Fady_ Nasir
29-12-2005, 17:34
ملاحظة :
هذه الكتابات عبارة عن فصل مستل من بحث كتبها باحث شبكي بعنوان ( الشبك) و للاسف البحث مكتوب باسلوب (وورد) و ليس ( تكست) كي يمكن نقله و عرضه على صفحات ( موقع بحزاني) كما هو دون فقدان الهوامش و تعليقات الكاتب في عملية النقل ، على امل نشر البحث كاملا بعد تحويله الى اسلوب ( التكست) ، عسى ان تعم الفائدة و يكون موضعا لمناقشات وردود المهتمين بشؤون الشبك للوصول الى فهم كامل لحقيقة من هم الشبك وما هي لغتهم.
لغة الشبك
تعددت الآراء حول لغة الشبك ، بتعدد التوجهات التي ذكرناها في الفصل الأول من هذا البحث بصدد اصل الشبك ، و غالبا ما كان الكتاب ،الذين تناولوا اصل الشبك ،يدعمون آراءهم بالاستدلال باللغة الشبكية و مدى قرب مفرداتها باللغة التي يتكلم بها القوم الذي ينسبون الشبك إليه ، ولا ينكر ، ان اللغة غالبا ما تكون مؤشرا مفيدا عند البحث في أصل الأقوام ، حيث يرى الكثير من الباحثين ، مثلا، أن مقياس التمييز بين السومريين و الاكديين و غيرهم من الأقوام التي كانت تقطن القسم الجنوبي من العراق لا يمكن أن يكون عرقيا بل لغويا ، فيقصد بالاكديين ، القوم الذين كانوا يتكلمون اللغة الاكدية ،و السومريين هم الذين كانوا يتكلمون اللغة السومرية ، كما ان الإغريق و الحيثيين و أقواما هندو ـ آرية ينسب بعضهم إلى البعض الآخر من خلال عائلة اللغات الهندية ـ الاوربية التي كانوا يتكلمون بها ، و من المحتمل أنهم جاءوا من موطن مشترك لهم، رغم سعة المنطقة الجغرافية التي انتشروا فيها. و الحقيقة ان تقارب لغات المشرق عموما و تتداخلها و تأثر ، بعضها بالبعض سهل ،كثيرا ، عملية نسبة اللغة الشبكية إلى لغات المنطقة كالفارسية او الكردية او التركية ، سواء بحسن نية او لتحقيق أغراض معينة ، كترجيح قومية على أخرى في هذه المنطقة ،أو لإذابة و صهر الشبك و إنهاء وجودهم فيها. ومن خلال المصادر القليلة التي اعتمدتها في هذا البحث ، يمكن أن تلمس اتجاهيين رئيسيين حول اللغة الشبكية ،الاول يرى بان اللغة الشبكية ، لغة مستحدثة ، نشأت من خلال تفاعل عدة لغات ، أي لغة هجينة ولدت من عدة لغات و تتضمن مفردات من اللغة الفارسية و العربية و التركية و الكردية مع ترجيح إحدى هذه اللغات ، و اعتبارها المصدر الرئيسي للغة الشبكية ، كاللغة التركية ، لدى بعض الكتاب و الكردية لدى البعض الآخر او دون تحديد المصدر من قبل كتاب آخرين . و الثاني يرى فيها لهجة من اللهجات المحلية للغات أخرى ، أي ينكر كونها لغة قائمة بذاتها ، و أكثر القائلين بهذا الاتجاه هم من القائلين بالأصول الكردية للشبك . وقبل التعليق على الاتجاهين ، لابد من الإشارة إلى حقيقة ان اللغة الشبكية تنتمي إلى مجموعة اللغات الآرية الهندو ـ أوربية ،و التي ،يفترض ، ان تكون متأتية من اصل واحد وهي اللغة التي كان يتكلم بها شعب حضارة قديمة كانت قد انتشرت، من شمال و شرق بحر قزوين، بعد العصر الحجري الحديث ، وفي حدود الألف الخامس ق.م، على مساحة شاسعة من أراضي العالم القديم وكما بدأ بالانتشار أيضا إلى أوربا الشمالية و الغربية ، و بسبب التطور التي يمكن ان يطرأ على لغة انشرت في بيئات متباينة و مناخات مختلفة و عبر حقب زمنية طويلة و موغلة في القدم ظهرت لهجات عديدة و من ثم تباينت الى لغات متعددة تربطها مفردات و سمات تشير الى أصولها المشتركة ،سميت باللغات الهندو اوربية الآرية وقد تفرعت الى مجموعات لغوية و هي ( المجموعة الهندو ايرانية و المجموعة الاناضولية و المجموعة الايطالية و المجموعة الجرمانية و المجموعة الكلتية و المجموعة السلافية) وهذه المجاميع تفرعت بدورها الى مجاميع ثانوية ضمت جميع اللغات الارية المعاصرة ،فيما تفرعت المجموعة الهندو إيرانية إلى مجاميع ثانوية وهي(مجموعة اللغات الدردية و مجموعة اللغات الهندية ومجموعة اللغات القزوينية و مجموعة اللغات الإيرانية) و المجموعة الإيرانية تفرعت إلى لغات ولهجات رئيسية و محلية منها الكردية و البلوشية و السوغديانية و البشتوه و الآفيستا و الإيرانية القديمة . و سواء أكانت اللغة الشبكية لهجة او لغة مستقلة ، يشبه في نشاتها اللغات الأخرى ،فأنها بالتأكيد متأتية من أرومة اللغات الهندوـ إيرانية ، فيما لو صحت التقسيمات المشار إليها .