لكي يستمرُ تدفق شلال النعوش .
الكتبة القصابونَ يُقَطِعونَ حناجر الطيور ، لكي يعلقونها على جدرانِ خرائبهم ، فيسيل لعاب الحِبر الأحمر على جذوعِ الأشجار ، ثمَ يُنقِع ثيابهم برائحةِ الدم كشاهد على إشتراكهم في حفلةِ الذبحِ .
الموت .... طعنات الموت ..... تنزلق نحوَ كل الأتجاهات
فيبتلع بلل النار أقمارنا قمراً إثرَ آخر .
الحياة تتدلى مثل عذوقٍ نخلٍ ضربها الجفاف ، فيما يمضي نهر الوجع راكضاً نحوَ الجنوب .
العالم يصغي لأنين موسيقى الأرواح المتصاعد من بحيرة الضوء مبتسماً، وهوَ يمسدُ بشاربيهِ طرباً .
الصوت يستصرخ ضمير الأنسانية
يستصرخ بهاء الديانات جميعها
يستصرخ الشرفاء والوطنيون
يستصرخ الأقلام الحرة .
(( أما من مجيب يسمعنا ؟ ))
(( أما من معين يعيننا ؟ ))
إني أحتضرُ الآن .... مطرُ النار مازال يسقطُ فوقَ الرؤوس ، مازالت أنهار الدم تتدفق من قلوب الأمهات الموشحات بسواد المصائب .
هاهي شقيقتي (وداد) تسقط صريعة رصاصات غادرة وهي في طريق ذهابها الى عملها في وزارة التربية يوم 4/4/2005 وهوَ نفس اليوم الذي إستشهدَ فيه شقيقي محروس من العام الماضي يوم 4/4/2004 وبنفس الرصاصات الغادرة.
إنها مأساة حقيقية تضاف الى مأساة عائلتي، التي قدمت الضحية تلو الأخرى .
ففي حروبٍ ثلاث زرعت شظاياها في أعمارنا التي كانت عرضة لرياح الخراب ، أعطت عائلتي في الحرب الأولى شقيقاي (رياض) و(ضامن)، أما الثانية فقد حصدت والدي الذي ماتَ حزناً وكمداً على أولادهِ . كما شيعت عائلتي خمسة أطفال لفضوا أنفاسهم في المستشفيات خلال شهريين متتاليين .
ومابين هذهِ الحروب الثلاث كانت السكاكين تطاردنا وتتعقب خطانا ، وكانت عيون البصاصين تتربصنا ، أما مداهمات خفافيش الظلام فكانت وجبة عائلتي الثقيلة بعدَ منتصف كلِ ليلةٍ .
وعندما قررنا أنا وزوجي الخروج من العراق ظلت شباك الغدر تطاردنا وجواسيس النظام المقبور تحصي أنفاسنا حتى ونحنُ على الأراضي الأردنية . وبعدَ أن وصلنا إلى إستراليا أشاعَ النظام المقبور أنهُ إختطفَ زوجي عن طريق أجهزتهِ من سيدني الى ألمانيا ثمَ تمت تصفيتهُ هناك. وقد ترك هذا الخبر أثرهُ المفجع على عوائلنا وأصدقائنا .
وعندما سقط الظلاميون كانت عائلتي أكثر العوائل العراقية فرحاً. لكنما يبدو أن الموت لايحلو لهُ منزلاً غير منزل أهلي ، حتى أنهُ تركَ بصماته
على جدران دارنا شاهدة ، فكانت ( وداد ) آخر هذهِ البصمات .
الموت للنفوسِ الخربة التي ملؤها الحقد والكراهية والضغائن .
الموت للعقول التي شوهتها أطماعها وحبها للسيطرة والأستحواذ على ثروات الشعب .
الموت للذين زينت لهم أفكارهم المريضة أمكانية عودة إمبراطورياتهم المهزومة وهم يطلبون المستحيل .