و باستبعاد الأصل التركي للغة الشبكية ، لعدم وجود شبه بين المفردات الأساسية و التركيبة اللغوية و اللفظية بين اللغتين ، على الرغم من وجود مفردات مشتركة كثيرة بين اللغتين ، بسبب عوامل كثيرة منها ،إضافة إلى الأصل المشترك ،التجاور و تأثير آداب الطرق الصوفية و كتبها ،و التي غالبا ما كانت تركية ،رغم مناشئها المتعددة و طغيان الثقافة والتعامل الرسمي باللغة التركية في عموم المنطقة طيلة فترة حكم الإمبراطورية العثمانية ، و إجادة الكثيرين من الشبك ،و خاصة مثقفيهم، للغة التركية و وجود العديد من المنحدرين من أصول تركية بين الشبك و كذلك الحال ،بالنسبة للغة العربية ، وتأثيرات الجيرة و المخالطة و الدين الإسلامي و اعتبارها لغة التفاهم العام في العراق المعاصر، نبقى أمام اتجاهين : الأول ، و يتضمن القائلين بان اللغة الشبكية هي لهجة من اللهجات الكردية ، و الثاني وهم الذين يرجحون اللغة الفارسية كأصل للغة الشبكية ، مع الإقرار بوجود مفردات من لغات أخرى في اللغة الشبكية إلى حد أبعدتها كثيرا من اللغة الفارسية الحديثة.
بالنسبة للاتجاه الأول ، ينكر أصحاب هذا الاتجاه ،كون ،لغة الشبك، لغة مستقلة ،بل يعدونها لهجة من اللهجات الكوردية ، مع اختلاف في تسمية اللهجة الكوردية التي تنتمي إليها الشبكية ،و لتفصيل هذه المسالة ، لابد من بيان أهم التقسيمات المعتمدة للهجات الكوردية لدى الكتاب الذين تعرضوا لهذه المسألة : فقد قسمها البعض استنادا الى المناطق الجغرافية المشغولة من قبل الأكراد او مكان تواجدهم إلى ( اللهجات الشمالية و الشمالية الغربية ،و اللهجات الجنوبية و اللهجات الجنوبية الشرقية) و قسم آخرون اللهجات الكوردية من منطلق المجموعات السكانية الكوردية او القبائل الكوردية الى(اللهجة اللرية و اللهجة الكلهرية واللهجة السورانية و اللهجة الكورانية) في حين اختط آخرون منهجا وسطا بتقسيمها الى ( الكرمانجية الشمالية و الكرمانجية الوسطى و اللرية و الگورانية) أو إلى( الكرمانجية الشمالية و الكرمانجية الوسطى و الكرمانجية الجنوبية و اللهجة الگورانية) ,و ينتقد الباحث احمد شوكت آراء سابقيه و خاصة الباحث "فؤاد حمة خورشيد" بهذا الصدد و يقول ( و الحقيقة أنه ( أي الباحث فؤاد حمة خورشيد) لم يغير شيئا ،فقد فسر الماء بالماء، و يبدو انه كتب بحثه هذا تحت تأثير موقف قومي متشنج ليس الا ، وهذا ما يرفضه المنهج العلمي، فليس هناك من ضير في تسمية لهجة كوردية باسم منطقة جغرافية موجودة في إيران او حتى طاجكستان او باكستان.. و ان تقسيم اللهجات الكوردية الى ثلاث لهجات كرمانجية و لهجة گورانية هو خروج عن الواقع والحقيقة الجغرافية و الصوتية و الدلالية ) و يرى ان تصنيف اللهجات الكوردية يجب ان يكون وفقا لما يميز كل لهجة من صوت او اكثر و تحولات هذا الصوت من لهجة الى اخرى و ينتهي بتقسيم اللغة الكوردية إلى ثلاث لهجات و هي ( 1- لهجة ديبيژت و تتضمن اللهجات المحلية و مناطق البايزيدية الهكارية، البوتانية، الشمدينانية، البهدينانية،و اللهجة الغربية ولكل لهجة من هذه اللهجات المحلية فروع و شعب قد تضيق مساحة انتشارها و تنحصر في حدود انتشار عشيرة او قبيلة او قرية كاللهجة الزازائية التابعة الى اللهجة الغربية في شمال سوريا.2- لهجة ده ليت و تتضمن اللهجات المحلية و المناطق التالية : السورانية ، الموكرية ،الاردلانية ، السليمانية ، الكرميانية، وهذه بدورها لها فروع و شعب .3- لهجة ماچو و تتضمن اللرية الأصلية ، البختيارية ،المامساتية ،الكوهلرية،اللكية، الكهرية، الكورانية الاصلية ،الهورمانية،الشبكية) .