اللعنة .... اللعنة على الحروب القذرة التي يصنعها ويذكي نارها المجرمون فيما يذهب ضحيتها الأبرياء والضعفاء .
أن الله يمهل ولا يهمل ....أسألهُ أن ينظر الى مساحة الوجع الذي إستوطننا ، وأن يعمد نفوس العراقيين بالبياض والمحبة .
نوال الغانم
سيدني
12/4/2005
وإستوطن مطر النار قلبي
4/4/2004 استشهدَ شقيقي محروس
4/4/2005 استشهدت شقيقتي وداد
نوال الغانم
فنانة تشكيلية عراقية /استراليا[/
في وطني ...
الناس يحملون جثثهم بتثاقل ،
تومض في ذاكرتهم قصص بحجم جحيم هذهِ البقعة من الأرض ، التي عشقها الموت والدم بشكلٍ مجنون .
الناس في وطني يكرهون ، بل يمقتون كل الأشياء التي تمت بصلة لجدلية الحروب .
الأحلام التي تسحفُ في ثنايا مخيلاتهم تبدأ وتنطفىء فجأة ، وكأن يدٌ سوداءَ ضربت نظارتها .... وجعٌ آخر بدأ يعبر فوقَ خرائط أجسادهم المتعبة ،
الرياح المنذرة بالخراب والدمار ، يُؤذَن لها أن تعبرَ نحوَ العراق فقط .
العراق فقط ، أجل العراق ، انهُ أرض يُخَصِبْ مواسمهُ شَخيّب الدم ، وإنَّ لوحتهُ أكثر تجسيداً لصورِ الموتِ ، والقتل ، والأحتراب .
في ذلكَ الركن تتفحم الجثث .... وفي تلكَ الجادة أطفال ونساء قطعت أوصالهم ، وفي هذهِ الزاوية بقايا يدٍ قطعت أصابعها ، وعندَ حافةِ ذلكَ الرصيف قطعُ لحم متناثرة لايمكن معرفة هويتها ،
غيرَ أنها تنتمي إليكِ .....
إليكِ أيتها الأرض التي مازالت تأكلُ أبناءها ، رغمَ إنَّ طينها مضغة بينَ الشفاه .
آهٍ .... إنكَ توجع قلبي ياعراق
فكلما توشك الجروح على الأندمال تَنكأها بهداياكَ التي إستوطنت جمراتها جسدي الذي أتعبهُ الرحيل من منفاً لآخر .
أمنحكَ شوقي .... تمنحني المواجع ....
أمدُ إليكَ يدي محملةً بباقاتِ الورد وعصافير الضوء تدفعُ نحوَ صدري رماحكَ الدامية .
أُسافرُ إليكَ مثخنةَ بالجراح ، فيما تركضُ بقلبي إليكَ مهرة أحلامي التي ملأت الأوراق بالصهيل .
أسألكَ : مَن جَمَعَ جيوش الظلام تحتَ قبةِ سماءكَ وأطلقَ يَدَ النار لتركض بينَ ثنايا بيادركَ، ليرسم شريط الحرائق تضاريسهُ تحتَ عينيكَ ؟
أقولُ لكَ : متى تتخذ القرار ؟ .
تُجيبَني : إنهَ وقت الموت .... ألاترينَ المتدافعونَ يُخَبئون خناجرهم
تحتَ قمصانِ نواياهم ؟.
قاتلٌ يقطعُ أوصالَ زقزقة العصافير .....وقاتلٌ آخر يهيء أسباب الموت
لكي يستمرُ تدفق شلال النعوش .
الكتبة القصابونَ يُقَطِعونَ حناجر الطيور ، لكي يعلقونها على جدرانِ خرائبهم ، فيسيل لعاب الحِبر الأحمر على جذوعِ الأشجار ، ثمَ يُنقِع ثيابهم برائحةِ الدم كشاهد على إشتراكهم في حفلةِ الذبحِ .
الموت .... طعنات الموت ..... تنزلق نحوَ كل الأتجاهات
فيبتلع بلل النار أقمارنا قمراً إثرَ آخر .
الحياة تتدلى مثل عذوقٍ نخلٍ ضربها الجفاف ، فيما يمضي نهر الوجع راكضاً نحوَ الجنوب .
العالم يصغي لأنين موسيقى الأرواح المتصاعد من بحيرة الضوء مبتسماً، وهوَ يمسدُ بشاربيهِ طرباً .
الصوت يستصرخ ضمير الأنسانية
يستصرخ بهاء الديانات جميعها
يستصرخ الشرفاء والوطنيون
يستصرخ الأقلام الحرة .
(( أما من مجيب يسمعنا ؟ ))
(( أما من معين يعيننا ؟ ))
إني أحتضرُ الآن .... مطرُ النار مازال يسقطُ فوقَ الرؤوس ، مازالت أنهار الدم تتدفق من قلوب الأمهات الموشحات بسواد المصائب .
هاهي شقيقتي (وداد) تسقط صريعة رصاصات غادرة وهي في طريق ذهابها الى عملها في وزارة التربية يوم 4/4/2005 وهوَ نفس اليوم الذي إستشهدَ فيه شقيقي محروس من العام الماضي يوم 4/4/2004 وبنفس الرصاصات الغادرة.
إنها مأساة حقيقية تضاف الى مأساة عائلتي، التي قدمت الضحية تلو الأخرى .
ففي حروبٍ ثلاث زرعت شظاياها في أعمارنا التي كانت عرضة لرياح الخراب ، أعطت عائلتي في الحرب الأولى شقيقاي (رياض) و(ضامن)، أما الثانية فقد حصدت والدي الذي ماتَ حزناً وكمداً على أولادهِ . كما شيعت عائلتي خمسة أطفال لفضوا أنفاسهم في المستشفيات خلال شهريين متتاليين .
ومابين هذهِ الحروب الثلاث كانت السكاكين تطاردنا وتتعقب خطانا ، وكانت عيون البصاصين تتربصنا ، أما مداهمات خفافيش الظلام فكانت وجبة عائلتي الثقيلة بعدَ منتصف كلِ ليلةٍ .
وعندما قررنا أنا وزوجي الخروج من العراق ظلت شباك الغدر تطاردنا وجواسيس النظام المقبور تحصي أنفاسنا حتى ونحنُ على الأراضي الأردنية . وبعدَ أن وصلنا إلى إستراليا أشاعَ النظام المقبور أنهُ إختطفَ زوجي عن طريق أجهزتهِ من سيدني الى ألمانيا ثمَ تمت تصفيتهُ هناك. وقد ترك هذا الخبر أثرهُ المفجع على عوائلنا وأصدقائنا .
وعندما سقط الظلاميون كانت عائلتي أكثر العوائل العراقية فرحاً. لكنما يبدو أن الموت لايحلو لهُ منزلاً غير منزل أهلي ، حتى أنهُ تركَ بصماته
على جدران دارنا شاهدة ، فكانت ( وداد ) آخر هذهِ البصمات .
الموت للنفوسِ الخربة التي ملؤها الحقد والكراهية والضغائن .
الموت للعقول التي شوهتها أطماعها وحبها للسيطرة والأستحواذ على ثروات الشعب .
الموت للذين زينت لهم أفكارهم المريضة أمكانية عودة إمبراطورياتهم المهزومة وهم يطلبون المستحيل .
اللعنة .... اللعنة على الحروب القذرة التي يصنعها ويذكي نارها المجرمون فيما يذهب ضحيتها الأبرياء والضعفاء .
أن الله يمهل ولا يهمل ....أسألهُ أن ينظر الى مساحة الوجع الذي إستوطننا ، وأن يعمد نفوس العراقيين بالبياض والمحبة .
نوال الغانم
سيدني
12/4/2005