ممكن ان نستنتج من ذلك على عدم وجود اتفاق بين الباحثين على اصل اللغة الكوردية ، ويؤيد ذلك ،ايضا، قول الباحث " فؤاد حمه خورشيد" ( وكما التبس الأمر على بعض الرحالة و المستشرقين حول اصل اللغة الكوردية و علاقتها باللغة الفارسية، فقد التبس الأمر على بعضهم الآخر في هوية و تعداد لهجاتها و علاقة هذه اللهجات ببعضها وقد أدى ذلك إلى اختلاف وجهات النظر في تقسيم لهجات اللغة الكوردية و تمييزها) وواضح من هذا القول ان اختلاف وجهات النظر لم يقتصر على اصل اللغة الكوردية بل طال،ايضا، هوية و تعداد اللهجات المكونة لها ، بل ذهب البعض الى ابعد من ذلك بالقول بأهلية ، بعض اللهجات الكوردية ، بان تكون لغة مستقلة بذاتها حيث يقول احدهم جوابا لجملة من التساؤلات طرحه ومنها( هل هناك لغة كردية أم لغات كردية؟ و هل يتعلق الأمر بلهجات كثيرة تندرج في سياق لغة واحدة ام بكيانات لغوية مستقلة ذات أرواح متمايزة ؟ و يجيب: ان المعضلة لا تقوم في التسمية بل هي تتعلق بالتفاعل اليومي على ارض الواقع.فماذا نفعل بجماعة كاملة ، يبلغ عدد كل واحدة منها سكان دول برمتها ، لا تستطيع ان تتفاهم فيما بينها؟ و كيف نفسر واقع ان أدباء كل "لهجة" لا يكتبون إلا بها ؟ و كيف تتم ترجمة مؤلفات من اللغة الكردية إلى اللغة الكردية ؟ ( هناك مؤلفات كثيرة مترجمة من السورانية إلى الكرمانجية و بالعكس ،وكذلك الحال فيما يتعلق باللهحات الأخرى) ... ولن أبالغ في القول اذا أشرت إلى ان الكثير من افراد الجماعات الكردية تجهل لغات بعضها و تتفاهم عن طريق لغة ثالثة (يتفاهم السوران و الكرمانج، في العراق باللغة العربية.و تتفاهم الجماعات اللورية والكورانية و غيرها في إيران ، باللغة الفارسية. و يتفاهم الزازائيون و الكرمانج ، في تركيا باللغة التركية ، وهكذا)) ,يضيف أيضا( و يتجاوز الاختلاف القائم بين المجموعات اللغوية الكردية ما هو قائم في أحوال اللهجات حيث يتعلق الأمر بتنوع في طرق اللفظ و تنويعات على الأداء الصوتي و استبدالات محددة للحروف و فروق في وظيفة بعض المفردات . ففي الواقع الكردي يطال الاختلاف التركيبة البنيوية للغة في مستوياتها النحوية و الدلالية . و هناك مجموعات لغوية كردية قريبة جدا ، في البناء و المعنى، من اللغة الفارسية، ولو تبعنا النزعة السائدة تحتم علينا القول ان الفارسية لهجة كردية. ان الهوة القائمة بين اللهجات الكردية هي أوسع بكثير من تلك القائمة بين اللغات السويدية و النرويجية و الدانماركية ،مثلا، و هذه اللغات التي تنهض من أرومة لغوية واحدة هي أشبه بلهجات مناطقية للغة واحدة أكثر بكثير مما تؤلفه اللهجات الكردية) .و الحقيقة ،لا أستطيع تقييم هذه الرأي فيما إذا كانت فيه مبالغة من عدمه ،لعدم إلمامي ،بجميع لهجات اللغة الكوردية ، و لكن بالنسبة إلى اللغة الشبكية ، فيحمل جانبا كبيرا من الصحة ، ولتوضيح ذلك نطرح التساؤلات التالية: باية لغة يتفاهم الشبكي مع الكوردي ؟ هل يتحاور معه باللغة الشبكية؟ و اذا تكلم الشبكي باللغة الشبكية هل يتمكن الكوردي من التحاور معه بلغته ؟ وهل يتمكن الكوردي من فهم المحاور الاساسية ، على الأقل، لحديث دائر،باللغة الشبكية، بين شخصيين من الشبك ؟ في الحقيقة لا يستطيع ان يتفاهمان إلا إذا كان الكوردي يجيد اللغة الشبكية فيتفاهمان باللغة الشبكية ،او ان الشبكي يجيد اللغة الكوردية ، فيتفاهمان باللغة الكوردية وهذا هو الشائع لإجادة الكثيرين من الشبك التحدث بالكوردية ، خاصة اللهجة البهدينانية ، إما إذا لم يتيسر ذلك فلغة التفاهم تكون العربية. اما التفاهم بين شخصيين كرديين لهجة احدهما بهدينانية و الآخر سورانية فالحاجة إلى التفاهم بلغة أخرى تكون منتفية و يستطيعان التفاهم بسهولة ، قد تكون بعض المفردات مختلفة و لكنها لا تكون مانعا من التفاهم او عائقا يحول دون تمكنهما من إيصال فكرة معينة ، و كذلك الحال مع اللهجات العربية ، فالعراقي لا يحتاج الى التحدث باللهجة المصرية كي يتفاهم مع المصري او باللهجة السودانية كي يتحدث مع السوداني ،لان جميعها لهجات من لغة واحدة . أما الاستدلال بوجود مفردات مشتركة بين اللغتين لاعتبار الشبكية لهجة من لهجات اللغة الكوردية فهو استدلال ضعيف لا يقره المنطق السليم لاشتراك معظم اللغات في بعض المفردات ، خاصة تلك المنحدرة من أرومة واحدة ،فكثير من المفردات ، هي ذاتها ، في اللغة الهندية و الفارسية و الكوردية ،و الشبكية ،فايهما الأصل و من أية لغة أخذت الكلمة او المفردة المشتركة بين هذه اللغات ؟ و لو سلما بقياس المفردات المتماثلة في اللغات لاعتبار احدهما لهجة من أخرى لتوصلنا الى ان الشبكية هي لهجة من اللغة الفارسية ، لان مفردات اللغة الفارسية ، في اللغة الشبكية أكثر من المفردات الكردية فيها ،بل ان المفردات التي يدعي بعض الكتاب بانها مشتركة في اللغتين الشبكية و الكوردية هي موجودة ،أيضا، في اللغة الفارسية ،بل ان اللغوين الأكراد عانوا كثيرا في إثبات ان اللغة الكردية ليست لهجة من اللغة الفارسية . اما في يتعلق بطرق اللفظ و الأداء الصوتي فلا أرى تشابها في طريقة اللفظ بين لفظة (ماچو) باللغة الشبكية و( ده ليت ) باللغة الكوردية و كلاهما تعني بالعربية( يقول) كما ان هناك فارقا في سرعة نطق الكلمات ، فاللغة الشبكية تتميز بالبطء في نطق الكلمات .
وقولنا هذا لا يعني ان اللغة الشبكية هي لهجة من اللغة الفارسية . فاللغة الشبكية تختلف ،ايضا عن اللغة الفارسية و لذات الأسباب التي ذكرناها .و لربما تكون اللغة الفارسية القديمة هي مصدر اللغة الشبكية ، و لكن الفروق الحالية و الموجودة بين اللغتين تنفي أن تكون اللغة الشبكية لهجة من لهجات اللغة الفارسية .
نخلص إلى ان اللغة الشبكية تنتمي إلى مجموعة اللغات الآرية الهندوايرانية نشأت و تطورت حالها حال اللغات الأخرى ، وهي لغة مستقلة وليست لهجة من لغات أخرى و تتميز بمفرداتها الخاصة و المتميزة و أسلوب لفظها، على الرغم من احتواءها على المفردات التي تشترك فيها مع اللغات الأخرى ، كالعربية و الفارسية والتركية و الهندية و الكردية،و لهذا الاشتراك مبرراته و أسبابه ، الذي لا يخفى على الباحث اللبيب.
هذه الكتابات عبارة عن فصل مستل من بحث كتبها باحث شبكي بعنوان ( الشبك) و للاسف البحث مكتوب باسلوب (وورد) و ليس ( تكست) كي يمكن نقله و عرضه على صفحات ( موقع بحزاني) كما هو دون فقدان الهوامش و تعليقات الكاتب في عملية النقل ، على امل نشر البحث كاملا بعد تحويله الى اسلوب ( التكست) ، عسى ان تعم الفائدة و يكون موضعا لمناقشات وردود المهتمين بشؤون الشبك للوصول الى فهم كامل لحقيقة من هم الشبك وما هي لغتهم.
لغة الشبك
تعددت الآراء حول لغة الشبك ، بتعدد التوجهات التي ذكرناها في الفصل الأول من هذا البحث بصدد اصل الشبك ، و غالبا ما كان الكتاب ،الذين تناولوا اصل الشبك ،يدعمون آراءهم بالاستدلال باللغة الشبكية و مدى قرب مفرداتها باللغة التي يتكلم بها القوم الذي ينسبون الشبك إليه ، ولا ينكر ، ان اللغة غالبا ما تكون مؤشرا مفيدا عند البحث في أصل الأقوام ، حيث يرى الكثير من الباحثين ، مثلا، أن مقياس التمييز بين السومريين و الاكديين و غيرهم من الأقوام التي كانت تقطن القسم الجنوبي من العراق لا يمكن أن يكون عرقيا بل لغويا ، فيقصد بالاكديين ، القوم الذين كانوا يتكلمون اللغة الاكدية ،و السومريين هم الذين كانوا يتكلمون اللغة السومرية ، كما ان الإغريق و الحيثيين و أقواما هندو ـ آرية ينسب بعضهم إلى البعض الآخر من خلال عائلة اللغات الهندية ـ الاوربية التي كانوا يتكلمون بها ، و من المحتمل أنهم جاءوا من موطن مشترك لهم، رغم سعة المنطقة الجغرافية التي انتشروا فيها. و الحقيقة ان تقارب لغات المشرق عموما و تتداخلها و تأثر ، بعضها بالبعض سهل ،كثيرا ، عملية نسبة اللغة الشبكية إلى لغات المنطقة كالفارسية او الكردية او التركية ، سواء بحسن نية او لتحقيق أغراض معينة ، كترجيح قومية على أخرى في هذه المنطقة ،أو لإذابة و صهر الشبك و إنهاء وجودهم فيها. ومن خلال المصادر القليلة التي اعتمدتها في هذا البحث ، يمكن أن تلمس اتجاهيين رئيسيين حول اللغة الشبكية ،الاول يرى بان اللغة الشبكية ، لغة مستحدثة ، نشأت من خلال تفاعل عدة لغات ، أي لغة هجينة ولدت من عدة لغات و تتضمن مفردات من اللغة الفارسية و العربية و التركية و الكردية مع ترجيح إحدى هذه اللغات ، و اعتبارها المصدر الرئيسي للغة الشبكية ، كاللغة التركية ، لدى بعض الكتاب و الكردية لدى البعض الآخر او دون تحديد المصدر من قبل كتاب آخرين . و الثاني يرى فيها لهجة من اللهجات المحلية للغات أخرى ، أي ينكر كونها لغة قائمة بذاتها ، و أكثر القائلين بهذا الاتجاه هم من القائلين بالأصول الكردية للشبك . وقبل التعليق على الاتجاهين ، لابد من الإشارة إلى حقيقة ان اللغة الشبكية تنتمي إلى مجموعة اللغات الآرية الهندو ـ أوربية ،و التي ،يفترض ، ان تكون متأتية من اصل واحد وهي اللغة التي كان يتكلم بها شعب حضارة قديمة كانت قد انتشرت، من شمال و شرق بحر قزوين، بعد العصر الحجري الحديث ، وفي حدود الألف الخامس ق.م، على مساحة شاسعة من أراضي العالم القديم وكما بدأ بالانتشار أيضا إلى أوربا الشمالية و الغربية ، و بسبب التطور التي يمكن ان يطرأ على لغة انشرت في بيئات متباينة و مناخات مختلفة و عبر حقب زمنية طويلة و موغلة في القدم ظهرت لهجات عديدة و من ثم تباينت الى لغات متعددة تربطها مفردات و سمات تشير الى أصولها المشتركة ،سميت باللغات الهندو اوربية الآرية وقد تفرعت الى مجموعات لغوية و هي ( المجموعة الهندو ايرانية و المجموعة الاناضولية و المجموعة الايطالية و المجموعة الجرمانية و المجموعة الكلتية و المجموعة السلافية) وهذه المجاميع تفرعت بدورها الى مجاميع ثانوية ضمت جميع اللغات الارية المعاصرة ،فيما تفرعت المجموعة الهندو إيرانية إلى مجاميع ثانوية وهي(مجموعة اللغات الدردية و مجموعة اللغات الهندية ومجموعة اللغات القزوينية و مجموعة اللغات الإيرانية) و المجموعة الإيرانية تفرعت إلى لغات ولهجات رئيسية و محلية منها الكردية و البلوشية و السوغديانية و البشتوه و الآفيستا و الإيرانية القديمة . و سواء أكانت اللغة الشبكية لهجة او لغة مستقلة ، يشبه في نشاتها اللغات الأخرى ،فأنها بالتأكيد متأتية من أرومة اللغات الهندوـ إيرانية ، فيما لو صحت التقسيمات المشار إليها .و باستبعاد الأصل التركي للغة الشبكية ، لعدم وجود شبه بين المفردات الأساسية و التركيبة اللغوية و اللفظية بين اللغتين ، على الرغم من وجود مفردات مشتركة كثيرة بين اللغتين ، بسبب عوامل كثيرة منها ،إضافة إلى الأصل المشترك ،التجاور و تأثير آداب الطرق الصوفية و كتبها ،و التي غالبا ما كانت تركية ،رغم مناشئها المتعددة و طغيان الثقافة والتعامل الرسمي باللغة التركية في عموم المنطقة طيلة فترة حكم الإمبراطورية العثمانية ، و إجادة الكثيرين من الشبك ،و خاصة مثقفيهم، للغة التركية و وجود العديد من المنحدرين من أصول تركية بين الشبك و كذلك الحال ،بالنسبة للغة العربية ، وتأثيرات الجيرة و المخالطة و الدين الإسلامي و اعتبارها لغة التفاهم العام في العراق المعاصر، نبقى أمام اتجاهين : الأول ، و يتضمن القائلين بان اللغة الشبكية هي لهجة من اللهجات الكردية ، و الثاني وهم الذين يرجحون اللغة الفارسية كأصل للغة الشبكية ، مع الإقرار بوجود مفردات من لغات أخرى في اللغة الشبكية إلى حد أبعدتها كثيرا من اللغة الفارسية الحديثة.
بالنسبة للاتجاه الأول ، ينكر أصحاب هذا الاتجاه ،كون ،لغة الشبك، لغة مستقلة ،بل يعدونها لهجة من اللهجات الكوردية ، مع اختلاف في تسمية اللهجة الكوردية التي تنتمي إليها الشبكية ،و لتفصيل هذه المسالة ، لابد من بيان أهم التقسيمات المعتمدة للهجات الكوردية لدى الكتاب الذين تعرضوا لهذه المسألة : فقد قسمها البعض استنادا الى المناطق الجغرافية المشغولة من قبل الأكراد او مكان تواجدهم إلى ( اللهجات الشمالية و الشمالية الغربية ،و اللهجات الجنوبية و اللهجات الجنوبية الشرقية) و قسم آخرون اللهجات الكوردية من منطلق المجموعات السكانية الكوردية او القبائل الكوردية الى(اللهجة اللرية و اللهجة الكلهرية واللهجة السورانية و اللهجة الكورانية) في حين اختط آخرون منهجا وسطا بتقسيمها الى ( الكرمانجية الشمالية و الكرمانجية الوسطى و اللرية و الگورانية) أو إلى( الكرمانجية الشمالية و الكرمانجية الوسطى و الكرمانجية الجنوبية و اللهجة الگورانية) ,و ينتقد الباحث احمد شوكت آراء سابقيه و خاصة الباحث "فؤاد حمة خورشيد" بهذا الصدد و يقول ( و الحقيقة أنه ( أي الباحث فؤاد حمة خورشيد) لم يغير شيئا ،فقد فسر الماء بالماء، و يبدو انه كتب بحثه هذا تحت تأثير موقف قومي متشنج ليس الا ، وهذا ما يرفضه المنهج العلمي، فليس هناك من ضير في تسمية لهجة كوردية باسم منطقة جغرافية موجودة في إيران او حتى طاجكستان او باكستان.. و ان تقسيم اللهجات الكوردية الى ثلاث لهجات كرمانجية و لهجة گورانية هو خروج عن الواقع والحقيقة الجغرافية و الصوتية و الدلالية ) و يرى ان تصنيف اللهجات الكوردية يجب ان يكون وفقا لما يميز كل لهجة من صوت او اكثر و تحولات هذا الصوت من لهجة الى اخرى و ينتهي بتقسيم اللغة الكوردية إلى ثلاث لهجات و هي ( 1- لهجة ديبيژت و تتضمن اللهجات المحلية و مناطق البايزيدية الهكارية، البوتانية، الشمدينانية، البهدينانية،و اللهجة الغربية ولكل لهجة من هذه اللهجات المحلية فروع و شعب قد تضيق مساحة انتشارها و تنحصر في حدود انتشار عشيرة او قبيلة او قرية كاللهجة الزازائية التابعة الى اللهجة الغربية في شمال سوريا.2- لهجة ده ليت و تتضمن اللهجات المحلية و المناطق التالية : السورانية ، الموكرية ،الاردلانية ، السليمانية ، الكرميانية، وهذه بدورها لها فروع و شعب .3- لهجة ماچو و تتضمن اللرية الأصلية ، البختيارية ،المامساتية ،الكوهلرية،اللكية، الكهرية، الكورانية الاصلية ،الهورمانية،الشبكية) .
ممكن ان نستنتج من ذلك على عدم وجود اتفاق بين الباحثين على اصل اللغة الكوردية ، ويؤيد ذلك ،ايضا، قول الباحث " فؤاد حمه خورشيد" ( وكما التبس الأمر على بعض الرحالة و المستشرقين حول اصل اللغة الكوردية و علاقتها باللغة الفارسية، فقد التبس الأمر على بعضهم الآخر في هوية و تعداد لهجاتها و علاقة هذه اللهجات ببعضها وقد أدى ذلك إلى اختلاف وجهات النظر في تقسيم لهجات اللغة الكوردية و تمييزها) وواضح من هذا القول ان اختلاف وجهات النظر لم يقتصر على اصل اللغة الكوردية بل طال،ايضا، هوية و تعداد اللهجات المكونة لها ، بل ذهب البعض الى ابعد من ذلك بالقول بأهلية ، بعض اللهجات الكوردية ، بان تكون لغة مستقلة بذاتها حيث يقول احدهم جوابا لجملة من التساؤلات طرحه ومنها( هل هناك لغة كردية أم لغات كردية؟ و هل يتعلق الأمر بلهجات كثيرة تندرج في سياق لغة واحدة ام بكيانات لغوية مستقلة ذات أرواح متمايزة ؟ و يجيب: ان المعضلة لا تقوم في التسمية بل هي تتعلق بالتفاعل اليومي على ارض الواقع.فماذا نفعل بجماعة كاملة ، يبلغ عدد كل واحدة منها سكان دول برمتها ، لا تستطيع ان تتفاهم فيما بينها؟ و كيف نفسر واقع ان أدباء كل "لهجة" لا يكتبون إلا بها ؟ و كيف تتم ترجمة مؤلفات من اللغة الكردية إلى اللغة الكردية ؟ ( هناك مؤلفات كثيرة مترجمة من السورانية إلى الكرمانجية و بالعكس ،وكذلك الحال فيما يتعلق باللهحات الأخرى) ... ولن أبالغ في القول اذا أشرت إلى ان الكثير من افراد الجماعات الكردية تجهل لغات بعضها و تتفاهم عن طريق لغة ثالثة (يتفاهم السوران و الكرمانج، في العراق باللغة العربية.و تتفاهم الجماعات اللورية والكورانية و غيرها في إيران ، باللغة الفارسية. و يتفاهم الزازائيون و الكرمانج ، في تركيا باللغة التركية ، وهكذا)) ,يضيف أيضا( و يتجاوز الاختلاف القائم بين المجموعات اللغوية الكردية ما هو قائم في أحوال اللهجات حيث يتعلق الأمر بتنوع في طرق اللفظ و تنويعات على الأداء الصوتي و استبدالات محددة للحروف و فروق في وظيفة بعض المفردات . ففي الواقع الكردي يطال الاختلاف التركيبة البنيوية للغة في مستوياتها النحوية و الدلالية . و هناك مجموعات لغوية كردية قريبة جدا ، في البناء و المعنى، من اللغة الفارسية، ولو تبعنا النزعة السائدة تحتم علينا القول ان الفارسية لهجة كردية. ان الهوة القائمة بين اللهجات الكردية هي أوسع بكثير من تلك القائمة بين اللغات السويدية و النرويجية و الدانماركية ،مثلا، و هذه اللغات التي تنهض من أرومة لغوية واحدة هي أشبه بلهجات مناطقية للغة واحدة أكثر بكثير مما تؤلفه اللهجات الكردية) .و الحقيقة ،لا أستطيع تقييم هذه الرأي فيما إذا كانت فيه مبالغة من عدمه ،لعدم إلمامي ،بجميع لهجات اللغة الكوردية ، و لكن بالنسبة إلى اللغة الشبكية ، فيحمل جانبا كبيرا من الصحة ، ولتوضيح ذلك نطرح التساؤلات التالية: باية لغة يتفاهم الشبكي مع الكوردي ؟ هل يتحاور معه باللغة الشبكية؟ و اذا تكلم الشبكي باللغة الشبكية هل يتمكن الكوردي من التحاور معه بلغته ؟ وهل يتمكن الكوردي من فهم المحاور الاساسية ، على الأقل، لحديث دائر،باللغة الشبكية، بين شخصيين من الشبك ؟ في الحقيقة لا يستطيع ان يتفاهمان إلا إذا كان الكوردي يجيد اللغة الشبكية فيتفاهمان باللغة الشبكية ،او ان الشبكي يجيد اللغة الكوردية ، فيتفاهمان باللغة الكوردية وهذا هو الشائع لإجادة الكثيرين من الشبك التحدث بالكوردية ، خاصة اللهجة البهدينانية ، إما إذا لم يتيسر ذلك فلغة التفاهم تكون العربية. اما التفاهم بين شخصيين كرديين لهجة احدهما بهدينانية و الآخر سورانية فالحاجة إلى التفاهم بلغة أخرى تكون منتفية و يستطيعان التفاهم بسهولة ، قد تكون بعض المفردات مختلفة و لكنها لا تكون مانعا من التفاهم او عائقا يحول دون تمكنهما من إيصال فكرة معينة ، و كذلك الحال مع اللهجات العربية ، فالعراقي لا يحتاج الى التحدث باللهجة المصرية كي يتفاهم مع المصري او باللهجة السودانية كي يتحدث مع السوداني ،لان جميعها لهجات من لغة واحدة . أما الاستدلال بوجود مفردات مشتركة بين اللغتين لاعتبار الشبكية لهجة من لهجات اللغة الكوردية فهو استدلال ضعيف لا يقره المنطق السليم لاشتراك معظم اللغات في بعض المفردات ، خاصة تلك المنحدرة من أرومة واحدة ،فكثير من المفردات ، هي ذاتها ، في اللغة الهندية و الفارسية و الكوردية ،و الشبكية ،فايهما الأصل و من أية لغة أخذت الكلمة او المفردة المشتركة بين هذه اللغات ؟ و لو سلما بقياس المفردات المتماثلة في اللغات لاعتبار احدهما لهجة من أخرى لتوصلنا الى ان الشبكية هي لهجة من اللغة الفارسية ، لان مفردات اللغة الفارسية ، في اللغة الشبكية أكثر من المفردات الكردية فيها ،بل ان المفردات التي يدعي بعض الكتاب بانها مشتركة في اللغتين الشبكية و الكوردية هي موجودة ،أيضا، في اللغة الفارسية ،بل ان اللغوين الأكراد عانوا كثيرا في إثبات ان اللغة الكردية ليست لهجة من اللغة الفارسية . اما في يتعلق بطرق اللفظ و الأداء الصوتي فلا أرى تشابها في طريقة اللفظ بين لفظة (ماچو) باللغة الشبكية و( ده ليت ) باللغة الكوردية و كلاهما تعني بالعربية( يقول) كما ان هناك فارقا في سرعة نطق الكلمات ، فاللغة الشبكية تتميز بالبطء في نطق الكلمات .
وقولنا هذا لا يعني ان اللغة الشبكية هي لهجة من اللغة الفارسية . فاللغة الشبكية تختلف ،ايضا عن اللغة الفارسية و لذات الأسباب التي ذكرناها .و لربما تكون اللغة الفارسية القديمة هي مصدر اللغة الشبكية ، و لكن الفروق الحالية و الموجودة بين اللغتين تنفي أن تكون اللغة الشبكية لهجة من لهجات اللغة الفارسية .
نخلص إلى ان اللغة الشبكية تنتمي إلى مجموعة اللغات الآرية الهندوايرانية نشأت و تطورت حالها حال اللغات الأخرى ، وهي لغة مستقلة وليست لهجة من لغات أخرى و تتميز بمفرداتها الخاصة و المتميزة و أسلوب لفظها، على الرغم من احتواءها على المفردات التي تشترك فيها مع اللغات الأخرى ، كالعربية و الفارسية والتركية و الهندية و الكردية،و لهذا الاشتراك مبرراته و أسبابه ، الذي لا يخفى على الباحث اللبيب.